قبل النهاية ... أو قبل البداية
قال الفتى :
- ولكنى وجدت بعد هذه المسيرة
الطويلة أن هذه الحكايات جميعا تريد أن تقول شيئا واحدا :
يولد الإنسان على الفطرة، ثم يسعى فى الحياة، يحاول، وهو لا
يسأل "لماذا" ولا .. ثم "ماذا" وإذا سأل تلقى إجابات لا تغنى , بل ربما تزيد
غموض الطريق، فيكف عن السؤال والتساؤل، ثم عن المحاولة،
وينسى أو يتناسى , ويستمر هكذا فترة تطول أو تقصر ثم يصحو
فجأة، وتبدأ المأساة، وتصبح حكاية، أو هو يستمر فى سباته فى
ليل بلا نهاية ... ويمضى بلا حكاية .
قال الحكيم :
- هو ذاك و فمسيرة الحياة - فى
أغلب الأحوال - واحدة مهما اختلفت الصور، نبحث عن خدعة أو عدة خدع متتالية تشغلنا حتى نموت، وكأننا
بذلك نتعجل الموت خوفاً من اكتشاف الحقيقة قبل أن ينتهى الأجل، كأننا نريد
أن نموت قبل أن نموت .
قال الفتى :
- تقول أننا بذلك "نريد" أن نموت
ونحن مازلنا نتنفس !
قال الحكيم :
- أنت تعرف أنى استعمل الألفاظ
استعمالا خاصا، فالإرادة هنا خفية، والإنسان إذا لم يستطع أن
يعيش .. فليس أمامه إلا أن يموت بشكل ما .
قال الفتى :
- يموت ؟
قال الحكيم :
- هناك من يشنق نفسه بحبل .. ومن
يشنق نفسه برباط عنق
- هناك من يغرق فى النيل .. ومن يغرق فى بحر الحقد
والحسد
- هناك من يموت بالتسمم الغذائى ببكتريا السلمونيلا .. ومن يموت بالإفراط الغذائى والجنسى
هناك من يلتهم الأقراص المنومة حتى الموت .. ومكن
يلتهم التحف ويغوص فى طبقات السجاد حتى الموت .. وكلهم يسعون
للهلاك بجد وتصميم .
قال الفتى :
- ولكن أغلبهم راضون سعداء
قال الحكيم : ...
- راضون ؟ نعم، أما السعادة فهى شيء
آخر .. ولا تنس أن كثيرا من أولاد عمومتنا الحيوانات راضون
كذلك.
قال الفتى :
- وكأنك تساوى بين الحياة التقليدية والموت والانتحار
؟
قال الحكيم :
- الانتحار هو إنهاء الحياة ؤراديا
بطريقة علنية، وهو يقضى على الحياة والإنسان معا، ولكن الحياة إياها
موت سرى مثل النزيف الداخلى .
قال الفتى :
- فليس هناك فرق بين الانتحار وهذه
الحياة ؟
قال الحكيم :
بل أنا ضد الانتحار الرسمى أكثر لأن مجرد البقاء على
هذه الأرض بأى صورة مكسب لقضية الانسان
قال الفتى :
- أى مكسب إذا كان الفرد حيا ميتا؟
قال الحكيم :
- مرت على فترات كنت أتساءل فيها
عن هؤلاء الأحياء الموتى "لماذا يعيشون"؟ وخاصة إذا أصروا على ألا يشوهوا حياتهم فحسب، بل
أن يعوقوا المسيرة بوجه عام، ولكنى بعد فترة أصبحت أحترم مجرد
وجودهم، لعل أحد ذريتهم - وهم يعطونهم ويرعونهم
بلا حساب - يثور ويكمل الطريق كما رأيت .
قال الفتى :
- إذا فالكل يساهم بشكل
ما
قال الحكيم :
- نعم نحن نحتاج للكم كما نحتاج
للكيف
قال الفتى :
- كيف ؟
قال الحكيم :
- لابد للحياة أن تستمر، وأن تضاء
البيوت بالليل، وأن تطبع الكتب، وأن تغطى جلودنا
بالأقمشة الصوفية فى البرد، وأن نأكل وأن تصح أجسادنا، فلا شك أن الانسان الآلة يقوم بدور لا غنى عنه وهو
يهييء الفرصة للانسان الانسان أن يجد ذاته الجديدة ويصنع غده
.
