كبيرهم
قال الحكيم:
جاءنى شيخا متهالكا لا
يكاد يقوى على المسير، وعلاج الشيوخ عندى مشكلة ليس لها علاج ، ولى من
الزملاء من يحب هذا النوع من التطبيب ، وله فى ذلك فلسفة
هادفة ; إنسانية وكريمة ، وأنا أشفق على الشيخ حين يتحطم وأسير
بجواره يتكيء على كما يتكيء على عصاه حتى يأن الله فى أمره ،
ولكنى لا أعتبر ذلك علاجا بالمعنى الذى أمارسه ، فالعلاج عندى
هو التحول والثورة والطفرة وإعادة البناء والتجديد والاستمرار ،
ولكن هذا الشيخ بالذات كان شابا فى ثورته وإذا كنت غير
واثق ماذا يفعل به الغد .
قال الفتى :
وهل للثورة ميعاد وتوقيت ؟
قال الحكيم :
الثورة هى الشباب ، وهى
تبدأ بالرؤية الحادة الأمينة ، والرفض والسخط والاحتجاج، ولكنها ليست ثورة ما لم يصبح
الرفض فعلاً، والسخط مسئولية، والاحتجاج تغيراً.
قال الفتى:
ولكنك تقول أن هذا
الشيخ كان شابا فى ثورته .
قال الحكيم:
عندك حق ، خطأتنى يا
فتى ، كان ينبغى أن أقول أن هذا الشيخ كان شاباً فى رؤيته لا فى ثورته ، لأن الثورة شيء ، ولكن
الرؤية دون ثورة هى ألم الضياع وإفزاعه، وربما كان هذا السبب
هو الذى يجعلنى أتردد أمام علاج ثورة الشيوخ الشباب، فكم
بقى لهم فى العمر حتى يجعلنى أعرضهم لآلام المخاض، وكم فى الغد
ينتظر بعد طول الخداع، أنا أشفق عليهم وقد أحاول أن أساعدهم
فى إغماض عيونهم حتى لا يمارسون ألم الرؤية بلا فاعلية، وقسوة
الصحوة بلا مسيرة، وانهيار القديم بلا بديل .
قال الفتى:
ومع ذلك تحكى لى قصة
صديقنا الشيخ من ضمن حكاياتك التى تعلمنى بها الحكمة.
قال الحكيم:
أنا أحكى لك ولا أحكى له، أنا
أتكلم عن الشيوخ للشباب، ولكنى لا أستبعد وجود شيخ ثائر يستطيع الاستمرار، على أن
يكون قد بدأ المسيرة من زمان - ولو نظر الشباب إلى من
سبقوهم فى طريق الخداع وحاولوا أن يغوصوا فى أعماقهم ليعرفوا
مدى تحقيقهم لأهدافهم لا تعظوا قبل أن يفوت الأوان ، ومهما خافوا الألم يهدد سكينتهم الراكدة فهم
سيعلمون هول المصير الكالح ممن سبقهم ، لذلك فهم لا بد سيثورون
فى الوقت المناسب مهما كلفهم ذلك من مشقة.
قال الفتى:
-
أخالك تصعب عليهم الحياة.
قال الحكيم:
-
ليس عندى بين الأبيض والأسود ظلال، إما أن نحيا أو لا
نحيا، ليستسلم من شاء، وليخالف من شاء وليتردد من شاء، ولكن الذى سيستمر هو الذى
سيختار الحياة ليوقف التدهور.
قال الفتى:
- ولكن الناس كلهم
يختارون الحياة .
قال الحكيم :
-
هم يختارون البقاء سواء كان بقاء فيه حياة لها صفات
الإنسان أم كان بقاء يماثل بقاء أولاد عمومتنا القردة، يرتضون
الحياة التى تشكلت ولكنهم لا يشكلونها، هم يتسابقون فى حجرة
مغلقة مبطنة بالكاوتشوك الطرى فلا يتآلمون، ولكن الحياة التى
أعينها هى الصراع للتطور وليس فقط المحافظة على البقاء.
قال الفتى:
وكأنك تريد القضاء على
الإنسان فى مقابل وهم رأسك تزعم أنه ممكن .
