الشعلة
والحريق
قال الحكيم:
أما حكاية ذلك
الفتى الثائر فهى حكاية هذا العصر، بل وكل عصر، وقد شغلنا
الاستطراد فى حديث "القفص والسجن" عن صديقنا هذا الذى
آمن حتى كفر، وعاش الكلمات التى قرأها بكل عمق وإحساس نقي،
وحين أراد تحقيقها وجد كل شيء مختلفاً. . .
أراد أن يضيء
فاحترق. . . أو كاد.
قال الفتى:
- وكيف كان ذلك؟
قال الحكيم:
هو فتى من أرض هذا البلد الطيب،
حمل فى نفسه تراث حضارة قديمة أصيلة، وفى جوفه طمى نيلها
القوى الجبار، وانصهرت كل خلية من خلاياه بشمسها المشرقة
الدافئة، وكان يؤلمه أشد الألم أن ينبض وجدانه بكل هذا
الصدق والأمل، ثم هو لا يجد حوله إلا هذا التراخى والشلل،
واتجه إلى الكتاب فعشق الكلمات من صغره، فمنذ العاشرة وهو
يقرأ كل ما تقع عليه عيناه، آسف. . . لم يكن يقرأ الكلمات
بل كان يعايشها، لم تكن الصفحات أمام عينيه مسطحة ملساء بل
كانت دنيا زاخرة بالأشخاص، تنبض بالحياة، لم يفرق أبدا بين
اللفظ والمعنى، كان اللفظ هو معناه فى نفس الوقت. . . بل هو
حقيقته .. كانت لألفاظ حقائق قائمة تسير فى الحياة. بل هى
الحياة. وكان من أول ما عرف من الفاظ هو كلام الله
سبحانه وتعالى، ومثل أهل هذه الأرض الطيبة المنبسطة كان
الإيمان عنده أمرا بديهياً لا يحتاج إلى منطق أو تفكير،
فلأمر ما يدخل الإيمان هنا - إلى القلوب مباشرة دون تفسير
ودون جهد ودون مراجعة، أهى دعة الطبيعة تثير هذا الشيء بداخل
أنفسنا؟ الشيء النابض بالجوع إلى الاتصال بأصل الوجود؟ لماذا
ظهرت الديانات السماوية كلها فى هذه الأرض أو قريبا من هذه
الأرض؟ وكيف لا؟ كيف يمكن وسط هذه الطبيعة السهلة ألا
يتحررالانسان من قشرته الزائفة فإذا به جزء من كل ما حوله،
يحس بالأمن والخير، يحس بالقوة والحق، يحس بالصدق والأمل، إذاً
هو الدين فى صورته الأصيلة، وقد كان نبض الدين فى عروق
صاحبنا أصيل وعميق، ولكنه حين دخل حظيرة الدين دخلها فى صدر
شبابه من باب جانبي، وإذا به فى متاهات وسراديب . . . وابتدأت
تجربته.
جاء إلى شبه مختار. . . وجلس. . وقال:
- لقد كفرت بكل شئ.
قلت: بماذا؟
قال: كفرت بكل ما يقال. . وكل ما كان . . وكل ما هو
كائن، وكل ما سيكون.
قلت: وأنت؟
قال: كفرت بنفسى أولا وقبل كل شيء. . كفرت بالأصل
والفرع، بالسبب والنتيجة، بالحق والباطل، كفرت بالشيء وضده.
قلت: والانسان. . والغد؟
ققال: وبالذات كفرت بالإنسان. . . وبالذات كفرت بالغد. . لقد خدعت بما فيه الكفاية، وما
بقى منى هو العفن الطافى فوق الجسد المتآكل، اشتعلت حتى احترقت،
وحتى الحريق لم يأت على فيتركنى ترابا مقدسا، بل تركنى جسداً
مشوها منتفخا سرعان ما فاحت رائحته. . . لست رمادا بعد . . لم
أمت . . بل جننت. أو هكذا تسمون أمثالى، الموت هو رماد نقى
نظيف، والجنون هو موت عفن كريه، لم أستطع حتى الموت. . لأنى كفرت بكل شيء حتى الموت قلت:
ولكنك مازلت. . هنا
قال: أنا هنا لأتفرج عليك.
