أبلة الناظرة
قال الحكيم:
دخلت على وقد
انطفأ لون بشرتها الأسمر ، فظهرت تجاعيد وجهها
كالحة صدئة ولكن عيونها لا تزال تلمع ببريق حاد ، وقالت
عيناها لولا الشديد القوى وقال
صمتى " ماذا" ؟
وقالت نظراتها ما "رأيتك عمرى" وقلت - وهى تنظر إلى الكرسى مترددة تود
لو انصرفت قبل أن تجلس -
:
-
تفضلى استريحى .
وقالت .
-
أين هى ؟
وقلت :
-
ماذا ؟
وقالت:
- الراحة
قلت :
- فى
داخلك
-
داخلى أنا ؟ إن داخلى هو الجحيم ذاته ، نار موقدة تطلع على
الأفئدة ، ويشتد لهيبها فى الليل . . الليل وحش كاسر . . وأنا فريسة فزعة ..
أخاف أن أنام .
-
إذا هو ذاك
-
لست أدرى ما هو ، وما ذاك ، ولكن هذا ما أتى بى إليك ،
النوم وجنهم التى فى داخلى ، وقد رأيت الخطر من أول وهلة ،
لم يكن أرقا كالأرق ، ولكنه الخوف ، ليس هناك ما يؤرقنى ، كل
شيء يتم كما أريد . كل شيء بنظام . حتى الجولة الأخيرة .
حاولت أن أتخطاها، حولت الهزيمة إلى مزيد من التحدى والقوة وكدت
أنساها ، أو قل خططت أن أتعداها لأنساها ، ثم
إن هذا الذى كان ، حدث فجأة وبلا مقدمات ، فحين وضعت رأسى فى تلك الليلة .. هى ليلة غير الليالى .
كيف حدث هذا فجأة
دون مقدمات؟ . حين وضعت رأسى تلك الليلة على الوسادة دق
الناقوس فى جانب رأسى فانتبهت .. ومن ساعتها وأنا منتبهة ، كأن
بناء قد انهار ، كأنى مت فجأة ، هل تتصور أن الشعور بالموت
يصاحبة شعور باليقظة الحادة ، هل تتصور أنى إذ أنتبه كل هذا
الانتباه أشعر فى ذات الوقت بكل الضياع ، هل هذا ما يصدق
عليه أن الناس نيام فإذا
ماتوا انتبهوا ولكن كيف ينتبه
الموتى الأحياء ؟ كيف يموت جزء منك ليستيقظ آخر .
وفجأة.
***
- فى
تلك الليلة انهار كل شيء .. تقوض البناء الشامخ على رأسى
فأفقت ، كأنى مت وصحوت ، والغريب فى كل هذا أن ذلك يحدث
فجأة ; وحين شعرت أن كل شيء قد انتهى للحظة ، استيقظت فى
أشياء أخرى ، كنت فى سبات عميق لا أظن أحدا
يستطيع أن يفهم إلا إن عاش التجربة ذاتها ، إن تجارب الإنسان الممزق لها اسم رشيق لديكم ، لا بد وأن يكون
فيه مقطع لاتينى أو اثنين .. وينقلب الإنسان بين يديكم إلى صفحة من كتاب ... إلى عنوان .. إلى لفظ جامد بارد لا حياة فيه ،
التجارب لا توصف بالألفاظ ولكنها أكبر من كل هذا، سوف
تجمع الأعراض وتضربها وتطرحها وتقسمها وتخرج منها باسم رقيق
أو صفيق ، وتناقشها مع زملاء لك ، كل ذلك وأنت لا تعرف عنى
شيئاً، بالله عليك كيف تجرؤ أن تحول الناس إلى ألفاظ ؟
-
ليت هذه غاية مهمتى .. ولكن لا بد من الألفاظ أو أى شيء
كالألفاظ ، لا بد من لغة حتى نتفاهم ... أى لغة.
