كرسى على عجل
لا يولد المحترم على هذه
الأرض محترما، فالفطرة لا تعرف الاحترام، الفطرة هى الجمال
ومخالفتها قبح، والجمال هو الإنسان كما هو دون تشويه، والقبح
هو مسخ الطبيعة السهلة، أما ما عدا ذلك من مقاييس فنحن
الذين وضعناها ثم ألصقناها على أقفيتنا وجوه الآخرين مثل أرقام
العربات. فقد ولد المحترم مثله مثل كل الناس عاريا إلا من
سوائل أمه، ولكنه حين شب عن الطوق وأصبح شابا يافعا يحمل
شهادة متواضعة ويأخذ مرتبا ضئيلا تغير الحال، ودخل مرحلة
جديدة تماماً.
فقد تركه أهله حيث
استطاعوا أن يوصلوه، وما كانوا يستطيعون أكثر من ذلك، يكفيهم
أنه أحس منهم 'اجتماعيا' يلبس حلة ورباط عنق وينادى 'بالأستاذ'،
كل هذا جديد على الوالدين - الأسطى وزوجه - وهما به راضيان.
ووجد الشاب نفسه فى وضع
جديد، أصعب ما فيه هو الاختيار، وتساءل كيف يصنع ذاته
انطلاقا من هذه البداية الجافة، كان عليه أن يكمل الطريق .
. ولكن . . إلى أين؟
ونظر فى الناس وفى نفسه
فوجد أنه يمكنه أن يصنف البشر بمقياس شديد الأهمية مقياس
'الاحترام' وهو مقياس فرضته عليه بيئته منذ رأى التغيير الذى
طرأ عليهم نحوه حين ارتدى حلة ورباط عنق . . حتى 'قهوة المعلم
زلط' التى كان يجلس عليها
طالبا بجلباب أو "قبقاب"،' أو بهما معاً، وناسها هم
ذات الناس، تغيرت نظرتهم له، وبذا أيقن ان 'الأستاذ' ذا
الحلة. غير 'الواد' ابن الأسطى وقال: من هنا . . . أبدأ.
فالمقياس الأول الذى يقاس
به الناس- فى تجربته - هو الأحترام، وهو مقياس صعب، لأنه
تختلف قراءته باختلاف اتجاه العينين، هل تنظران إلى الداخل أم
إلى الخارج.
***
قال الفتى للحكيم:
-
ولكن كيف تختلف المعايير والصفة واحدة.
قال الحكيم:
-
فاعلم يابنى أن الناس فى هذا السبيل أحد أربعة.
محترم فى نظر نفسه غير
محترم فى نظر الناس، وهذا قد يقولون عنه شاذ أو عبقرى أو
ثائر أو حتى مجنون.
ومحترم فى نظر الناس وكأنه
كذلك فى نظر نفسه وهذا هو الذى يسمونه "الواصل الناجح"
وهو يسمى نفسه بالخداع "الناصح الفالح".
ومحترم فى نظر الناس وليس فى نظر
نفسه، وهذا هو الناجح الذى لم يخدعه النجاح أو الوصول فهو ما
زال باحثا عن شيء يبرر به حياته ووجوده واستمراره.
وغير محترم لا فى نظر نفسه ولا فى
نظر الناس، وهذا هو المتشرد أو المهرج أو هما معاً.
قال الفتى:
-
ولكنى أراها صورة محددة أكثر من اللازم، قاتمة أكثر من
الواقع، فما هو الصواب، وسط كل هذه التصانيف.
قال الحكيم:
ولكننا يابنى لانتحدث عن
الصواب والخطأ بقدر ما نتحدث عن الحياة كما هى حتى لو كانت
كلها خطأ، كما أن هذا التحديد لا يعنى واقعاً مرسوماً بالحساب الدقيق، بقدر
ما يعنى نماذج يتراوح الناس بينها جميعاً وإن لم يتصفوا
بأحدها وصفاً يطابق كل التفاصيل، ثم إننا نتكلم عن صفة
واحدة من الصفات لا يتحدد بقيمتها الإنسان، فهى بعد واحد
تكلمه أبعاد، وقد تأخذ صفة من الصفات أكثر من حقها
وتأثيرها عند أحد الناس وتأخذ أخرى نفس المكانة عند آخر،
فنحن إذ نركز على 'الاحترام' هنا إنما نحكى حيرة إنسان بين
رأيه الخاص فى نفسه ورأى الآخرين فيه، حينما يعتنى بالمظهر دون
الجوهر.