كنت قد قرأت عنكم معشر الدجالين
والمشعوذين والفلاسفة وعلماء النفس والأطباء ما شغلنى وبهرنى
لفترة من الزمان، ولكن مثل كل ما قرأت كان يشعل فى شمعة
لها ضوء نورانى بديع، وما إن أقترب منه وأحاول أن أرى من خلاله
الطريق حتى أحترق، يحترق إصبعى ثم تلفح النار وجهي، ثم تحترق
نفسى وفكرى ومبادئى ومثلي، وياليتهم تركونى حتى النهاية ... إذا
لأصبحت رمادا نقيا، ولكن من حولى أطفئونى فلم يبق إلا جسد
ممزق لا حياة فيه، ألا تعرف يا سيادة الطبيب تلك الرائحة المميزة فى من تسمونهم
المجانين، نحن، أنتم تقولون أنها رائحة العرق لأنهم لا يستحمون
هذا وهم سخيف، إنها رائحة عالمية تجدها تفوح مني، رائحة الحى
الميت، ما علينا لا أريد أن أجهلك قبل أن أعرفك. .، أقول كنت
قد قرأت عنكم معشر الدجالين
وأطباء النفس ما بهرنى وأضاء فى شمعة من الشمعات التى أحرقتنى،
ثم طفت جولتى بين الكلمات والأشخاص، بين النظرية والتطبيق، بين
المبادئ والواقع، وانتهت إلى ما تري، وحسن ذكرك فى نهاية
المطاف قلت أتمم الجولة بك.
قلت:
- قل ما شئت.، ولكن تذكر دائما
أن هناك احتمالا آخر.
قال:
- أى احتمال آخر. . لقد جربت كل لاحتمالات.
. هل أحكى لك من الأول. . أم تختار أنت. . لقد جربت كل
الاحتمالات.
قلت:
- قل ما تشاء.
قال:
كان الطريق الأول هو طريق الدين. .
وكنت مثل سكان هذه الأرض الطيبة - التى لم أعد أعرف لماذا
هى رغم كل شيء ما زلت طيبة - كنت أحب الحق، الحق، كان
هذ هو الدين الذى دخل إلى وجدانى دون تفكير، ولكنى أيضا كنت
أحب الناس، كل الناس، ومن أى دين، وسمعت حينذاك دعوة تقول
أن الدين هو دستور الدنيا والآخرة، هو الأول والآخر، هو
السياسة والأخلاق، هو التجارة والصناعة، هو العدالة الاجتماعية
والأشتراكية وكل شيء، هو الحل لكل معضل. . لكل مشكل،
وكنت - وقبل أن أقرأ أى شيء أشعر بأنه لابد أن يكون الدين
فعلا هو كل هذا، وبما أن
الدين هو اتصال الانسان بأصل الوجود، وبما أن الدين هو
الفطرة السليمة، والفطرة هى الجمال والسهولة والحرية والحق
والقوة والحب فى آن، إذاً فلا بد أن الدين هو كل شيء.
ودخلت مع تلك الزمرة التى كانت
تنادى بهتافات نهتز لها صدقا وحماساً. . وجلسنا نتدارس الدين فى
حلقات كانوا يسمونها أسر، ما أحلى أن يجتمع الشباب حول كتاب
الله يشرق بالنور والهداية، وتفقهنا - ولكن كان ممنوعا علينا
أن نتفقه أكثر مما ينبغي،
استبدلوا كتاب الله بكتيبات صغيرة تدخل إلى العقل من الباب
الجانبى للوجدان، ثم تتربع فوق االعقل، ثم تشل حركته، وحين
لتطبيق تشل حركة الإنسان حيث تضيع منه ذاته، وتقوم الحواجز
بينه وبين ربه، كنت أحاول أن أرى نور الكلمات على الوجوه .. وكنت أجده
أحياناً، ولكننى فى أغلب الأحيان كنت أصدم بالتزمت والقسوة، كنت أحاول أن
أتلمس نبض الوجدان فأجد أن صفعات الألفاظ تنهى وتأمر، وأخذت
أختنق رويدا رويدا. . وملأنى الغيظ والحنق وأنا أرى الألفاظ
المضيئة وهى تستعمل لتنير دهاليز لا أعرفها، توصل إلى حجرات
تحت الأرض كلها ظلام فى ظلام، هى حجرات الأسر االسرية قلت فى
نفسى: كيف؟ كيف يكون طريق النور هو حجرات مظلمة تحت الأرض؟ وكيف يتجنبون كلام الله
بشموله ورحمته، ولا نتدارس إلا الحرب والضرب والجهاد. . . لقد
كان الجهاد وسيلة لتعميق وتثبيت الإيمان. . ولكنه لم يكن
بديلا عنه. . ، وصعدت السلم درجة درجة، وكلما صعدت درجة فجعت
فجيعة، فأسرة الشبيبة غير أسرة الشباب العلني، وهى أنقى وأطهر
من أسرة الشباب السرى التى كانت بدورها أصدق وأشرف من مستويات
المسئولين عن الإرشاد. . آه من 'المسئولين' . . كلما اقتربت من
مسئول كانت فجيعتى أكبر، هل أنت مسؤل يا دكتور؟
- نعم . . أنا مسئول عن صحة
االناس . .هذه مهنتي.