-
ولكن الألفاظ انهارت مع الصرح المتداعى ... ذهبت مع الأنقاض كنت قبلا أقول . . وكان لقولى صليل
ورنين . . كان لا يرد قولى، كانت تعليماتى فى المدرسة مقدسة . . كل لفظ لابد
أن ينفذ حرفياً . . حرفياً، حتى الحروف كان لها معان حتى الصمت كان له معنى; وحين انهارات الأشياء كلها وذهب النوم. جعلت
أتساءل عن معنى كل هذا، ولكن مالى أتحدث إليك وكأنك تسمع
وتفهم إذا كيف تفهم مالا أستطيع التعبير عنه؟
-
أحاول
-
يكفينى أن تحاول، فلابد أن أجد من يحاول بعد أن توقفت
محاولتى أنا، وعدت أشك فى كل شئ
-
كيف؟
- إنا اهتزت معانى
الألفاظ فلابد أن
تراجع ما كان حتى تعيد بناء المعانى من
جديد .
-
إذا . . . ماذا ؟
=
كان كل شيء مرسوم . . له هدف
وتخطيط ونظام وكنت أقول " لا" يعنى " لا"، كانت الـ " لا" حرف نفى ، وكان
الجميع يعرفون ذلك وكان على طرف لسانى دائما: أنا قلت لا
يعنى لا وكان الجميع يعرفون ذلك، وبالتالى
كانوا يعرفون أنى حين أقول نعم فهى الـ
"نعم"، ولو انطبقت السماء على الأرض فلن تتغير "اللا" إلى "نعم" ولا العكس، ما أغرب
هذه الأيام.
حين كانت الأشياء
عادية تماماً ، كان لكل شيء معالم محدودة فى دنيا غير محدودة
المعالم . . كانت كل ألفاظى جملا مفيدة . . والأن . . تغير كل
شيء وتداخل الكلام فى بعضه البعض ... بغير سبب ... أى والله بغير سبب.
لقد تخرج من تحت يدى
أجيال أعتز بهم فى كل مكان .. كنت أدير مصنعا
للنجاح، وكانت القوالب محكمة . . والطالبات نسخاً مكررة
مطبوعة باسمى... أعنى باسم مدرستى ، ليس أجمل من أن ترى نتاج عملك
أمامك تفخر به، ولكن الآن، لماذا أرى بناتى مثل العرائس
الحلاوة التى تعرض بمناسبة مولد النبى، كيف يطيق الإنسان أن
يفخر بعرائس الحلاوة بعرائس مذاقها شديد الحلاوة ولكن ليس
فيها حياة؟! هل ذقت طعم حلوى تلك العرائس، أنا لا أطيقها،
فكيف أفخر بها، ولكنها متقنة الصنع حسنة المظهر، ألا يكفى هذا
؟ كان يكفى زمان; أما الآن فلم يعد يكفى . . بل لم يعد
شيئا البتة.
-
كيف ؟
-
حين أحكى لك عن كل ذلك النجاح أسمع فى جانب عقلى همسا يقول
" طز" أنا آسفة للتعبير ،
ولكنك طبيب لا بد أن أصارحك بكل شيء . . ; وأحيانا حين أكون
متحسمة غاية الحماس فى ذكر مباهج عملى يخرج لى هذا الجانب من عقلى لسانه، هل
يمكن أن أعيش بعد ذلك. . بل أنه لا معنى للنوم ولا للأكل
ولا للشراب إذا فقد النجاح قيمته بهذه السخرية اللاذعة ولكن
ما معنى النجاح يا دكتور ؟
-
أن يحقق الإنسان هدفه
-
إذا كان كذلك فقد حققت هدفى ، فلماذا يسخر منى عقلى ، أعنى ذلك
الجانب من عقلى ؟ أنا من عادتى ألا ألتفت إلى الهمس أبدا .. كانت المدرسات
يهمسن ، والدادات يمهسن وأنا لست هناك ، ماذا يصنع الهمس ، أليس الهمس كلام ضعيف ؟ وأنا لا أحب الضعف ، فماذا أسمع
الهمس الآن وأضطرب منه ، ومن أين يأتى الهمس . . منى أنا . ."أنا" أسخر من "أنا" ، كان هدفى أن أصنع
تلميذات متفوقات ; مؤدبات ، منظمات ، يحفظن آرائى ويرددنها . . لأن
آرائى هى الصواب ، وقد كان ، أليس هذا هو عين النجاح؟ أليس
هذا هو تحقيق الهدف ؟
قلت :
-
ولكن هل كان هذا هو الهدف ؟
قالت :
- يظهر أنك خبيث
خبث ذلك الجانب من عقلى الذى يردد همس السخرية ; نعم كان
هذا هو الهدف ، وهل يمكن أن يكون لناظرة ثانوية هدف آخر.
