الفصل السابع
عناصر الفصل السابع:
- حالات
البارانويا - علاقة البارنويا بالعصاب
واضطرابات الشخصية
- علاقة حالات
البارانويا بالفصام
- حالات البارانويا
والهلاوس - متدرج البارانويا
التصنيف الكلينيكى لحالات البارانويا
- حالات البارانويا البيولوجية
النشطة - حالات البارانويا الدورية
- حالات البارانويا الراجعة المتفترة - حالات البارانويا المستتبة
- حالات البارانويا الضحوكة الودودة - حالات البارانويا القاسية الساخرة
- حالات البارانويا المعتمدة اللاصقة - الموقف البارنوى
- اساليب الإبعاد
- الأسلوب القنفدى
- أسلوب المطالبة المتلاحق - أسلوب الإيهام بالذنب
- وحدة البارنوى - ألم البارنوى
- ثمن الوحدة (عند البارنوى) والنجاح
المترفع - شقاء البارنوى
- العلاقات الظاهرية عند البارنوى - الهرب المتلفت
- رحلة الوحدة والاستغاثة - الحب – الأخذ – المذلة
- الوجود المثقوب
- التكوين البارنوى (وإطلاق الاستعداد
الوراثى)
- مسار السيكوباثولوجينى عند البارنوى
- تفسير عدوان البارنوى - الجذب النكوصى فى البارنوى
- الحاجة إلى الحب - احتمال استسلام البارنوى
حالات البارانويا
Paranoid States
مقدمة:
لهذه الزملة الإكلينيكية وضع
خاص، فهى ليست متواترة مثل الاكتئاب أو العصاب، وهى منكرة من
قبل كثير من المشتغلين بالطب النفسى (وخاصة المدرسة الأنجلو
ساكسونية), وهى صعبة التشخيص، ومع ذلك فهى شديدة الأهمية من
زاوية دراسة السيكوباثولوجى.
وتعبير حالات البارانويا يعنى
تصنيفات مختلفة ومتناقضة مختلفة ومنتاقضة أحيانا، إلا أنها كلها
تتفق فى وجود منظومة ضلالية بشكل أو بآخر، ولابد أن تفصل
إبتداء بين حالات البارانويا الحادة وتحت الحادة التى تعنى -
سيكوباثولوجيا - إعادة النشاط مباشرة للمستوى البارانوى (الموقف
البارانوى), وبين الحالات المزمنة التى تعنى إتمام نسيج المنظومه
الضلالية كعماد محورى للشخصية.
والدراسة التى نقدمها هنا تشرح
أساسا الموقف البارانوى (النشاط البارانوى) وعلى ذلك فإنها تتعلق
مباشرة بالحالات الحادة وتحت الحادة، كما أن هذا الموقف هو
النواة التى تنشأ منها المنظومة الضلالية.
وقبل أن نناقش طبيعة هذا
الموقف البارانوى وأصول جذوره سوف نقدم لماهية الضلال باعتباره
محور حالات البارانويا المزمنة، التى سنحاول أن نعرض لموقفها
كزملة مستقلة وعلاقتها بالأمراض الأخرى.
ونبدأ بأن
نقول إن إهمال - أو أنكار - حالات البارانويا ([1]) إنما يرجع إلى عمق خاص فى
طبيعة حياتنا المعاصرة من ناحية، وطبيعة مرحلة تطور الإنسان من
ناحية أخرى، بما يتطلب ضرورة اعتمادنا النسبى على معتقدات خاطئة
قاهرة تدعم وجودنا مرحليا.
أما طبيعة حياتنا المعاصرة فهى
تسمح - بل وتنمى - أن يعيش الإنسان وحيدا، لا بمعنى التكامل، بل
بمعنى العزلة الحقيقية حتى ولو زادت احتكاكاته الظاهرة، وكلما
زادت عزلة الإنسان الجوهرية عن أخيه الإنسان، بمعنى افتقاره إلى
الرسائل البيولوجية ذات المعنى من إنسان آخر، وبالتالى عجزه عن
إرسال مثل هذه الرسائل التى تحفظ الكائن البشرى الحى فى ذاته،
أقول كلما تزايدت هذه العزلة احتاج الإنسان أكثر وأكثر إلى
أن يدعم كيانه الداخلى بمعتقد ثابت منظوم، يتغذى منه غذاء
داخليا خاصا ويستند عليه ضد أى أهتزاز أو هجوم مهدد بالتناثر،
وهذا المعتقد المسلسل (المنظومة) ([2]) هو دعامة حياة الإنسان المعاصر
بديلا عن التواصل البشرى من ناحية، وبديلا عن السعى إلى
الموضوعية المطلقة والتناغم مع الكون الأعظم من ناحية أخرى (إلى
وجه الله) - وهكذا ونجد أنفسنا أمام البعد الآخر المعوق
لتناول هذه الزملة الإكلينيكية وهو مرحلة تطور الإنسان
والتى تؤكد كل المظاهر أن الإنسان غير قادر - حاليا - على
استيعاب الحقيقة الموضوعية "كما هي" وعلى أحسن الفروض
فهو ساع دائما إليها، وعلى أسوئها فهو متوقف تماما بعيدا
عنها.
وما دمنا قد وصلنا إلى هذه
المسلمة الأولية فلابد من الأعتراف بأن كثيرا من المعتقدات
الإنسانية هى معتقدات بعيدة عن الحقيقة الموضوعية، وهى معتقدات
ثابتة بقدر حاجة الإنسان الفرد إلى التمسك بها للحفاظ على
توازنه فى مرحلة ما، وهى لا يمكن إصلاحها بالمنطق الموضوعى
المجرد .. لأن هذا المنطق الموضوعى المجرد فى ذاته مسألة نسبية
طالما هو صادر من إنسان آخر ... حيث أن حقيقته المجردة -
دون عبورها العقل البشرى - ليست فى متناول أحد مهما بلغت
رؤيته وكدحه كدحا إلى ملاقاتها، إلا بقدر نسبى يتناسب مع قدر
تطوره.
ودون أن نسترسل فى القضية
المعرفية (الابستمولوجى) لابد أن نعترف بنسبية حتمية فى تعريفنا
لما هو ضلال Delusionالذى هو محور
حالات البارانويا) بأنه معتقد خاطئ ... لا ينبع من الواقع ولا
يمكن إصلاحه بالمنطق السليم، ولايتفق مع بيئة المريض وثقافته ..
ولابد أن نسلم إذا بأن الفرق
بين المعتقد الخاطئ (الضلال) والمعتقد الذى يتصف بالصواب
(المفهوم) هو فرق يحتاج إلى أبعاد أخرى غير مدى القرب أو
البعد عن الحقيقة الموضوعية صعبة التحديد فى ذاتها، وأهم هذه
الأبعاد كما تظهر فى مجال الممارسة الكلينيكية ([3]) هى:
1- كلما كان المعتقد مشتركا
بين أغلب الناس ... اعتبر أقرب إلى المفهوم منه إلى الضلال.
2- كلما كان
المعتقد نافعا لعدد مناسب من البشر اعتبر أقرب إلى المفهوم
منه إلى الضلال - على أن يكون مقياس النفع مرتبطا باستمرار
الحياة بشكل أو بآخر (عرضا أو طولا).
4- كلما كان
المعتقد منظما للشخصية .. اعتبر أقرب إلى المفهوم دون الضلال.
5- كلما كان
المعتقد أقدر على الأستمرار .., وفى نفس الوقت يحتمل قبول
التحوير التدريجى .. اعتبر أقرب إلى المفهوم دون الضلال.
ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات
الكلينيكية لاتنهى المشاكل التنظيرية المجردة حيث تثار قضايا لا
مجال لمناقشتها هنا طالما كان التزامنا وهدفنا محددين منذ
البداية (دراسة فى علم السيكوباثولوجى), ولكن لا بأس من طرح
بعض الأسئلة المنبهة - أمانة - حتى لا يحسب القارئ أن الحكم
الكلينيكى قد وجد الحل لهذه القضية الأزلية:
(ا) ماذا لو
اعتقد إنسان مافى معتقد رآه من خلال وعى أعمق، ولكنه غير
مناسب لعامة الناس؟
(ب) ماذا لو
كان النفع مؤجلا بحيث يكون بعيدا عن متناول المقاييس الحالية؟
(جـ) ماذا لو
كان توازن الشخصية هو ثبات متجمد وليس حركة تصاعدية؟
(د) ماذا لو
لم يوجد حتى "آخر" واحد يمكن أن يصل إليه المعنى
المراد من هذا المعتقد لقصور مرحلى فى الآخرين وليس لخطأ فى
المعتقد؟
(هـ) ماذا لو
كان هذا الآخر (أو الآخرين) الذين فهم المعتقد من صاحبه ..,
واقع تحت تأثير عاطفى لصاحب المعتقد؟
أفلا يحق لنا بعد ذلك أن أن
ندرك وجهة النظر التى رجحت إبعاد هذه الزملة الكلينيكية إبعادا
مبدئيا، بل فلنتقدم خطوة لنحاول أن نفهم الأسباب التى تكمن
وراء هذا التجنب فى شخصية الممارس ذاته:
(1) الخوف من
مظنة الموقف الحكمى Judgmental attitude
(ب) خوف
الطبيب والفاحص من مواجهة ومراجعة معتقداته هو على احتمال أنها
ضلالات نسبية.
(جـ) الخوف
مما يترتب على اهتزاز شخصية المريض إذا ما تخلخل الضلال
الموازن قبل ظهور الضلال الأكثر قبولا (أو قبل الأقتراب النسبى
أكثر فأكثر من الموضوعية) كبديل ذو فاعلية مناسبة.
(د) الأختباء
فى وهم الحرية، تحت زعم أن أى "معتقد" ليس مما هو فى
متناول التدخل الغيرى فضلا عن الفحص الكلينيكى..
وكل هذه المخاوف ليست مجرد
مهارب، بل إنها وجها نظر لها فاعليتها الإيجابية المناسبة.
***
وبالرعم من كل هذه المحاذير
والترددات، فقد وجدت أن دراسة هذه الزملة الكلينيكية (حالات
البارانويا) من منظور سيكوباثولوجى، هى دراسة جوهرية يستحيل
التنصل من مسئولية مواجهتها، حتى لو تضاءلت قيمتها فيما يتعلق
بالصورة الكلينيكية الملغزة. ([4]).
حالات البارانويا والعصاب
واضطرابات الشخصية :
إذا كانت حالات البارانويا قد
تشابهت علينا حتى كادت تختلط بمعتقدات الأسوياء، فإن لنا أن نتوقع
أن يكون التشابة أكبر والخلط أشد مع زملات أخرى أكثر بعدا
عن الموضوعية (لأنها أكثر استعمالا للحيل النفسية), ولنأخذ
بالذكر هنا بعض أنواع العصاب المزمن، وبعض نماذج اضطراب
الشخصية، ولنأخذ مثلا عصاب الوسواس القهرى وعصاب الهيبوكوندريا
المزمن لنلاحظ وجه الشبه الدينامى المباشر مع حالات البارانويا
المزمنة، وكل الفرق هو مايدعى من أن مريض العصاب الوسواسى
القهرى والهبيوكوندريا عندهم بصيرة بشذوذ معتقداتهم المتعلقة
بالسلوك القهرى أو الوهم المرضى، ولكن المتمعن فى هذه البصيرة
يجد أنها حيلة العقلنة لتثبيت المعتقد وليست بصيرة الوعى
للتخلص منه، وكأنها بذلك تقرب هذا المعتقد أكثر وأكثر من
المنظومة الضلالية المثبته ببصيرة كاذبة Pseudoinsight, أو على الأقل
ببصيرة مشلولة.