- إذا. فأنت لا تعرف معنى كلمة
'مسئول' لو عرفتها ما وصفت نفسك
بهاا، أو أنك مثلهم تافه وسطحى ومتسرع، كنت وأنا صغير
أعتبر المسئول مسئولا، فإذا بى أكتشف أنه كلما كان الإنسان
مسئولا كلما كانت قراراته أكثر سطحية وتصرفاته اكثر انفعالية،
وشخصيته من الداخل أكثر اهتزازا، لماذا هذا التناقض يا دكتور؟
- إن حكمك دائماا مطلق، على أن
التناقض من قوانين الحياة وطبيعتها فى مرحلة ما. . . وتطور
الانسان هو سبيل القضاء على هذا التناقض بمرور الزمن.
- آه. . تطور الإنسان؟ أنت تحلم
كما كنت أحلم وأنا صغير، يبدو أنك لم تنضج بعد يا
دكتور، كيف تقف هذا الموقف
وقد شاب شعرك الباقى على صلعتك؟ سأعلمك أنا معنى التناقض
والنضج: التناقض هو أن تؤمن حتى تكفر، أن تحب حتى تكره، أن
تتحمس حتى تتبلد، أن تصرخ حتى ينحبس صوتك، أن تكبر حتى تموت.
. هذا هو التناقض. . أما النضج
فهو أن تتحور لتتكيف مع كل زيف حولك، ما علينا، دخلت باب
الدين متسلحا بالإيمان وتهت فى سراديب الرسائل الصغيرة واختنقت
برائحة الحجرات الرطبة المظلمة
تحت الأرض، وأخذت الشموع تخبو فى نفسي، وأظلم عقلى ولكننى مددت
يدى أتحسس وجدانى فلسعتنى النار، وفرحت فقد علمت أن الشعلة ما
زالت هناك، لم تخمد بعد، استمتعت بلسع النار لأن أيقظنى قبل
أن يفوت الأوان، قبل أن يعطونى مسدسا أقتل به إنسانا
لا أعرفه، قالوا أنه عدو الله، لسعتنى نار وجدانى فأنقذتنى قبل
أن يطمسوا عقلى بالترانيم والأقانيم والتعاويذ والتسابيح، وحفاظاًَ
على نفسى كفرت بما يفعلون، ولم أكفر بجوهر الأشياء، احتفظت
بالإيمان وكفرت بالكهنوت، حافظت على صلة الإنسان بأصل الوجود ورفضت أوامر القيادات الفارغة
الجوفاء، رفضت اهتزاز اللحى وهى تعزف مقطوعة الإرهاب وأن يشوه الإنسان الخير؟ كيف يصبح
الدين االنابض بالحب والتسامح هو هو طاقة الحقد والقسوة
والتزمت؟ لماذا يفعل الناس بأنفسهم وبمعتقداتهم هكذا؟
***
وانتهت فترة نابضة قاسية من صدر
شبابي. وانطفأت إحدى الشموع، ولكن ضوءاً خافتاً آخر بدأ فى
الظهور، هل تريد أن تعرف بماذا آمنت بعد ذلك؟ ولكن قل لى
يا دكتور هل تؤمن أنت بشيء، أم أنك ترتزق مثل سائر الكهنة
المرتزقة من احتراف مهنة ما. . طبعا أنت مرتزق، هذا واضح،
ولكن هذا لا يمنع من السؤال: هل تؤمن بشيء؟
- أنا لا أصلح لهذا العمل إن لم
أومن.
- وبماذا تؤمن؟
- أومن بالإنسان. . بسلامته وتوحده. .
بقدرته على التطور والتجديد. بوحدة الوجود، أومن بالغد.
