الضياع
كان ذلك أمر غلام ولد
كما يولد الناس فى هذه الأرض الطيبة:
ففى ساعة متأخرة من لية
شتاء - أو قل فى ساعة مبكرة من صباح يوم تال - طبقا
لمواقفك من الزمن - ترددت بين جنبات ذلك البيت
المتوسط فى كل شيء صيحات طفل أطلقت أمه سراحه إلى رحاب
الدنيا، واستراحت فى هدوء عظيم، يحسبه الناس إعياء وما هو كذلك،
فهى تنصت إلى هذا المخلوق الجديد بسعادة فطرية بالغة، فرغم
الجهد ورغم كل شئ. . كا ن
يخامرها شعور لم يصل إلى درجة الوعى بأنها أكملت عملا مجيدا
طوال أيام وليال عاشتها تسهم فى خلق وتكوين كائن حى جديد،
ولعله شعور فريد تختص به المرأة الأم، ولعل هذا هو ما
يميزها عن الرجل، ولعل هذا أيضا هو ما يدفع الرجل إلى
محاولة المساواة بالمرأة (!) حين يحاول أبدا عملا أصيلا يعوض
حرمانه من هذه القدرة الطبيعية على الخلق بمجرد الاحتواء، لعل.
.
قال الفتى:
إذا فقد خرج صاحبنا إلى
رحاب الدنيا مثل كل البشر.
قال الحكيم:
-
نعم، ولكن رحاب الدنيا كانت أضيق من بطن أمه، فمنذ ملأ
رئيته بالهواء، وملأ أذن أمه وجدانها بالصياح، ابتدأت عملية ملء،
رأسه بالأوهام، فها هو يفرض عليه أسلوب الحياة الجارى بتتابع
وتصميم يلفانه ويعوقان حركته تماماً مثل اللفائف التى قيدت
حريته بعد ولادته.
فقد تم الانقضاض على كيانه
بهذه الكوافيل والأوهام فى آن واحد، وكأنه ارتدى قميص الأكتاف
الشهير، ويفسر الأهل هذه التلافيف 'بخوفهم' عليه: من الجو مثلا،
والجو. . هو الطبيعة، وهو لم يزل
جزءا منها، والطبيعة هى مصدر الحياة وأصل التوازن، فكيف تحمل
ابتداء تهديد الخطر.
ولكن هل هم يخافون عليه
فعلا أم يخافون منه؟ أليس فى هذا الزعم الأخير تفسير لهذا
الانقضاض، المزدوج بالكوافيل والأوهام جميعاً.
ولكن من أين يأتى الخطر
من هذا المخلوق الضعيف الذى لم يتشكل بعد؟
ربما يكمن فى أنه لم
يتشكل بعد، فى أنه مشروع إنسان
لم يصغ بعد مثلما صيغ أبواه ومجتمعه؟
أهو احتمال أن يتشكل بشكل
مخالف هو الذى يبعث الخوف فى الجميع لأنه يهدد ضمنا
أوهامهم التى عاشوا فى أمن سخفها - أو فى سخف أمنها - حتى ذلك
الحين؟
أيكون هذا هو السبب الذى
يجعلهم يسرعون بإدخاله فى نفس الجهاز ليخرج بنفس الأبعاد التى
يعيشونها، وعلى نفس الهيئة؟
ويبدو يا بنى أنه كل ذلك معاً.
فمن قبل أن يحس له بكيان
ما، أخذوا يسارعو بإغراقه فى دوامة من التعويد، بعد التقييد،
فمثلا هو يتعود على ذلك الشيء البارد الذى يلامس مقعدته فى
مواعيد منظمة مع ما يصاحب ذلك أو يتناوب معه من تأنيب
وهجر وهو يمارس وظيفة لا تختلف فى نظره عن الأكل والشرب، بلى
حتى الأكل والشرب كانا يتحددان بساعة على الحائط يحترمون دقتها
أكثر من احترامهم دقاته هو، فليصح أو تدق عنقه. . .
فالساعة لم "تدق" بعد.
وتأتى سائر الأحكام على هذا النمط الفريد.