قال الحكيم :
أنا لا أزعغم شيئا ولا أتوهم خيالا ، ولكن قانون الحياة فرض على
أن أكون فى موقع من المعركة هو المقدمة، على خط النار، وأنا
أرى الصراع الممثل فى المرض النفسى يمثل صراع الإنسان مع أجداده الحيوانات الذين يحملهم بين خلاياه ،
فالانسان يحمل كل آثارة القديمة وكل الصفات التى ورثها عن
أجداده جميعاً، إلا أنه يتحكم فيها ويوجهها لتخدم صفاته
الإنسانية، وهذه الآثار القديمة تثور عليه حين ينساها فيكون
المرض ، لذلك أنا لا أملك أن أزعم شيئا خاصا لنفسى، وإنما
وجودى على خط النار يلزمنى بترجيح الغد على الأمس ، على أن
يستمد الغد قوته من طاقة الأمس ، فيصبح إنسان اليوم وحدة
متكاملة متناسقة تخدم مرحلة التطور الحالية : لا تنسى التاريخ وهى
تصنع المستقبل ، وقد كنت فى أول رحلتى مع النفوس المتصدعة
أتصور أن الطبيب ينبغى ألا يتصور نفسه مصلحاً اجتماعياً، ولكن بعد فترة وجدت ذلك امتهانا لانسانيتى ، فلا يمكن أن تأتينى الثورة حتى عندى وأنا أتفرج عليها ...
أحجم عن توجهها للغد .. لا لقد قررت أن أعيش ، وأن أشارك ، وأن أرجح كفة
الغد.
قال الفتى:
فأنت تفرض معتقداتك
على المرضى أو قل على الثائرين ... سمهم كما تشاء .
قال الحكيم :
بل هم الذين علمونى معتقداتى ، هم الذين جعلونى أومن بالانسان وبالغد ، وهم الذين فرضوا على التطور
من "مطبطاتى" إلى إنسان يضع خبرته وعواطفه مع التطور مهما كلفه ذلك من جهد.
قال الفتى:
لن ينته النقاش . . فحدثنى
عن كبير الأصنام ، الذى حطم كل القيم زائفة أم حقيقة - ثم
تحطم.
***
قال الحكيم :
جاءنى شيخا متهالكا انطفأ فيه كل
شيء ، لونه أقرب إلى الزرقة، وعيناه كقطعة من حجر
الجير، وذقنه فى صدره، وبقايا شعره نافرة على صلعته مثل
الشعيرات المتناثرة أعى كوز ذرة جاف فى يوم قائظ .
قلت: أهلا
فارتفع حاجبيه واهتزا
ولم يرد .
قلت: ليس
بعد.
وانتبه أكثر.
***
قلت: ربما
قال: ماذا ؟
قلت: أهلا
قال: بكم
***
وبعد عقاقير عظمية
وأيام مظلمة وصبر وإلحاح، ضغط على يدى ذات يوم وهو يصافحنى،
فشجعنى كل ذلك .
***
قلت: ما هى الحكاية.
قال: هى حكاية النهاية قبل البداية، فى الوقت الذى كنت
أحسب أنى اقتربت من البداية لأسمع بكل ما كان جاءت النهاية
فجأة وبغير حساب، كل شيء عندى بالحساب بدأت عصاميا وحسبتها
ونجحت، لم تخب حساباتى أبدا، ولكنى لم أضع ما حدث هذا فى
الحساب، كنت دائما أؤجل البداية حتى جاءت النهاية قبل البداية،
هل تفهم؟
قلت: أسمع . . وأحاول . .
قال: ولكن الكلام متعب . . الذكريات تمر بفكرى بالرغم منى،
أريد أن أنسى ولا أستطيع، ألا يكفى ما حققنا .. لقد أصبحت
أنام أحسن، ومعدتى تتقبل بعض الطعام، وتتحرك أصابعى على مسبحتى
ربما تحاول أن تذكر الله أو تستغفر، أو هى تجذب انتباهى
بعيدا عن أفكارى، ألا يكفى هذا وشكرا.
قلت: لا شكر على الواجب.
قال: إذا فهو الواجب ... وقد حسبت أنى وجدت من يفهمنى،
أنت تفعل الواجب فحسب، سواء كان من أمامك إنسان أم جماد،
فى الأول حسبت أن الأمر غير ذلك، حسبت أنه حب وليس واجبا.