قال الفتى:
-
وكيف كان كذلك؟
قال الحكيم:
- تحير صديقنا أشد الحيرة
بين هذه الأصناف جميعاً رغم أنه لم ير أبعادها تماماً، فقد
كان فى أول الطريق، وراجع نفسه ونظر فى أمره وأمرهم، مرة
ومرة، فأحس أن هذه الصفة تبدأ منهم "هم"، هم الذين
اخترعوها، ووضعوا أبعادها، وحبكوا أطرافها، ثم ألبسوها من شاءوا،
وخلعوها عمن أرادوا، هم الذين غيروا معاملتهم له حين تغير
مظهره، هم الذين فرضوا عليه تغيير تصرفاته لمجرد أنه ارتدى
الحلة ولبس اللقب . . فطبيعى أن يفكر فى أن يضعهم فى الاعتبار
الأول. . أن يكسب احترامهم. . ثم يكون احترامه لنفسه مستمدا
من ذلك ماداموا هم أصل هذه الصفة وأصحاب السبق فى صنعها،
وأصحاب الحق فى منحها أو منعها.
قال الفتى:
-
إذا فقد قرر أن يكتسب احترام الناس أولا، ليحترم نفسه كذلك،
وكأنه أراد الاثنين معا.
قال الحكيم:
نعم ; ولكنه لم يجد الطريق
سهلا كما تصور; فلكى يحترمه
الناس كما ينبغى لابد أن يرضيهم أو يرهبهم.
ولكى يحترم نفسه - بينه
وبين نفسه - لا بد أن يفعل ما يقتنع به وهو لا يمكن أن
يفعل ما يقتنع به; وفى نفس الوقت يرضى الناس ويرهبهم فى آن
واحد.
قال لنفسه: لعل الاحترام يأتى على مراحل; ما دام فى الأمر
تناقض أو تعارض، وقال :فلأحصل على احترام الناس، ثم أرى ماذا
يكون من أمرى بعد ذلك.
وتساءل: كيف يحترم الناس
الناس؟
إنه فى تجربته القريبة تبين
أن الاحترام جاءه أول ما جاءه حين ارتدى الحلة ولبس اللقب،
فالاحترام يأتى - أوعلى الأقل يبدأ - بالمظاهر; سواء كانت فيما
يرتدى الإنسان من أشياء; أو فيما يقتنى من صفات تلمع كما
تلمع الأشياء.
وقال فلأ سلك هذا السبيل
لأنه يبدو أن "الوصول" نهايته.
وبدأ يجمع الأشياء - والصفات
التى هى كالأشياء - حول نفسه; بدأ يلتصق بكل ما حوله من دواعى
الاحترام ليصبغه بذاته أو يصبغ ذاته بمتطلباته، بدأ يلمع
صفاته مثلما يلمع حذاءه سواء بسواء.
وصعد الدرج بجهد عظيم.
فمن بعد الوظيفة المتوسطة
بالشهادة المتوسطة; حصل على شهادة أكثر زركشة هيأت له وظيفة
أكثر احتراماً.
ووجد نفسه لا يعترض على
أحد أكبر منه أبدا حتى يكمل طريقا رسمه، ولا يخالف أحدا
أصغر منه أبدا إلا إذا عاق طريقه الذى رسمه، وعاش ملتصقا
بكل الناس وكل الأشياء حتى وصل إلى ما أراد وحقق خططه كما
سعى إليها، فاقتنى فيما يقتنى من أربطة العنق والأحذية المميزة;
كرشا صغيرا وضعه أمام بطنه فى وقار وهادىء، واختبأت عضلاته فى
ثنايا طبقات الشحم دليل الراحة والعز... و... والاحترام، وأصبح
مكتبه يقاس بالأمتار، ولابد أن حجرته تقاس بخمسات الأمتار لتسع
هذا المكتب ذى الكرسى المتحرك على عجل، وكانت "النظارة"
علامة أخرى تكمل الصورة المهيبة، وترجح احتمال أن الرأس الذى
وراءها قد مر به شيء مقروء من الكتب الكثيرة التى تزين
الحائط، وليس مهما بعد ذلك أن يتبقى شيء فى ذلك الرأس أو
أن يخرج منه شىء.
ولما تأكد له أنه أصبح
'محترما' فعلا; اكتشف أنه قد قارب نهاية العقد الخامس من
عمره; وكان قد بدأ الطريق ولما يدخل بعد فى العقد الثالث؛
وعجب كيف مرت كل هذه السنين فى "مرحلة" واحدة من
مراحل؛ الاحترام; ألم يعاهد نفسه أن يكسب احترام نفسه فى
النهاية؟ وكان يتصور أنه لابد أن يحترم نفسه التى حصلت على
كل هذه المكاسب; وبذلت كل هذا
الجهد.
إنه عصامى ناجح.
فلابد أن نفسه لذلك تستأهل
الاحترام، لانها لو لم تبذل كل هذا الجهد الذى بذلت، وتصعد
هذا السلم الشاق لأصبح الآن على أحسن تقدير مدرساً أولا فى
مدرسة ابتدائية أو مدرسا عاديا فى مدرسة إعدادية . . ولكنه
الآن مدير عام . . يجلس أمام مكتب يقاس بالأمتار على كرسى ذى
عجل; وإذ بهذه الفكرة تمر برأسه دفع كرسية فتحرك فى نعومة
على عجلاته دون أن يصدر صوتا ذا بال . . . ولكنه حفيف ناعم ينساب دون أن
يشعر به أحد، ولكن حياته أصبحت تتحرك بهذه الطريقه تماما،
لقد تعود حركة الأيام وهو "مطمئن إليها" مثلما تعود
حركة الكرسى الضخم الفخم، ولكن هل هو مطمئن فعلا أو أنه فى
سباق عميق؟ وهل حقق فعلا ما أراد؟
وحين انتبه إلى شيء عادى
جدا. . انتبه لكل شيء.