وهو يستسلم لكل ذلك، ويحقق
بهذا رغبة والديه فى أن يكون نظيفاً ظريفاً، صالحاً "للعرض" على الزوار مع التحف التى على المناضد والصور التى
على الحائط، والسجاد الذى على الأرض وسائر المميزات التى تحدد
نوع طبقتهم ومعالمها، وكانت نظافته وهدوءه ضمن هذه المعالم
المميزة فضلا عن أنه كان يقوم بوظيفة تبرير حياتهم التى لا بد
أنها لا معنى لها بدونه، وإلا لما أجابوا السائل -
وربما فى ذلك أنفسهم - بأنهم إنما يعيشون من أجلهم (الأولاد),
وكأنهم بغير الأولاد ليس لهم حياة قائمة بذاتها، فلو أن لهم
حياة وذوات مستقلة، لتركوا للأولاد حياتهم وذواتهم، ولكنهم يقنعون
أنفسهم - ويتبادلون الإقناع مع الآخرين - أنهم يضحون فى سبيل
الصغار. . فى حين أنهم يحتوونهم احتواء ليضمنوا لأنفسهم انتشاراً أو
استمراراً.
وهكذا يتحمل صاحبنا ضياع
والديه، كما يتحمل خوفهم ونقصهم، ويختلط الخوف بالوهم
بالضياع ليصبح قالبا يصاغ فيه الأولاد، وهو قالب متين مضمنون،
يحفظ صاحبنا ويحافظ عليه. . يحافظ على حياته التى هى حياتهم
التى هى 'لا شيء' على قدر
إدراكهم، أو قل على قدر عدم إدراكهم.
قال الفتى للحكيم:
-
ولكنى أراك تصف الوالدين بلا رحمة.
قال الحكيم للفتى:
-
بل أنا رحيم بهما قبل أولادهما، فإن المأساة فى أنهما 'لا
شيء' بإدراك أو بغيره، وهما فى خوف وحسن نية يحاولان أن
يعددوا اللاشيء غير مدركين أن حاصل الضرب دائما لا شيء.
قال الفتى:
-
ولكن الوالدين ليسا كل شيء. . فسرعان ما سيتكلم صاحبنا وينطلق
ويعرف طريقه إلى العالم الأوسع.
قال الحكيم:
-
نعم . . . ربما . . . وياليته فعل.
لقد كان خليقا به أن يجد
القيود تخف عنه بعد أن أصبح ناطقا متحركا، فهو يستطيع
التعبير عن نفسه فى المرحلة الجديدة، ولكن اللغة الجديدة فى
صورة الألفاظ كانت عليه لا له، فقد سهلت سبيل تضييق الخناق،
وبالتالى تحقيق الصياغة النموذجية 'اجتماعيا' ولو عددت لك
الأمثلة ما انتهى الحديث أبدا، ولكنى أعرض
عليك بعض النماذج الرمزية لمعانى الألفاظ، فقد أصبح لفظ 'الشارع'
يعنى عنده الموت تحت العجلات، و 'السلالم' قصف الرقبة، و
'الظلام' هو الجان و 'القذارة' هى ابن البواب ... إلى آخر ذلك القاموس الذى تعرفه، وهو يعيش كل لفظ
بمعناه المفروض عليه فى استسلام من لا يملك إلا الاستسلام،
ولا تزال حصيلته تزداد بمرور الأيام لينمو قاموس المعانى بسرعة
فائقة ويشمل أبوابا وفصولا جديدة تزيد حبكة الصنعة الاجتماعية
فلا بد بعد أن تزدحم الصفحات من أن تصنف وتقسم: ففى فصل
العيب، باب الحرام - مثلا - نجد ألفاظا تشير إلى أعضاء فى جسمه
وأفكار فى رأسه، وعواطف فى صدره، وقد كانت تغلبه الحيرة، حتى
وهو فى استسلام من لا يملك إلا الاستسلام، فيتساءل:
لماذا خلقت هذه الأعضاء والعواطف ما دامت عيبا أو حراما
ويوضع فى رأسه - أى يقال
له - إنها إنما خلقت لنخفيها، أو حتى لنحاربها، فيخجل
وينكمش، ويستسلم أكثر.
قال الفتى للحكيم.
