العـلامة
قال الفتى للحكيم
أراك حطمت من الأصنام
ما يهز معتقداتنا مرة ومرات . . . وها
أنت ذا تقترب من إله العصر الحديث "العلم" وأخشى ما أخشاه أن
يختلط الأمر على فتهتز ثقتى بهذا الإله أيضاً، وهو نور لهداية على طريق التقدم، وهو الحل الأول
والآخر فى بلدنا هذا، فى عصرنا هذا.
قال الحكيم :
ليس على العلم خوف
ولا فى حديثنا عنه حرج ، ولا ينتقص منه أن يمر أحد رهبانه
بأزمة وجود ، وعلى أى حال فإن المبالغة فى تقديس معطياته دون
تمحيص، وعبادة أرقام بطريقة عمياء، قد
يزركش الطريق ولكنه ليس دائما دليلا على سلامته وصحته ، وعلينا
أن نعرف قصوره حتى نسكتمل أبعاده وإلا انزلقنا إلى سبيل ضال
رغم بريقه، قد يعوق تطور الانسان بقدر ما يزين حاضر حياته،
وحكاية اليوم لا تنقص من العلم بل تزيد من إمكانياته، ولا
تنفى ضروته بل توسع آفاقه .
وهى حكاية "العلامة" الذى كاد يكفر بعمله حين اهتز كيانه.
قال الفتى :
-
وكيف كان ذلك ؟
قال الحكيم :
-
هو أستاذ مساعد أو
مساعد أستاذ ، هو لا
يعلم أى أستاذ
يساعد، وربما كان هذا
من بعض ما يشغله إذ يبدو أن ذلك اللقب فى سالف الأيام
كان له معنى، إذ كان يدل على طريقه صوفيه فى التعلم والتعليم
، حيث يكون للأستاذ طريقة، ولكل طريقة شيخ، ولكل شيخ مريدون، ومن المريدين من يساعد الشيخ ، كانت هذه المساعدة درجة يرفع
بها المريد إلى أن يكون خادم الشيخ أو خليله أؤ صديقه ،
ولما أصبح اسم الشيخ فى العصر الحديث أستاذاً . . . أصبح مساعدوه أساتذة مساعدين، ثم يفقد
اللفظ معناه بسوء الاستعمال، ويفقد نبضه من كثرة الابتذال،
ويصبح رمزا لوظيفة لها علاوة، وللعلاوة ميقات معلوم، حدث ذلك
حين أصبح العلم كمية من المعلومات تنحشر فى أدمغة الحفاظ،
وليس طريقة فى الفهم وتنمية للفكر الخلاق، حين انقلبت وسيلة
التدريس من حب صوفى بين الأستاذ ومريديه، إلى درس إملاء من
بوق إلى سامعيه، ويبدو أن كل هذا لازم لمواجهة الأعداد
الكبيرة للحفاظ والانتشار الهائل لموجة التحفيظ ، وليس التعليم، إذا أن التعليم إذا فقد طريقة
الشيخ والمريد فإنه يفقد النبض العاطفى، ويصبح حشوا منظما لكم
متناقض من المعلومات فى خلايا
مخ إنسان لم تضع فى حسابها وهى تتطور
أنها ستصبح مخزنا لرموز الأشياء حيث يفقد الرمز اتصاله بالأصل
.
كان هذا بعض ما
يشغل صاحبنا فى أزمته الغريبة مع نفسه، وحين حضر إلى كان
مثل غيره شاكا مترددا هيابا.
قال :
لولا بقيه من أمل . .
. لذهبت إلى "كوديه زار" فقد كدت أكفر
بالعلم من كل نوع،
وحين شاهدت الشهادات على
حوائطك انزعجت أكثر فإن كل ما تقوله هذه الشهادات أن دماغك
فى وقت ما قد انحشر فيه كذا كيلو جراما من الكتب . . ماذا؟ هل تريد أ توهم زبائنك
بعلمك ؟ هل جاءوا إليك تقديرا لهذا المخزن المتحرك من
المعلومات أم طلبا لما تحمل فى جوانبك من عواطف . . لماذا لا
توزع عليهم دليل أبحاثك
"إياها" التى ترقيت بها؟ أو
تكتب لهم بيانا برحلاتك العلمية التى اشتريت فيها الملابس
الداخلية لزوجتك وصديقاتها، أليس هذا أوقع فى نفوسهم حتى يدخل
الواحد منهم وقد استسلم لهيلمان معلوماتك فتلقى اليه ما تريد، أليست هذه الطريقة هى التى
تجعلك مسبكا مثل المسابك الوالدية المحترمة، تصنع الناس حسب
النموذج الذى فى ذهنك؟ تضغطهم على
بعضهم حتى تغوص أنوفهم فى
أقفيتهم ، وتنطبق شفاهم ويصبح المنطق فى حدود المقبول . .