قال الفتى :
- فهى تفرقة أو عنصرية
قال الحكيم :
-أبدا . فالفرصة ستكون واحدة أمام
الجميع بالعدل، وعلى كل فرد بعد ذلك أن يختار طريقه، فالذى يرضى "بالميكنة" ليتجنب آلام الولادة من جديد يصبح آلة عظيمة تخدم مجرد البقاء،
والذى يقبل الألم ويمارس الحب والفضيلة، يسلك سبيل التطور ويعيش
السعادة الحقيقية .
قال الفتى :
- ولكن الذين تسميهم الانسان الآلة
ينعمون بأهدافهم ويفرحون بها لذاتها . . . فلماذا نوقظهم
قال الحكيم :
- أن يجد هذا الانسان شيئا يشغله
حتى يأتى أجله، فهذه نعمة جزيلة، حتى قيل أن هذه الأهداف
اللامعة رغم زيفها أعظم من الأقراص المهدئة .
قال الفتى :
- فماذا نوقظهم ونهاجم أهدافهم وننتقص من شأنها، وأنت أول من يستعمل الكيمياء
للتهدئة .
قال الحكيم :
- إن لاستعمال المهدئات فائدة عظمى ,
ولكن الافراط فيها فى بعض الحالات، أو الاعتماد الكلى عليها
قاتل لا محالة . .
وكأنى أرى هذا الانسان يهرب من رؤية الحقيقة بتناول
تلك المهدئات التقليدية بجرعات متزايدة تتناسب مع هربه المتزايد،
وكلما زاد توتره وقلقه التهم تحفه من التحف، أو تكالب على
منصب أفخم، أو أطلق شره على غيره، حتى يهدأ، ولكن - كما تعلم -
فإن الإفراط فى المهدئات والمنومات هو الموت نفسه.
قال الفتى :
- ولكن يبدو أنه موت لذيذ وله
فوائد أيضا . . فلماذا نوقظهم ؟
قال الحكيم :
- إذا استسلمنا جميعا لهذه اللذه . .
ورضينا بهذه المرحلة كنهاية . . فإن الانسان يكون قد ارتضى
لجنسه التوقف عندما نعشيه من شقاء وجشع وضياع فى دنيا الحقد
والتنافس، وهذا ضد كل قوانين الطبيعة . . وضد الأمل . . وضد
الغد .
قال الفتى :
- ولكنك تقول أن التطور حتمى لا
محالة .
قال الحكيم :
- رغم أن التطور حتمى إلا أن
التدهور محتمل لفترات قد تطول، وكلما اتسعت دائرة اليقظة، كلما
دنت فرصة الوصول إلى حياة أفضل، ومن ثم فرصة خلق نوع من
البشر أحسن .
قال الفتى :
- نوع من البشر أحسن ؟
قال الحكيم :
- ولم لا ؟ أظن أنك لا ترضى أن
تنتسب إلى وحوش كاسرة تلبس جلد الانسان، فلا يخدعك مظهر الحضارة والقوى الآلية، فالطريق طويل، واليقظة الكاملة
لازمة حتى نستمر
قال الفتى :
- فلنترك الناس فى حالهم، ونساعدهم
من يستيقظ بمحض الصدفة
قال الحكيم :
- الصدفة ؟! ولكنا حتى لو تركنا
الأحياء الموتى فى حالهم، فهم لن يتركوا التطور فى حاله، إن
التهام التحف والتفاخر بالمظهر والتملك المستعر يتم على حساب
آخرين، يمكن أن يكونوا مشروع الانسان الجديد، فلماذا نضحى بهم
فى سبيل هؤلاء الوحوش الذين يغطون فى نومهم بعد أكلة هنية من
لحم الآخرين، ألا ترى مضاعفات هذا التكالب الوحشى من ضحايا
تداس بالأقدام وتموت من الجوع، وياليت هذا الوحش الآدمى يشعر
بالسعادة، إلا أنه ينحط بذلك إلى مرتبة أدنى من الحيوانية رغم
الشعور باللذة والارتواء . . فلماذا لا نوقظة مهما تألم - ليرحم
نفسه ونرحم الآخرين منه.