قلت: ولكن الواجب ليس
مفروضا من الخارج، الواجب اختيار أصلا، وأنا اخترت أن أكون
بجوارك، ومن واجبى على نفسى أن أعيش إنسانا .. هذا ما
عنيته فلا داعى للشكر .
قال : لا أستطيع أن أكتفى بهذا التحسن وأسكت، لا أستطيع
أن أعيش مع أفكارى وحدى , أنا فى حاجة إلى إنسان يسمعنى حتى ولو لم يصنع لى شيئاً، أريد إنسانا يفهمنى من وجهة نظر أخرى , أنا لا
أجد من يفهم، كلما حكيت عن النجاح انبهروا بما حققت ونسونى
تماما ,وربما هزأوا بى وشكوا فى عقلى , أو ربما تصوروا أنى
طماع لا أحمد النعمة وكل منهم يقول "ما أغباه هذا الساخط، فليعطنا ثروته وسوف يرى على وجوهنا
السعادة التى يفتقرها، سوف نعلمه كيف يعيش ..." وترتفع الحواجب وتمصمص الشفاة وينحبس الكلام فى حلقى، فهل أنت مثلهم .
قلت : ماذا وجدت ؟
قال : وجدتك مختلفا، ولكنى أخشى المنطق العام والسخرية، ولكنى
مرضت فمن حقى أن أتكلم بمنطق خاص ومن واجبك ألا تسخر، أمرى
إلى الله
سأتكلم:
. . .
قال والدى: "أنت مش نافع"، وقالت أمى:
"والله ما انت فالح"،
قال والدى: "هذه ذقنى : إن كنت مازلت حيا تبصق عليها،
وإن مت تتبول على قبرى لو فلحت"
وفشلت . .
لم أنجح فى أن أعرف
أين تقع "ألبانيا"، ولا مصير الأكسجين مع الشمعة داخل الكوب المقلوب فى الماء، ولا
متى مات الاسكندر الأكبر، ولا مقدار المسافة التى تتركها فى
الشتاء بين قضبان السكة الحديد لكى تتمدد فى الصيف .
وفشلت فى أن أدخل الجامعة لأصبح رئيس الانشاءات فى وزارة الرى مثل أخى
"ممتاز" أو مستشارا فى مجلس الدولة مثل أخى "عبد القوى" فشلت وجربت المهانة والرقاعة والانحلال، وتخلى عنى
الجميع .
وجربت نفسى فى أكثر
من مهنة حتى احترفت الجريمة بعض الوقت، لم يحكم على , ولكن ليلتين فى
السجن كانتا كافيتين للعدول عن هذا الطريق، فضلت السرقة
المشروعة والضحك على ذقون البسطاء، عن السرقة الرسمية والتعرض
لقهر القانون .
ووجدت البسطاء فى القرية
المصرية، ولما عضنى الجوع ركبت عجلة بصندوق وعملت موزعا
بالعمولة قومسيونجى لمصنع "صابون الوحش"، كنت فى أشد الحاجة لأى قرش يحمينى من الجوع. ويرضى "مزاجى" أيضا، وكان صاحب المصنع خواجة، له عين
واحدة كعين الصقر والأخرى من الزجاج، وكنت أركب العجلة ذات
الصندوق وألف على البقالين فى القرى المجاورة، كنت أسرق وأغالط
الخواجة والبقال على حد سواء، ولكنى كنت أوزع أضعاف ما يفعل
الباقون، أنا لا ينقصنى الذكاء، ولكنه ذكاء خاص لا يقاس
بالقدرة على حشر المعلومات فى الدماغ ثم تقايؤها على ورقة
إجابة، ذكائى يمكن أن يقاس بمقياس جديد : القدرة على اللعب
بالبيضة والحجر، لماذا يا سيادة الطبيب لا تخترعوا هذا الاختبار وتسمونه مثلا ذكاء المكسب أو ذكاء "الجدعنة" أو "القدرة على التهليب"، سجل
هذا الاقتراح من فضل واحتفظ لى بحق
النصف فى استغلاله، هل تحب أن تسمع التفاصيل .
-
أنا أسمع كل شئ .