. . وبذا يتكيفون !
قلت :
لماذا أنت قاس كل
هذه القسوة فى فروضك ، فرغم أنها تحمل ظلا من الحقيقة إلا
أنك لم تر الكل بعد ، وأظن أنه من الأفضل أن تنتظر ثم
تحكم
قال :
أنا أبدو قاسيا لكثرة
ما قاسيت طول عمرى لأنى أقول الحق عارياً، والحق قاس وصارم، وعلى كل حال فأنا لم أجئ بالحديد، أليست الصحة النفسية عندكم هى التكيف، لماذا
لا تغير اللافتة فتكتب الدكتور فلان أخصائى "التكييف"، أو قل مثلا جهاز
الكتيف الطبى الصحى المعتبر أليست
وظيفتك أن تكيف الناس مع بعضهم، ألست هنا تخدم استمرار
النظام كما هو، ألا تسمون بعض عقاقيركم المهدئات العظيمة ؟
أى عظمة أن تهدئ ثائرة الناس ؟ ومع ذلك فقد جئت إليك على رجلى . .
. وسوف أسمع منك ؟
قلت :
أنا أساعد الناس أن
يجدوا أنفسهم ، ويطلقوا قدراتهم ويمارسوا حريتهم ثم يختاروا
طريق التكيف أو ينظموا هويتهم كما يشتهون . . . أما مجرد
الرفض دون بديلا ، وإشعال النار دون إطلاق طاقة؛ فهذا ما لا بد أن تتفق معى على رفضه.
قال :
إذا أنت تحاول أن
تستدرجنى . . فليكن . . أنا جئت هنا أحاول . . فلأحاول.
كنت طالبا ممتازا فى
كل شئ رغم مرور السنين . . أذكر بخاصة يوم انتزعونى من
البيت إلى المدرسة، أذكر تماما رغم أنى لم أكن بعد تخطيت
الرابعة ، خدوعنى ، كانوا يتصورون أنى لا أفهم ، ولكنى مازلت
أذكر هذا اليوم مثل الآن، ومازلت حتى هذه اللحظة لا أثق
فيهم، قالوا أننا سوف نزور عمتى لألعب مع أولادها، وكانت
وجوههم تقول غير ذلك.
وأيقظونى فى الصباح
الباكر ، وكان وجه أمى عير وجهها، لماذا هى مكتئبة هكذا،
لماذا نزور عمتى قبل طلوع الشمس، كنت أسمع قبل
ذلك حديثاً عن المدرسة وعن
المريلة وعن أشياء كثيرة لم أتصور أبدا أنها يمكن أن
تكون حقيقة فى يوم من الأيام ، كانت علاقتى بأمى علاقة خاصة جداً، كانت جزءا من كيانى أو كنت أنا جزء من كيانها ، أو قل لم يكن لى كيان أو لم يكن لها كيان ، كنا
واحد او السلام ، مرة أنا هى ومرة هى أنا ، ولكنها لم تحسن
التمهيد لما سيكون ، لأنى أحسست أنها فى ذلك اليوم لفظتنى فجأة ، تقايأتنى من جوف أحشائها وهربت ، وياليتها أنذرتنى
بل خدعتنى ...، فجأة .. وجدت نفسى فى الجحيم ذاته .. هل أستطيع أن أنقل لك مشاعر طفل بعد
تلك السنين ؟ كيف أنقل لك المشاعر بألفاظ اكتسبناها فيما بعد .. مشاعر عاشها طفل لم يكن
يحذق بعد لعبة الألفاظ ...
كيف أصور لك كيف
انتهت الحياة ؟ كيف اتسع العالم وانمحت حدوده حتى اختفى؟ . .