ونظر فى كل شيء فلم يجد
فيه نفسه لقد وجده ملتصقاً به وليس جزءاً من ذاته.
ولكن أين ذاته وراء هذه
الواجهات الكبيرة؟
ما هذا الشعور الجديد الذى
قلب كل شيء عادى إلى موضوع غريب يشغله ويؤرقه; حتى الملابس
التى يرتديها أحس باحتكاكها بجلده، هل يحس كل الناس احتكاك
ملابسهم بجلدهم هكذا؟ وكيف يعيشون ويتمتعون لو تتبعوا حركة
ملابسهم على جلودهم؟ ولماذا تتحرك ملابسه هذه الحركة البطيئة؟
ولماذا تبدوا وكأنها مبطنة بمادة لزجة، لا هى شديدة القوة حتى
يصبح الخارج جزءاً من الداخل، ولا هى شديدة الضعف حتى يحصل
انفصال وتحديد، إن هذا الشعور باللزوجة لهو شعور لعين خانق.
ولكن هل يحس الناس بهذه
اللزوجة مثله؟ مستحيل. . لو أحسوا بها مثلما يحس هو لما
استطاعوا أن يعيشوا أو يتحركوا، فهو يحس بالأشياء ملتصقة به
وليست جزءاً منه، كل هذه الأشياء التى اشترى بها الاحترام لم
تدخل نفسه، هذا الكرسى والمكتب والشهادة والوظيفة، كل هؤلاء
الناس وهذه الأشياء ملتصقة به وليست فى داخله.
كيف لم يلاحظ ذلك أثناء
سعيه نحو الاحترام؟
لقد كان صادقا مع نفسه
بدأ الطريق، لقد اختار أن يسعى إلى احترام الناس ليحقق احترام
ذاته، لماذا؟ هل أخطأ الطريق؟ وحاول أن يصل إلى ذاته فحالت
دونه هذه الطبقات الملتصقة بسطحها؟
وقال: فليتخلص مما لم يعد فى حاجة إليه من كل هذه
الملصقات، وقام ينزع الشهادة المزركشة من على الحائط، فكل
الناس تعرف أنه يحملها ولا داعى لمزيد من الإعلان.
ولكن ما بالها لا تخرج
معه وكأنها ملتصقة بالحائط؟ وكأن حائط الحجرة سينزع معها إذا
هو نزعها، وشدها بعنف حتى كاد ينطرح على ظهره ووضعها داخل
الصوان، ولكنه أحس أن الحائط يتبعها مع الشهادة داخل الصوان،
وأصبحت الحجرة بثلاثة حوائط، واكتشف انفتاحه على الخارج وتعريته
بمجرد نزع غطاء من أغطيته اللزجة، وتأكد أن كل شيء ملتصق
بكل شيء، ولكنه التصاق مائع لا قوام له، وكلما حاول أن
يزيح شيئًا آخر من ناحية أخرى انزاحت معه سائر الأشياء.
ولم ينم ليلته.
ولا الليلة التى تليها. . .
وليال أخرى كثيرة، قضاها يحاول الوصول إلى نفسه وراء هذه
الأغطية المحترمة وهو لا يستطيع، فهى إما أن تنزاح جميعا ثم
هو لا يجد نفسه وراءها حيث لا
يتبقى إلا الفراغ غير المحدود، وإما أن تبقى كلها فى
التصاق رهيب مقيت، ولم يستطع أن يصارح أحداً بشىء، واشترى
منوما يتخلص به من أفكارالليل، آملا أن الانغماس فى العمل
سوف يخلصه من أفكار النهار،وكانت الأفكار كلها تدور حول سؤال
واحد.
هل هو محترم "فعلا"؟
ولكن يبدو أن النوم يحدث
مفعوله بأن يزيد الأشياء به التصاقا فتجثم على نفسه فينام،
ولكنه لايكاد يستيقظ حتى يحس باللزوجة المضنية المرهقة، وتثاقلت
حركته وهو يحس بكل هذه الملصقات تروح وتجيء معه فى كتلة
متشابكة تحول بينه وبين نفسه، ورغم أنه كان يحاول إخفاء كل ما
يدور، إلا .. 'أنهم' بدأوا يلاحظون عليه تغيراً فى التصرفات،
وشروداً فى الرد، وإهمالا فى المظهر.
وانشغلت زوجته عليه - وكانت
من أسباب الاحترام. . وعلاماته كذلك - فقد كانت من عائلة لها
اسم، والاسم له رنين.