وتزداد أهمية وجه الشبه سالف
الذكر بالنسبة لتحديد موقع حالات البارانويا بين العصاب والذهان،
فمن ناحية إعلان بعدها عن الواقع وفقد البصيرة فى المعتقد
تبدو ذهانية بلا جدل، ولكن من الناحية الدينامية وثبات
المنظومة الضلالية وتماسك الشخصية (على المستوى المرضى) تقترب من
العصاب المزمن حتى لتساويه، وهى تؤدى نفس الوظيفة التى يؤديها
العصاب المزمن من حيث أنها دفاع ضد تناثر أعمق أو نشاط
بدائى مهدد، ولكن حالات البارانويا تختص مباشرة بأنها دفاع ضد
الفصام بوجه خاص، أى ضد التناثر على وجه التحديد، وهى تشبه فى
ذلك إلى حد ما بعض اضطرابات الشخصية من النوع النمطى بوجه
خاص حيث يتحمل كل من هاتين الزملتين خصائص: الإفراط المزمن
فى الحيل لدرجة تشويه الشخصية، والتعود حتى التثبيت على نوع
مكرر من الوجود يعوق حركة النمو، والدفاع ضد احتمال التناثر
أو التهديد بالتناثر، ونضيف هنا إضافة خاصة وهى أنهما يشتركان -
من بعد معين - فى أن وجود كل منهما مبنى على منظومة ضلالية
محورية تسهم فى التوازن (المرضى) وتثبته، ولكن فى حين نرى أن
المنظومة فى حالة البارانويا تكون ظاهرة، تكون المنظومة فى حالة
اضطراب نمط الشخصية غائرة (وهى تشبه فى ذلك إلى حد ما غالبية
الأسوياء) ولا يظهر على السطح إلا ما يترتب عليها، ولنفترض
مثلا أن وجود صاحب الشخصية المضطربة من النمط الشيزويدى مبنى
حول محور المنظومة الضلالية القائلة: "لاوجود فى هذا العالم
سواي" أو "كل العلاقات المطروحة كاذبة ولا جدوى
منها" ...إلخ فإن هذا الشيزويدى لا يقول بهذا المعتقد ولا
يدافع عنه، بل قد يقول العكس أحيانا (تكوين رد الفعل) ولكن
كل تصرفاته الثابتة المكررة تؤكد ذلك، وكمثال آخر ما يمكن أن
نراه فى حالة الشخصية السيكوباتية المبنية على منظومة ضلالية
تقول "أنا ... فقط، حتى ولو أهلكت كل الآخرين" فإن مثل
هذا المعتقد أيضا يظهر فى تصرفاته ولكنه غالبا ما لا يبدو
صريحا فى أفكاره وآرائه.
وقبل أن نترك هذه المنطقة نشير
بوجه خاص إلى الزملة المعروفة بالفصام البسيط والتى يزعم الوصف
الكلينيكى العادى أن المريض لا يشكو من ضلالات أو هلاوس إلا
نادرا، ولكن واقع الممارسة الاكلينيكية العميقة يؤكد أن الذى
يجعل هذا النوع من الفصام يبدو بسيطا هو تماسك نسيج
الضلالات تحت السطح مباشرة وليس فى أعماق اللاشعور بحيث تظهر
صريحة تحت أى ضغط مناسب، كما أن ضلالات الفصام البسيط تقترب
بشكل أو بآخر من الضلالات الشائعة العادية إن صح التعبير،
وقد أوردنا الفصام البسيط هنا - وليس فى حديثنا عن الفصام -
فى علاقته بحالات البارانويا لشدة الشبه بينهما "تركيبا"
(البعد الأول للسيكوباثولوجى) مع ارتباطها باضطراب نمط الشخصية.
ونستطيع أن نقف هنا وقفة مؤقتة
لنؤكد على بضعة مفاهيم أساسية خشية الخلط وهى:
أولا: إن وجود ضلالات فى اللاشعور
أمر طبيعى وبديهى ومن صلب تكوين الكيان البشرى، كما أن ذلك
له علاقة مباشرة بحقيقة مفهوم الحيل النفسية لدرجة تسمح
بالقول قياسا "إن الحيل النفسية تشمل تكوين منظومات ضلالية
على مستوى اللاشعور".
ثانيا: إن اقتراب هذه الضلالات من
الشعور، وكذلك تأثيرها الكامل والمباشر على السلوك بإلحاح مزمن ..
لايدع للرؤية الموضوعية إلا أقل قدر من الأتصال بالعالم الخارجى،
إنما يدل مباشرة على اضطراب نمط الشخصية والعصاب المزمن
والفصام البسيط.
ثالثا: يوجد فى الحياة العادية فى
عمق التركيب البشرى ما يمكن أن يسمى ضلالات عمومية (عالمية) Universal, بمعنى أنها
تعتبر جزءا لا يتجزأ من التكوين البشرى يكاد لا يخلو منه
فرد وإن اختلفت الدرجات، ومن بعض أمثلة هذه الضلالات التى
قابلتها فى العلاج الجمعى خاصة:
1- "لافائدة
... إطلاقا".
2- "وحدى
دائما .. وحدى حتى الموت".
3- "كل الناس
يحبونني".
4- "كل
الناس تبغضني".
5- "لا أحد
يحبني".
6- "لا أحد
يريدني".
7- "لا أحد
يراني".
8- "لا يرجى
منى فائدة".
9- "لا
يوجد من يعرف ما أعرف".
10- "لا
يوجد أحد سواي".
11- "أنا ...
وليحترق الجميع".
12- "هذا
العالم مخلوق لي".
13- "هذا
العالم مخلوق لي".
14- "حتما ..
سيتركوننى ولا يعودون ..'.
إلى أخر هذه المعتقدات التى تتصف
بأنها:
(1) جازمة
"دجماطية" (لاحظ تكرار "لا أحد", "أبدا",
"كل" إلخ).
(ب) ذات جانب
واحد، (وقد يعتقد الفرد فى الضلال ونقيضه .. ولكن كل منهما فى
جانب مستقل تماما عن الآخر)
(جـ) ليست فى
متناول النقاش.
(د) حتمية
التأثير فى السلوك.
(هـ) غير
ظاهرة مباشرة فى الفكر كمعتقد معلن إلا فى ظروف ضغط معينة..
وقد قصدت أن أخلط بين
ما هو شائع عن الضلال كعرض مرضى محدد المعالم وبين
الضلال كما هو اعتقاد جماطيقى مدخل Internalized أو مثار
نتيجة لبعث نشاط مرحلة محددة من نمو قديم ولكنه مازال فى
اللاشعور، لأؤكد الفروض التى طرحتها حتى الآن وهى:
1- إن حياة
الإنسان مبنية نسبيا وجزئيا على معتقدات خاطئة مرحليا ظاهرا
وباطنا.
2- إن الفرق
بين الشخص العادى والشخص العصابى وحالات البارانويا قد يكون فى
كشف الغطاء عن هذا الضلال الموجود فى حالة البارانويا دون
التشخيصين الآخرين، أى ظهوره هو هو فى دائرة الشعور من عدمه.
3- إن محتوى
اللاشعور ليس مقتصرا على الشائع من ذكريات وتثنيات وأحداث، بل
إنه مكون من عقائد ومنظومات لها دور أساسى فى التماسك حتى
ولو كانت خطأ (نسبيا بالضرورة).
4- إن العلاج
هنا يبدأ بإرجاع الضلالات إلى جذورها "العمومية Universal' وإعادة معايشتها باتجاه صحيح
واستيعاب جديد، وكذلك فإن النمو يستحيل دون اجترار هذه
الضلالات فى الوعى (بدرجة نسبية بالضرورة، وإعادة تناولها من
منطلقها الصحيح الذى يشمل استيعاب كل ضلال مستقطب مع نقيضه
فى تصعيد ولافى ([5])
(مما يخرج عن نطاق هذا الشرح المبدئى حاليا).
حالات البارانويا والفصام :
أحسب أننا وصلنا بعد كل هذا
العرض إلى تفهم وجهة نظر من يقف من هذه الزملة موقف الإنكار
حتى ليدرجها مباشرة مع الفصام باعتبارها فصام بارنوى، (غالبية
المدرسة الأنجلوسكسونية), ولعل هناك سبب آخر لهذا الإدراج يتعلق
بدراستنا هنا وهو "السيكوباثولوجي", ذلك أن هدف حالات
البارانويا بضلالاتها وشكوكها وتشويهها للواقع هو فى غاية
النهاية "محور الآخر ... وتشويه الواقع" الذى هو بعينه
هدف الفصامى، ولكن التحذير الذى لاغنى من تكراره هو أن
التشابه فى الهدف السيكوباثولوجى لا ينبغى أن يغرى بالإدماج فى
الصورة الإكلينيكية، وهذه الملاحظة الأخيرة هى المبرر الحقيقى
لفصلهما كزملتين مستقلتين يفرق بينهما فى الصورة الإكلينيكية:
أولا : اضطراب شكل الفكر (تكوين
المفهوم وتكوين الضلال معاBoth concept and delusional formation).
وثانيا : تفسخ وتناثر الشخصية.
***
حالات البارانويا والهلاوس :
أوضحنا فيما سبق طبيعة الضلالات
ومكانها وتوقيت ظهورها ووظيفتها فى الصحة والمرض، ولابد من
ربطها قبل أن ننطلق إلى شرح المتن بقرينتها "الهلاوس"
التى تمثل العرض الأساسى الاخر فى هذه الزملة، وكذلك ربطها
بالأخيلة (الصور الخيالية: Images) كأحد
التحويرات التخيلية للهلاوس.
ويمكن تناو ل الهلاوس من عدة
منطلقات:
الأول: باعتبارها ضلالات على مستوى
الإدراك Delusions
on perceptual level, أى أن المريض
يسقط الضلال الكائن فى داخله - أو الذى قام بنصحه - إلى العالم
الخارجى فى شكل مدركات حسية، ثم يستقبلها.
والثانى: من منظور عصبى وتركيبى Structural and neurologement المادة المدخلة فى صورة حالات للأنا Ego states, أى فى صورة
مدركات منطبعة لم تهضم، ثم إعادة استقبال هذه المادة بالجزء
من المخ على أنها من العالم الخارجى (راجع أيضا ص 95).
والثالث: من منطلق نموذج (فعلنة
المعلومات) Information
processing حيث تعتبر الهلوسات تغذية داخلية Internal input تعويضا عن
العجز فى التغذية الخارجية External input, وبيان ذلك
أن الجهاز المخى - حتى يظل فى تماسكه الداخلى وتناسقه الوجودى Internal cohesion and unitary
organization يحتاج إلى جرعة مناسبة من المعلومات
المدخلة، وهذه المعلومات تصل أساسا من العالم الخارجى فى حالة
اليقظة، كما تصل أيضا من العالم الداخلى، حتى لتظهر صريحة فى
الأحوال العادية فى صورة الأحلام ([6]) فى حالة النوم، وليس المهم
دائما هو كم المعلومات، ولكن المهم هو تناسب "معاني"
المعلومات "ووظيفتها" لاحتياجات الجهاز المخى فى مرحلة
معينة من تطوره، فإذا لم تف المعلومة - من الخارج - بهذا
الأحتياج، تخلخل جهاز الأستقبال، ومن ثم أثار تعتعه المعلومات
المخزونة، وتحركت لتشد هذا الأحتياج من داخل، حتى يظل هذا
الجهاز محافظا على توازنه أساسا، وعلى كفاذته بدرجة أقل.
وبديهى أن تكوين الهلوسات ينبع
من هذه المنطلقات الثلاث معا وإن اختلف دور كل منها نسبيا
حسب مرحلة الهلوسة وطبيعتها كما سيرد حالا.
كما أن محتوى الهلوسات يتوقف أساسا
على نوع المادة المطلوبة لتوازن الجهاز المخى من ناحية، وكذلك
على نوع المادة المخزونة المشحونة المنطبعة.