كيف أصف لك لوعة طفل تركوه فجأة ، وقالوا سنرجع حالا ولم
يرجعوا أبدا، وهو يرتمى على رمل المدرسة ويتمرغ .. ثم يحس
بالتضاؤل حتى كأنه يتحول إلى دودة صغيرة تسعى وحيدة فى صحراء
شاسعة ليس فيها حياة ... قالوا سنرجع حالا .. ومضى حالا وهم يقولونها، توقف الزمن عند
هذه اللحظة، ولم يعد حال ولا ماض ولا مستقبل، واستمرت لحظة
الحال الدهر كله، ومازلت أعيش هذه اللحظة أبدا ومع ذلك فأنى قد مرضت
أو هكذا تقولون .. ما أقسى كل هذا وحين جاءت أمى
لتأخذنى قفزت الدودة فى جوفها وزحفت قليلا فى أحشائها ثم تلاشت
تماما.. كلام مجانين أليس كذلك ولكنك أنت الذى اخترت هذه
المهنة فعليك أن تسمع كلامنا ... وإلا
لمن نتكلم .. شبعت كلام عقلاء ... وجئت لأتكلم مثلما كنت أفعل
قبل أن أذهب إلى المدرسة
" أى كلام" ... أما بعد ذلك فلم أنطق إلا بالمفيد ... وإلا
!!
قالت الأبلة: "الذى سيتكلم سأقفل فمه باللزاق" ومن يومها لم أنطق
إلا بالمفيد ، بالدروس
... بالمعلم والجد، وكل ما هو غير ذلك
فقد انحبس فى جوفى إلى الابد .. لا .. إلى الآن حتى انكسرت
فجئت إليك أقول ما يحلو لى وأتمتع بفضيلة الجنون ، الدودة
..الصحراء ! على فكرة هناك من الديدان ما ليس له فم . وأنا
لم يكن لى فى ذلك اليوم فم .. هل تجد صعوبة فى الفهم ؟
معك حق، ولكن مشاعر الطفل إذا ترجمها عالم متحذلق مثلى إلى
ألفاظ ليعرضها على آخر كانت النتيجة كلام مجانين. أليست
المشكلة التى تجعل الناس مجانين أنهم يحملون من المشاعر ما
لا يستطيعون صياغته فى ألفاظ ؟ منذ ذلك اليوم انقطعت علاقتى
بالحياة، كان الحزن العظيم الذى عاشه الطفل أكبر مما يحتمل فاختفت المشاعر كلها حتى حزن
ذلك اليوم، وكان الضياع الهائل وسط صحراء المدرسة مفزع ولكن
لا بديل له .. لم تضع أمى فى حسابها أنى ذاهب عنها لا إلى
المدرسة ولا إلى أى مكان آخر، ولماذا يضعون فى حسابهم حزن
الأطفال وهم لا يعرفونه، هم يتصورنه شيئا مثل حزن الكبار بل
هم يتصورنه أهون كثيراً، فالأطفال سرعان ما سينسون. إن الكبار هم الذين
يمكن أن ينسوا فاذا تذكروا فهى ذكريات حزينة، أما الأطفال
فانهم لا ينسون، لأنهم يعيشون التجربة لا يعرفونها، فتختلط
بكيانهم الغض حتى تغيره ، فكيف ينسون وقد أصبحت الذكرى جزءا
من تكونيهم ، إن حزن الكبار هو الأسى هو الأسف هو اللوعة
هو الحسرة،
أما حزن الأطفال فهو الضياع الكامل هو الموت، هو الإحساس بشئ كبير هائل يجثم على أنفاس الصغير ويحيط به من كل
جانب ويجعله يتضاءل حتى يكاد يتلاشى وياليته يتلاشى ، ولكنه يندمج فى هذا الشئ غير المحدود حتى يصبح هو بلا حدود ، لا يمكن أن أصف لك هذه المشاعر بمزيج من الحسرة والضياع
والخوف واليأس؛ لأن كل هذه الكلمات
اكتسبت معان نستعملها نحن الكبار ، أما شعور الطفل فهو شيء
آخر . حدث كل ذلك فجأة ... أحبتنى والدتى حتى تملكتنى فيها ، ثم تركتنى قهرا بالرغم منها
... ولكنها خدعتنى .. كذبت على فانقطعت علاقتى بالناس وللأبد ،
كانت أمى هى الجنة الوارفة المثمرة ، لا أبذل فيها أى جهد
لأحصل على ما أريد ، أما فى الصحراء فقد كان الكتاب هو نبات
الصبار وها أنا ، صلب مثل الصبار وذو شوك أيضا يؤلم من
يقترب منى ، أصبحت أنا الكتاب ذاته وارتبطت المشاعر نحوى بكونى
كتابا جيدا أو كتابا سيئا . .
أو . . لا شئ.