- يا سبحان الله. . يظهر أنه لابد
أن تسير طريقى كله حتى تكفر بكل هذا . . أنت تتفرج على الناس من فوق كرسيك
هذا وتتشدق بالألفاظ، ولكنك لا
تعايشها مثلما فعلت، ولكن قل لى بالله عليك كيف تحتفظ
بإيمانك هذا وأنت ترى الفشل تلو الفشل فى صورتنا نحن المرضي.
. ألاا نيئسك فى حياتك وآمالك حين نفشل ونستسلم؟ هل مازلت ترى
نبض الإنسان وراء حطام الجسد الحى الميت؟
- إن ما حافظ على إيمانى بالإنسان
هو قدرته الخارقة على أن يحمع شتات نفسه رغم كل شيء وبعد
كل شيء. . . إن مازاد إيمانى بالإنسان هو رؤيتى له عاريا
يصارع الزيف بالألم نعم بل حتى بالمرض. . 'أنت' الذى حافظت على
إيمانى بالإنسان. . وبالغد.
- أنا . . الله اكبر!. . أنا الذى
كفرت بكل شيء - وخاصة بالانسان وبالغد - أجعلك تحافظ على إيمانك
بالإنسان، وبالغد، ما أعجب هذا: نبى كاافر يؤمن به الناس. .
أليس هذا هو الجنون بعينه.
- انت ضقت بكل شئ. . ولكنك لم
تكفر بعد . . وإلا لما كنت
هنا.
- أنا هنا حتى أكفر بك أنت أيضا.
. أكفر بالطب وبالعلم.
نعم العلم الطبى بعد أن كفرت
بالعلم السياسى والاجتماعي. . هل تريد ان تسمع بقية حكاية
الإيمان حتى الكفر؟
- اسمع يا سيدى: حين تهت فى سراديب الكهنوت، وانتهى الإيمان إلى غيابات
التنظيم السري، وانقلب نور كلام الله إلى إرهاب كلام القادة
والمرشدين، حين تصورت ما بين دفتى المصحف حلا لكل شيء فإذا
بهم يستعملون وسيلة للقهر والقتل والإرهاب الفكرى وجدت نفسى
أرتمى فى أحضان النقيض، وذهبت إلى حيث وجهتنى قراءاتى الاشتراكية
العلمية، فقد كنت مازلت أتلمس الطريق بما أقرأ من كلمات
توجهني، وهناك فى أروقة المادية الجدلية رأيت الإنسان ينتصر على
شهواته، قرأت عن المساواة والعدل، عن الرحمة وحسن االتوزيع،
عن العمل والإنتاج قرأت وطربت ورقصت الكلمات فى وجدانى رغم أنى
تململت من بعض التفاسير المادية البحتة، ورغم أن داخلى رفض
الالحاد والهجوم على الدين، رغم كل هذا فقد ارتقيت فى أحضان المادة و
العلم المادى بعد أن كفرت بالكهنوت، بالمظاهر الدينية، ولكن داخلى ظل
متمسكا بالنبض الصوفى الذى يحس بالله سبحانه رغم كل شيء،
وبلا أى وسيلة، ولا حتى غاية، ولكنى تجاهلت داخلى واندفعت إلى
التفسير المادى للتاريخ، وبما أن الكلمات عندى هى المعنى وهى
الفعل قررت التنفيذ، ولم أدخل هذا السبيل من الباب الحانبي،
بل بدأت الطريق فى الظلام، ومن أول لحظة، فقد كان النشاط
سريا منذ البداية، وكنت قد تمرست على الرؤية فى الظلام من
أيام الأخوة إياها، فلم يكن غريبا على أن أقبل السير فى
الظلام وصعدت السلم من أوله: خلية صغيرة، ثم مسئولية كبيرة،
وكلما صعدت درجة كلما أحسست بالغرابة والانزعاج، فقد كانت الكلمات
المضيئة تتوارى وراء الإجراءات والأوامر والترتيبات، وبدا فكرى
الحر يحتج، وقالوا أنت تحلم بغير الواقع.
قالوا: إن الحرية خطر على الناس، إنهم يستعملونها فى جمع
المال وإذلال الآخرين، إن الحرية بهذا الشكل هى العدو اللدود
للبشر، للطبقة العاملة، ونحن نمثل الطبقة التى تمثل الأغلبية،
ونحن أحرار، إذا فالأغلبية أحرار، وهذا يكفى لقيام الحرية،
ويبدو أن عقلى المثالى لم يقبل إلا الأحلام، وبعثونى فى مؤتمرات
السلام، وما أبهج الكلمات حين تدور حول حلم الإنسان عن
العدل والسلام.
ولكن. .