قال الفتى :
- ولكن الصورة مفزعة، ونحن نرى الطفل وهو مشروع إنسان يشوهه الزمن والنسيان والعمى . . ثم هو ينكسر ويتشتت
. . ثم هو يصارع الضياع والجنون .. أى رؤية تلك وأى معرفة ؟
قال الحكيم :
- ولكن هذا هو صراع التدهور والتطور، وأنت يابنى هو كل
الناس، والناس هم أنت، والمعرفة الحقيقية هى رؤية كل الأشياء فى نسق واحد متصل، وما ينطبق على الفلسفة يصلح للطب، وما يسرى فى الطب ينطبق على
ما وراء الطبيعة مهما اختلفت اللغة وتنوعت الأساليب، فهناك
حقيقة واحدة وراء كل هذه المظاهر، وهى صراع
الانسان نحو التطور، وليس مجرد البقاء .
قال الفتى :
- وهل لا بد للانسان أن ينكسر
وهو يتطور
قال الحكيم :
- فى يقينى أن تاريخ التطور الطويل
يقول أن النوع إذ ينتقل إلى نوع أرقى يتنازل عن صفات قديمة ويكتسب صفات جديدة، وأثناء هذه العملية التى تتم
أثناء الملايين من السنين، تستمر تلك المجموعة التى قاومت
التطور كما هى،
ولا تنس أن القردة مازالت على الأرض،
وأن هذا الصنف الحالى ليس
جدنا مباشرة وإن كنا
نلتقى معا فى جد بعيد، أما المجموعة الأخرى فهى تتحدى الظروف القديمة، ثم تخلق ظروفا جديدة أفضل ثم تتكيف فى صورتها الجديدة مع الأفضل، ثم يصبح الجديد قديما
وتتكرر القصة، وأثناء هذه المحاولات يبلغ الألم مبلغا يعرض المحاولة للاجهاض، ويعرض الجنس للهلاك .
قال الفتى :
- لذلك كان انكسار الانسان فى هذه
المحاولة خطيرا ومخيفا.
قال الحكيم :
- لأن الانسان هو الكائن الوحيد -
مما نعرف - الذى يتطور وهو يعرف أنه يفعل ذلك، بل إنى أكاد
أقول أنه الكائن الوحيد الذى يتطور بإرادته الواعية، وليس فقط بقانون الحياة الطبيعة، إلا
أن تكون إرادته الواعية من قانون الحياة . . وأظنها كذلك.
قال الفتى :
- ولكن ألا يوجد ما يساعده على نفسه فى هذه المعركة
قال الحكيم :
- أن تتسع دائرة اليقظة، فلا يترك
الانسان الثأثر وحيدا
قال الفتى :
- إذاً . . . فلتتسع دائرة
اليقظة .. ولتعلن الحقيقة .. وليعيشوا الألم كله ..
ليلدوا
أنفسهم من جديد، وليستمر من يستطيع .. وليزدد عدد الشباب والأطفال من كل الأعمار، وليمض الكهول من كل الأعمار أيضا مغمضى العينين وليغطوا فى نومهم حتى يموتوا ..
وليكن ما يكون
قال الحيكم :
- ولن يكون إلا غد مشرق
قال الفتى :
- ولكن لا بد من وضوح البديل . .
لقد رأيت خيوط الفجر فى كل مرة، ثم
تركتنى أنتظر طلوع الشمس فى كل مرة
قال الحكيم :
- ولكن الشمس تطلع حتما بعد نور الفجر
قال الفتى :
- فحدثنى عن ذلك . . . وليملأ النور والدفء الحياة
قال الحكيم :
- فاسمع بنى أغنية للحياة
****