***
-
لماذا تحبينى يا أمى ؟
-لأنك
تلميذ شاطر
-
هل ترضى عنى يا أبى ؟
-
طبعا ما دمت شاطرا فى المدرسة
-
وإذا لم أكن شاطرا يا أمى ؟
-
غير معقول
-
وإذا قصرت يا أبى ؟
- لا . . ليس أنت.
***
غير معقول ألا
أكون كتابا .. لست أنا
إذا قصرت فهذا غير محتمل.
وهكذا استمرت الصورة
وأصبحت كتابا محبوبا .. الشطارة مصدر الرعاية،
والتفوق شرط الحياة ..
فليكن .
وأقلبت على الكتب ..
غرقت فيها حتى أذنى وساعدتنى وحدتى وانطوائى .. وكان والداى يفرحان بهذا الهدوء
والقراءة المستمرة، واستبدلت بالناس الصور المقروءة، واستبدلت بالكلمات النابضة بالحياة الدافئة،
الكلمات المرصوصة على الورق ، وحين ازدادت حاجتى للناس فى سن المراهقة حاولت أن أبعث فى
ألفاظ الكتب الحياة، حاولت أن أجد الآخرين بين الصفحات ، كنت
قد فقدت الثقة بالناس الحقيقيين، كيف آمن لهم وقد يتركونى ممرة ثانية دودة ضائعة
فى صحراء جرداء، أما الكتاب فأنا الذى أمد يدى أقرا فيه وأنا الذى أرده مكانه، أنا سيد
الموقف لا أنتظر شيئا من آخر وحتى أنت جئت إليك - بصراحة
- لا أنتظر منك شيئا ، حجتى أتفرج على علمك ، لعلك كتاب حى
أسهل فى القراءة
... أما كونك إنسانا "آخر" فهذا ليس فى حسابى
رغم أن جزءا غائرا فى نفسى يتمناه .
قلت
- ولكنى
إنسان قبل كل شيء
قال :
- بل "عالم" حتى قبل أن تكون طبيباً ، هذه هى صورتك عندى
قلت :
- وهل
هناك تناقض
قال :
- هذا ما
جاء بى إليك .. فقد عشت هذا التناقض منذ اللحظة الأولى بين
الكتاب والإنسان ، بين العلم المجرد والنبض العاطفى للحياة، و كانت
نهايتى بين يديك، هارب من الجنون أو قل هارب إلى الجنون .
منذ اللحظة الأولى .. فقد تركتنى أمى دودة تسعى فى صحراء بلا
ناس ، منذ خدعتنى وقالت: سآتى حالا ولم تأت أبداً ، منذ أحبتنى حبا لصقنى بها جزءا منها ، ثم تركتنى
فجاة كتابا ملقى على الطريق تبعث بصفحاته عواصف الزمن ، حتى
تمزقت وتطايرت ، ووصلت بقاياى إليك .. هذا الذى أمامك بعض نفسى
.. أنا الغلاف والمقدمة والخاتمة، أما محتوى الكتاب
فهو ضائع منى ، و بالتالى فهو ليس فى متناولك
قلت
- ولكنك
كنت طالبا ناجحا ثم
صرت عالماً ناجحاً غاية النجاح . قال :
النجاح ؟ نعم النجاح هو القوة التى تساعد على المسير ..
هو الطاقة التى تجعلك
تستمر ولكن هذه القوة لا تحدد طريق المسير . إلى أين؟ هى تنقلك من محطة نجاح إلى محطة نجاح تالية؟ ولكن
الدفع شئ وصواب الطريق شئ آخر .
قلت :
-
فماذا عن الطريق ؟
قال :
-
كان طريقا باهراً مملوء بالنجاح والتنافس .. آه من التنافس قد يحلو لك أن
تنتصر على غيرك ولو حتى تسحقه .. ولكن الطفل .. الطفل المسكين كيف يثيرون فى نفسه كل هذه الرغبة فى
الانتصار على أقرانه ومن أول لحظة .. كيف يثيرون الحقد فى
أعماق طفل لم يتعد الرابعة .. كيف يكون الهدف الأول والأخير أن يكون "أفضل" لا أن يكون "فاضلا"، دائما أفضل من الآخرين. فيصبح الآخرون أعداء
يتكالبون على شئ واحد .. وهم فى حاجة إلى بعضهم البعض أكثر من
حاجتهم إلى ذلك الشئ الأوحد وهو التفوق .. وبدل أن يكون العلم منهلا
ينهل منه الجميع. يصبح التفوق مطلبا فى ذاته .. ومنذ متى ..