حيث أن فرط احتياج الجهاز المخى
لتغذية ما يقلقل تناسق المخ كلية، فبتعتع المادة الأكثر شحنا
(أى التى لم يعشها الفرد أصلا أثناء حدوثها بدرجة كافية),
ونتاج هذين العاملين معا هو الذى يحدد أى مادة سوف تنفصل
وتستقبل بواسطة بقية التكوين المخى خاصة، والتكوين الحيوى عامة
باعتبارها واردة من العالم الخارجـى.
ومن هذا المنطلق تقوم أغلب
الهلوسات بصفة عامة - وفى حالات البارانويا خاصة - بوظيفتها
التماسكية من خلال ثلاث عمليات:
1- أنها تعوض
الجهاز المخى وتوفر له احتياجاته من كم المعلومات المطلوبة
لكفاءة تماسكه الداخلى ولو على مستوى مرضى.
2- أنها تفصل
المحتويات المشحونة القابلة للتعتعة بحيث لا تهدد بالتناثر إذا
استمر شحنها ضاغطا ضغطا عشوائيا فى الكتلة المخية من داخل.
3- أنها تؤكد
معتقدا خاطئا وتثبته باعتباره مدركا حيا بحيث يسهم - مثل
الضلال - فى دعامة الشخصية وتأجيل - أو إلغاء- القفز إلى
الإدراك الموضوعى المجرد بما لا يحتمله الجهاز المخى فى مرحلة
بذاتها.
أما طبيعة الهلاوس (وليس محتواها)
فتتوقف على المرحلة التى تظهر فيها، ومدى النشاط النيورونى
الحيوى من ناحية - الناتج عادة من التعتعة - فى مقابل مدى
تناولها بالحيل العقلية لتحويلها من خبرة معاشة إلى فكرة معقلنة
تؤدى وظيفة تماسكية من خلال نسيج جديد بالترميز والإزاحة
والإسقاط، وغير ذلك من أساليب محكمة.
ففى بداية الذهان النشطة ([7]),
تكون الهلاوس حقيقة بيولوجية معاشة إذ أنها تعنى أن مستوى من
المخ يستقبل مستوى أخر قد تعتع Dislodged ثم تباعد حتى
"الملخ" Dislocation , أما فى
حالات الذهان المستقر والمستتب (حالات البارانويا الهلوسية
المزمنة مثلا), فإن الهلاوس تصبح أكثر فأكثر معتقدا فى صورة
إدراك متخيل أكثر منها فى صورة خبرة حيوية نشطة، وأثناء هذه
المرحلة النشطة قد يدرك المريض بشكل أو بآخر أن هذه
الهلوسات (والضلالات) ليست حقيقة خارجية، وقد يتكلم عنها على
أنها "صوت داخلي" inner voice أو قد يصفها
بتعبير "كأن" as if quality , وقد دأب
التعليم السائد على اعتبار مثل هذه الهلوسات هلوسات كاذبة Pseudohallucinations والحقيقة أنها على عكس ذلك تماما إذ أنها هى
الأصل وهى الحقيقة البيولوجية، وإدراك المريض لها بهذا الوعى
الحساس إنما يدل على حيوته من ناحية أخرى، بل إن عقلنتها
فيما بعد وتحويلها إلى معتقد هو الذى يفقدها أصالتها فى الوقت
الذى يبدأ المريض فى الحديث عنها باعتبارها يقين عقلى وليست
خبرة معاشة.
وقد يزداد
تناول هذا وذاك بمزيد من الحيل وخاصة حيلة التخيل Fantasy فقد تنقلب
الهلاوس - بواقع الإزمان خاصة - أكثر فأكثر إلى صور عقلية
خيالية Fantastic
mental images تحدث فى حالة من الوعى
محورة جرئيا، وتصبح مسطحة ذات بعدين (دون تجسيم) كما قد تصبح
فى متناول اللعب العقلى الخيالى بتحويرها حجما ولونا وبعدا وقربا،
فإذا غلبت هذه الصفات وقامت بحفظ تماسك الشخصية بدلا من: (1)
الهلوسات الحيوية النشطة Active biological hallucinations, وكذلك بدلا
من (ب) الهلوسات الضلالية المسقطة Projected delusional hallucinations فإنها تصبح صورا تخيلية تستحق أن تستقل بأسم
مستقل، وهو حالات البارانويا التخيلية ([8]) .
وهذه الحالات الأخيرة كما شرحنا
تستعمل الحيل النفسية بإفراط وخاصة التخيل والإزاحة، وفى حالة
خاصة من الوعى بمايقاربها من درجة ما من الأنشقاق بحيث يمكن
أن تقربنا أكثر وأكثر من العصاب الأنشقاقى (الهستيرى) بوجه خاص
.., والخلط بين هاتين الزملتين (البارانويا التخيلية المزمنة
والهستريا الأنشقاقية) خلط شائع على مستوى التنظير، واختلاف
المدارس (فى المدرسة الأنجليزية مثلا يتجهون إلى تشخيص كل مثل
هذه الحالات على أنها هستيريا انشقاقية), وكذلك على مستوى
الأختلاف الفردى فى التشخيص.
مندرج البارنويا :
بقى بعد ذلك أن ننظر إلى مندرج
البارانويا Paranoid
scale حتى نصل هذه النظرية التنظيرية بما
يقابلها فى تنويعات عادية وكلينيكية; وسوف نحاول - من أجل التبسيط
ليس إلا - أن نتكلم عن المنظومة المفهومية (الأساسية) (Conceptual system) فى مقابل
المنظومة الضلالية ([9][9]) (الأساسية) ([10])
(Delusional System) باعتبارها ممثلة المنظومات الأخرى.
1- الحياة
العادية : وفيها تكون المنظومة (المنظومات) الضلالية غائرة فى
اللاشعور ولاتؤثر فى السلوك إلا بطريق غير مباشر، وإن كانت
تبدو مظاهرها من خلال الحيل النفسية المختلفة، والممارسة فى
حدود متوسطة، وإذا زاد تأثير هذه المنظومة فى اتجاه الشكوك
نحو الآخرين مع جرعة أكثر قليلا من الإسقاط، وميل إلى التحفز،
فإن مثل هذه الشخصية قد تعرف بالشخصية البارانوية التى لابد -
فى حدود المتوسط أن تدرج فى - حدود السواء تماما.
2- حالات البارانويا: وفيها تسير المنظومة الضلالية
جنبا إلى جنب مع المنظومة المفهومية، ولكن فى نفس الوساد
الشعورى Conscious
Matrix بحيث تظهر الضلالات (أو الهلاوس أو
التخيلات) كأعراض محددة تشغل حيزا متوسطا من السلوك بدرجات
مختلفة من التعويق.
3- اضطراب نمط الشخصية البارانوى: وهو نوع من الشخصيات المضطربة
نمطيا، بحيث يسرى عليها ما يسرى على سائر أفراد الزملة من حيث
هى دفاع ضد التناثر ومكافئة للذهان، أما من ناحية متدرج
البارانويا، فإن المنظومة الضلالية تلوث المنظومة المفهومية تماما
بحيث تختلطان إختلاطا يصعب فصله، حتى ليكاد أن يكون الأسم
على غير مسمى، لأنه لم يعد هناك منظومة بمحاذاة العقل بعد
هذا التلوث وهذه الشخصية تبدأ مثل كل اضطرابات نمط الشخصية
فى سن مبكرة منذ الطفولة أو المراهقة المبكرة.
4- البارانويا (الحقيقية) paranoia vera, وهى من
الناحية التركيبية تشبه النوع الثالث بدرجة ملحوظة، بالإضافة إلى
أن المنظومة الضلالية بتلويثها بالمنظومة المفهومية قد أغتالها
تماما حتى كادت تحل محلها كلية، والفرق الثانى هو أن بداية
هذه الإغارة الساحقة تبدأ فى سن متأخرة فى منتصف العمر عادة،
ونكرر هنا أنه مادام الأمر قد بلغ هذه الدرجة من التلوث
والإغارة فإن كلمة بارانويا تصبح - أيضا هنا - اسمآ على غير
مسمى، لأنه لم يعد هناك منظومة أخرى بمحاذاة العقل.
5- تنويعات أخرى:
هناك زملتان كلينيكيتان شديدتا الأتصال
بمتدرج البارانويا مع فروق تشخيصية وتركيبية (وسيكوباثولوجية
بداهة) واضحة وهما:
(أ) الفصام
البارنوى: وهو يختلف عن حالات البارانويا
فى أنه يظهر التصدع الذى بدأ بدرجة متوسطة فى بناء المنظومة
المفهومية بما يترتب عليه من مظاهر اضطراب عملية التفكير (وما
يسمى بشكل الفكر) وفى نفس الوقت تصدع مواز فى بناء المنظومة
الضلالية، بما يترتب عليه من مظاهر عدم تناسق وتسلسل الضلالات،
حيث أن تكوين المنظومة المفهومية والمنظومة الضلالية يتمان بنفس
العملية الترابطية بحيث إذا اختلت هذه العملية تصدع الأثنان
معا.
(ب) العصاب البارانوى Paranoid neurosis: وهذا العصاب
يتميز بأن المنظومة الضلالية تقترب من الشعور، دون أن تظهر
صراحة وتلقائيا فى شكل ضلالات، ولكنها تقوم بوظيفة سوء التأويل
النشط بما يناسب محتواها، ولكن المريض سرعان ما يصحح سوء
التأويل النشط بما يناسب محتواها، ولكن المريض سرعان ما يصبح سوء
التأويل هذا، أو يقبل أن يصححه آخر ليساير المنطق العام.
التصنيف
الكلينيكى لحالات البارانويا : ([11])
تعودنا فى هذه الدراسة - بدءا
بالأكتئاب - أن نصف الزملات الكلينيكية لا بحسب الأعراض الغالبة
وتجميعاتها، ولا بحسب الشائع من تصور أسباب ظاهرة وأسباب خفية،
ولكن بحسب طبع الزملة الكيانى الكلى، ووظيفتها الظاهرة، ومدى
نشاطها المرتبط بالحيوية البيولوجية، فى مقابل مدى استقرارها
المتصل بالهمود واستتباب السلوك المعوق.
وأتباعا لنفس الطريقة بالنسبة
لحالات البارانويا لن ألجأ إلى التوقف عند ما إذا كان العرض
الغالب هو ضلالات أم هلاوس أم تخيلات ... إلخ، ولكنى أقول ما
دأبت على شرح أبعاده من واقع ممارستى الاكلينيكية أن حالات
البارانويا (النوع الثانى فقط فى متدرج البارانويا الذى ذكرته
حالا ص 276) يمكن تقسيمها إلى الأنواع التالية:
أولا - حالات البارانويا
البيولوجية النشطة : وهى تعنى الحالات التى يثار فيها النشاط البارنوى بمعنى
استعادة النشاط الأقدم للمستوى البارانوى والذى كمن بعد مرحلة
معينة من مراحل النمو، وهذه الحالات تتصف بأن المريض
"يعيش" موقفا بارانويا من العالم من حوله، وتكون علاقته
محكومة بنوع خاص من استقبال العالم، والعلاقة بالموضوع (بالآخر),
والخوف من الأقتراب والشكوك الغامرة إلى آخر هذه المظاهر
المعروفة عن الموقف البارانوى أثناء النمو الطفلى أساسا
(انتوجينا), والموقف البارانوى المقابل فيلوجينيا، والموقف البارانوى
المعاد ماكروحينيا (فى أى أزمة مفترقية تنتهى بالنمو .. وأهمها
كمثال أزمة المراهقة), وأخيرا الموقف البارانوى كعلامة إجهاض
لهذه النبضة الماكروجينية، أى الناشئ من عملية السيكوباثوجينى المجهضة
عند الموقف البارانوى.., وهذا النوع فقط هو موضوع دراستنا
هذه، وكل ماعدا ذلك من أنواع فهو متعلق بهذا الموقف وقد
يكون نابعا منه، ولكنه ليس محل دراستنا هنا، بل قد ينتمى كل
نوع سيكوباثولوجيا إلى زملة كلينيكية أخرى كما سنضرب أمثلة فى
نهاية هذا التصنيف.
