أكبادنا
قال الحكيم :
دخلا على . . . هما هما، الأب، والأم، كانت الأيام قد
طحنتهما طحنا، لم أكد أتذكرهما، سنوات مضت منذ انقطع ابنهما
عنى منذ عاد إلى الحياة شاعراً
محارباً، ترقص المعانى فى
أفعاله قبل أن ينطق بالكلمات، يصنع المستقبل ولا ينتظر
التعليمات، هما هما . . . ماذا فعلت بهما الأيام ؟
قال الأب :
- لعلك تذكرنا
- طبعا
- ما كنا لنجئ لولا . . لولا . .
لولا زوجتى، والشديد القوى
- لا عليك; فأغلب حالاتى يحولها إلى "الشديد القوى"، لا أحد سواه
- تمزح ؟
- أهون عليك .. لم أركما من زمان
- زوجتى ليست على ما يرام
- لا بأس عليها
- وأنا كذلك
- ما الذى حدث ؟
- أنت تعرف الذى حدث . . أفسدت كل
ئ وعليك إصلاحه
- أنا تحت أمرِكم
- بعد ماذا ؟ لا نعرف كيف نعيش،
التليفزيون والإذاعة والصحافة وأنت . . . كل ذلك من علامات الساعة،
تلوحون للناس بالأمل ونجنى نحن الشقاء، كانت حياتنا مثل الساعة،
لا تؤخر ولا تقدم، تك .. نصحو .. , تك . . ننام، تك . . نأكل،
تك . . نقرأ، تك . . نقبض، تك .
. نصرف . . .إلى آخره إلى آخره
- وما آخره ؟
- كل ما يتصوره عقلك . . . ماذا
تريد أن تقول ؟
- تك . . نموت
- وماذا فى ذلك . . تك نموت ؟ . .
تك نموت
- ولكن لا بد أن نعيش حتى نموت
- هذا هو الكلام الفازع الذ يأفسد
عقول الشباب، والأدهى والأمر أنه كاد يفسد عقولنا أيضاً
- يبعد الله الشر عنكم .
- وكيف يبعد الله عنا الشر وهو
بيننا يرعى ؟ كيف يبعد الله الشر والأولاد يفكرون ؟ كيف . .
. وهم يتعلمون أشياء غير ما تعلمنا ؟ كيف . . وهم يرون
أخاهم قد فقد عقله ؟ . . بفضلكم .
- بفضلنا ؟
- هذه قصة قديمة ولكنكم أنتم الذين
ترفعون الغطاء عن الأعين ثم... ثم... هذه هى النتيجة .
- ولكنه ولد من جديد . . وانطلق يبنى .
- ماذا ؟ ضاع مستقبله والحمد لله .
ربما كان الآن أستاذاً بالجامعة على أقل تقدير، كنت أهيئة للوزارة، كان
نابغة ليس كمثله أحد، منك لله .
- ولكنه الآن يعيش، يكتب ويعمل ويحب
الناس .
- يحب الناس ؟ من أين أصرف هذه
العملة ؟ . . ونحن ؟ منك لله . . ضاع الولد، كاتب مجهول . .
يمكث فى القاهرة يوما وفى الجبهة عشرة، يعرض نفسه للهلاك دون
إذن منى (!) لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ... إنا
لله وإنا إليه راجعون .
. .
.
قالت الأم :
- أكثر الله خيرك . . . لا تتضايق
منه فقد خاب أمله فى الجميع، أنا لا أنسى جميلك ما حييت،
كاد الولد يضيع ولم
تتخيل عنه أبدا، صحيح أنه
لم يحقق ما كنا نرجو، ولكن صحته بالدنيا .
- بل هى الدنيا . . . لا
عليك، هل أستطيع مساعدتكما ؟
- تستطيع .
- أنا تحت أمركم .
- زوجى مضطرب تماما، لا ينام
ولا يصحو، دائم السخط والقلق، لا يستقر فى مكان، ولا نكاد
نمكث فى زيارة خمس دقائق حتى يقوم كالمفزوع، وأحيانا يجرجرنى
وراءه فى الشوارع بالساعات حتى بدأ الناس يتقولون عليه، وهو لا
يأكل بانتظام، والأدهى والأمر أنه لم يعد يصلى , وصل سخطه
ويأسه إلى أبعد الحدود .
- وأنت ؟
- دعنى فى حالى , لم يأت الدور على
بعد، أنا أقوم على خدمته وأسمع المصحف المرتل بقية الليل
والنهار . . ضاع كل شئ . . . لا ولد ولا زوج ولا مستقبل،
ننتظر الموت فى كل لحظة . ولكنه أصبح أغلى من كل ما
انتظرناه، لم ننتظر شيئا وتحقق، نمارس الوحدة والانتظار بلا
رؤية . . ولا صبر.. ولا غد ,... كل أمانينا ذهبت
هباء . . فلماذا تتحقق آخر أمنية لنا -
الموت..!! بينى وبينك أنا أؤمن أن هذا هو الحل الأوحد، ولكنه
أمنية عزيزة ... مثل كل الأمانى العزيزة ... حين نريدها لا
تحدث أبداً .