يا سبحان الله، مما هذه الأسوار
العالية حول الفكر؟ ما هذه القيود حول الجديد؟ ما هذا الخوف
من الرأي؟ إن الأفكار الجميلة حين تخرج إلى التطبيق لابد أن
تتبناها حكومة، وللحكومة 'بوليس' 'وللبوليس' رئيس، وللرئيس صولجان
وهيلمان، وللحزب "مفتى" وللفتوى تفسير، وللتفسير تأويل...
إننا حين نمارس الفكر المشرق فى واقع الحياة نصاب بخيبة أمل
لا حدود لها، وكانت خيبة أملى شديدة حين سافرت إلى بلاد اليسار الأحمر،
حين رأيت الأمل يختنق فى الصدور، حين رأيت الكلمات تنحبس فى
الحلوق، حين اكتشفت أن أفكارى أنا شخصيا تتردد فى الورود إلى
ذهنى، إلى هذا الحد كان القهر وهو أن الإنسان: أنا أمنع
نفسى أن أفكر خشية أن يجرنى فكرى إلى مناطق محظورة تضر
بالطبقة الحاكمة - أعنى العاملة - فى كفاحها المجيد ضد الاستغلال،
الطبقة العاملة هى السيد والباقى طماعون سفاحون خبثاء، ولكن
لماذا نفكر نحن رجال الحزب للطبقة العاملة، أليست لهم عقول
يفكرون بها، ولكن أين هى الطبقة العاملة؟ إنها بين دفتى الكتب
العقائدية، ويبدو أن وجودها غير حقيقى، إذ أننا نتكلم باسمها،
وهم يحكمون باسمها، ثم هى فى واقع الأمر. . أين هي؟. ويبدو
أن تفكيرى كان مثاليا عجز عن استيعاب الدى يجرى 'كمرحلة' فاستعجل الوصول.
وتوقفت فجأة.
وأخذ إيمانى يهتز
وبالمادية، ورفضت أن تحجز أفكارى على أفكارى، رفضت أن تكون
الكلمات الجامدة هى لسجن الذى نسجن فيه الإنسان لصالح طبقه
ما. . رفضت أن تكون هناك وصاية مذهبية على الفكر. . أو وصاية
طبقية على الحكم أو على الشعب: طبقة الحزب وصية على الحكام،
أوصياء على الشعب، والشعب مسموح له أن يفكر فى الطريقة التى
يحقق بها المادية الجدلية ذاتها. . ممنوع الجدل فى الجدل.
.لقد حلت النظرية كل شيء، الانسان يستغل الانسان منذ الأزل،
وقد آن الأوان لتوقف كل هذا، وإذا بالانسان يستغل الإنسان
من أجل أن يتوقف الانسان عن استغلال الانسان.
وكفرت، كفرت. . .
ذبلت شمعة جديدة . .ويئست وأنا
أتحسس طريقى وسط الظلام على ضوء خافت يتراقص، وحين مددت يدى
نحو لضوء احترقت وأفقت، ووجدت أن جذوة النار لم تهدأ.
وانحرفت . . هكذا قالوا!!
وصمونى بالانحراف
وبالنكسة وبالتردى فى هاوية المرتدين االجبناء، وأرهبونى وحطمونى أمام
نفسى، وكان جزء من نفسى يحاول أن يطفى داخلى حتى استمر
فى طريق الفكر المجرد، والعمل المنظم لتحقيق الفكر المجرد،
ولعمل لتحقيق الفكر فى الواقع، كنت أحاول أن أتصور أن الفشل فى التطبيق مرحلة لابد أن نتخطاها، ولكن القائمين على الأمر كانوا واثقين من أنفسهم ومن النظرية أكثر مما ينبغى، أكثر
مما أطيق، لم يكن فى هذه االحياة إلا مذهب واحد. . وللمشاكل
حل واحد و للأمراض تشخيص واحد، لم يكن عندهم إلا تفكير واحد
وحرية واحدة وطبقة واحدة فكل شيء ورد فى أقوال الزعيم، كل
شيء وضع له حل، اليوم وغدا وبعد ألف عام، ورفضت ورفضت. .
كلما اقتربت أطفى االجذوة بأن ألقى عليها حجارة
من الكلمات المرصوصة، كانت نفسى تتلقف الحجارة وتوقدها بالوهج
حتى تحمر الحجارة وتنصهر، وأصبحت الكلمات الجامدة وقودا للثورة على نفسي، ولم أستطع يا سيادة االطبيب، لم أستطع. . .