-
مجرد سؤال عابر
-
لا. . بل هذا هو السؤال الذى جئتك من أجله . . . ما هو
الهدف
-
النجاح . . مثلا
- إذاً ماهو النجاح ؟
-
تحقيق الهدف
-
اسمع يا دكتور أنا لم أجيء إلى هنا لألعب معك لعبة القط والفأر، ولست فى حصة منطق ،
ولست أريد أن أضيع وقتك ووقتى ، وقتى ؟ ولكن ما معنى الوقت .
. هل هناك زمن . . حين انهار كل شيء توقف الزمن . . بل
تراجع إلى فترة سحيقة ليس لها بداية ، بل إنى شعرت أنه
تراجع إلى ما قبل وجودى ، بل إنه كاد يتراجع إلى ما قبل
وجود الأشياء كلها . ماأقسى كل
هذا، ولكن هل أنت متأكد أن هذا المرض فى حدود اختصاصك
؟ بل هل متأكد أن هذا مرض أصلا ؟
-
أنا متأكد أنى أستطيع مساعدتك ، لو أردت.
-
وهل يمكن ألا أريد ؟ إذا لماذا جئت إليك ؟
-
للمجيء هنا أسباب عدة . . ولا أستطيع أن أرجح إحداها حتى تتضح الأمور
-
وهل تتضح الأمور ؟ وكيف تتضح إذ هى غامضة على أنا شخصا؟ إنه
الغروب أو هو ما بعد الغروب وما قبل الليل ؟ هل تعرف
هذا الوقت الكئيب ؟ إن الظلام الدامس شئ محدد
المعالم مثل النهار المشرق ، ولكن ذلك الضباب الهلامى لا تكاد
تمسك منه شيئا حتى ينسحب منك ، ويصبح الوصوح والتحديد فى عداد
المستحيل .
-
ولهذا جئت إلى هنا.
-
هل أنت صانع المستحيل ؟
-
بل الإنسان فى داخلك هو الذى يصنع كل جديد
-
إن هذا هو المستحيل ذاته ، أن تجد إنساناً فى
داخلى ، أنا فى داخلى شيء فى زنزانة من جليد ، ولا بد حتى
يخرج ذلك الانسان أن ينصهر الجليد ، ولابد لكى ينصهر أن
تضطرم فى النار ، ثم لا أدرى ربما احترق أنا شخصياً قبل أن ينصهر الجليد حتى إذا خرج ذلك الانسان
الداخلى من زنزانته لم يجد إلا الرماد ، أو قل لى بربك كيف نصل إلى ذلك
الانسان الخائف المتجمد دون أن أحترق . . ولكن لماذا كل هذه الفلسفة وقد كنت أشد الناس نجاحاً.
-
رجعنا إلى النجاح ؟
-
نجحت
نجحت حتى أصبح النجاح بغير
معنى ، فانقلب كل نجاحى فشلا، لماذا يفعل الانسان بنفسه كل
هذا ؟
-
لأن الانسان أحيانا تسرقه أهداف غيره وهو يحسبها أهدافه ،
وحين يفاجأ بالحقيقة يختل توازنه.