-
ولكن هذا يحدث لكل الناس.
قال الحكيم:
-وربما
كان هذا مأساة كل الناس.
قال الفتى:
-
ولكن يبدو أنه لا بديل لذلك.
قال الحكيم:
-
بل إننا نحاول أن نجد البديل، إذ نتدارس الحكمة الملقاة على
الطريق فى صورة شظايا النفوس المتفجرة بدل أن نجمعها لمجرد
لصقها لنمنع الأذى عن أنفسنا.
قال الفتى:
-
ولكن ماذا فى الشظايا المتناثرة من حكمة.
قال الحكيم:
-
إن لبابها الفطرة. . وهى أظهر ما تكون فى الشظايا عنها فى
الكيان المغلق المتكامل والفطرة هى الحقيقة . . فالمعرفة . .
فالحياة.
قال الفتى:
-
ولكنه طريق صعب.
قال الحكيم:
-
ولكن حياتنا تستحق كل صعب، إذا كان لنا أن نحياها
ونطورها . . وإلا فإن المصير
كله ألم وضياع . . مثل ما حدث لصاحبنا.
قال الفتى:
-
وكيف كان ذلك؟
قال الحكيم؟
-
حمل صاحبنا قاموس الألفاظ بمعانيها الضخمة الفخمة، ومضى مكبلا بلفافات المجتمع وكوافيله يتحدث بلغة
مفروضة ليس من حقه أن يسأل عن مصدرها، ومضى فى سعيه على
طريق أكثره ممهد رغم ما به
من قلاقل، كان ممهداً لأنه قد سار عليه طريق
كثير كثير، ولا يعنى أنه مهد أو أنه طريق الكثرة . . أنه
طريق الصواب . . , ولعل أسهل الطرق هى أسرعا توصيلا إلى الضلال.
قال الفتى:
-
ولكن أى قلاقل فى الطريق ما دام ممهدا.
قال الحكيم:
-مثلا،
حين ثارت وظائفه الحيوية فى سن المراهقة على بعض جاء فى القاموس الثقيل فى "باب العيب فصل الحرام": وذلك أن غدده الصاء فى فورة إفرازها لهذه
الهرمونات "العيب" لم يكن عندها
خبر مسبق بما أحدثه
الوالدان والأقربون فى مشاعره، فتقوم معركة عنيفة فيها آلام
وتأنيب وتهديد وتكتم، ومن عجب أنه فى هذه
المعركة كان يتبنى المعانى المحشورة فى رأسه، ويستعملها ضد الثورة
العضوية الهرمونية، وكان بالنسبة لأعضائه مثلما كان الوالدان بالنسبة
له سابقا، وتهدأ المعركة ظاهريا وتزداد السلاسل ثقلا والهدوء
ظهوراًَ، ويصبح مثالا رائعاً "يحتذى".
ولا زال الأهل وغيرهم
يعتبرونه من أجمل التحف التى يمتلكونها وأثمنها، ويعزون صفاته
الممتازة: إما إلى طبعهم الذى أورثوه إياه، وإما إلى طرقهم
'الحديثة' فى التربية والتوجيه، والجميع يتحدثون عنه - لا ... معه-، وهم يتمنون، بين أنفسهم أو علانية، اقتناء مثله، أو
صناعة تحفة على شاكلته.
***
وفى وسط هذا النجاح، والهدوء،
والتباهى، تبدأ التجربة.
قال الفتى:
-
فهو المرض.
قال الحكيم:
-
أو هو طريق العرفة أو الحياة فى فطرة سهلة منطلقة.
قال الفتى:
-
فهى الصحة
قال الحكيم:
-
لو أكمل الطريق . . .
