الركوب بالدور
قال الحكيم :
-
أكاد أقول لك كفى . لا أريد أن أفجع فى الحب ونحن
نقترب من الزواج، أنا شاب
فى مقتبل عمرى، أريد أن أستمتع بالحب حتى وأنا مغمض العينين .
قال الحكيم :
-
ولكن حديثنا كله حب، الحب هو طاقة التطور، هو أغنية الحياة
فمم تخاف ؟
قال الفتى :
- حكمتك التى تهز كل الأشياء جعلتنى أتوجس منك، فما لمست شيئا إلا تحطيم .
قال الحكيم :
-
لو كان أصيلا ما تحطم، إنما تسقط القشرة البالية التى ستقع
يوما لا محالة. أما الجوهر فهو ثابت وأصيل ومتجدد أيضا، فلا تندم
على ما يقع من مجرد هزة، فإنما نحن نعجل بما هو حتمى ... ليس إلا.
قال الفتى :
-
كلامك مقنع، ولكنى مازلت أتمنى ألا نسكب الماء البارد على قلوب
غضة تنبض بالدفء مع كل همسه غرام، لا أريد أن تدمى الأصابع
الرقيقة التى تتلامس فى لهفة حانية، بأشواك الحقيقة، لا أريد أن
أعرف . . أنا شاب مثل الشباب فدعنى أفتح عينا وأغمض أخرى .
قال الحكيم :
-
أنت الذى سألت وألححت ومشيت معظم الطريق، وما أنا إلا
مرافقك، المستقبل مستقبلك، والاختيار اختيارك .
قال الفتى :
ألا يكفى ما قطعنا
من شوط، لهثت فيه وراءك وكادت عيناى تغشيان من شدة الضوء .
قال الحكيم :
-
المسيرة لا تنتهى إلا بالوصول إلى الهدف، وعبادة صنم واحد مثل عبادة ألف صنم.
قال الفتى :
-
ليس لى
إذاً خيار
قال الحكيم :
-
الرجوع دائما محتمل، ولكن كيف تنسى ؟
قال الفتى :
وحتى لو، أغمضت عينى , فالمنظر فى خاطرى
يملؤ وجدانى ولا يبرح عقلى، هات ما عندك، وليسقط الخوف والتردد . . ولكن رفقا
بالحب .
قال الحكيم :
-
يا بنى . لقد امتهن هذا اللفظ، مثل كثير من الألفاظ، حتى فقد
معناه، ونحن لا نحطمه، وإنما نعيد له معناه الأصيل .
قال الفتى :
هاتها ولا تتردد، فقد
اخترت الطريق حتى النهاية .
. . .
قال الحكيم :
-
جاءتنى تشكو مرضا عاديا يعالج عادة بالأسبرين والشاى، جاءتنى تشكو الصداع
قال الفتى :
-
الصداع ؟! حتى الصداع . يهدد الكيان القائم وينذر بالزلزال
قال الحكيم :
- يقولون أن الصداع ألم بالرأس، ويضروبون ويطرحون ويقسمون،
ويربطون الظواهر ببعضها ويستنتجون، وإذا جاء مريض بعد ذلك يصف
وصفا لم يسمعوا عنه، قالوا مبالغ يتخيل، مع أنك لو دققت النظر فى هذا الألم الذى بالدماغ عند كل مريض لوجدت أن كل فرد يختلف عن الآخر، ولوجدت أن
أجزاء الرأس التى تتألم تتنوع بتنوع المحتوى , بل إن مسار
الألم يختلف، فضلا عن نوعه، وقد وصفوا ذلك كله فيما يتعلق
بالتهاب الجيوب الأنفية وارتفاع ضغط العين، ولكنهم لم ينتبهوا بالقدر الكافى لالتهاب
الجيوب الفكرية وزيادة ضغط المجتمع، مع أن القصة كلها فى الدماغ، والثورة فى
خلايا المخ، وصراع التيارات المتضاربة تسرى كالكهرباء أو هى
الكهرباء فى دوائر خاصة: سوف تتحدد لا محالة .
قال الفتى :
-
تريد أن تضع كل هذه الحكمة فى سجن الخلية العضوية
.. فى المخ ؟
قال الحكيم :
-
أنا لا أضع شيئا ولا أنزع شيئا، وإنما الحياة بدأت فى
الخلية، وكل ما ليس فى خلية ليس فيه حياة، ولا يمكن أن ننكر على
الإنسان بعد مئات الملايين من السنين حق خلاياه فى أن تكون
مصدر الحياة لمجرد جهلنا بالتفاصيل، وكما تعلم فإن قمة تطور
الخلايا هى مخ الإنسان .