-
ولكنها كانت أهدافى أنا، واختيارى أنا، لم يكن فى حياتى أحد
إلا أنا وواجبى وقوتى وقدرتى، ولكن كيف حدث
كل ذلك ؟
-
كيف ؟
-
كان كل شيء على ما يرام، كنت قوية تماما، ولكنى كنت وحدى،
كان الناس دائما يقتربون منى إلى قدر محدود ولكنى لا أسمح
لهم بأن يقتربوا أكثر، لماذا؟ . . لقد كنت أعرف
كل شئ، وأسير كل شيء، ولكنى أخشى اقترابهم منى، وآراؤهم لم
تكن تعنينى فى شيء، لأن آرائى دائما هى الأصوب، لأن كفاحى هو الأكثر
أصالة، لأنى صاحبة رسالة وهم أصحاب مهايا، موظفون ينتظرون
العلاوات، وقد عشت وسط كل هؤلاء على بعد منهم ، حتى بناتى
كنت أخشى أن يقتربوا منى أكثر ، كانوا أقرب إلى فى كشوف
المدرسة أكثر من الواقع الحى، كنت أدير مصنع التفوق بمهارة لا مثيل لها، وكان يصنع عرائس جميلة المنظر، وأنا أحب أن
أشاهد عرائس المولد ولا آكلها، وفى الفترة الأخيرة كنت أحاول أن أتذكر بناتى
فيردن إلى خاطرى على بعد منى لا يقتربن ولا أقترب، كنت على
قمة هرم من العمل والنظام وأنت لا تستطيع أن ترى إلا موقع
قدمك وأنت على القمة، فى حين أنك ترى الهرم كله وأنت على
السفح ، وتمنيت أن أصنع شيئا يجعله أكثر إشراقاً وقوة وبقاء ، ولكنى حين وصلت إلى القمة نسيت أشياء
كثيرة وكان كل همى ألا أنزلق. هل يفيدك أن تسمع هذا . .
أعنى هل يمكن أن يفيدنى ؟
-
بلا شك
-
بل كلى شك . . ومع ذلك فهى قصة ليس فيها جديد ، فتاة فى
المعلمات بنت من ثمان بنات لأب متوسط فى كل شيء . . فى
الطول والعرض والذكاء والطموح . . وكل شيء ، ما زبغض أن يكون
الإنسان متوسطا فهو يكاد يكون بلا معنى ، ووسط هؤلاء البنات الثمان تفتحت نفسى أتساءل كما يتساءل الشباب ، لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟
لماذا الفقر ؟ لماذا الألم ؟ لماذا الضياع؟ لماذا الحياة ؟ ومثل
كل الشباب وجدت إجابات غير مقنعة ، وهروب مقنع ، وأحسست
بالرغبة فى أن أصنع شيئا لنا نحن البنات ولماذا البنات ؟
لأنهن أصل الحياة
وصعدت السلم . . .
واخترت مهنة التدريس وكنت ناجحة متحمسة أريد أن أصنع شيئا
ما
وفى المدرسة عشت أتألم
من منظر الناظرة، امرأة بيضاء مترهلة، ذات عيون صفراء ..أى
والله صفراء .. . لا تهتم إلا بالهدايا ، وهى تفضل الحلوى كل
أنواع الحلوى ، وتقرب إليها تلك الحاشية التى تجيد "التكبيس" لزوم آلام المفاصل،
أما فى العمل فكان كل همها أن تسدد الخانات وترضى الرياسات وتزين
السلالم بزهايات الورد فى انتظار مدير المنطقة أو نائبة، أو قريب
الوزير أو حاجبه، وثورت مع مجموعة من
المدرسات ثورة هائلة ، وتخلصنا منها ، وأصبحت أنا الناظرة ،
أنا "أبله الناظرة".