ففى ذات يوم، أو قل ذات صباح بعد ليلة طويلة سوداء - مثل ليال كثيرة
فى الفترة الأخيرة، قام صاحبنا وفى رأسه دوار
وفى عينيه زيغ، وفى أذنيه طنين، وكان للطنين وقع خاص،
وحين ركز صاحبنا على انتباهه سمع شيئا كالهمس آت من
بعيد، وسرعان ما أخذ يقترب ويعلو ويتميز، حتى كأنه يقول شيئا
ما. . نعم: إنه يكاد
يتميز وسط الضجة الصاخبة نعم إنه يسمعه
يزداد ووحا. . إن الهمس أصبح كلاما .... أصبح لفظا واضحا، أنه يقول 'لا' وتلفت
حوله ى ذعر ليقع نظره على الحائط فيراها مكتوبة بين النقوش
'لا'
ويقوم مذهولا يطرد عن نفسه
آثار النوم ليجد نعليه وقد تقاصا بجوار السرير على هيئة 'لا' ويحاول أن يقول إنه الحلم، أو ما بعد الحلم، ويحاول أن يغمض عينيه
وأذنيه وفكره جميعاً، ولكنها كانت 'لا' ثابتة
واضحة أكيدة لم تكن مجرد اعتراض أو احتجاج عابر، كانت رفضا
راسخا عنيدا، ليس مثل عصيان الطفولة أو خلف الصبية، ولا هى
مثل معركة المراهقة حيث المعارضة والتطويع يسيران معا فى نفس
الوقت، ولكنها كانت شيئا جديدا واثقا أكيدا، وأخذ يتحسس صدره
يحاول أن يخفف ضيقه وضجره، فإذا به يعثر على ذلك السفر
الضخم رازحا عليه كالهم الثقيل، إنه قاموس الألفاظ ... حصيلة العمر ... مفسر المعانى العظيم "المرشد الاجتماعى ... فى حسن المساعى".
وقال: لا ... لابد من تمزيقه إلى غير رجعة، وحين أخذ يمزقه صفحة
صفحة وهو يعجب كيف تحمله كل هذا الزمن، أحس بالثقل ينزاح ليترك راحة شاملة، وعاد يتحسس موضعه
ليطمئن لا ختفائه فوجد فراغا هائلا، واطمأن . . . فالفراغ
يعنى أنه زال فعلا، ولكن ما باله يحس بالفراغ يمتد
إلى سائر أجزاء نفسه؟ بل جسد، والتمزق؟ لماذا يحس هو ذاته
بألم التمزق مع فراغ كيانه؟ وتساءل: هل مزق قاموس
الألفاظ أم مزق ذاته؟ هل أزاح الثقل المعوق أم أزاح كيانه؟
أين هو وسط الحطام؟
لقد كان يريد أن يتخلص
من الألفاظ فقط، فلماذا ذهبت المعانى معها؟ هل معنى ذلك أنه
لم يعد هناك معنى لأى شيء؟ إنه يكره الألفاظ ولكنه لا غنى
له عن المعانى، كيف يعيش بلا معنى ولكن كيف يحتفظ بالمعانى
دون الألفاظ؟ هل لا بد أن تصاغ المعانى فى ألفاظ؟ ولكن
الألفاظ إرتبطت بأشياء مفروض فكيف تبقى - إن كان لا بد لها
أن تبقى - دون ما يصاحبها من فرض وقهر
وخوف وأوهام؟ هل يحتفظ بالألفاظ دون مصاحباتها؟ ولكن مصاحباتها
هى التى جعلت لها معان بذاتها، إن اللفظ هو فى نفس اللحظة
معناه، هل يمكن تفريغه ثم ملؤه من جديد؟
ووجد أنه لا يستطيع أن يحتفظ بالمعانى دون ألفاظ.
ولا يستطيع أن يحتفظ
بالألفاظ دون معناها المفروض.
ووجد أنه لابد أن تبقى
الألفاظ حتى يبحث لها عن معان جددة، ولكن إلى أن تأتى
المعانى الجديدة . . . متى؟ وكيف تأتى المعانى الجديدة؟
كيف يتلاشى وهو يبحث عن
الوضوح؟
كيف تضيع معالمه وهو يحاول تحديد ذاته؟ أو تجديد ذاته؟
ووجد نفسه حلقة وسط
حلقات متشابهة تلف بسرعة فائقه فى تداخل عجيب، ووجد الأشياء
تختلط ببعضها . . . ودخل التجربة ليعيش الألم والضياع.
قال الفتى
-
وهل قال الناس عنه أنه مريض حينذاك.