قال الفتى :
-
كنت أحسب أن وضع الحكمة فى الخلايا جزء من بدعة الميكنة والتكنولوجيا
قال الحكيم :
-
بل هو تسخير للميكنة والتكنولوجيا لخدمة الحياة.
قال الفتى :
-
والحب أيضا ... فى الخلايا إياها ؟
قال الحكيم :
-
هل نسيت أن الحب هو الحياة؟
قال الفتى :
-
لم أنس، ولكن الكلام النظرى يحدث لى صدعا، فلنرجع إلى صداع
المرأة التى جاءتك تشكو، فقد اشتقت لمعرفة الحكاية.
. .
.
قال الحكيم :
جاءتنى تشكو الصداع
قالت :
- ليس صداعاً مثل الصداع، ولكنه شئ صرخ فى مؤخرة رأسى وجذبنى فى اتجاه قفاى حتى كاد يطرحنى على ظهرى، هكذا
خيل إلى ثم أحسست ببرودة تسرى فى نفس المكان من مؤخرة الرأس ثم سرت فى جسمى كله، وتغيرت بعد ذلك الأشياء.
- كيف ؟
-
لست أدرى كيف، ولكن الأمور اختلفت .. هكذا، ولا أستطيع
أن أصف لك من ذلك، المهم خلصنى من الصداع .. ثم .. ربما
تعدلت الأمور المقلوبة، حدث شئ
لا أدرية بظهور الصداع، ولربما إذا اذهب الصداع ذهب
الشئ، وهناك سأقول لك شكراً، وبالتالى لا أرهق الألفاظ بمعان لا أعرف كيف أصفها،
ولا أرهقك بأحداث لن تفهمها، هات مهدئاتك وأقراصك فقد ملأت
أمعائى بالأسبرين والنوفالجين .. ولا
فائدة.
- الصداع مظهر لما
حدث . . . فماذا
حدث؟
- أنا لا أعرف ماذا حدث ... ولست على استعداد للكلام فيما حدث لأنه لم يحدث شيئ
. . . عندى صداع فلا تزدنى صداعا بأسئلتك، لقد ترددت مائة مرة قبل أن أحضر إليك، ويبدو أن ما قالوه عنك حقيقة فعلا، يبدو
أنك تحاول أن تقلب رأسى بالبحث.
عن أوهام فى رأسك
ليس لها أساس إلا عند شيخكم المعقد، حياتى كلها "عال"، لم أعشق والدى ولم أشعر بالغيرة من أمى , وتزوجت
عن حب وأقوم بواجباتى على خير وجه، وأولادى متفوقون بالمدارس وكل شئ على ما يرام .
- إذاً لماذا جاء الصداع ... هكذا
فجأة ؟ ولم يذهب
-
يا سبحان الله ! أنا أسالك أم أنت تسألنى
-
أنا لا أسأل ... ربما أتساءل
-
إما أن تعطينى عقارا من عقاقيرك وإما أن أنصرف
- أعرف بعض التفاصيل حتى أحدد العقار المناسب.
-هكذا
؟ نعم . .
-
هل الصداع موجود بنفس الشدة طول الوقت ؟
- كان
الألم فى أول الأمر مثل سيخ بارد رشق فى رأسى من الخلف، وتغير الأمر بعد ذلك، فهو شعور مكتوم تغير ; كأن شيئاً يمشى فى رأسى , كأنه الهمس، كأنه التنميل كأنه اللسع،
كأنه ثقل بالداخل يتحرك فى حيز ضيق، كأن شيئاً يسرى فى غير اتجاه كأنى لست أنا، كأنى عندى صداعاً.
ليس كالصداع
-
والنوم ؟
-
مرة ثانية تستدرجنى ... وسأجيب عن النوم أما الأحلام فهذا سرى الخاص،
جئت أعالج بالعقاقير فالنوم من حقك والأحلام خاصة بى، فليكن
. .، أنا أنام، لا ليس نوما هذا الذى يحدث، ليس مثل
زمان، أنا أموت، أعنى أنه نوم كالموت، أنا مستيقظة.