إلى هنا وكل شئ طيب
ثم تسلسلت الأحداث
بعد ذلك وتغير كل شيء ، أم أنا التى تغيرت ؟ لست أدرى ؟
وما السبب فى كل ذلك
؟ الآراء التى كانت تستهزيء بها الزميلات أصبحت تنزيلا لا
يأتيه الباطل وأصبح كل ما أقوله صوابا ، ورفضت ذلك فى أول
الأمر ، ولكن خيل إلى أنى كنت فعلا على صواب، وابتدأ الجميع
يصدقون على كلامى . . . وانزعجت ثم اتستأنست ... ثم ارتحت
أنا أحب الحق
أنا أعرف ما هو
الحق
أنا أقول الحق
وهم يوافقونى على ذلك
ومن يخالف فقد خالف
الحق . . وكان أول المخالفين زميلاتى اللاتى ثرت معهن، ولا بد
أن واحدة منا هى المحقة والجميع يؤكدون أنى أنا المحقة ;
فلأتخلص من الزميلات حتى لا يعقن المسيرة . . وقد كان، ولم
يبق حولى إلا من يصدقنى، وهكذا نوفر الوقت ونتفرغ للبناء،
وحين كان يظهر بين المدرسات من رأى كانت المقربات يخفننى
منها، كن يقلن ما دمت أنا على صواب فما الداعى لصواب آخر، وكن يقلن
أنه إذا زاد الاختلاف فإنى معرضه للتخلى عن النظارة مثلما
فعلت بالبيضاء المترهلة; وكنت أخاف على رسالتى ألا تتحقق.
أنا لا تهمنى النظارة ولكن يهمنى المبدأ ; وقد هممت مراراً أن
أتركها ولكنى خفت على تحقيق رسالتى من بعدى ، كان الخوف يرعبنى .
. الخوف على رسالتى ومبادئى ، وعلى نفسى ، لأنى أنا التى أمثل الرسالة والمباديء ،
فكنت أعمل المستحيل حتى أنقل صاحب الرأى إلى مدرسة أخرى ، ويا
حبذا خارج المنطقة ولم يبق من حولى إلا من يؤيدونى.
ومجلس الآباء
حتى مجلس الآباء كان
يوافقنى على آرائى، وهو مجلس منتخب بلا أى شبهة فهو يحوى مختلف
النزعات والحرف والثقافات، وأعضاؤه ليسوا موظفين لدى ، يمكن أن
أشك فى نفاقهم، إذا فأنا على حق دائما على حق، وبالجماع . .
دائما بالإجماع . . ولكن هل يمكن أن يتشابه الناس إلى هذه الدرجة،
درجة الإجماع فى كل شى... كل شيء وكنت أتمنى فى قرارة نفسى
أن يعارضنى أحد.
ولكن إذا ما عارضنى أحد أحسست أنه يريد أن يقضى على، أن
يزيحنى من مكانى، وسرعان ما أتخلص منه، ولم لا ؟ فأنا أعرف كل شيء كانت خطبة الصباح تردد آرائى الغالية ،
وصحيفة الحائط تزينها معتقداتى الصائبة وأصبح كل شيء هو أنا، وأنا هو كل شيء ، وظل الناس على
بعد منى لا يدخلون حياتى أبداً . . . ولم أشعر
حينذاك لقسوة الوحدة وأنا وسط الناس، إن ألعن الأشياء أن
تكون وحيداً
بين الناس لأنهم نسخ مكررة منك، أين التفاعل والتضارب الذى يصنع الحياة . . وحين جاءت تلك الاخصائية الاجتماعية
ابتدأت أحس بالخطر المهدد و عشت أياما وشهورا أحاولى أن
أصوغها فى قالب آرائى فلم أستطع، واهتززت أمام نفسى،
ولكنى مضيت فى طريقى ، إذ كيف تأتى تلك الفتاة المتخرجة أول
أمس ، والتى لا تدرى من أمور المدرسة كثيرا أو قليلا تحاول
أن تصنع شيئا غير ما أرى، صحيح أنى أحب الاعترض ولكن فى حدود اختيار
أحد آرائى، لا معنى أن يأتوا بأراء جديدة إذ ليس هناك جديد
مادمت أعرف كل شيء ، صحيح أنى فى أول الأمر تململت من
الاجماع ، ولكن الآن وبعد أن تعودته أجد أن هذا هو أقرب
الطرق إلى العمل المنتج ، ماذا تعرف هى فى شئون مدرستى؟ أى
خبرة لها حتى تقول؟ إن كل ما عليها أن توزع الصدقات وتعفى
الفقراء من المصروفات وأنا لا أعترض، أما أن تتحدث عن
العواطف والإنسانيات فإن هذا يعنى أنى بلا عواطف ولا أفهم فى
المشاعر الانسانية .... لا ... سوف أقضى عليها سوف أسحقها.