من أول خطوة على الطريق، لا شك أن التفوق ضرورى لهذه الحياة
ذات الفرص الضيقة، لا شك أن التنافس حافز، ولكن ذلك التنافس الحاقد
ومنذ الطفولة شئ آخر، هو إثارة لكل دناءة العصر الحاضر، هو
تنمية للنوازع التى تخدم حرص المجتمع البرجوازى منذ الطفولة ،
ولكن هذا شى عادى يحدث فى كل بيت ولكل طفل، وهو
يأتى بأفضل النتائج، لا تعجب فقد جاء عندى أيضا بأفضل النتائج ، كنت
الأول دائماً، كنت أرى نظرات أحمد وعمر وسالم ونبيل وأفرح فرحا
بلا نشوة ، وأزهو بلا طرب ، ويدب فى حماس نحو نجاح آخر ... ويزيد تعلقى بالكتب، بعدى عن الناس فى نفس الوقت
.
ثم جاءت فترة
المراهقة . وقد قلت لك أنى احتجت للناس أكثر وصنعتهم من
ألفاظ الكتب ، واحتفظت بهم داخل الصفحات ، وبإذا تجنبت الآخرين حتى لا أدخل فى مغامرة غير مضمونة لا
أريد أحدا يحبنى حتى أتلاشى فيه ثم يتركنى حتى أضيع ... أما
أصدقاء الكتب فهم مضمونون. تستخرج من بين السطور من تشاء
تتقمصه وتصادق أصدقاءه وتعادى أعداءه ثم تحتفظ بالجميع على رف المكتبة، تسدعيهم وقت ما تشاء وتجدهم فى أى لحظة مل ليل
أو نهار، وزاد تعلقى بالكتاب وأصبح بديلا للحياة .. وزاد تفوقى
.. وأهلى راضون سعداء . حققت لهم ما يشتهون .. وحصلت على شهاداتى
المزركشة بتقديرات عظيمة .. ورغم أنها لم تكن عملية سهلة إلا
أنها كانت تتم بنجاح .. كانت الامتحانات رعبى الهائل .. كانت حدثا رهيبا فى
حياتى لأنه: بما أنى كتاب ليس إلا، فليس لى خيار، ويصبح الامتحان بالنسبة إلى حياة أو موتا لأن
معنى الإخفاق هو الضياع .. ماذا يبقى منى إذا فشل الكتاب .. وأنا كلى
كتاب كتب أدخل الامتحان لا
لأفرغ ما فى رأسى من معلومات ولكن لأتأكد من وجودى ..
لأنه لا وجود لى بدون شهادة، وحصلت على الشهادة
تلو الشهادة حتى البكالوريوس.
إلى هذا الحد .. كانت
حياتى مفهومة ومعقولة - على الأقل من الظاهر - استعضت بالكتاب عن الحب، و بالنجاح عن الحياة الاجتماعية، وبالشهادة عن الوجود الإنسانى وكان كل ذلك طبيعياً بالنسبة لهذة الفترة من الحياة - لم أكن أدرك
شيئا ولم يكن ينقصنى شيء .. لا تتصور أنى كنت أشكو من شيء
حتى ذلك الحين ..
كان نجاحى يحفظ حياتى
ويعطى لها معنى .. وما ظهرت هذه الرؤية إلا الآن ، فأنا أراجع
نفسى وأنا أحكى لك
كيف أرانى زمان
قلت :
-
ولكنك تصورت النجاح تصويرا وكأنه الفشل أو الضياع ، فهل تعتقد مثلا أن الفشل كان سيصلح حالك ؟
قال :
-
قلت لك إن الفشل هو الموت ذاته ، لأن النجاح كان الشيء
الوحيد فى حياتى، النجاح طاقة ولكنه كان لى هدفا وغاية ووسيلة
وكل شيء، إلا ان النجاح والتفوق فى ذاته لا يعطى للانسان
عاطفة أو حياة، قد يتيح له فرصة أحسن ولكنه ليس هو ذاته
الفرصة الأحسن، الناس تتركز على نجاح الأطفال والصبية وينسون
مصير الناجحين حين يكبرون .. أين أوائل المدارس منذ عشرين
عاما ، ألا يبلغون الآلاف فى كل المدارس ، هل هم الآن أسعد الناس وأنبغ الناس أم أنهم استنفدوا طاقاتهم فى النجاح فانتهو قبل أن ينتهى النجاح؟
ياسيدى أنا نجحت حتى
لم يعد للنجاح طعم ، تفوقت على الآخرين حتى ابتعد عنى الآخرون
، وحصلت على الشهادات كلها .. وكلما تدرجت على سلم
الشهادات كلما انزعجت من تلك المقاييس التى تقيم الناس ، وكان
آخر المطاف
شهادة الدكتوراه: رسالة
وامتحان يرضى كل الممتحنين بلا استثناء - أى والله بلا استثناء - وتيقنت أن
آخر شهادة هى أخطر شهادة، لأنها تعطيك حق الجهل ، وهى شهادة تعطى ولا تؤخد ،
تدل على لرضا أكثر مما تدل على العلم ، أما أنها تعطى حق
الجهل فهذا أخطر ما فيها.