وقالت: مالك؟
قال: ماذا فى؟
-
لست كعادتك
-كل
شيء كما هو (وأكمل فى نفسه: 'من الظاهر'. . وهذا ما يهمكم).
-
ولكن هناك شيئا يشغلك.
- لا شيء . . لاشيء. .
البتة: المكتب هو المكتب، والمقعد لا يزال يتحرك على عجل
ناعم ليس له صرير، والمنزل كما تحبين والمائدة أضيف لها
قطعة جديدة لتسع عدد الضيوف
المتزايد، والعلاوات فى مواعيدها، والشركة حصلت على 'كأس الإنتاج'
. . كل شيء على ما يرام، لا بالك.
قالت:
-
فهناك 'أخري'
-
أهذا ما يشغلك؟ وماذا أفعل بالأخرى؟ إنها ستلتصق بسائر
الأشياء فتصبح من ذات الكتلة اللزجة.
-
ماذا تقول؟ أى التصاق وأى أشياء.
-
ما عليك. . كل شيء 'تمام'.
وليس هناك أخرى ولا يحزنون.
وكاد يقول: بل إنه ليس هناك شيء البتة، كل شيء على السطح
يحول يبنى و بين نفسي، كل شيء ممسك بكل شيء آخر، وأنا
عاجز، لا أستطيع أن أزيح شيئا واحدا إنها سلسلة متكاملة من
دواعى الاحترام الذى يكتم أنفاسى ويكاد يزهق روحي.
ولكن من الذى يفهم حتى
أقوال له ما بي، لو كانت زوجتى ليست "محترمة" ولو لم
يكن اسم عائلتها بهذا البريق، ربما حدثتها فى أشياء صادقة
ليست محترمة، ولكن لماذا أفترض مسبقاً أنها لن تفهم؟ فلأ
حاول.
وسألها:
-
هل أنا محترم؟
وقالت:
-ليس
هذا وقت المزاح.
-
ولكنى لا أمزح.
-
لا تمزح؟ إذا ماذا تقول؟
- أنا أسألك: هل
أنا محترم؟
ولما رأت الجد فى عينيه . .
امتقع وجهها وقالت:
- وماذا تعنى؟
فأعاد:
-
هل أنا محترم؟
ثم ضحك.
وتأكد أنه يمزح.
وعادت إليها ابتسامتها
واستمرت تجدل خيوط الصوف بين يديها وقالت:
-
أنت سيد الناس.
إذا . . فهذا هو الاحترام،
هو سيد الناس، هل لابد أن يسود الناس ليصبح محترما، وهل
هو سيد الناس؟ أى ناس؟ إنه لا يعرفهم ليس فى حياته ناس،
الناس فى حياته وسائل لما هو فيه. . إن أى تعامل له معهم،
له هدف آخر غير 'التعامل معهم. . هم' هو لا يعامل الناس
لأنهم ناس، ولكن لأنهم وسائل للحصول على شيء يجلب احترامه.
أى خدعة عاش فيها عشرات
السنين يحاول أن يكسب احترام ناس ليسوا فى حياته، إذا ما
الذى بقى فى حياته؟ المكتب الضخم والكرسى على عجل، والشهادة
المزركشة، والاسم، والمركز، والإنتاج . . . أى إنتاج؟ أهو مقتنع
بأى شيء أم هو يسعى إلى إرضاء الكبار وإرهاب الصغار، لقد كان
وهو أول الطريق يعتقد أن اكتساب احترام الآخرين يأتى بالرضا
والرهبة فى آن، وقد خصصت الأيام الرضا للكبار والرهبة للصغار.
ولكن... ما ثمن كل هذا؟
ماثمن هذه الهيئة والاسم وكل شيء؟ وحتى بمقياس الاحترام هل
أمكنه أن يعلم رأى الناس فيه فعلا؟ هل يحترمونه أم يحترمون
مركزه؟ وهل هناك فرق بينه وبين مركزه؟
فليحاول.
ودق الجرس وحضر السكرتير
يحكم رباط حلته، وطلب "سيادة المدير" منه قائمة بأسماء
المستخدمين، وحسب السكرتير أن فى الأمر علاوات، فتملل وجهه وهو
راجع بالقائمة، وقال له "صاحبنا"
-
افتح أى صفحة.
وتساءل السكرتير.
-
أى صفحة
-
نعم أى صفحة.
وحاول السكرتير أن يحول
دون حاجيبيه أن يرتفعا، وحين لم يستطع دار حول المكتب ليحول
دون المواجهة الكاشفة، وفتح أى صفحة وبها قائمة طويلة من
الأسماء، وقال له المحترم.
-
أبسطها أمامى.
فبسطها السكرتير.
فأغمض صاحبنا عينيه ومد
سبابته كيفما اتفق ليضعها على
أى اسم فى أى مكان، وقال لسكرتيره.
-
استدع هذا الموظف.