- لماذا كل هذه القتامة .. لقد
أدتيم واجبكم على أحسن وجه عرفتموه .. ربيتم أولادكم على قدر
ما استطتعم .. وهم يكملون طريقهم وحدهم .
قال الأب :
- وحدهم ؟ . . . آه . . . هذا هو
بيت القصيد.. وحدهم.. كيف يكملون الطريق وحدهم، وأنا الذى بدأت الطريق ؟
.. الذى وضعتهم داخل أمهم, وهى حملتهم وهنا على وهن، وأنا الذى
صرفت وربيت وعلمت، ثم يكملون الطريق وحدهم، إذا ماذا كنا نصنع
بهم ؟ ضحينا بك لشيء، بأنفسنا، بحياتنا، لم نعش لحظة إلا لهم،
لم نعش لأنفسنا إطلاقا، وفى النهاية يكملونه وحدهم . . . وماذا
أصنع أنا بدونهم؟ ألعب الطاولة أو الورق على رصيف قهوة مهجورة ؟
أنا لا أتقن شيئاً من هذا، أذهب للسباحة على الشواطئ بين العرايا والفاجرات ؟ أحج؟ حججنا خمس مرات حتى منعوا الحج المكرر، ماذا نصنع نحن ؟ لم يكن فى حياتنا غيرهم
.. وأصبحنا فى سن لا تسمح لنا بالإنجاب .
هل نتبنى أحد الأطفال فى آخر العمر نربيه بالطريقة التى تنصحونا بها ..ثم نخبركم
بالنتيجة ؟ . آه من كل هذا آه ! لماذا لا تقوم القيامة ؟
قالت الأم :
- أنت لا تعلم ماذا صنعنا لهم ... ربما أفادك أن
تعلم :
. .
.
- بارك الله فيهم سوف أجعلهم أحسن الناس ... أحسن
الناس .
- يبقيك الله لى ولهم .
- ليس مثلهم أحد فى الدنيا .
- يبعد الله عنهم الضيق .
-سأقطع من لحمى لأربيهم .
- كل شئ بهم ولهم .
-- ليس لنا وجود بغيرهم .
- إلا إبننا الصغير .. جوهرة ليس
لها مثيل .
- كلهم أحسن من بعض .
- ربنا يحميهم . . هم أحسن الجميع .
- أحسن من كل الناس .
. .
.
- الولد حرارته 39 .
- يانهار إسود .
- الطبيب قال انفلونزا بسيطة .
- أملى وحياتى . . ماذا أصنع بدونه ..
روحى . . قلبى . . عقلى .. مستقلبى ..
- المسألة بسيطة .
- ابنى حبيبى .. نحضر طبيبا آخر ..
لا بد أن تهبط الحرارة الآن
- الطبيب نزل لتوه .
- أنا مالى .. هذا ابنى وليس ابنه .
- ننتظر حتى الغد .
- أولادى .. ليس لى فى الدنيا سواهم .
. ماذا أنا بدونهم ؟
.
. .
- خط الولد مثل سلاسل الذهب .
- إبنى .. !
- شهادتهم تفرح القلب الحزين .
- أملى .
- ربنا يبعد عنهم العين .
- ليس كمثلهم أحد
- هم كالكتاب الجيد ذو الورق
المصقول
- تفتح الواحد منهم فيكر العلوم "كالمكنة"
- ماشاء الله
- عماتهم وأخوالهم يحقدون عليهم
- دائمو المقارنة بينهم وبين أولادهم
- ربنا يكفيهم الشر
- لن نزورهم بعد اليوم
- الحسد يأكل قلوبهم .. ألا يكفيهم
أنهم أغنى مالا
- أولادنا هم ثروتنا .. ليس لنا شئ
سواهم
وأنت تعلم بقية القصة، ربما سمعتها من ابننا الذى
زارك فى الأول، أو من أمثالنا، أو من أمثاله، ولكن لابد أن
تعرف وجهة نظرنا، عليك أن تسمعها قبل أن تحكم علينا
- ولكنى لا أحكم عليكم، أنا
أعذركم، كان الله فى العون، لو كان فى حياتكم شئ آخر لما
تدهور الحال هكذا .
- أنت تتحدث عن تدهور الحال . .
فأنت حكمت علينا مسبقاً
- لا تتعجلوا .. معنى حضوركم هنا أن
الحال متدهور.
- ياليتنا لم نحضر . . ولكن ما
العمل ؟.. أصبحتم مقررين علينا مثل صفحة الوفيات فى الصحف .. متى تقرأ أسماؤنا ونستريح
-ولكن كل ما حدث كان بالرغم منكم
- تعزية لا معنى لها
- أنا معكم .. ولكن ..