قلت :
-
لا تغال .. وقل لى كيف ؟
قال :
-
أنا لا أغالى ، ولو لم أكن حاصلا عليها لحسبت ذلك شعورا
بالنقص أو حقدا - ولكنى حاصل عليها من أول مرة وبامتياز ، ومع ذلك
فأنا لا أقول إلا الحق ، فقبل هذه الشهادة يتمتع الطالب أو العالم بفضيلة الحياء ، فيخشى أن يفتى
فتوى دامغة إلا أن راجعها وحسب لها حسابها ، أما بعد أن
يحصل عليها فإنه قد يقول ما شاء دون حساب مباشر ، هذا هو
الخطر عينه ، أن يحسب الانسان نفسه عالما بالشهادة ، فالشهادة
قد تكون خدعة كبرى لأنها من الرموز التى تعدت معناها والتى
أصبحت غاية فى ذاتها ، وأصبح تقويم الانسان صغيرا وكبيرا
مرتبطا بها ارتباطاً وثيقا ، وهذا من ضرائب العصر التى لم نجد لها
بديلا حتى الآن .. الأمتحانات والشهادات ، ولكن ذلك قد يجوز بالنسبة للأعداد
الكبيرة حيث لا توجد وسيلة للتقويم أفضل من ذلك ، أما إذا
اقتصر الأمر على وحد أو اثنين فى الشهادات الأعلى ألا ينبغى
إعادة النظر فى هذه الأشياء جمعياً؟.
قلت :
-
ولكن ماذا ضرك فى كل هذا .
قال :
-
لا شيء حتى الآن إلا جفاف الحياة وفقد نشوة
الانتصار أما بعد الشهادة الكبيرة فقد مارست الألم الرهيب الذى الذى انتهى
بكسرى الذى أتى بى إليك هذه هى الحكاية .
قلت : ايه حكاية ؟
قال: حكايتى مع العلم
والعلماء والبحث والمبادئ فقد كنت فى صدر شبابى كما قلت لك أنا والكتاب
واحد، وكانت الكلمة المطبوعة هى حياتى، وكان أشخاص الكتب هم
أصدقائى ، ليس لى فى الدنيا سواهم، ومن هنا جاءت قدسية الكلمة، فلما سلكت طريق العلم أصبح للكلمة محراب
فيه أرقام وأرقام أهتز لها احتراما، وأنحنى أمامها تبجيلا،
ولكن حين أصبحت أحد خدام هذا المحراب اكتشفت أن ليس به آلهة دائما، بل هناك أيضا أصنام من الحجارة تبدو عليها
سمات الآلهة ، واهتززت وتشككت وكدت أتراجع والأبحاث فيها الحسن
وفيها السئ، وحين تقرأ إما أن ترفضه وإما أن تقبله ، ولكنى كنت أحد خدام المحراب وولدانه ، فمارست تناول الماء
المقدس من الداخل ولم يكن دائما مقدسا، خصوصا لدى المشايخ
والأحبار .
قلت
هذه الحياة "فيها" .. "وفيها".
قال نعم هذه الحياه ،
ولكن فى محراب العلم تصبح الأمور لا تحتمل أن يكون " فيها".. "وفيها" ، إما أنه فيها ، أو أنه ليس فيها .
قلت : فلندخل إلى الموضوع ونخفف من الألغاز .
قال: ما دامت الأبحاث فى بلد نام، أو فلنسمه متطوراً فلا بد من احترام إمكانياته ، وقد سمعت أستاذاً ساخرا يقول أثناء التلمذة إن الأبحاث فى مصر - فى مجاله على الأقل - إما كلام فاغ أو كلام مفروغ منه ، أما الكلام الفارغ فهو بالبحث الذى يعمل وكأنه شيء مبتكر وهو ليس به شئ ، أما الكلام المفروغ منه فهو الذى سبق عمله فى بلاد أكثر تقدما