وقال الحكيم:
-
ليس بعد، الناس لا يهمهم ما فى صدور الناس بقدر ما يهمهم ما يظهر منهم فى مجالات احتكاكاتهم معهم، فلو أن كل
الأفكار التى يقولون عنها أنها أفكار شاذة أو حتى مجنونة ظلت فى
عقل صاحبها فإنهم لا يهتمون بها، ولا يتعبرونها خللا حتى
ولوتأكدوا من وجودها، ولكن حين يطلقها صاحبها عليهم، حين تهددهم
بأن يكتشف زيفهم، حين يشعرون فيها إغراء مواجهة حقيقتهم التى هربوا منها
وراء جدران قيم تحميهم بقدر ما تحجب عنهم الرؤية، حينئذ فقط
يبدأون فى الاعتراض والامتعاض، ثم التجمع والتحفز، ثم
الهجوم والعدوان، وتنطلق صفات المرض، ونعوت الخبل على مصدر
التهديد ذاك، وتخرج من القاموس ألفاظ التخريف والشذوذ والهوس
والجنون.
***
ولم يكن صاحبنا حتى هذه
اللحظة قد أعلن شيئا يخافون منه، كان مازال يناجى نفسه:
"إذا كان هذا زيف كله . . . فأين الصواب؟".
وبنفس متمزقة مع قاموس
الألفاظ حاول أن يلم أجزاءه لدبر أمره، فلم يستطيع، وسكت، وطال سكوته،
ولم يكن هذا غريبا عليهم منه، ألم يكن من طبعه الهدوء،
فلابد أنه زاد بالسن هدوءاً . . . وعقلا (!), والهدوء
عند واضعى القاموس ومؤرخى الصفات من علامات العقل الكامل. ثم جاء
النذير. . .
فقد انصرف صاحبنا عن الدرس
والاجتهاد المعهود فيه، فابتدأ الانزعاج مع الدهشة،
وتصوروا أنها عين حسود حاقد. ألم يكن تحفة غالية تعرض دون
معناها المفروض على الحبيب وغير الحبيب، ألم يكن وجهه يخطف الأبصار فى صالة العرض
الاجتماعى؟ لماذا خفت البريق؟
وحاولوا أن يزيحوا التراب حتى تزهو التحفة مرة ثانية أمامهم وأمام الضيوف، ولكنهم وجدوا أن
انطفاء البريق ليس نتيجة تراب يزاح، لقد ذهب فعلا من الجوهرة،
هل يعقل أن تكون جوهرة مزيفة وقد خدعوا فيها؟ وحاولوا أن
يعزوا ما كان لسبب من الأسباب غير الأسباب التى كانت مدعاة
فخرهم حين كان موضع فخرهم، فهم السبب فى الوهج والأصالة
والجمال. . . طالما هناك وهج وأصالة وجمال،
وغيرهم هو السبب فى غير ذلك، وهم لن يعدموا أن يجدوا
سببا يفسر استبدال نظرات الإعجاب بمصمصة الشفاه، فبعد الحسد
يمكن اتهام المدرسة، أو إخوان السوء أو حتى
العادة السرية - قالوها همس وتردد.
قال الفتى:
-
وهل قالوا عنه حينئذ أنه مريض؟
قال الحكيم:
-
لم يكن الأمر سهلا عليهم كما تظن، فلو أن حى أصابته لأعلنوا
النبأ بلا توان لأن السبب
معروف، وهو خارج عن إرادتهم
قد بجلب الشفقة أكثر مما يجلب اللوم، ولكنه بالنسبة لهذه الأمراض شئ آخر. فإن خشية اللوم - ولو حتى لوم أنفسهم - يجعلهم يترددون ويتلكأون
فى إعلان مايلاحظو، أو هم ينكرونه حتى يفرض نفسه عليهم فرضاً.
قال الفتى:
-
وكيف فرض نفسه عليهم حتى اعترفوا به.
***
قال الحكيم:
-
تجمد صاحبنا عند 'لا' وأصبحت تلاحقه فى أفكاره مشاعره جميعاً، ووقف عندها كل شىء . . . أو قل ذهبت هى
بكل شيء حتى ما يعتبره الناس بديهيا.