أنا إنسان خيالى فاشل
ورغم محاولاتى المتكررة أن أعيش واقعى ... أن أواقع الكلمات، أنا لا أقرأ
الكلمات. . أن أعيشها، أنا أعاشرها،
أناغيها، أرافقها، الكلمات تدخل خلاياى وتسرى فى دمى وتنبض فى عروقى، تصبح
هى أنا، وأنا هي، فإذا حاولت أن أسير بها وجدت الفرق شاسعاً بين
ما فى أوراق الكتب وما فى وااقع التطبيق، وخاصة حين أشاهد
مصير الكلمات فى تصرفات الرؤساء. ألم أقل لك أننى كلما صعدت
الدرج كلما ازددت جزعا. كان المسئولون يتراشقون بالكلمات دون معانيها،
كانوا يستعملون المباديء لتحقيق أشياء أخرى غير المباديء.
هل هو الطمع؟
هل هو السلطة؟
هل؟... ماذا؟.
. لماذا؟. قل لى ياسياادة لطبيب النجيب ما هو ذلك االشيء لذى
ينسى الانسان نفسه؟
- الخوف
-
هو ذاك . . الخوف. . لقد خفت كل شيء، إنك إذ تخاف تفعل أى
شيء وكل شيء حتى تنجو من الرعب الذى يتملكك، لقد خافوا على الانسان حتى قضو على
الإنسان، خافوا على العمال حتى خنقوا الحرية، خافوا على أنفسهم حتى نسوا أنفسهم وخفت أنا أيضا، كما أن من حقهم أن يخافوا، فمن
حقى أيضا أن أفر بجلدى وفررت. . . ولكن إلى أين؟ ياوحشة
الطريق. . إليك، إلى الأمان
المطلق إلى الجنون المطبق .. آه .. يا إنسان يا غريب الأطوار. . تبا لك من
حشرة جبانة تهرب إلى الحجر بمجرد سماع وقع الأقدام.
-
إن تجربتك مرة، ولكن لا تمتهن الإنسان، فقد عاش حتى الآن
يصارع نفسه يصارع الخوف. . ومازال دائم التقدم بالرغم من كل شئ.
-
نعم بالرغم من كل شئ. بدليل أنك جالس خلف كرسيك ترتزق من أشلائه المتناثرة
- أنا أعيش
وأفعل ما أستطيع
- وماذا تستطيع حين يكفر إنسان بنفسه. . ماذا تستطيع أن
تفعل له؟
-
أستطيع أن أحبه رغم كل شيء، أحبه جزءاً جزءاً حتى
يجمع شتات نفسه، أثق فيه وهو فى قمة تصدعه. . أصاحبه حتى
يستمر كما ينبغى.
-
ينبغى؟ وماذا ينبغى ياسيادة الطبيب؟
ينبغى أن أغمض عينى وألف أن أذهب إلى وظيفتى وأقبض راتبى آخر الشهر؟ أن أقتنى
امرأة منبهة تنتفخ بطنها بين الحين و الحين ببعض ما ألقيه فيها من فضلات اللذة، حتى تزيد عدد لأحياء التعساء، مذا
ينبغى يا سيادة الطبيب؟. قل لى بربك ماذا تفعل بالناس من على كرسيك هذا؟ أنت تساعد فى"مكينة" الإنسان وقتل مشاعره.
-
بل أنا أساهم فى الحفاظ عليه حتى يكمل طريق الثورة والتطور.
إن المرض رفض، والرفض لا يثمر إلا بقيام الثورة وأنا أقف
بجوارك لتكمل الثورة الإنسانية. . فالثورة لا تكون ثورة إلا بعد تحقيقها . وإلا
فهى الثورة الإنسانية . . فالثورة لا تكون نورة إلا بعد تحقيقه
. . وإلا فهى محاولات مجهضة فى
الظلام. لا يخرج منها إلا مسخ ناقص النمو.
-
عليك نور. . أنا المسخ ناقص النمو أنا المسخ المشوه.
-
ولكن هذا التشوه الذى يظهر عليك مرحلى وسطحى ، أما جوهرك فهو
هو، وإلا ما مرضت، المرض يصبح نعمة حين تخرج منه
أصلب عودا، وأقدر على الاستمرار.