- تعطى المختبر بيضة وحجرين فى حجم البيضة وشكلها، وتجعله يقف بهما فى الهواء بين يديه الاثنين على الا يكسسر الجحر
البيضة،
وتقيس الوقت بساعة
إيقاف لتعرف أطول مدة يمكن أن يستمر فيها فى اللعب، وبعد ذلك تطلقه بعدة دست من إبر
الوابور والغلايات فى إحدى القرى التى يسكنها ناس طيبون وتحسب المبلغ الذى جمعه فى يوم وتضرب
الزمن الأول فى كمية النقود يطلع لك مقدار العمر النقدى
فتقسمه على "العمر الدراسى" وتضربة فى مائة . . فتكون النتيجة "معامل الفهلوة" .
- يبدوأن ذهنك صفى .
- طول عمرى ذهنى صاف
قبل هذا الكابوس اللعين، ولكن صفاء الذهن لم ينقذنى من مصيرى ,
كان ذكائى سلاح ذو حدين، على وعليهم . . وهذه هى النتيجة.
. . .
خلع الخواجة عينه
الزجاجية ومسحها ووضعها مكانها، ثم ضيق عين الصقر كأنه ينظر
فقط
عبر الزجاج وقال:
-
أنا أعرف . . ولكنك ذكى .
-
تعرف ماذا؟
-
أنت تسرقنى . . ولكنى أنا الكسبان .
-
لا سبيل إلى المداراة. . ولكن علمنى .
-
المهم أن تكون العملية رابحة
-
أهذا هو المهم ؟
-
طبعا
-
اتفقنا
- فهل تعمل معى ؟
-
ما دام هذا
هو المهم قد اتفقنا .
. . .
واتفقنا .
. . .
وصعدت الدرج، ووجدت
نفسى، وتيقنت أنه بالنصب المشروع يمكن أن يكون الإنسان شيئا ما . , وحين يجد الإنسان نفسه بأى وسيلة مهما تكن تافهة أو خاطئة أو صورية فإن هذه الوسيلة تصبح هى
حياته، إنه يصبح هذا الشئ الذى أشعره بوجوده، أنكرنى أبى وأنكرتنى
أمى وأنكرنى الناس وتعرضت للسجن وللجوع، وأنقذنى القرش، إذا فالشئ الوحيد
الذى رد إعتبارى هو القرش، إذاً فأنا هو القرش، وقد
علمنى الخواجة الشئ الكثير، علمنى كيف يكون الدفتر المسطر ذى
الخانات - دفتر اليومية - والمفاتيح والخزانة هى حياتى، علمنى
أن هذا الأمان الوحيد
فى هذه الحياة، ولم أكن فى حاجة أن
يعملنى كل هذا فقد تعلمت أكثر منه، كنت أنا وهو أقرب الناس
واقعا، وأبعد الناس فعلا، كانت الكهرباء تسرى بيننا من خلال
ورق البنكوت، لم أكن أعرف أن الورق موصل جيد للحياة - حاولوا
فى سنة ثانية ابتدائى أن يعلمونى أن المعادن هى التى توصل
الحرارة، ولكن الحياة علمتنى أن الورق موصل أقوى، ولكن
هل كانت حياة تلك التى كان يوصلها القرش، وحرصت على أن أجمع
أكثر وأكثر، وكلما جمعت أكثر حرصت أكثر - قصة قديمة قدم خوف
الأرنب من الثعلب وقد سعى النمل إلى جحورها من برد الشتاء، مثل كل الحكايات، ولكن الحياة أيضا قديمة، والأيام معادة،
وحين تصل إلى نهاية العمر مثلى ويصبح اليوم نسخة مكررة من
أمس إلا من وهن أكثر وآلام فى المفاصل أحد تعرف أنه لا
جديد - فعلا - تحت الشمس، ومهما كانت القصة قديمة فهى حكايتى
أنا، وأنت طبيب وعليك أن تسمع الحكايات مهما تكررت، وأنا لم أجد
من يسمع هذا الجانب من حياتى أبداً، كل حديثى كان كذبا على العملاء أو أوامر للعمال،
فدعنى أستفيد من ميزة مرضى ... أن أتكلم كلاما آخر.
. . .
وجاءت
القوانين الاشتراكية على خيرا وبركة، خاف الخواجات، شبعوا من
عصير الطيبة المصرية وهاجروا.
قال الخواجة:
-
عملتها، ونفعت.