وبجهد بالغ تماسك السكرتير
حتى لا تفلت أعصابه ويقول ما يعتقده وكان عقله مازال مشغولا
بالعلاوات، فتصور أن كل هذا ما هو إلا تحقيق حلم رآه
سيادة المدير فى منامه، وقال فى نفسه 'ربما وزع سيادته جائزة
الإنتاج هذا العام بهذه الطريقة، فتحل البركة فى إنتاج العام
القادم؟'
وجاء الموظف الصغير، وانصرف
السكرتير.
وطلب صاحبنا من الموظف -
الذى كان حائرا بين الرهبة والأمل أن يجلس، وسأل
"المحترم" الموظف :
-
ما رأيك فى؟
وقال الموظف:
-عفواً
وقال المحترم:
-ما
رأيك فى؟
-
أنا؟
-
نعم
-
رأيى فى سعادتك 'أنت'؟
-
نعم
وقال الموظف فى نفسه 'اللهم
اجعله خيرا' وأكمل.
-
رأيى أن سعادتك. . . سعادتك . . . 'المدير'
قال "المحترم"
-
رأيك فى .... أنى "المدير"؟
قال الموظف وقد أحس أنه
ربما أخطأ.
-
بل "سيادة المدير العام"
قال المحترم:
-
شكراً . . وآسف لإزعاجك
وقام يوصل الموظف الغير -
لأول مرة - حتى باب المكتب، وهو يطيب خاطره.
وانصرف الموظف . .
وبدأ الهمس.
ومازال هو يفكر.
أين أنا؟ هل أنا 'سيد
الناس'؟ هل هذا هو الذى سعيت إليه منذ التاسعة عشرة من عمرى
حتى قاربت الخمسين.
كيف نسيت نفسي، وكيف
الخلاص؟
ولم ينم ليلته.
ولا الليالى التى بعدها
ولم يعد يؤر فيه المنوم
***
قال الفتى للحكيم:
-
ولكن هكذا يعيش كل الناس. . . بل هذا ما يتمناه أغلب الناس.
. . فما الذى أزعجه أن يعيش مثل الناس؟
قال الحكيم:
-
وربما هذه هى المأساة. أن يعيش الناس مثل الناس وبالضبط فلا
تصبح مجموعة أفراد ولكن نسخ ترقص كالقرد .. ثم
قال الفتى:
-
ثم ماذا..؟
-
ثم يصحو الانسان ليهاجم ذاته. .
ويسقط احترام الآخرين
- ولكن إذا فقد الإنسان
احترام الآخرين ماذا يبقى له.
قال الحكيم:
-
ومن قال إن على الإنسان أن يفقد احترام الآخرين حتى يعيش
حياته فى صدق.
قال الفتى:
-
ولكن أليس الصدق فى الحياة هو فعلا مشكلة الحياة.
قال الحكيم:
-
و لذلك يعيش أغلب الناس مغمضى العينين تسرقهم الأيام، وهم
يحسبون أنهم يسرقون الأيام، وتنتهى حياتهم فى لحظة لم يضعوها
فى الحساب.
قال الفتي:
-
ولكن لو رأى الناس كلهم الحقيقة. . . . لا ضطربت المعايير
واختفى من مظاهرالسعادة.
قال الحكيم:
-
ولكنك تقول 'مظاهر السعادة' وليست السعادة، وربما لو رأى الناس
الحقيقة لبحثوا عن معايير جديدة، وربما وجدوها، لأن الإنسان إذا
رأى الحقيقة وحده وسط هذه المعايير الشائعة حدث له ما حدث
للمحترم.
قال الفتي:
فماذا كان من شأنه بعد ذلك؟
قال الحكيم:
-
لم يعد ينام ليله، ولم يعد يؤثر فيه المنوم وتبين أن رؤيته
لواقع الأمر كانت أقسى مما حسب لأنها تأجلت سنين طويلة وأخذ
يراجع مواقف حياته، ويسأل نفسه لماذا لم ينتبه عند كل 'مفترق
طريق'؟ ولماذا لم يضع لنفسه محطات من بادئ الأمر يقف عندها
ويعيد فيها تقويم تجربته: ينظر فيما كان ويستطلع ما يكون،
إنه كان فى شبابه أكثر وعيا وأدق حسابا، وهو حين بدأ
الطريق بدأه وهو فى كامل وعيه، وقد كان مقدراً أن يكون
احترام الناس خطوة نحو احترام نفسه، ولكن هذه الخطوة طالت
حتى التهمت ثلاثين عاما بالتمام.