-
الاستمرار؟ لقد حاولت الاستمرار، وباستمرا. هل تعلم ماذا فعلت بعد أن
ضللت فى دهاليز الكهنوت وضعت فى سرديب مادية التاريخ؟
***
ظهر فى هذا البلد
الطيب تحالف لأبنائه، تحالف قوى الشعب العاملة شيء جميل للغاية: الشعب. التحالف القوى العامل. ما أروع كل هذا .. الميثاق االغد المشرق الأرض الطيبة . . مصر . . العمل. . العدل. . الحرية. . ، وقلت
إذ كانت دهاليز الكهنوت قد ساقتك إلى الإرهاب الديني، وكانت
مادية التاريخ قد حجرت على فكرك وحريتك، فها هى الشمس تشرق بهذه التعادلية الجديدة. تحالف قوى
الشعب االعاملة. وتوكلت على الله - فإن مادية لتاريخ لم تستطيع
أن تنتزعه من قلبى ووجدانى - وذهبت إلى التنظيم، وتحمست، فأنا
طول عمرى متحمس، وفى هذه المرة كانت الرؤية واضحة، الأرض
طيبة. . والحياة طيبة. . والناس طيبون والنيل يجرى سهلا. . والودى
منبسط، والله مازال فى قلبى. كل شيء طيب طيب ولابد من تحقيق
العدل. . ولابد من إقرار السلام مسألة ولابد من الحرية،
لابد للناس كل الناس أن يعيشوا و أن يأكلوا، أن يفكروا، أن يتطورا.
وتحالفت مع قوى الشعب
العاملة ولكن . .
ما هذا الذى
يحدث؟ كلما حاولت تحديد شيء ساح كل شيء فى كل شيء، فأنت
هناك بلا قوام، ميوعة ولزوجة وألفظ مرصوصة مرصوصة مرصوصة، مثل
علب الأحذية الفارغة فى محل تاجر أوشك على الإفلاس، والشعارات
الرنانة تطوف حول الرؤوس ولا تدخلها، وأحاول أن أصيح أن هذا
الشيء جديد، ولذلك ينبغى أن
يكون جديدا فعلا وأصيلا، ولكنى اكتشفت أن اليمين يريد أن يخدع به اليسار، وأن اليسار
يريدان يحتوى من خلاله اليمين، وبدل أن يكون هو مجموع
إيجابيات اليمين، واليسار، أصبح حاصل سلبيات اليمين واليسار،
فبدل أن تجمع خمسة زائد خمسة ليصبح التحالف عشرة، كنت تطرح
خمسة من خمسة فإذا بالناتج صفر، وهأنذا. . أنا هو الصفر. . أنا
اللاشئ أنا المؤمن الذى كفر بكل شيء وحين انهار البناء
فوق رؤوس الكهنة المتشدقين بالألفاظ الجوفاء كنت أنا قد
انهرت من زمان. . سوف تقول لى إنهم يعيدون البناء. .ولكنى
مريض لم أعد أومن بشئ . ولا أثق إلا فى أنا شخصيا، وأنا لا شيء. . حاولت كل طريق ولم أحصل إلا على
التمزق فالجنون، آمنت بكل لفظ حتى سقط هرم الألفاظ فوق
مبادئي، أنا الآن عار من المبادئ، ومن
الألفاظ، ومن المعاني، ومن الحياة، فما حيلتك فى؟!.
قلت له:
-
ولكنك مازلت ثائراً.
-
لا تقل هذا. . كفانى ثورة
- بل أنت ثائر على
تصور فشل الثورة، لذلك فأنت ترتدى مظر الاستسلام. . ومازالت الجمرة متقدة فى داخلك.
- لا تحاول أن تبعث
فيها الحياة. . لقد انطفأت الشموع جميعا وعم الظلام.
- الشموع قد تنطفيء،
والجمرة قد يعلوها الرماد، ولكنها متقدة فى داخلك.
- لا ترسل نسيم
ألفاظك إلى حيث لا تعلم، فإنها لو أشعلت الجمرة
فلا أحد يعرف كيف سأنفجر، سأتحطم تماما وقد أحطمك معى. . ألا
تسمع عن المرضى الذين يقتلون. . أنا أشعر الآن بمعنى ذلك،
فالإنسان القاتل فى جوف هذه الجمرة، فدعه يكتوى بها حتى يحترق ويموت
.
- إذا فهناك جمرة.
- تحترق. . فيه
ساعدها بعقاقيرك المهدئة العظيمة. . ولا تهيجها بألفاظك المثيرة.
- بل العقاقير تهدئها
مرحليا حتى تصبح طاقة قادرة على الاستمرار.