-
المصنع مصنعك فى أى وقت.
-
لم يعد لى مكان.
أنا ملكك.
-
لست عميلا .. انتبه.
- أنا تحت أمرك.
-
ووسيلة الدفع؟
-
التهريب.
-
لا أضمن.
-
بشرفي.
-
هذا أدعى للشك.
-
تأخذ كل ما عندى بالمصري.
-
والباقي؟
-
أرسله لك.
-
ليس لى خيار
وقمت
بعمل وطنى مجيد، لم أدفع له مليما بعد السفر، واسترددت حقوق
الشعب المصرى المكافح من المستغلين الأجانب (!), وأصبحت صاحب
مصنع 'صابون الوحش' وأصبحت شهرتى 'الوحش'، ونجحت. . . وفلحت، وكلما عقدت
صفقة رابحة كان لعابى يسيل وتتجمع بصقة فى فمى، كان والدى
أيامها على قيد الحياة، وبعد أن فارق الحياة لم يعد لعابى
يسيل وإنما كانت رغبة أخرى تسرى فى أحشائى، أنا آسف لذكرى والدى
بهذه القسوة ولكنك طبيب، وهذه أعراض جسمية نتيجة لوعيد دخل فى قلبى
كالسكين... هل تذكر الوعيد .. كنت أنفذ الوصية، وكثر المال
وتكدس، وارتفعت طوابق عماراتى فوق بعضها، ولكن لم تتغير علاقتى
بالقرش، لم أفرط فيه أبدا، كل شئ بالحساب، كان يموت ابن
العامل عندى فلا تهتز فى شعره لأنى لم أضع موته فى الحساب،
حتى تأمينات العمال حسبت كيف أتخلص منها.
. . .
-
أنا لا أعرفكم.
-
التأمينات؟
-
اسألوا الأسطى حسن.
-
ونحن؟
-
اسألوا الأسطى دسوقي.
-
ولكنا نعمل عندك أنت.
-
كل عملية لها مقاول.
-
ولكنا عمالك منذ سنوات.
-
التأمينات لم يمض عليها سوى شهور.
-
نحن نعمل فى المصنع.
-
أنا لا يعمل عندى إلا الأسطى حسن والأسطى دسوقى و......
-
ونحن؟
-
تعملون لديهم من الباطن.
-
والتأمينات؟
- اسألوهم.
وتفتت من حولى كل الحلقات. لم يستطع أن يحدنى قانون أو
تنظيم، نجحت ألا التزم بشئ إلا بالقرش .. القرش هو أنا.، هو
أمانى وحياتى، ليموت أولادهم جوعا فهذه مسئولية الحكومة
الاشتراكية، لماذا وجدت الاشتراكية؟ لتحمى الطبقة الفقيرة، أما
الأغنياء فالقرش يحميهم، أنا إنسان عاقل أحترم القانون وكل شئ
عندى بالحساب.
وبدأت
أحطم كل شئ لأشعر بذاتى التى هى نجاحى، كنت أحاول أن أثبت
أن القرش هو الأبقى وهو الأقوى، هو الأصل والنتيجة،
هو الأول والآخر، وحطمت القيم جميعها، وفى كل مرة كنت ألعق
لعابى وأنتشى نشوة نمر التهم نصف غزال، وشبع، ووقف يتفرج على
بقية الفريسة.
***
قالوا لى أن 'واحد
بيه' على الباب يريد مقابلتى ويقول أنه أقرب الناس إلي.
وضحكت ملء عقلى - فليس
لى قلب يضحك - ضحكت وأنا أسمع أن هناك فى حياتى 'ناس', وأن
بينهم القريب والأقرب، ضحكت من هذا الذى يقول أنه أقرب الناس
إلى ... ودعوته للدخول.
ورأيته ...... رأيتنى
وقد ارتديت حلة كحلية تلمع مثل حذائى وشعرى - لو كان لى شعر
- وجلس أمامى وعلى وجهه ابتسامة عريضة جدا ومرسومة جدا ومترددة
جدا، ما أشبه هذا الانسان بى .... لوسارت الأمور كما حسبوها
لي.
قال فى تودد ظاهر:
-
ما أغرب الأيام ... نلتقى بعد عشرين سنة .. وأنت لا تسأل عن
أحد .