وتساءل ألا يمكن أن يكتفى
باحترام الناس وتمضى أيامه الباقية مثلما مضت أيامه السابقة؟
ولكن كيف مضت أيامه السابقة؟ إنه لا يدرى، لقد انزلقت به الأيام
وكأنها كانت تتحرك على كرسيه ذى
العجلات، وما نهاية هذه المرحلة
التى يخوضها مع الناس والأشياء الذين يمثلون كتلة واحدة تحول بينه وبين
نفسه، أين الصديق؟ أين الانسان الذى يستطيع أن يحدثه فى كل
شئ بلا "احترام" ولا حساب، وأخذ يبحث عنه وسط الناس،
وتأكد أن حياته ليس بها ناس وإنها شخوص تستعمله أو يستعملها
ليحقق كل واحد للآخر خدعة تلتهم بعض أيامه، وكأن الخدع قد
صفت فى تسلسل تصاعدي، وجعلت وظيفتها الأولى هى التهام الأيام،
وكلما كبرت الخدع وتضخمت كلما زاد عدد الأيام التى يمكن
أن
تلتهمها بلا حساب.
وتساءل: هل وجدت هذه الحياة لقتلها
بالزيف، وهل جعلت الأيام لتلتهمها الخدع، ولماذا نضع الأهداف -
ونحن لا ندرك لها قيمة حقيقية
- ثم نستعجل الوصول إليها وكأننا نستعجل نهايتنا؟
ولم ينم.
وبدأ عليه شحوب ..، ثم
ذبول...، ثم ذهول...
***
وبعد برنامج تلفزيونى سخيف،
كنت أحد شخوصه، رأيته لأول مرة.
***
جاء وحده ليستكشف، ليتأكد
من سخف هذا الطريق، فهو فى نظره مثل كل الطرق، سوف يلتهم
بعض أيامه. . ويتركه أكثر
ضلالا، وضياعا.
قال بعد أن جلس فى غير
اكتراث
-
هل هو أنا
-
أهلا
-
إسأل
- بل أسمع
-ماذا
تريد أن تسمع
- ماتحب
-
ولكنى لا أحب شيئا
-
ماذا تشعر؟
-
أشعر بالغرق الوشيك فى مستنقع اللزوجة. . . والركود
-
فهو وشيك. . وليس واقعا بعد. .
-
ولكنه أكيد الوقوع لا محالة
-
هل هناك شيء أكيد . . بهذا الجزم.
-
النهاية أكيدة
-
ولكن النهاية توقيت، ووقتها غير
معروف، فيصبح تأكيدها مغالطة.
-
ولكنها حتم
-
ولكنها نهاية طريق. فلابد أن نرى الطريق ولو كان طريق
النهاية.
-
لقد ضللت الطريق. . . لقد غصت إلى حيث لا قرار . . ولا أعرف
السباحة.
-
ولكنك تحاول
-
وهذه هى المصيبة الكبرى، ياليتنى ما حاولت . . وما صحوت، فما
أجمل أن تتمدد فوق سطح طرى ناعم . . على شرط ألا تفتح عينيك
ولا تحرك أطرافك ولا تسمع ولا تشم ولا تحس ولا تدرك، إذا
فستمضى من النوم إلى الغيبوبة إلى النهاية دون أن تحس بشيء، ولا
أن يحس بك أحد، ولكن الويل لك لو استيقظت قبل أن تنتهي:
ستجد السرير الطرى الناعم ليس إلا مستنقع الدهن والعرق، وسوف
تجزع كما يحق لك الجزع، وتبدأ المحاولة التى تقول عنها، وآه
من محاولة العوم فى مستنقع الدهن والعرق، وخاصة بعد أن
تستيقظ حواسك، ماذا تسمع غير حفيف اللزوجة، ماذا تشم غير
ثقل الهواء بلا رائحة، ماذا تحس غير قشعريرة الميوعة وخدر
الهلامية.
هذا هو الحال، ولن ينفعنى
مجييء أو ذهابي، فكل شيء قد التصق بكل شيء، ولا تزيدنى
حركتى إلا إنهاكا وشعورا باثقل وأحاول أن أغمض عينى لأتصور
البحر سريراً ناعماً فلا أستطيع، حتي النوم لا أستطيعه ماذا
تستطيع أن تفعل لى؟ هل تستطيع أن تغمض عينى ثانية، لقد
حاولت بالحبوب المنومة . . ولكن حركتى ثقلت أكثر وأصبحت أسبح فى
هذا البحر وأنا مقيد بأثقال وأثقال . . فلا أنا نمت، ولا
أنا توقفت عن المحاولة، وبعد ذلك البرنامج السخيف الذى شاهدتك
فيه، قلت لنفسى فلنكمل الخدع، وحضرت فماذا تستطيع أن تفعله
أنت؟
-أنا
لا أستطيع شيئاً إلا من خلالك.
-
هأنذا.
-
هل تريد أن تبدأ.
-
فى الحقيقة أريد أن أنتهى.
-
ولكن النهاية كثيراً ما تكون بداية.
-
كفى لقد خدعت كثيرا بهذه الحيل، لقد قررت فى أول الأمر أن
أكسب احترام الناس، ومن ثم أكسب احترام نفسى وحين بدأت
الطريق الثانى استيقظت صحت كل حواسى فجأة، واكتشفت بشاعة حياتى
وخدعت السرير الناعم الطرى، وحين حاولت أن أنهض منه علمت
ماهية بحر اللزوجة، وكلما حاولت أن أنفذ إلى نفسى وجدت طبقات
من الناس والأشيياء تحول بينى وبينها. . وحاولت أن أبعدها
واحدة واحدة . . . ولكنى وجدت أن كل شيء ملتصق بكل شيء . .