- وماذا بقى منى حتى
أستمر.
- هذه الأشياء لابد
أن تتجمع. . وتعود إلى حياتك العادية.
لتجعل العالم كله غير
عادى . . بالتطور والعمل والاستمرا.
-
ولكنى فشلت. . فلماذا التطور ودائما التطور؟
-
لأن الإنسان متطور بطبعه.
- ولماذا أنا بالذات.
-
لأنك مرضت، إذاً فقوتك االداخلية أكبر من سائر البشر، إذ
فأنت تحمل رسالة التطور.
-
وهذه الرسالات التى آمنت بها حتى كفرت، ألم تكن وسيلة
للتطور.
-
وهى دليل التطور.
-
إذا لماذا احترقت ينارها وشككت فى كل شئ . .
على فكرة أنا أشك فيك.
-
هذ بديهى.
-
وأرى خيالات وصورا وأشياء كثيرة من حولى.
-
مثل ماذ؟
- أرى أفلاطون وأرسطو
وبعض الأنبياء، أى والله أحيانا أعيش فى جمهورية
أفلاطون، وأحيانا أنام فى غار حراء. . ما أجمل كل هذا رغم كل شئ ... ، أن تعيش مع هؤلاء الذين استمروا ليغيروا العالم دون أن يمرضوا، ولا أن ينهاروا،
ولكن من يدرى؟ لعله لو كان هناك أيامها طب نفسى كنتم قلتم
أنهم مرضى. . كل شئ جائز، فالعلم الحديث خليق أن يشوه كل شيء، أن
يعطى رقما رمزيا أو إسما تشخيصيا لكل نبض إنسانى حتى يطمسه،
على فكرة. . ما اسم مرضى؟
-
ليس لمرضك اسم.
-
طبعا
... تخفيه لأنه الجنون .. فما معنى الجنون؟
-
أنا لا أعرف معنى لهذا اللفظ. . . ولكن ما أنت فيه هو أزمة
التطور. . أما ما يسمونه جنونا فأن لا أعرفه إلا حين تتم الهزيمة
الكاملة.
-
ولكنى هزمت نفسى. . . فعلا.
-
ليس بعد
-
إذاً ماذا؟
-
لا بديل للاستمرار
- فما تفسير
هذا الفشل كله؟
-
لقد نسيت أن تطور الانسان يحتاج لآلاف السنين.
- إذاً لا
بد أن أعيش آلاف السنين حتى
أتطور.
-
بل بمجرد أن ترفض الهزيمة والاستسلام فإنك
تكون قد أديت دورك لتسلم لشعلة لمن بعدك، ليخطو هو أيضا نحو الغد.
قال:
-
لفد خطوت خطواات وخطوات، وفى كل طريق حسبت أنه يوصل، ولكن الناس. . . السادة الكبار. . أفقدونى ثقتى بالمبدأ و
بالكلمة وبالحق وبالغد. . هذه هى نهاية الطريق . . حطام فى حطام
قلت:
-
بل إنها محنة على الطريق. . إن المبدأ لا يعيبه تأخر تحقيقه أو صعوبة تطبيقه; كل إنسان لابد أن يأكل
ويعيش، لابد للحق أن ينتصر، لابد للحرية أن تزدهر، فقط. . . .الوقت،
الإشكل الآن هو أن إنسان الأمس بخوفه وضضعفه ونقصه، يطبق
اليوم. . نظرية الغد، فينشأ التضارب والفشل، ولكن الفشل فى
التطبيق لا ينبغى أن يفقدنا الثقة فى المبادئ .. وفى الغد .. وفى التطور.
-
إذاً ماذا؟
-
أنت لا تملك إلا هذا.
-
هذا ماذا؟
-
أن تستمر.
-
لم أعد أستطيع.
- الكيمياء تهدى لألم وتحافظ على قوة الجمرة وإن خفت بريقه
مؤقتا. . ثم تستمر.
-
وكيف أطمئن ثانية بعد أن هزنى الخوف والشك
-
ليس هناك بديل.
-
وماأدراك
-
خبرتى وعلمى وحبى للانسان لذى لا يهتز.
- هل
تحب الإنسان، فعلاً؟
-
نعم
-
حتى الشظايا المنتفخة بالعفن
- وبخاصة الشظايا المنتفخة بالعفن فوراءها طاقة
الانسان المتطورة الخلاقة.
-
ولن تتخلى عنى؟
-
لا أستطيع
-
مهما أصابتك شظاياى؟
-
مهما حدث