ويمكن أن ندرج تحت هذا النوع
فئتين فرعيتين شائعتين كلينيكيا وهما:
(1) حالات البارانويا الدوريةPeriodical paranoid states: وهى الحالة التى تعاود المريض بين الحين والحين
بصفة منتظمة نسبيا، وفى كل مرة يثار الموقف البارانوى بكل
محتواه ومعالمه، ونخفف هذه الثورة جزئيا بالضلالات (والهلاوس
المصاحبة) إلى درجة أقل، وتختفى مثل هذه النوبة بالعلاج (وأحيانا
تلقائيا), ولا تترك إلا أقل الآثار، وأحيانا تترك تأثيرا
إيجابيا مثلما ذكرنا بشأن اكتئاب المواجهة البيولوجى، ومثلما
ذكرنا بشأن الهوس البيولوجى، ومثلما ذكرنا بشأن الهوس البيولوجى
الدورى، وقد بلغ من هذا التقارب بين هذه الأنواع البيولوجية
الحية أن أعتبر بعض الباحثين هذا النوع ضربا من ذهان الهوس
والاكتئاب وإن اتخذ موقفا بارانويا ([12])
(ب) حالات
البارانويا الراجعة المتقترة Intermittent paranoid state: وهذه الحالات
متكررة أيضا، إلا أن أنتظامها أقل نسبيا، كما أن محتواها
يختلف فى المرة عن المرة السابقة نوعيا وكميا، وكذلك فإن
المريض فيها لا يرجع إلى خط الأساس (ولذلك أسميته متفترا) بل
تترك النوبة ندبا فى شخصيته، وإن كان عادة خفيا وأقل كثيرا
من المعروف فى حالات الفصام، والزملة الكلينيكية المعروفة بحالات
البارانويا الحادة وتحت الحادة تقع - عادة - تحت أحد هذين
النوعين.
ثانيا: حالات البارانويا
المستتبة Established
paranoid states: وهذه الحالات هى أقرب
ما تكون إلى المفهوم الفرنسى "الضلال المزمن 'Délire Chronique', وقد فضلت كلمة مستتبة عن
كلمة مزمن لأن الإزمان يقترن عادة بالمدة، أما الأستتباب
فيتقترن بمفهوم تركيبى يؤكد سوء تنظيم Malorganization مستقر لمكونات
الشخصية، وهذه المجموعة "ككل" تتصف بأن شخصية المريض
فيها مبنية على، ومدعمة بـ ..., منظومة ضلالية مسلسلة وراسخة،
وهى تنشأ فى سن متأخرة نسبيأ (حول منتصف العمر), وتتم تدريجيا
ثم تستتب بصورة شبه ثابته، وقد تظهر وتختفى حسب الظروف
والضغوط، إلا أن ظهورها واختفائها لا يعنى بالضرورة نشاطا
بيولوجيا بقدر مايعنى تحويرا كميا ونوعيا نسبيا فى التحكم
الشعورى واللاشعورى فى المنظومة الضلالية الكامنة.
ومن واقع خبرتى أستطيع تقسيم
هذه الحالات إلى عدة أنواع كلينيكية:
(1) حالات البارانويا الودودة
الضحوكة: The smiling warm paranoid states
وتتصف هذه الحالات بأن المريض
الذى يحضر بها يظهر فيضا من المشاعر الحقيقية، بالرغم من
شكوكه وضلالاته العميقة والثابتة، وأن شعور بالآخرين متدفق رغم
سوء التأويل الملاحق، وأنه يستطيع الأختلاط بل ويخاف الوحدة بالرغم
مما يحمله الأختلاط بل ويخاف الوحدة بالرغم مما يحمله
الأختلاط من أعباء التحمل، أم ما يعرضه له من مضاعفات العراك
والتصادم، وهو لا يكف عن المحاولة، وإذا أحبط فى علاقته بالآخر
كما هى العادة - بل وأكاد أقول القاعدة - فإنه يصاب باكتئاب
حى وأصيل ونابض، بحيث نشعر معه ككل - وليس فقط بعد ظهور
الاكتئاب بعد الإحباط أنه أقرب ما يكون إلى اكتئاب المواجهة
الولافى الذى شرحناه حيث أن هذه المحاولات المستمرة لعمل علاقة
رغم الصعوبة والضلالات وسوء التأويل تذكرنا بإصرار المكتئب على
عمل علاقة ومواجهة الواقع بدرجة مؤلمة من الموضوعية، إذا
فالبرغم من الود البادى على هذه الحالات (وأسمها "الضحوكة")
فإن حقيقة المشاعر هى مشاعر اكتئاب المواجهة، فهذا الود والضحك
أبعد ما يكون عن المرح الأنشقاقى فى الهوس الأنشقاقى الملوث،
وهو بعيد تماما أيضا عن السخرية القاسية فى الهوس الساخر
المتهجم.
وبالتالى فإن سيكوباثولوجية هذا
النوع تقترب بدرجة أو بأخرى من نوع الأكتئاب الذى شرحناه
سالفا.
(ب) حالات
البارانويا القاسية الساخرة: The inclement sarcastic paranoid states
وتتصف هذه الحالات بالقسوة الظاهرة
أو الخفية، كما يتخذ المريض فيها موقفا علويا حكيما Superior judgmental attitude, وينجح مثل هذا المريض فى كثير من الأحيان فى
أن يخفى ضلالاته، ولكنه عند التصادم يظهر عليه بوضوح آثارها
ثم سرعان ما يبوح بها مصحوبة باليقين الذى لا يختل، وقد
تختلط، وقد تختلط هذه الحالة عند الفحص المبدئى مع اضطرابات
الشخصية من النوع البارانوى أو غيره، إلا أن الفحص المتأنى
لابد وأن يظهر الضلالات صريحة مباشرة، ويتصف مثل هذا المريض
بأنه يحسن استعمال الآخرين، ولايتردد فى الحصول على مطلبه سحقا
لأى معترض، وبالتالى فهو قد يختلط فى مواقف بذاتها ببعض صفات
السيكوباتى المتعدى.
أما من ناحية السيكوباثولوجى فهى
أقرب ماتكون إلى اضطراب الشخصية النمطى وبالتالى فإنه يسرى عليها
على مايسرى على تلك الزملة ما بين الشخصية البارانوية والشخصية
السيكوباتية المتعدية.
(جـ) حالات البارانويا
المعتمدة اللاصقة: The sticky dependent paranoid states
وهذه الحالات تتصف بالميل إلى
الأعتماد الرضيعى الكامل Complete infantile dependency, وقد تختفى
الضلالات مؤقتا لو اتيحت للمريض فرصة هذا الأعتماد بالدرجة
التى يطلبها، إلا أنه بمجرد تهديد هذا الأعتماد تظهر الضلالات
فى التو بحجمها وعنفها، ولكن الضلالات تظهر أيضا وغالبا جنبا
إلى جنب الأعتمادية اللاصقة، ويتضاعف اعتماد المريض تدريجيا حتى
ينفر منه الشخص المعتمد عليه ولايهدأ إلا حين يعرض عنه أو
يتركه فيجد المبرر لإطلاق ضلالاته عليه وعلى الجميع بلا تردد.
وهذا النوع يذكرنا بالأكتئاب
الطفيلى النقاق، وبالتالى فإنه يقترب من الشخصية الأنفصامية (وليس
الشيزويدية) Schizotpal
personality, وبالتالى فهو من وجهة نظر السيكوباثولوجى
يكافئ الفصام رأسا.
* * *
من كل ذلك
نرى أن الضلال (والهلاوس والتخيل) عامة، وفى حالات البارانويا
خاصة، يأتى من مصادر مختلفة، وعمليات متداخلة أهمها:
(أ) إحياء نشاط الموقف
(المستوى) البارانوى.
(ب) إزاحة
الغطاء Uncovering عن الضلالات اللاشعورية المكبوتة.
(جـ) نسج
منظومة ضلالية من كل من: إحياء الخبرات المعاشة، وإزاحة الغطاء
ثم أخيرا المادة الخارجية فى البيئة الحالية.
هذه الدراسة :
إذا، فهذه الدراسة تتعلق بنوع
واحد من كل هذه الأنواع ولاتسرى إلا بطريق غير مباشر وكمرحلة
ابتدائية ونواة لبقية الأنواع بدرجات مختلفة، وهذه النوع كما
ذكرنا هو الحالات البيولوجية النشطة، وهى المقابلة لإحياء الموقف
البارانوى انتوجينيا وفيلوجينيا.
شرح على المتن:
(147) الموقف
البارانوى:
نعيد هنا فى إيجاز ما سبق أن
ذكرنا - متفرقا - من أن الطفل إذ ينمو يمر بمراحل اللاعلاقة
(الشيزيويدية) إلى مرحلة العلاقة التوجسية العدوانية (البارانوية)
إلى مرحلة العلاقة ثنائية الوجدان (الاكتئابية), وها قد جاءت
الفرصة لتعميق الموقف البارانوى بالقدر الكافى، وكما حددنا من
قبل. فإن دراسة حالات البارانويا سيكوباثولوجى سوف تقتصر فى هذه
الدراسة على تحليل هذا الموقف بدءا بلغة مدرسة العلاقة
بالموضوع Object
Relation مع إضافات ما أنارتنى به الممارسة
الاكلينيكية فى هذا الشأن مرتبطا بالمتن ما أمكن.
وقبل أن نستطرد يجب أن نذكر
أن "ميلانى كلاين" - إحدى دعائم هذه المدرسة - كان أغلب
حديثها عن هذا الموقف مندمجا بالموقف الشيزويدى (أى: الموقف
الشيزويدى - البارانويدى Schizoid-paranoid position) دون فصل
واضح بينهما، فى حين أن بعض الثقاة الأحدث من هذه المدرسة
كان يفصل بينهما، وإن كان فصلا مترددا غير واضح، ولعل وجه
الشبه بين الموقفين هو أنهما يحققان فى النهاية هدفا واحدا
وهو "إبعاد الاخر" أو بألفاظ أخرى: "العلاقة
بالموضوع" No object relation, إلا أن ذلك
ليس كافيا لدمجهما معا، أو مساواتهما بعضهما ببعض، ذلك أن
وسيلة التحقيق والنشاط المصاحب لذلك، الذى قد يستغرق العمر كله،
يختلف اختلافا بينا، فالموقف الشيزويدى يقابل انتوجينا الوجود
المميز للفترة داخل الرحم بشكل واضح، وهذا الوجود يمتد لفترة
قصيرة جدا بعد الولادة وبمجرد أن يدرك الطفل (لابمعنى الإدراك
الواعى وإنما بمعنى الممارسة البيولوجية فى أى بعد عميق من
أبعاد الوعى) أن الأعتماد السرى (بضم السين) Umbilical dependency السلبى لم يعد يكفى للحفاظ على وجوده، ولايكفى لنموه،
سوف ينتهى هذا الطور الشيزويدى ويتداخل مع الطور البارانوى.
وفى الوقت الذى نجيه فيه العلاقة
فى الموقف البارانوى تتسم بالخوف من الآخر (الإضطهاد والمطاردة)
والهجوم عليه ودفعه (العدوان) إلى مسافة معينه، نجد أن العلاقة
الشيزويدية تتصف بالأستسلام الأعتمادى حتى الإلغاء بالإنسحاب الفعلى
أو النفسى، بل وإن الموقف الشيزويدى أحيانا ما يشير إلى
استغاثة بالآخر (وصرخت بأعلى صمتى ... حاشية 161) إلا أنها
استغاثة الواثق من عدم جدواها وعدم وصولها إلى أصحابها أصلا،
فالشيزويدى (الموقف) قادر على عمل علاقة ما لأنه واثق من
استحالة العلاقة الفعلية، أما البارانوى فهو لا ينجح فى إلغاء
هذا الآخر بالأستسلام أو بالانسحاب أو بالأعتماد، ولا هو قادر
على تحمل جانبى الآخر معا بما يحمل من التناقض المثير
للأكتئاب (رغم ما يحمل من فرصة ولاف مستبعد تماما فى هذه
المرحلة الأولية) وبالتالى فإن موقفه صريح فى تثبيت، موقع الآخر
(الموضوع) ([13])
على مسافة ما، من خلال هذه المعركة (الكر والفر) بلا نهاية.