أحس أن القوة فى
مؤخرة رأسى تجذبنى إلى السرير من الخلف، وحين أنام أذهب إلى عالم سحيق لا قرار له، وحين أستيقظ
أقوم وقد حملت على صدرى الهرم الأكبر، ولكن هل هذا استيقاظ ؟
- إذاً ماذا ؟
-
لست أدرى . . اختلط
النوم باليقظة، وكأن النوم
موت واليقظة نوم، أما اليقظة الأخرى , أعنى الحياة فهى . . . أين
هى ؟ هل أنا حية .. أعوذ بالله، يكفى هذا . . ربما هو الصداع . . . ربما شملنى حتى لم أعد أشعر بالأشياء بنفس الدقة، هذا يكفى
وأعطنى عقاقيرك ... أو أنصرف فورا.
. .
.
وأخذت العقاقير العظيمة
.
. . .
-
كيف الحال ؟
-
الحمد لله.
-
بمعنى ؟
-
يعنى لا بأس.
- أريد أن أعرف . . . حتى نحدد الخطوة التالية
-
مازلت أخاف الخطوة التالية . . . كل شئ توقف ولا أريده أن
يتحرك .
- لا أقصد . . وإنما
أعنى نزيد العقاقير أو ننقصها . . أو نغيرها مثلا .
-
وماذا فعلت العقاقير ؟
- وهذا هو سؤالى.
-
الصداع أحسن.
-
وبقية الأعراض ؟
-
ليس للأعراض بقية.
- إذا نستمر.
- إذاً ماذا ؟ ولكن هذه هى المشكلة . . لم أعد أستطيع
الاستمرار.
-
نستمر على العقاقير.
-
آه . . على العقاقير ربما . . ولكن الحياة ؟
-
مالها ؟
-
كيف تستمر هكذا.
- مادام
الصداع أحسن.
-
نعم ؟ تتحدث مثلما كنت أتحدث أنا فى المرة السابقة.
-
أكلمك بلغتك.
-
وماذا فعلت لغتى.
-
أنت تريدين هذا.
-
عليك أنت أن ترفضه.
-
ما فائدة رفضنى أنا.
-
تساعدنى على نفسى.
-
بالعافية؟
-
نعم .
-
تثقى بى أولا.
-
حصل . . . أول كاد.
-
ثم نعرف ماذا جرى .. . . وماذا يجرى
-
قد أعرف ماذا جرى . . وعليك أنت أن تقول لى ماذا يجرى
-
ماذا يجرى ؟
. . .
-
أصبحت حياتى بين النوم والموت، أصحو وكأنى أنام، وأنام وكأنى
أموت، اختلط النوم بالموت واختفت الحياة.
-
ماذا حدث . . . ذلك اليوم ؟
-
لم يحدث ذلك . . ذلك اليوم . . ولكنها أيام وليال وشهور سابقة،
أما ذلك اليوم فهو يوم انهيار البناء المتصدع، بدأ التصدع من
سنوات : قل ثلاثة
أو خمسة، لم تكن الرؤية
واضحة ثم انهار كل شئ.
- . . . أى شئ ؟
- انهار شئ ما كان
قائما . . صورة أو تركيبة أؤ بناء سقط .
فجأة . . حدث ذلك إثر حادث عادى . . التواء فى مفصل
القددم اضطر زوجى أن يضع رجله فى الجبس ثلاثة أسابيع
- ثلاثة أسابيع فقط ولكنها كانت كافية، كان
البناء متصدعاً بما فيه الكفاية
- لا أكاد أتتبعك . . عم تتحدثين ؟
- عن زوجى
- ماله ؟
- وضع قدمه فى الجبس
- إذاً ماذا؟
- رأيته من الداخل
- ثم ماذا؟
- فجعت . . فى . .
- فى ماذا . . . لماذا ؟
- فى كل ما كان . . بدا ضعيفا حتى
لم أعرفه، كان العجز والاستجداء معاً، أثار شفقتى فلم أعرفه، لا ليس هو، ولست أنا، دارت
رأسى ولم أصدق، ضباب كثيف، ثم أفكار تجرى وراء بعضها، وعلامات
استفهام بلا سؤال، كأن عينا انفجرت من تحت الأرض تحمل ألفاظاً وحروفاً ومشاعر من كل الأنواع . . . لا أكاد أميزها، يومين
كاملين كنت كالمسحورة أو التائهة، كنت أحاول أن أستجمع غبائى
كله حتى لا أفهم، كنت أربط رأسى حتى أغطى عينى ربما حجبت عنها
الرؤية ... ثم ... ثم اخترق رأسى ذلك السيخ البارد . وتغير
طعم الأشياء، وتحدد الصداع، وجئت لك .
-ولكن كيف بدأت الحكاية
-الظاهر أنه لا بد أن أحكى لك من الأول . . حكايتى أنا...