وذات يوم جمع صاحبنا شتات
نفسه وذهب إلى والده، وكان هذا ممسكا بمجلة دورية، وقد تمدد على
مقعد طويل عريض فى شمس يوم دافىء من
أيام شتاء ما، وكان يجتر الكلمات يعنيه فى ذات الوقت التى تحاول معدته أن تقوم بالواجب
إزاء الحمل الثقيل الذى ألقاه إليها من وقت قصير، وحين خف
العمل الهضمى قليلا وصعدت بعض الدماء إلى الرأس، أحس أنه يستطيع التفكير بدرجة تسمح له
بالانتقال إلى الصفحة الأخيرة من المجلة، حيث تكمن مسألة من مسائل الكلمات المتقاطعة، وانهمك يبحث عن كلمة تصلح للعمود الرأسى والأفقى فى آن واحد، وفى اللحظة التى شعر فيها
أنه "وجدها"
كان أنف صاحبنا فوق رأسه، وحين
تنهد الولد تنهيدة عظيمة . . . فوجيء ببقية الرأس تطل عليه من
أعلى كتفيه ثابت النظرات جامد التعبير، وخرجت منه "لا" وكأنها خرجت من جوفه مباشرة، قد كانت شفتاه شبه
مضمومتان؛ وقال الوالد فى تحد انتصار.
-
بل "نعم"، و أكمل: لأن الكلمة هى "الرباط"، وهى تكمل العامود الرأسى فهى اسم البلد العربى، وتتناسق مع العمود الأفقى حيث "رأس الحكمة" اسم الشاطئ بمرسى
مطروح، وما إن سمع صاحبنا ألفاظ "الرباط" و "رأس الحكمة" حتى أحس بالرفض يتملك كل خلية من خلاياه؛ الرباط
هو القيد الذى يكاد يخنقه، أما الحكمة التى علماه إياها فهى الخوف بلا حدود ولا سبب.
وقال وكأنه يتكلم من بطنه
ثانياً: لا
وأخذ الوالد يعيد دفاعه
متحمسا أشد الحماس وأبلغه، ولكنه لم يجد استجابة لكل هذا
الدفاع والحماس و سأل ابنه فى تحد:
-
إذاً ماذا؟ إذا لم تكن هى "الرباط" فما رأيك؟
قال صاحبنا: رأيى أنى لست أنا.
ورد الوالد بأن هذا ليس
وقت المزاح، ولكنه لم يكن مطمئنا لما يدور. . فهو لم يتعود
من ابنه هذا العبث الجامد، ونظر إلى الوجه ملياً يداخله
شعور بالتوجس، لقد كان وجها ممسوحا أملس لم يتبين فيه ملامحه
العادية، ففيما عدا النظرة العميقة الثابته التى تطل من العينين
لم يعد يميز الأنف من الصدغين من الشفتين من غيرها، لقد
كان أمامه عينان تطلان من شيء مسطح أملس من اللحم الشاحب
كالموت، وحين عاود المحاولة لتخليق الوجه أمامه من هذه الكتلة
الملساء كاد يرى الموت نفسه يزحف إليه، وانصرف صاحبنا وهو
ينتفض ظاهراً وباطناً.
وبدا للوالد أن الأمر جد
خطير.
***
قال الطبيب الباطنى: لا حمى ولأ يحزنون لعله إرهاق الاستذكار أو قلة
النوم أنا لا أجد مبررا لكل هذا الانزعاج.
قال الوالد: ولكنه يقول. ولم يكمل.
قال الطبيب: يقول ماذا؟. . ماذا يقول؟
قال الوالد. يقول "لا"
ولكن الوالد أدرك لتوه أنه
تخطى الحدود التى اتفق عليها مع زوجته، وكما توقع ... فقد كانت سهام نظراتها فى حلقة، وبطريقة ما انحرف
الحديث عن مجراه.
وبعد مناقشة " ثلاثية" فى الأسعار والسياسة والقسمة والنصيب، انتهى فنجان القهوة.
وانصرف الطبيب.
***
قال الفتى:
- فهو المرض.