ولعل العلاقة بين هذين الموقفين
ليست فقط فى أوجه الشبه وأوجه الأختلاف، ولكنها أيضا - وأساسا -
فى التبادل المتلاحق بينهما، ذلك أن بنجاح البارانوى فى إبعاد
الآخر سيجد نفسه مطروحا فورا ومباشرة فى الموقف الشيزويدى
الأدنى، وبالتالى سرعان مايقفز مهاجما حذرا خائفا إلى الآخر الذى
نجح لتوه فى الهرب منه، وهذه الحركة التبادلية التى سميت
"رحلة الداخل والخارج" In and out Program والتى أشرنا
إليها قبلا، وهاهى إلا تبادل متلاحق بين هذين الموقفين، وإن
تحورت قليلا فى الموقف البارانوى كما سيأتى ذكره بعد قليل، إذا
فالبارانوى ([14])
يحافظ على وجود الآخر "على مسافة" يحددها هو فى العادة، ولكى
يحافظ على الآخر وفى نفس الوقت يضمن عدم اقترابه منه فإنه
يلجأ من ناحيته إلى الشك والخوف والتوجس وسوء التأويل،
وكل ذلك معروف عن البارانوى فى المرض وموصوف بعضه أثناء النمو،
إلا أن الذى أحب أن أقدمه هنا من واقع الخبرة الكلينيكية
والعلاج الجمعى هو ذلك الموقف الذى يرسمه البارانوى ويدبره حتى
يحقق به هذا المطلب المزدوج (الحفاظ على الآخر- وضمان عدم
اقترابه) وهو يلجأ إلى عدة أساليب تجعل الآخر فى النهاية هو
الذى يبتعد عنه وأهم هذه الأساليب كما خبرت:
1- الأسلوب القنفدى The hedgehog technique: وهذا
الأسلوب يعنى أن البارانوى يسمح باقتراب الآخر للدرجة التى
يقررها فقط (والتى تعنى فى التشبيه المستعار أن يدفئ أحدهما
الآخر على مسافة، مثل تجمع القنافد فى البرد وأشواكها مشرعة فى
نفس الوقت), وهو يحمى نفسه من مزيد من الأقتراب بالمعاملة
القاسية وإيذاء الآخرين وإثارتهم حتى ينفرون منه.
2- أسلوب المطالبة المتلاحق The demanding prosecution:
ويلجأ البارانوى إلى هذا الأسلوب حين يطلب من الآخر مطالب
متلاحقة ومتصاعدة باستمرار حتى يعجز الآخر عن الوفاء بها، إما
لشكوكه فى طبيعتها وإما لأن الجرعة زادت عن إمكانياته.
3- أسلوب الإيهام بالذنب ([15][15]) (الإذناب) The make believe guilty (Guiltifying) technique:
وهنا يقوم البارنوى بدور الضحية المجنى عليه، ويقوم بالمخاطر الحقيقية
والمبالغ فيها فى سبيل الآخرين ويتنازل عن حقوقه ويفتديهم وغير
ذلك من مظاهر العلاقة التى تحقق له الرضا عن نفسه بشكل
مباشر، ولكن الأهم من ذلك أنها تشعر الآخرين بالذنب نحوه،
الأمر الذى يضطرهم للتفكير فيقتربون ويحاولون، ولكنهم كلما
اقتربوا كلما زاد صاحبنا إشعارهم بالذنب حتى يدركون أن كل
اقتراب ما هو إلا مزيد من إيذائه، ويبتعدون ولكنهم لايبتعدون
كثيرا ماداموا قد أخطأوا فى حقه فهم تحت الطلب ينتظرون فرصة
التكفير، وهكذا يحقق البارانوى ماشاء بإبعادهم عنه دون
اختفائهم تماما.
(لاتقتربوا
أكثر، إذا أبى، ألبس جلدى بالمقلوب فيخاف ويرتد إذ يصبغ كفيه تزف حى)
وحدة البارنوى:
وهكذا نرى أن وحدة البارانوى هى
وحده من نوع خاص تماما، إذ أن فيها الآخر بشكل ملح لا
يستطيع الأستغناء عنه، سواء بالهجوم عليه والملاحقة Prosecution أم بالهرب
منه تحت مشاعر الاضطهاد Prosecution أم بإذنابه Guiltifying أم بلومه Putting the blame أم بكراهيته
أم بتمنى حبه .. فهى وحدة نشطة طول الوقت كحجرة بابها مفتوح
ولكن محظور الدخول فيه حظرا باتا.
ولا بأس من مراجعة أنواع
الوحدة فى المواقف السيكوباثولوجية المختلفة:
1- الشيزويدى يحقق وحدته باإلغاء الآخر
تماما، وهو لايخاف اقترابه لأنه قابع طول الوقت فى قوقعته
ومهما التصق به الآخر حتى النخاع، فلن يصل إلى جوهر وجوده
المتحصن، وهى وحدة الموت، وفى عمقها ضياع وألم متناثر لايكاد
يصل حتى إلى صاحبه.
2- والبارانوى: يحقق وحدته بالكر والفر كما
ذكرنا، ولكنه أيضا يحققها يجعل الآخرين هو أيضا يبتعدون عنه،
وهى وحدة الخوف، فيها من الحاجة مع وقف التنفيذ والألم الحى
ما يجعلها وحدة نشطة طول الوقت.
والتبادل بين هذه الوحدة وتلك
هو "رحلة الداخل والخارج" In and out progtram.
3- والهوسى: يحقق وحدته باحتواء الآخر، وتخطى By-passing العلاقة بالبشر
كموضوعات محددة المعالم، واستبدالها بالعلاقة بالأكوان الأعلى إن
أمكن، فهى وحدة الإنكار، وبها مظاهر الفرحة دون ثراء الواقع.
4- والعصابى: يحقق وحدة نسبية بالأكتفاء
بالعلاقات الظاهرية المحققة من خلال الدفاعات المختلفة، فهو
يعمل علاقة مع "الجزء" الذى يسمح لنفسه برؤيته من
الآخر وليس مع الآخر.
5- والأكتئابى: - كما ذكرنا - يفشل أن يحقق
أى من هذه الصور السابقة فهو لايطيق الوحدة (الشيزويدى) وفى
نفس الوقت هو أعجز من أن يكسرها سواء بالكر والفر
(البارانوى) أو بالإلغاء (الهوسى) أو بالطنبلة ([16]) (العصابى), ومن هنا كان ألمه
من نوع حى طالما هو محتفظ بأصل الموقف الأكتئابى المواجهى ولم
يحوره إلى التنويعات المشوهة الأخرى.
أما ألم البارنوى فهو أيضا
ألم من نوع خاص به فهو ليس مواجهة موضوعية (جزئيا) مثل
المكتئب، ولا هو ألم مسحوق مستسلم مثل الشيزويدى، ولكنه ألم
الذى "فعلها بنفسه فى نفسه", فهو ينحو باللائمة على
الآخرين إلا أنه فى نفس الوقت يعيش جزئيا أن هذه إرادته،
وبالتالى، فعليه أن يدفع ثمنها مادام قد مارس تلك اللعبة
الخطرة الأبعاد من فرط الخوف من الترك وهو لذلك يشعر
بألم المسؤول ضمنا على الأقل
(وأعيش أنا
ألمي أدفع ثمن الوحدة)
(148) ثمن
الوحدة ... والنجاح المترفع :
أشرنا فى الاكتئاب (ص 197
ومابعدها) إلى العمل التكفيرى، كما عرجنا طوال فصلى الحيل النفسية
والعصاب إلى الحديث عن العمل الأغترابى، وهو نفس العمل الذى لم
يعد على المكتئب بالعائد المثرى حتى سقط (سقط الهرم الأكبر)
ولكنه فى النهاية عاد إليه بصورة تكفيرية أساسا، أما عند
البارانوى فالعمل له صفات أخرى ووظائف أخرى:
1- فهو تعويضى: حيث أن البارانوى يشعر من
خلال عمله المثابر الناجح أن له كيان، ويؤكد لنفسه طول الوقت
أنه مادام عمل هذا الذى عمله ويعمله فهو "موجود"
بالاستنتاج، فهو يعوض ابتعاده-النسبي- عن الآخرين، وهو مايصوره
لنفسه أنه ابتعادهم عنه ... (وفى أعماقه يضيف: وذلك "بفضل
مناوراتي") وهو يعوض به افتقاره إلى الشعور بالحق فى الوجود
لذاته، وهو يعوض به عجزه عن الفرحة الطفلية المشاركة من
فرط توجسه.
2- وهو تحصينى: لأنه يحصن به نفسه ضد الحاجة
للأخرين بحيث لاتقل المسافة بينه وبينهم فلا يقع فى مخاطر
الأقتراب والعلاقة كما سيرد.
3- وهو تدعيمى: لأنه يصبح جزءا من شخصيته
ذاتها بحيث يمكنه من أن يصطنع منه دعامة تمنع تمادى انهيارها،
وكأنه يقوم بالوظيفة الصحية التى كان يمكن لولاها أن يلجأ إلى
تكوين الضلال.. وبديهى أن هذا العمل حين يفشل أو يهدد، فإنه
يستبدل بالضلالات وينتقل البارانوى من معايشه الموقف البارانوى إلى
نسج حالة من حالات البارانويا المزمنة، وعمل البارانوى عادة هو
عمل ناجح بالمقياس الموضوعى العادى وكثيرا ما يكون عملا مفيدا
للآخرين، ومهما كان هذا العمل مرتبطا بذاته (الطفلية أساسا)
وبأنانيته، فإنه يستعمل فى تنفيذه قدرات الفتى الحاسبة
والواقعية، أى أن المخ الأقدم فى الموقف البارانوى وتعويضه ليس
منطلقا مستقلا غير مسئول، بل هو ناجح مسيطر مستغل لكل إمكانيات
المخ والشخصية، وهذا بعكس الفصامى الذى تنقطع علاقته بالعمل كما
انقطعت بالآخر، اللهم إلا من نشاط دائرى مغلق فنى فى أغلب
الأحوال.
ولكن البارنوى فى داخل أعماقه
(سيكوباثولوجيا خاصة) يدرك لا جدوى كل ذلك بالنسبة لحل أزمة
وجوده الوحيد المتألم فى نشاط المحتاج رغم الأبعاد المستمر.
(لن يغنينى أن
أصعد جبل المجد لايخدعك اللون الثلجى على القمة،
لا يخدعك الرأس المرفوع إلى أعلي تمثال الشمع تجمد)
وكلما تمادى البارانوى فى الحصول
على المكاسب المتصاعدة وتأكد نجاحه، كلما أدرك فى قرارة نفسه
أنه يزداد بعدا (أصعد جبل المجد), ويرهقه أكثر فأكثر أن
الناس (الآخرين) لا يرونه أكثر فأكثر كلما ازداد نجاحا وحصل
على مكاسب ناصعة لا يختلف فيها أحد، وهنا نتاقض جديد: ففى
الوقف الذى يصر فيه البارانوى على التمادى فى النجاح تلو النجاح
يخاف من مزيد من البعد والإبعاد، وهو لايستطيع أن يقف عن
النجاح، ولا يستطيع فى نفس الوقت أن يكف عن الإبعاد، ثم فى
النهاية يصرخ من الجفاف الداخلى والبرودة المرتجفة (تمثال الشمع
تجمد).