لقد عجزت تماما .. ضاع عمرى دون أن أشعر، وهأنذا صريع النجاح
واليقظة معا، ربما استيقظت لو أنى فشلت فى أول الطريق ..
وعرفت معنى حقيقيا لكياني، ربما جاءت النهاية وأنا أغط فى
سبات الاحترام . . لو أنى لم أصح فجأة ولكنهما النجاح واليقظة
معاً: اليقظة جعلت النجاح بشعاً، والنجاح أخر اليقظة حتى لم
تعد فرصة للتراجع.
-
ولكن هناك فرصة لا ستكمال الطريق.
-
لا لن أكمل هذا الطريق لقد شبعت احتراما، أريد نفسى أريد
ذاتى الحقيقية أريدنى 'أنا' . . 'أنا' الذى لم أعرفه أبدا، بينى
وبين نفسى أكوام من هياكل الناس أنا لا أرى نفسى إلا فى
عيون الناس، ولكنى حين أتأملها هناك لا أجدها 'هي' التى
أتصورها وأتمناها لأنهم يرون قشرتى دون حقيقتي، يرون شخصا
محترما ذا لقب ومركز، ولكن أين 'أنا'؟
-
ولكنى لا أعنى طريق الاحترام، وإنما أقصد طريق الحياة.
-
أى حياة وأى طريق؟ ليس هناك إلا طريق الموت، وياليته قريب
وياليتنى شجاع.
-
ولكن للأمر وجه آخر.
-
نعم . . . لكل شيء وجه ووجه، ولكن أين وجهى أنا بين الوجوه،
لقد لاحظت زوجتى تأملى مرآتى وأنا أحلق ذقنى كل صباح، وخشيت
أن تظن بى الظنون، كنت أشد جلد وجهى لعلى أجد تحته وجها
آخر أتعرف عليه، ولكن هيهات، بينى وبين نفسى يقف الناس حائلا
بيننا حتى بينى وبين أن أرى وجهى الحقيقى وفكرت أن آخذ مرآة
معى فى المكتب، وخلوت بنفسي، ولكن أحسست أن خيال زوجتى يقبع معى فى ركن
الحجرة تنظر إلى بنظراتها الهادئة الواثقة الضاغطة، تطل على من
صفحة المرآة . . حتى فى المكتب وخشيت إن أنا أخرجت المرآة أن
ينادى خيالها الموظفين ليشاهدوا مديرهم وهو يبحث عن نفسه تحت
جلد وجهه، ماذا بقى بينى وبين الجنون؟ لقد كنت أشاهدها أحيانا
وهى تخرج لى لسانها؟ هكذا خيل إلى، بل إنى أحيانا أخرج لسانى
لنفسى لأن كل ما عملته لا شيء . . . لا شيء، لقد صنعت نفسى
من لا شيء فوجدتها لا شيء. . .
-
ولكن هذا الألم كله. . . هل يخرج من لا شىء.
-
الألم؟ إن الألم هو علامة وجودى . . إن ما بقى لى هو الألم،
ولكنه ألم من نوع خاص . . إنه مأساة الحياة، إنه ثمن الخداع
. . أريد أن أن أسير فى الشوارع أنادى الناس أن يصحوا قبل
فوات الأوان. . أن يراجعوا الطريق . . أن يرفعوا العصابة، ولكن
لابد أن أعرف أولا ماذا بد رفع العصابة من على العيون،
لابد أن أعرف بديلا، لا بد أن أعرف الطريق حتى تكون صيحتى
نداء هادفاً، وليست صفعة حاقدة تعرى الحقيقة ثم . . . لا شئ.
-
فأنت تبحث عن طريق.
-
ولكنى يائس من العثورعليه.
-
لأنك وحدك.
-
ولكنى حاولت أن أجد أحداً فوجدت حياتى ليس بها أحد، وجدت
الناس أشياء أستعملها وتستعملنى كما ذكرت لك.
-
ربما جئت هنا. . لنمضى معاً.
-
نعم . . معاً، هذه وظيفتك، تستمر مع أى أحد إلى أى مدي، ماذا
ستخسر أنت؟ أنت هو أنت، تستمر مع من تشاء كما 'أنت' ثم
تخرج منصحبته 'أنت' أما أنا ... فلست شيئا .. تقول 'معا'؟
ستجد بجوارك صفرا عظيما، ستجد نفسك تسير وحدك، لا تضع وقتك
وقل لى لا فائدة. . ربما واتتنى الشجاعة وعملتها.
-
ولكن، ربماهناك فائدة . . . أى فائدة
-
فائدة لك. . لقد قلت لك إن هذه هى وظيفتك أكل عيشك .. ومع
ذلك فأنت هو أنت. وأنا لا شيء، أليست هذه هى الحقيقة.