قال الحكيم:
-
هو الفراغ بديلا عن الحشو الفارغ، وهو الرفض الكامل بديلا عن
القبول الكامل. ثم امتلأ الفراغ بكتلة هائلة من المعانى الفطرية
غير المميزة. كتلة لزجة ليس فيها تمييز وليس لها معالم، وبدا فى تصرفاته وديعا كالطفل. .
حين يفرغ رأسه من كل شيء إلا الطبيعة المتصلة بأصل الوجود.
ثم شابا يائسا حين يضيق
عليه الخناق ويطالب بالسير فى الموكب القديم.
ثم ثورا هائجا حين يتصارع
مع ذاته. . أو مع الظللال الذى يملؤها، الشيء الذى لم يتغير
هو القوة الداخلية الدافعة له كى يحاول أن يجد شيئا. . وحتى
يجد 'شيئا' لا بد أن يكون 'شيئا' أولا، كانت هذه القوة -
زمان - موجهة إلى الدرس والتحصيل، وأصبح ليجدها موجهة إلى
الحقيقة داخل نفسه، ونفسه تكاد تتمزق تحت وطأة الضياع والضغط
معا، فتكاد القوة تصبح عامل تحطيم لا دافع توجيه.
وحاول فى أوقات تصالحه مع
أجزائه وتجميعه لها بجهد حاول أن يجد ألفاظا جديدة للمعانى
القديمة، حتى المعانى الحقيقية للألفاظ القديمة. .
وحين بدأ يتحدث عن ذلك
قالوا هم هذه المرة 'لا ' وجاءوا به إلى.
وهكذا رأيت صاحبنا لأول
مرة.
***
جاء متردداً خائفاً من
كل جديد أو قل من كل قديم، فما دمت من الطاقم الانسانى الاجتماعى
التقليدى، فليس هناك فى الأمر جديدد، فأنا أحمل نفس الخطر الذى
يحمله الآخرون 'فرض المعانى فى قالب ألفاظ فارغة لتصنع عقولا
جوفاء' وأنا مثل الآخرين لأنى أعيش لهم ومعهم وبهم، ألست
ارتزق من مسايرة أوهامهم؟ هكذا كان يفكر.
وبعد رواية الوالد المنزعج
المسكين، والأم الولهى المشتتة عن "الحال"، وما كان مما "لا يصح" "ولا ينبغى"، ولا "يجوز" دخل هو زانغاً ذاهلا، محصنا باللامبالاة،
شاهراً حوله أسلحة الشك المضادة للواقع الذى رفضه.
وفجأة سألنى عما ألبس حول
عنقى
قلت: رباط عنق
فضحك
فضحكت
وأحس أنى فهمت لماذا ضحك
وأحسست أنه فهم أنى فهمت،
إذاً فمازال هناك احتمال أن يوجد من يفهم ما فيه. .
ولكن سرعان ما ثارت الأسلحة المضادة وأطلق نظرة حذرة طمست
الطريق الذى انفتح بيننا، وتوقف الاتصال الذى ظل لحظة من
زمان.
والتفت إلى والده الذى بدا
عليه الحرج فجعل يعتذر بأن لابنه أسئلة لا معنى لها.
ورفضت الاعتذار علانية "فربما نحن الذين لا نفهمها".
واستأذنت أن يدعونا معاً، وخرجا
وهما مترددان، وزاد تحوصل صاحبنا فى قوقعة الشك واللامبالاة،
قلت:
-
وبعد؟
-
إذا ماذا؟
-
نعم ماذا؟
-
أنت تتصور أنك تعلم. . كل شيء
-
بل أحاول أن أ تعلم. . كل شيء
-
تتعلم فى؟
-
بل أتعلم منك
-
ماذا ستجد فى الفراغ؟
-
الفطرة التى تملأ الفراغ. . .
أصل كل شيء
-
لا بد أن يكون هناك شيء ليكون هناك أصل
-
ولابد أن يكون هناك 'أصل ' ليكون هناك 'شيء
سكت قليلا قال:
-
وهل تبقى بعد أن تحطم كل شيء
-
لابد أن نصنع من القديم جديدا. . .هذا هو الطريق
-
وهل هناك جديد
-كل
قديم جديد. . . ما دامت الحياة تسير
- ولكنها عندى لم تعد تسير
- بل أنت فى "محطة" تتأهب فيها للمسير