(149) شقاء البارانوى :
لأول مرة استعمل كلمة شقاء فى
هذه الدراسة، لأن لها من المعانى هنا ما يتفق مع مشاعر
البارانوى خاصة مما لا تغطيه كلمات الأكتئاب أو الحزن، أو
الألم كمل وصفناها فى أكثر من موضع، فالشقاء هو شعور بالسلب
أساسا لانعدام شئ غال ([17])
وهو أيضا شعور مختلط غير نقى بين "الحزن والألم والجوع
والضياع" وهو موقف "بيني", فالبارانوى لايعانى من
مرارة ألم الاكتئاب (اللبن المر) ولا هو يختبئ فى لا مبالاه
الشيزويدى، ولكنه يعيش موقفا مجمدا بين هذا وذاك فلا هو حزين
نابض، ولا هو مستسلم هامد، وشعور البارانوى باللامبالاة ظاهريا
له وضع خاص يختلف عن الفصامى، فمشاعره عادة موجودة وحادة وفى
متناوله ولكنه لا يخرجها حفاظا عليها وخوفا من الضعف بسببها
ومن ثم الأمتهان كما تصوره، وهى لاتختفى تماما ولاتظهر أبدا.
(فتقلصت الضحك كانت تحبو بين دروب الخد
وتوارى الطفل الحزن الأمرد)
وإن كنا قد أشرنا فى تصنيفنا
للأنواع الكلينيكية أنه يوجد صنف يسمى "البارانويا الودودة
الضاحكة" وآخر هو "البارانويا القاسية الساخرة" إلخ ...
فهذه تنويعات لمسار الموقف البارانوى وكيفية تناوله والتخريج منه،
وحتى هذه البارانويا الودودة الضاحكة فهى "ودودة ... مع وقف
التنفيذ" وهى ضاحكة "من جانب واحد"
فطالما هذا
الشخص هو المتحكم فى الموقف بشكوكه وحذره وضلالاته فقد يضحك
ويود، ولكنه متى ماتعرض لاقتراب لم يحسب حسابه هربت الضحكة
وتحفز للقتال أو للانسحاب.
والطفل ([18]) لدى البارانوى (هذا النوع
الممثل للموقف البارانوى وإحيائه بيولوجيا) هو طفل حيوى نشط
تماما، وموقفه صعب للغاية لأنه بين قوتين من أشد ما يكون،
إذ هو لم يقدر ولم يرض للاستجابة لأى منهما فهو مبتعد عن
الحوار مع الوالد خشية القهر فالاكتئاب الذى لم يستطع
تحمل تناقضاته، وهو شاك فى معطيات الفتى لأنه لم يتم
بالدرجة التى تطمئنه، كل ذلك دون أن يتلوث معهما فى حالة من
اضطراب الشخصية أو البارانويا المزمنة.
ولو أن الفاحص الكلينيكى، رغم
احتمال تحفزه ضد البارانوى ابتداء، صبر على هذا الأنسان الشقى
(قاطع الطريق) لتبين كم هو شقى فعلا (ضد السعيد), وطفل
البارانوى له وضع خاص لأنه ليس فى قوة طفل المكتئب
القادر على مواجهة الوالد رغم هزيمته فى جولة الأكتئاب،
ولاهو قادر على إلغاء الوالد كما هو الحال فى الهوس،
ولا هو مشوش ناكص متفرج كما هو الحال فى الفصام، ولكنه طفل
يقظ ضعيف محتاج متماسك موقوف عن العمل فى نفس الوقت، ولا
ينتظره إذ يقتربب من التعبير إلا الخوف من فرط الضعف وتعبير
"الحزن الأمرد"' هنا يشير إلى جانب آخر من جوانب
البارانوى، فإذا كنا قد أشرنا كيف أن الحزن داخل الهوس قابع
جاهز ويمكن إخراجه كلينيكيا (راجع مساءلة الهوسى عن "والجزن
اللى جواك ص 222' فإن الحزن هنا قائم أيضا وعلى مسافة أقرب،
ومثل الغلام الأمرد (بلغ خروج لحيته ولم تبد) كذلك الحزن
هنا بلغ أوج حدته ولم يظهر.
وهكذا نجد كيف أن الضحكة قد
توارت بين دروب الخد خشية إظهار الضعف فالأمتهان، وكيف أن
الحزن اقترب ولم يظهر، وهذا البعد السيكوباثولوجى يحمل الفاحص
الكلينيكى مسئولية جادة وعلاجية وخطيرة، إذ لو اكتفى بالموقف
الظاهرى للبارانوى ولم يلمح هذه الضحكة المتقلصة من فرط الخوف
أو هذا الحزن المتوارى خشية الأمتهان، فإنه لابد أن يتخذ
موقفا معينا (ربما عدائيا وربما جبانا) من المريض، أما إذا تدرب
على احترام ماوراء التركيب الكلينيكى من أعماق سيكوباثولوجية
متدرجة فى العمق فلابد أن ذلك سيصل إلى البارانوى (وغيره),
ولابد أنه سيزيد من فهمه للمرض والمريض كما أنه سيسهم فى
علاجه منذ البداية.
وحين "ينجح!!) البارانوى فى
تأكيد شقائه!! ويطمئن إلى تحقيق وحدته والحر على عواطفه، يواصل
سعيه التحصيلى فى العمل التعويضى والتحصينى والتدعيمى، وأعماققه ترى
من بعيد هذا الدوران بلا نهاية، ولو لم تثر أعماقه ضد هذه
الدائرة المغلقة لكان أقرب إلى اضطراب الشخصية أو العصاب
المزمن، (وهو يتطور أمره إلى مايشابه ذلك فيم بعد، حين يشوه
هذه الخبرة), وهو يعرف فى قرارة نفسه أن كل هذا المجد ليس
له نهاية وأنه كلما أنتهى ابتدأ قبل النهاية حتى ليكاد أن
يعجز عن التقاط أنفاسه، وهو يسقط هذه الدائرة على من حوله
من "السادة" ولكن الفرق بينه وبينهم يكمن فى هذا الوعى
الأعمق بما يجري
(والثور الأعمى
فى تلك دائر
يروى السادةة بالماء المالح
فى سوق المجد)
(150) العلاقات
الظاهرية عند البارانوى:
ومادام البارانوى قد نجح فى وقف
الآخر منه "على مسافة" بكل الأساليب التى سبق ذكرها،
ومادام قد لجأ نشطا ومثابرا ومصرا على مواصلة العمل رغم كل
شئ، فكيف يساير الناس من الظاهر؟ إن البارانوى يمكن أن يعمل
علاقات من أوثق مايمكن، وأنفعها، وربما أوضحها، ربما أكثر من
العصابى ذى العلاقات السطحية وأنجح من الأكتئابى ذى العلاقات المرة،
إلا أن هذه العلاقات إنما تنجح لأنها فى واقع الثراء الوجودى
"ليست علاقات".
(يتلقنى الأيدى
الصماء)
وكأنه إذ "يترك نفسه" فى
هذه العلاقات إنما يعلن طمأنينة ضمنية لتأكده من دفاعاته التى
تحفظ له المسافة التى حددها بينه وبين الآخرين، كما أنه
يستعمل هذه العلاقات من ضمن وسائل نجاح عمله وصعوده إلى
النجاح تلو النجاح، وهو إذ يترك نفسه فى هذه العلاقات السطحية
ينسج فى نفس الوقت مزيدا من التحصينات التى تضمن له استمرار
هذه "المسافة" وبالتالى استمرار "مثل هذ
العلاقات" النافعة والناجحة.
(151) الهرب
المتلفت: حل
بارنوى آخر للإبعاد المحدود
إذا فهو يحقق "دوام هذه
المسافة" بكل الأساليب التى ذكرناها ونوجزها هنا ونضيف
عليها:
(1) بالإبتعاد
النسبى إذ لا يتعمق فى أى علاقة.
(ب) بالإبعاد
المباشر بالتصادم والكر والفر
(جـ) بالإبعاد
غير المباشر (بأن يثير إبعادهم له) بالقنفدة، والإيهام بالذنب
والملاحقة.
(د) بالصد
التأويلى: حيث يجد تفسيرا مباشرا، إن خطأ وإن صوابا لكل ما
يجرى من محاولات اقتراب.
(هـ) بالهرب
المباشر (فى حدود المسافة) إذ ينتهز كل الفرصة للعزلة المباشرة،
ولكنها عزلة موقوتة فى العادة لا يستطيع أن يواصل الأختباء
فيها مثل الشيزويدى.
(و) بالحذر
والتوجس وفرط الحساسية وهو الموقف الذى يسمى أحيانا بالأنجليزية Chin on the on shoulder "ذقنه على كتفه" إشارة على دوام التلفت
والحذر، والتلفت فى عمقه ليس فقط دلالة الخوف ولكنه أيضا
دلالة النداء، فالسائر أمام جماعة يتلفت هل هم مازالوا معه
أم تخلفوا، والخائف من الهجوم يلتفت، ووظيفة التلفت إذا هى نفس
الوظيفة المزدوجة لكل نشاط البارانوى.
(أهرب منكم،
فى رأسى ألفى عين ترقبكم
تبعدكم فى إصرار
أمضى وحدى أتلفت)
وكأن كل نشاطات فى محاولته
الأبقاء على الآخر والتخلص من تهديد اقترابه أكثر من المسموح.
إنما تحقق نوعا ودرجة من الوحدة المميزة لهذا الموقف
السيكوباثولوجى بوجه خاص، وكثيرا ما يلجأ البارانوى لتنفير الآخرين
منه، إلى "التعالي" بالنجاح الواقع فعلا
"وبالاستغناء", وهو من نتاج النجاح الذى يساعد على إخفاء
المشاعر أيضا وهو لايكتفى باقناع الآخرين بذلك بل إنه يقنع
نفسه ضمنا من خلال اقناعهم، حتى أن من أصعب المواقف فى
العلاج الجمعى هو أن يواجه البارانوى - بالتفاعل Interaction فى السيكودراما
- أنه خفيف الظل مثلا أو أنه يستحق الحب، وهذه المواجهة التى
تتناقض مع تسلسل معقتداته الداخليه ترعبه وتهز حساباته وتهدده
بالتناثر أكثر من أى عدوان أو مخاوف.
ولابد إذا أن نتطرق الآن إلى
الحديث عن "صور الذات" Self image لدى البارانوى،
وقد أشرنا من قبل إلى ماقاله أريتى عن "تشويه وضعف الذات
لدى الفصامى خاصة، وألمحنا إلى احتمال عمومية هذا المعتقد الضلالى
الدفين فى كل إنسان مع اختلاف الدرجات، والتنويعات، وهذا
الاحتمال إذا يمكن أن يمتد إلى صورة ذات البارانوى، إلا أن
أهم خصائص صورة ذات البارانوى ليست التشويه وإنما الضعف وعدم
أهليتها للرعاية والشوفان (والحب، مع التحفظ فى استعمال الكلمة)
وممارسة البارنوى لكل هذه الأساليب الأبعادية هى فى النهاية لحماية
ذاته الضعيفة من التعامل بما يحمل احتمال سحقها، أو من دخول
اختبارات "العرض" مع احتمال ألا تجد المشترى المناسب كما
سيأتى حالا.