ولقد فوجئت بها وهى تحرض أولياء الأمور
ليرشحوا أنفسهم فى مجلس الآباء ليصنعوا شيئاً جديداً ، أى
شيء يمكن أن يكون جديداً عن آرائى ، وهل هناك جديد بعد كل ما حققت ؟
قلت :
-
ولماذا نسميه تحريضاً. . .
ألم يكن مجرد اقتراح.
قالت :
-
ولكنى تعودت أن أقترح أنا، وأن أنتخب، أعنى أباشر الانتخاب،
وأن أسير الأمور كم هى فى صالح المدرسة فإن هذا الاقتراح
مغرض، وهو تحريض صريح .
- وماذا يخيفك ما
دام الرأى الصواب هو الأغلب .
- لقد كنت تعودت
الإجماع، وحين تتعود شيئاً يختل اتزانك إذا تغير ، إذ من أدرانى كيف
تسير الأمور إذا أنا سمحت لها أن تسير بالأغلبية .؟
-
فما وظيفة الانتخاب ومجلس الآباء إذا كان الإجماع
دائما هناك ؟
-
وظيفته أن تصاغ آرائى صياغة مقبولة، ذلك المستشار والد البنت
هناء، كان بارعا فى هذا الشأن، وهو ينتخب دائما فى مجلس
الآباء لذلك فالآراء التى تخرج منه، تخرج فى شكل مقنع .
- أليس هنااك سوى صواب واحد؟
-
بالنسبة لى نعم ولكنى أحب النظام،
والنظام يقول أنه لابد للمدرسة من مجلس إدارة، وأنه لا بد
من مجلس آباء كذلك، ولا بد من ترشيح، ولا بد من انتخاب،
وما دمت أحب النظام، وما دام النظام لا يضر ولا يتعارض مع آرائى،
فلتكن مجالس للآباء وللإدارة وقد كان كل شيء يسير كما أريد، حتى جاءت هذه
الاخصائية اللعينة . - وهل
كانت لها أغراض خاصة؟
-
لا أعلم ... ولا يبدو عليها كذلك ، فهى متواضعة ترفض أى ترقية
وتفضل دورها كإخصائية ، وقد رفضت التفتيش والترقى وتقول أن
عملها مع البنات أقرب إلى الانسانية وأكثر فاعلية وأوسع مجالا
للخدمة، هى إنسانة طيبة ولكنها شاذة وطويلة اللسان، هل تتصور أنها أصحبت أقرب إلى البنات منى أنا التى أصنعهن على
عينى أنا التى أصوغ العرائس، وهى تقول أنها تحاول أن تدب
فيها الحياة، فهى تتعهد عواطفهن وتسمع لهن وتحس بأحاسيسهن، وأنا
أبتعد وأبتعد، ويلفح خلاياى هواء بارد، ويزيد شعورى بالوحدة
وأمج النفاق رويدا رويدا . . . ربما كانت هذه بداية القصة.
-
وسكتت فجأة .
وطال السكوت فقلت :
-
ثم ماذا ؟
قالت :
-
ليس هناك ثم فأنا لا أفهمم لماذا انهار كل
شيء منذ تلك الليلة المشئومة .
لم يحدث أى شيء فى
حياتى ، حتى تلك الاخصائية كانت ترعبنى من الداخل أما فى ظاهر
الأمر فكل الأمور تسير على هواى أقول "لا" يعنى "لا" أقول" نعم" يعنى "نعم" أليس هذا هو المهم
؟
-
ما رأيك أنت ؟
-
نعم إن النجاح والقوة والتفوق هى كل شيء .
- هى
أهداف عظيمة . . ولكن ماذا حدث ؟
-
أنا لا أعرف مماذا حدث ، لهذا إليك ، قل لى أنت ماذا حدث ؟
-
الوحدة . . . والمسافة بينك وبين الاخرين .