- كله من هذه "اللكن" إما أنك معنا أو معلينا
- الحياة لم ترحمكم .. لو أنكم
أطمأنتم، لو أنكم شعرتم بالناس كأفراد منكم، لو أنكم أمنتم،
لما نكببتم على أولادكم هكذا، ولما حدث ما حدث، فالذى حدث لم
يكن باختياركم تماما بل نتيجة ظروفكم
- يبدوا أنك لن تفهمنا أبداً .. إن الذى يحدث .. حدث قد حدث بالرغم مما عملناه لا بسببه، لقد
أحببناهم أكثر من أنفسنا، بل إننا لم تكن لنا حياة أصلا إلا
بهم
هذه هى الحكاية
. .
.
جاء إبنى الأكبر يقول:
- ألم يئن الأوان ؟
- بماذا يا بنى ؟
- أكمل نصف دينى
- دينك كامل والحمد لله .. أنت أول
من تؤدى الفروض
- أتزوج
- مازالت صغيرا
- عندى سبعة وعشرون عاما وأخشى أن
أقع
فيما يقع فيه الشباب
- لا تكبر نفسك
- أنا موظف منذ خمس سنوات
- ثم ماذا ؟
- ليس عندى مليم
- ماذا ؟
- مرتبى أعطيه لكم أول الشهر،
وحالتكم المالية مستورة والحمد لله
- ولكنك تأخذ أكثر منه
- أعلم ذلك
- إذا ماذا ؟
ماذا لو احتفظت بمرتبى ودعفت نصيبى فى التكاليف
- هل قالوا لك اننا فتحنا فندقا
-هذا أوفر لكم
- ومن قال لك أننا نريد أن نوفر
- أريد أن أشعر بكيانى، مازلت
آخذ مصروفا بعد خمس سنوات من التوظف !
- مرتبك لا يكفيك ملابس فقط
- أنا حر . . أنا على استعداد أن
أجوع
- مجنون . . والله العظيم . . يغوى
الفقر
. . .
كنا نحبهم أكثر مما يحبون أنفسهم، نقبض منهم خمسة
ونعطيهم عشرة . . . ولا فائدة
- أنا مصمم وانتهى الأمر
- سوف تلحق بك لعنتى
- لا أستطيع أن أستمر هكذا
- فسدت أفكارك من أصحاب السوء
- هى زميلتى فى العمل
- ضحكت على عقلك . . أنت لا تعرف
شيئا
- أنا أعرف كل شيء عنها
- أهلها من السوقة
- ونحن ؟
- . . . . . .
- أنت تستاهل بنت الملوك
- الثقافة تقرب بين الناس
- هل تعتبر أنك بحفظك عدة كتب فى
الكيمياء والأحياء والزراعة . . أؤ بوظيفتك فى مركز الأبحاث قد عرفت الحياة ؟
- أنت الذى حرمت علينا قراءة الكتب
- كنت أخاف على عقلك من الفساد
- ثم تعيرنى بضعف ثقافتى
- البيت كان مليئا بكتب الدين
والفقه، تقرأ فيها كما تشاء
- أنا أعرف الله خير المعرفة
- معرفته تكفى عما سواه
- ولكنها لا تمنع من القراءة
- كنت تريد أن فى الحب والكلام
الفارغ
- خلاياى تنبض بالجنس منذ خمس عشرة
سنة ولا أعرف له مخرجا
- . . . صفاقة
- أريد أ أجد متنفسا مشروعا . . .
أمارس فيه إنسانيتى
- تمارس ماذا ؟ . . . قلة حياء
- أريد أن أستقل . . أشعر بكيانى
- طفل يلعب بالألفاظ
- عندى سبعة وعشرون عاما
وذهب إلى كندا ... ولم يعد
يقال أنه يتقدم تقدما علميا ملحوظا . . وأنا ؟ أنا
مالى . . يكتب لى كل عدة شهور، تزوج من أجنبية . . وأولاده لا
يعرفوننا . . . منكم لله .. أفسدتم عقولهم
يرسل صورهم أحيانا . . صورهم تفرح .. ولكن أى فرح وبيننا بحور ومحيطات، ذهب الفرح إلى غير رجعة، ولن
يعود .
مات بالنسبة لى . . ولا قوة إلى بالله . . أحيانا أفخر
به فى المجالس وقلبى يتقطع من الداخل، أفخر بما لا أملك.. كله منكم
والبنت أيضا . . لم يعد لها فى حياتنا أثر، قد
تزورنا أحيانا . . وياليتها لا تفعل، لا أملك من أمرها حلا ولا باطل منذ تزوجت . . هل تريد أن تعرف كيف حدث ذلك ؟
- زميلى يريد مقابلتك
- لماذا يا بنتى ؟
- لا أعرف
- ألم تسأليه ؟
- خجلت
- إذاً . . . ا