وإذا كنا قد أشرنا من قبل
ذلك إلى الموقف البارانوى فيلوجينيا، وقلنا أنه أقرب مايكون إلى
الموقف النمرى، وأكدنا أن هذا مجاز فقط ينتظر مبحثا فى صفات
سلسلة التطور حتى نجد وجه الشبه المقابل لهذه المرحلة فلابد
أن نذكر هنا بعض الكائنات الحشرية ذات العيون المركبة التى تملك
النظر من كل جهة، أو الحرباء التى تدور عينيها بزاوية 360
درجة أى كل عين 180 درجة دورانا مستقلا وأن تطور الإنسان
للنظر المحدود لايعنى تأخرا أو نقصا، وإنما يعنى تركيزا لما هو
أرقى من العمليات العقلية اللازمة لتطوير نوعية حياة الإنسان
بديلا عن مجرد الحفاظ على الحياة فى الحيوانات البدائية
"بالبص" وغيره، لذلك نوصى بدراسة طويلة نحو المقارنة بين
سلوك الحيوان وبين هذه المواقف السيكوباثولوجية، وذلك لموازرة
الأنتوجينا بالفيلوجينيا على أسس أعمق، وقد حاول داروين بداية
محدودة بشأن العواطف إلا أن مثل هذه الدراسة تحتاج إلى أسلوب
فينومينولوجى مباشر يحاول الجمع بين: (ا) عمق السيكوباثولوجى. (ب)
أبعاد البيولوجى. (جـ) توازى تاريخ التطور وحكمة الكائنات الحية
للحفاظ على ذاتها وكيفية ذلك فى كل مراحل ومقابلاتها الإنسانية.
(د) رحلة الماكروجينى الموجه (العلاج النموى) عودة إلى المستوى
الإنسانى الخ.., وبديهى أن أجتماع هذا كله فى عالم يستعمل ذاته
باعتبارها الوسيلة الأولى لتحقيق الأسلوب الفينومينولوجى المباشر
لهو أمر صعب تماما فى المرحلة الحالية، ولكنى أرى أنه ينبغى
الإعداد له منذ الآن.
(152) رحلة
الوحدة والأستعانة :
كررنا قبل ذلك ماشاع من أسم
"رحلة الداخل والخارج" بمعنى الإلتحام بالآخر داخل الرحم
(النفسى) خوفا من العلاقة ومتطلباتها ثم الهرب من الرحم النفسى
للآخر خوفا من الأنمحاء ... وهكذا، فإن كان ذلك هو الوضع
الحقيقى فى الموقف الشيزويدى، فإننا ينبغى أن نبحث عن تطوير له
فى الموقف البارانوى، لذلك فإنى أقترح أن تسمى رحلة البارانوى
برحلة "الوحدة والأستغاثة" Loneliness scour program حيث أن
البارانوى حين ينسحب لاينسحب إلى رحم نفسى، ولكنه ينسحب إلى
"وحدته" وليس إلى رحم نفسى، ولكنه ينسحب إلى
"وحدته" وليس إلى رحم أحد، وحين لايطيقها من عظم الشقاء
فيها (وليس من خوفه من الألتهام مثل رحلة الداخل عند الشيزويدى)
يعود مستغيثا بالآخر منها، والاستغاثة لاتعنى الأقتراب من الآخر
لعمل علاقة ... بقدر ماتعنى نداءه (كما عودنا البارانوى) بالشروط
المعروفة.., وكما أن البارانوى قد مارس المناورة حتى حقق
الإبعاد، فإننا نراه يمارس المحاولة طلبا لتقدم الآخر وهو فى
نفس مكانه، وهذا يدل على مزاية جديدة من مزايا هذا الموقف
تختلف عن الموقف الشيزويدى الغائر فى الداخل والضائع فى الخارج،
وعن الموقف الاكتئابى المغامر بالعلاقة الدافع عنها مرارة وجزعا،
إذ نجد البارانوى يكاد يقف مكانه ويحرك الآخرين بالإبعاد
(فيخاف ويرتد) أو الأستغاثة (لكن حياتى دون الآخر وهم) أو
التحذير (فلتحذر .... وكفى إغراء) إلخ هو يحافظ على موقفه ومسافته
من خلال تحريك الآخرين بالشروط وفى المساحة التى يحددها، ولابأس
من التأكيد مرة أخرى على هذا التناقص المتكافئ فى موقفه.
(ا) إذ هو
شديد التمسك بوحدته شديد الضجر منها.
(ب) وهو شديد
التعلق بالآخر والحاجة إليه شديد الخوف منه وعليه.
(جـ) وهو
شديد الإصرار على حركة الآخر إليه شديد التعجيز له. .... إلخ.
إذا فرحلة الوحدة والأستغاثة
تفيد أن البارانوى إذ يحقق وحدته، سرعان ما يحن إلى الآخر وبالعس.
(لكن حياتى
دون الآخر وهم
صفر داخل صفر دائر
لكن الآخر يحمل خطر الحب
إذ يحمل معه ذل الضعف)
ووحدة البارانوى وحدة حية - كما
ذكرنا-, والفراغ الذى يستشعره فيها فراغ مخيف وحقيقى لاتملؤه
البدائل الشيزويدية من رموز غير حية وغير إنسانية، وفى نفس
الوقت فإن اقترابه من الآخر إقتراب حقيقى بحيث يخشى منه
ومايترتب على مغامرة العلاقة من خلاله.
(153) الحب ..
والأخذ .. والمذلة :
وكما قلنا، إن مشكلة صورة النفس
عند البارانوى هى مشكلة "الضعف" أساسا، فإننا نقول إن أى
حب عند البارانوى يعلن ضمنا حاجته التى هى من صميم ضعفه،
ودراسة البارانوى من هذه الزاوية تظهر لنا مشكلة فى التركيب
الإنسانى أغفلت أغفالا شديدا بالتناول الأخلاقى المسطح للوجود
البشرى، وهى مشكلة "العجز عن الأخذ", فنحن غالبا
ما نعتبر - أخلاقيا - أن العطاء هو قمة التواجد الإنسانى
الراقى، سواء كان غطاء تلقائيا أم تساميا دفاعيا، وبالتالى فالعجز
عن العطاء هو المرفوض والموصوم، فى حين نعتبر أن الأخذ يحمل
مظنة الأنانية، وكأن العجز عنه هو فضيلة إذا بشكل ما.
أما النظرة الأعمق للتركيب البشرى
وخاصة فيما يتعلق بمشكلة العلاقات الأولية فهى تعلن أن
"عجز الإنسان عن الأخذ" ([19]), وخوفه من إدراك هذه الضرورة
هى من أكبر معوقات نموه، والعصابى والشيزويدى يبالغان فى الأخذ،
بل يكاد أن لايعرفا سواه فى العلاقة، ولكنهما عادة مالا
يسميانه أخذا، فهو يحدث بعيدا عن دائرة الوعى، وكأنه
"سرقة" أكثر منه أخذا حرا مسئولا .., وبكلمات أخرى
فالأخذ يصبح خطرآ مخيفا حين يسمى أخذا فعلا، والبارانوى يعرفه
باسمه وبحقيقته وبالتالى فهو يدرك خطره عليه وعلى الآخر..
والخوف من الأخذ كما ظهر فى
ممارستى للعلاج النفسى الجمعى خاصة يحمل تفسيرات عدة:
(آ) الخوف من
معرفة حجم الأخذ وليس من الأخذ الجارى فعلا تحت ظل الدفاعات
العصابية والإلتهام الشيزويدى.
(ب) الخوف من
إعلان الأخذ (بحجمه أيضا) وبالتالى الخوف من المطالبة بالمقابل،
أى الخوف من العطاء التالى الملزم.
(جـ) الخوف
من إدراك الصد كأحد احتمالات وضوح عملية الأخذ وإعلانها مسبقا
إذ أن الأخذ لو تم فى النور وبوعى كاف، فإنه قد يعلن
بالطلب القابل للإجابة أو الرفض.
(د) الخوف من
"إظهار" الأعتماد وإعلان الضعف.
(هـ) الخوف
من مواجهة احتمال توقفت الأخذ مادام قد أصبح عملية شعورية
معلنة.
(و) الخوف من
تزايد الأخذ وعدم التوقف حتى يصل إلى درجة الألتهام الشيزويدى
الكامل، و"السرقة" - أى الأخذ غير الواعى - تخفى كل هذه
المخاوف- إلا إن الوعى الذهانى، أو الأقتراب منه فى حالات
الذهان النشطة (البارانويا النشطة أى أحياء الموقف البارانوى),
يهدد بإعلان هذا الأخذ، وبالتالى فإن البارانوى من خلال هذا
الوعى، أو من خلال التفعيل السلوكى Behavioral acting out لهذه المخاوف الكامنة يرهب الأخذ أضعافا مضاعفة،
وهو يدرك فى أعماقة حقيقة مخاوفه من الجانبين، فمن جانبه هو
يخشى فتح سعار احتياجه وجوعه بلا توقف، ومن ناحية أخرى هو
يخشى من إظهار ضعفه للآخر ومما يترتب على ذلك - فى تصوره -
من مذلة.., والحب هنا من وجهة نظر (الموقف) البارانوى هو
الأخذ، إذا فهو احتمال الذل
(لكن الآخر
يحمل معه خطر الحب
إذ يحمل معه ذل الضعف
يتلمظ بالداخل غول الأخذ
فأنا جوعان منذ كنت)
(153) الوجود
المثقوب : The perforated existence
وأستطيع أن أركز فى مشاهداتى فى
الممارسة الإكلينيكية والعلاج الجمعى على أن أعظم خوف يمر به
البارانوى هو ألتهام الآخر (أن يلتهم هو الآخر وليس أن يلتهم
من الآخر), وقد أشرت فى صفحة 192 أن البارانوى قد تعلم من
الموقف الشيزويدى أنه يستطيع أن "يحتفظ بالكعكة ويأكلها فى
نفس الوقت" ففى حين يلتهمها الشيزويدى (أو يلتهمها - بضم
الياء - مجازا), وفى حين يسيطر عليها المكتئب حتى لقد يقتلها
(أضغط تحلب .. أترك تنضب، ...إلخ) فإن البارانوى يحافظ عليها على
مسافة، وكل خوفه من الأخذ هو أن يفتح بابا لا يستطيع
إغلاقه، فهو يدرك -بعكس الشيزويدى - مدى احتياجه، ومدى سعار هذا
الأحتياج (غول الأخذ) ومدى حاجته لوجود الآخر خارجه "على
مسافة" فى نفس الوقت.
أما السر وراء ما أسميته
"الوجود المثقوب" فهو أنه لم يرتو فى الوقت المناسب -
أثناء النمو- وإعادة النمو بالقدر الكافى المطمئن من العلاقة ([20]),
ومشكلة النمو عند منظرى العلاقة بالموضوع (جانترب كمثال) هى فى
الكينونة قبل أن تكون فى اللذة أو الإلتزام الخلقى أو التوفيق
بينهما (كما حاول أن يصورها فرويد), والكينونة تأتى من تفاعل
التكوين Constitution, فإذا تمت الكينونة بهذه الدرجة المناسبة - كما
هو الحال عند البارانوى - الذى لم يتخط موقف التوجس والشك -
فإن العطاء يصبح بلا جدوى والأخذ - إذا سمح به - يصبح بلا
نهاية وهذا ما أسميته "الوجود المثقوب", وتقابل هذه
الظاهرة (الوجود المثقوب) أيضا وأساسا فى الوجود الشيرويدى
والسيكوباتى فى العلاج ولكنها لاترفض ولايحذر منها كما هو الحال
عند البارانوى، وهى تفشل كل عطاء مهما بلغ، ما لم تتغير
التركيبة بوسائل أخرى قبل تقبل هذا "العطاء المسكوب".
إذا فمخاوف البارانوى من الأخذ -
على لسان الجزء الأعمق من وجوده - يعلن أنه ليس بداخله سوى
دوامة الفراغ ([21])
دون أى كيان ذاتى متلق
(فأنا جوعان مذ
كنت
بل إنى لم أوجد بعد)
وحتى
"يوجد" الإنسان، فإن مسارا مناسبا لابد أن يتم، حيث تصل
إلى الوجود فى كل مرحلة الجرعة الكافية والمناسبة من المعلومات Sufficient and appropriate Information ([22])
(مما يسمى أحيانا حبا كما ذكرنا مثلا) فينتقل الوجود، (تغذية
المخ) من مرحلة إلى مرحلة حتى يستقر إلى المرحلة المناسبة
مؤقتا، مع كمون المراحل السابقة التى استنفدت أغراضها، فإذا تم
تكوين هذا الوجود، فإن الآخذ يصبح احتمالا آمنا، وإلا فاللاوجود
(أو الوجود المثقوب) هو البديل المطروح، وهو الذى يرعب البارانوى
خاصة.