-
أنا لست "أنا" إلا بك، بصحبتك على الطريق.
-
أى طريق؟
-
طريق أن ترى نفسك كما تستحق ... كما أنت أهل له.
-
أنا أهل لماذا؟ ماذا أريد؟ لقد تصورت أنى أريد الاحترام،
وهأنذا حصلت عليه . . فماذا كانت النتيجة؟
-
ولكنك تتحدث عن تجربة، وعن زيف، وعن رغبة فى أن تجنب غيرك
هذا الزيف، لو عرفت البديل
-
لو عرفت البديل!
-
فأنت تفكر فى الآخرين فى قمة أزمتك.
-
ولكن الآخرين هم الذين ضيعوني، لأنى حسبت حسابهم أكثر مما
حسبت حساب نفسي.
-
ولكنك الآن تفكر بطريقة أخري، تريد أن 'تعطي' تجربة، لا أن
'تأخذ' احتراما.
-
صحيح . . ولكن لابد أن تكمل التجربة . . أولا.
-
ولذلك أنت هنا.
-
لا . . أنا لست هناك، لذلك، أنا جئت هنا لأحرق هذه الورقة
الأخيرة، ثم أجد مبرراً للاستمرار فى السخط والتحطيم، ولكن. .
لكن يبدو أنه مازال هناك باب لم أطرقه.
-
هو باب إنسانيتك.
-
إنسانيتى؟ نعم لابد أ أكون إنسانا أولا.. ثم أبحث بعد ذلك
عن الصفات الأخرى، لماذا بدأت بالبحث عن الاحترام وكان خليقا
بى أبحث عن الإنسان فى.
-
أنت لم تبدأ بالبحث عن الاحترام، هم الذين وضعوك فى أول
الطريق. . . فسرت.
-
وهل كان ممكنا ألا أسير؟
-
كان صعبا جدا. .، ولكن الممكن الآن أن تجنب غيرك هذه
المسيرة . . بعد أن تجد نفسك.
-
لو عرفت الطريق
-
نعم.
-
لو أصبحت 'أنا' الإنسان.
-
نعم
-
لو أصبح الناس ناساً لا أششياء.
نعم.
-
لو 'أعطيت' التجربة، ول أكتف 'بأخذ' الاحترام،
-
نعم.
-
ولكن كيف؟ كيف أكون إنسانا.
-
إنما يكون الانسان إنسانا إذا مارس إنسانيته مع إنسان آخر.
-
ما أصعب ذلك.
-
وألزمه.
-
ولكن ما أجدر البذل فى سبيله.
-
ليزداد عدد "الناس الناس"، ويقل عدد ' الناس الأشياء'
-
نعم.
-
يالها من قضية.
-
نعم.
- قال:
-
وهل تصبر على؟
- قلت:
-
وهل تصبر أنت على؟
***
قال الفتى للحكيم:
-
ولكن كل هذا الألم. . هل تتركه يعانيه حتى يحطمه.
قال الحكيم:
-
لقد استعان العلم على هذا الأم بالكيمياء والطبيعة، ولكن هذا
ينبغى ألا ينسينا حقيقة المأساة
الانسانية، وألا نرضى بتخفيف الألم دون اليقظة الشاملة. .
لتحقيق الانسان الإنسان.
-
ولكن ما ماهية هذه الإنسانية التى وعدت بها المحترم؟ إني
أخشي، أن يكون فى الأمر غموضا، أو أوهاما.
قال الحكيم:
-
إن خوفك له ما يبرره، فالسعى وراء 'ألفاظ' عامة، لا يقل
خطره عن السعى وراء قيم زائفة، ولفظ 'الإنسان' إن لم يتحدد
أبعاده عن ... أصبح هو الآخر وهما كما تقول.
قال الفتي:
-
وهل يمكن تحديد إبعاده؟
قال الحكيم: لكى يكون الإنسان إنسانا لابد أ يكون وحدة قائمة
مستقلة، ولكنها تأخذ وتعطى بلا خوف ولا قهر، فهو يحس بحرية
الاختيار النابع من كونه هو: ذاته
قال الفتى:
-
ولكننا نخرج من تعميم إلى تعميم، فما أكثر الوهم الذى أحيطت
به هه الأفاظ وأولها. . الاختيار والحرية
قال الحكيم:
وكأنى بك أصبحت الحكيم
الحذر المراوغ، ولست الفتى طالب المعرفة المتسائل، وهذا يزيدنى
إقبالا عليك وحماسا للحديث معك فما أكثر ما ظلمت الحرية. .
وما أكثر ما ظلمت، وما أكثر ما عاش الانسان حياته يجرى
وراء سرابها. . حتى اختلطت عليه الأمور وكاد يتردد فى غياهب
الظلام مثل ذلك الفتى الثائر الذى قضى حياته يسعى وراءها وهولم
يذق طعما لها أبداً.
قال الفتى وكيف كان ذلك؟