(154) التكوين البارانوى (وإطلاق
الأستعداد الوراثى):
على أننا نضع فى الأعتبار
التكوين البارانوى نفسه، ذلك لأن المدارس النفسيه التى تؤكد على
هذه المرحلة الطفلية تضع المسئولية كلها على هذه العلاقة مع
الأم (والبيئة) ولكن النظرة التكوينية البيولوجية الأعمق لابد
وأن تضع فى الأعتبار الأستعداد البارانوى، فمن المعروف كلينيكيا
أن البارانويا - مثل أفراض أخري- وتتواتر فى عائلات بذاتها
بنسبة أكثر من سائر الناس (على الأقل باعتبار الأستعداد لها)
فكيف نوفق بين قبول فكرة الأستعداد التكوينى وبين تفسير التوقف
والتثبيت البارانوى لعدم الأرتواء عند الموقف البارنوي؟
الحقيقة أن المقام هنا لا يتسع
إلى الإفاضة فى شرح الفرض الذى يوفق بين هذا وذاك، إلا فى
الخطوط العريضة التى سبق الإشارة إليها من حيث احتمال أن
العادات المكتسبة الدالة تطوريا Evolutionary Significant تورث، ثم من
حيث أن الأنتوجينيا تكرر الفيلوجينيا مع اختلاف المجموعات حسب
ظروف تاريخها التطورى، فالذى نزل من سلسلة حيوية نمى عندها
المستوى البارانوى نموا خاصا نتيجة لفرط تعاملاته البارانوية حتى
تثبتت فى داخل الجهاز العصبى والخلايا عامة أكثر من غيرها،
إنما يولد وهو أكثر عرضة من غيره للتثبيت عند هذا الموقف،
وبالتالى لاستعادة نشاطه عند الضغوط ...
فإذا حاولنا تطوير هذا الفرض
مترجمينه إلى لغة نفسية تفاعلاتية Transactional فإننا نقول
إن البارانوى يولد وعنده تركيب والدى متضخم بحيث لا يسمح
للتركيب الطفلى ([23])
الأقدم بأخذ الجرعة اللازمة من احتياجه
(من فرط
الجوع التهم الطفل الطفل)
ويذكرنا ذلك بأن الأنا الوالدية
.. ليست والدية بالمعنى الشائع إذ، أنها تركيب مخى يقع على أرجح
الفروض فى المخ القديم دون الحديث أساسا، وهى قابلة للطبع من
الخارج .. ولكنها ذات أساس ذاتى وتلقائى أيضا، وهذا التركيب إذ
هو موروث فى البداية قد ورث أساسا ماطبع قبلا من العالم
الخارجى، بما يشمل فى المقام الأول الجوع وعدم الأمان والألتهام
أى الصفات البارانوية، التى إذا ماطغت استعدادا ثم قويت من
التفاعل المؤكد لضرورتها والمؤدى لتضخمها، طغت على ماسواها، وخصوصا
الجزء الأقدم منها (الطفل) وأضعفت - نسبيا - الجزء التالى
لها.
وأضيف أخيرا التحذير الذى يزيد
الأمر تعقيدا من أنى أرى - وإن عجزت الوسائل حاليا عن إثبات
هذا الفرض - أن كل هذه التراكيب ليست فقط فى التنظيم المخى،
ولكنها لها ما يقابلها ويوازيها فى التنظيم الخلوى Cellular عامة .. وهذا
أمر أعمق، ويجدر أن يترك مرحليا .. ولكن تذكر احتمال صدقه
باستمرار يخفف من غلواء التحمس للفروض الأحادية أو المسطحة أو
الموضوعية أو الميكانيكية.
وهكذا يجتمع الأستعداد البارنوى
الجائع، مع العجز البيئى عن الإرواء لتضخم المشكلة البارانوية ..
وتعيد ظهورها بعد اختفاء مؤقت فى أى تنشيط لاحق ومادام ظهورها
هو فى إطار مرضى - سيكوباثوجينى - فإنه يعتبر تأكيدا لهذا العجز
عن الإرواء مرة ثانية مما يزيد تعرض المريض لهجمات تالية، أو
لتشويه تلوثى وأنواع مختلفة من المرض. لذلك كان التعبير
المناسب هو "بعد فوات
الوقت".
(فإذا أطلقت
سمادى بعد فوات الوقت
ملكنى الخوف عليكم
إذ قد ألتهم الواحد منكم تلو
الآخر
دون شبع)
ذلك لأنه لو تم
إعادة نشاط الموقف البارانوى فى ظروف نموية غير مرضية
(ماكروجينى) لعاش نفس الموقف ونفس الأبعاد لا ليزداد خوفه مثل
النبضة الأولى، ولكن ليصلح من تناوله للموقف باختلاف المجال
المحيط والإرواء الممكن فى هذه النبضة التالية فى ظروف أقوى
وأفضل.
ونكرر هنا ما أشرنا إليه فى
الاكتئاب من أن العودة إلى الموقف البارانوى فى نبضة
السيكوباثوجينى لاتتم فى اتجاه عكسى مباشر، وما هى إجهاض عند
الموقف البارانوى بعد محاولة إعادة ولادة فاشلة.

(155) تفسير
عدوان البارنوى :
يتجه التفسير السلوكى والدينامى
المسطح لعدوان البارانوى باعتباره استجابة لضلال معين أو أنه
تفاعل ضد اضطهاد معين، وكأن البارانوى ليحمى نفسه من أوهام
الأعتداء، بمعنى أنه إما هجوم لتنفيذ معتقد خاطئ أو أنه هجوم
دفاعى ضد أوهام الأضطهاد والتوجس.
إلا أن التفسير الذى أقدمه هنا
له أكثر من جانب، وهو مستعد - كالعادة - من واقع الخبرة
الكلينيكية والعلاج الجمعى، فهو متصل بشكل جوهرى بالمشكلة
الكيانية، وضعف الذات الداخلية، وفرط الأحتياج للاخر - على مسافة -
والخوف من اقترابه أكثر ومن بعده أكثر فى نفس الوقت، فالعدوان
عند البارانوى.
1- دفاع ضد إقتراب الآخر فهو
إبعاد فعلى من خلال نشاط فيزيائى مباشر إذ لم يكتف بالإبعاد
غير المباشر بكل حيله وأساليبه (ص 284, 285).
2- دفاع ضد بعد الآخر أكثر
مما ينبغى، لأنه فى العدوان عليه طمأنينه ضمنية لوجوده فى
متناول التفاعل (وهو قريب من هذه الزاوية بشكل ما من عدوان
الاكتئابى).
3- وهو نشاط من ضمن تكوين رد
الفعل Reaction
Formation ليخفى ضعفه الداخلى بقوة ظاهرية تسهم فى
مزيد من إخفاء داخله إذ يهدد بالظهور نتيجة للنشاط البارانوى
المستعاد.
4- وهو تثبيت لضلال عدم الحب
"لا أحد يحبني" وضلالات العدوان .. "الناس أعدائى ...
وليس بينى وبينهم إلا المعارك" فهو إذا -ضمنا- إلغاء
للتهديد بالأمان، الذى قد يغريه بالتنازل عن دفاعاته بجرعة
تعرضه للسحق فالإلغاء فالهلاك، والعدوان يضمن له تحطيم هذا
الأمان المحتمل أولا بأول.
5- وهو طلب مباشر واحتجاجى على
النوع المطروح من الحب وعلى كمه وعلى وظيفته وكأنه يقول من
خلاله .. "لا .. ليس هذا هو الحب الذى أريده .. وليست هذه
هى العلاقة التى تحافظ على وجودي".
6- وهو فى نفس الوقت إجهاض لأى
مشاعر صادقة وتشويه لها حماية لنفسه من الأعتماد على مصدر
يصوره لنفسه أنه غير دائم أو غير مؤكد.
والمتن هنا يؤكد أساسا على
الخوف من اقتراب الآخر وما يحمل من مشاعر صادقة واحتمال
علاقة
(يامن تغرينى
بحنان صادق .. فلتحذر،
فبقدر شعورى بحنانك.
سوف يكون دفاعى عن حقى فى الغوص
إلى جوف الكهف
وبقدر شعورى بحنانك
سوف يكون هجومى لأشوه كل الحب
وكل الصدق)
ويظهر هذا الموقف بشكل خاص فى
العلاج الجمعى، سواء بالنسبة للشخص الذى يعانى من معالم بارانوية
فعلا، أو بالنسبة للشخص الذى أستعاد من خلال العلاج النشاط
البارانوى، فإن مرحلة الهجوم على المعالج ([24]) تعلن ظهور أغلب هذه العوامل
أى أنها تعلن أن المريض كاد يطمئن إلى احتمال وجود علاقة
حقيقية تعيد تنظيمه وفى نفس الوقت - ضمنا وبداهة - تهدد تركيبه
القائم.
ومن خلال رؤية أعمق يعلن
البارانوى خطورة الأقتراب مرة ثانية وخطورة السحب إلى جب بلا
قرار.
(إذ فى الداخل
وحش سلبى متحفز
فى صورة طفل جوعان)
ولأول مرة يقترن الطفل أو
التركيب الطفلى بما هو سلبى ووحشى، وهذه قضية خطيرة، فقد شاع
فى بعض الدراسات النفسية، ما يوحى بتمجيد ما هو طفلى ووصفه
بالبراءة والتلقائية وغير ذلك من "فضائل" (i), وقد نبهنا فى
أكثر من موضوع على سلبيات ماهو طفلى فى ذاته .. فإذا تذكرنا
علاقة الأنتوجينيا بالفيلوجينيا، فلابد أن نعرف أن مايقابل الطفل
فى بعض مراحله الأولى هو أنواع من الأحياء ليست بالضرورة بهذه
البراءة والحسن المطلق، وقد قابلنا - مجازا - بين الموقف
البارانوى وموقف النمر - مثلا -, والرؤية الأعمق هنا تؤكد الجانب
السلبى المتوحش فى الوجود الطفلى المقابل لهذا المستوى إذ يستعيد
نشاطه .., وهذا الجانب إنما ينميه أن يصل الطفل من
"المعلومات" - طريقة المعاملة - ما يؤكد ضرورة ضراوته
وتخوفه ويثنيه على ذلك، وهو إذ يستقر على هذه الوسيلة البدائية
للمحافظة على حياته يتمسك بها كأساس تحت طبقات نموه الظاهرة
(فى التكوين البارانوى) كما أنها تظهر مباشرة فى مراحل استعادة
النشاط البارانوى كما نشرح هنا ... ويصبح الخطر - من وجهة نظر
البارانوي- أن تتغير طبيعة "المعلومات" ([25]) الواصلة إليه، فبدلا من أن
تكون معلومات مثيرة لاستجابة البارانوية وتصبح معلومات مثيرة
للأمن "وملوحة" لما يسمى "حبا" فتربك حساباته وما
تعود عليه
(وكفى إغراء
وحذار فقد أطمع يوما فى حقى أن
أحيا مثل الناس
فى حقى فى الحب)
إذا فالبارانوى، رغم كل شئ، يدرك
فى أعماقه أن هذا الموقف الذى اضطر إليه، وتعود عليه، هو موقف
خاص-ليس مثل الناس- كما ينكر أن أستجابته قد حرمته- بإرادة
نسبية وعميقة - من حقه أن يتخطى هذه المرحلة التوجسية إلى
مرحلة الأمان الثانوى Secondary security التى وصفناها
فى دراسة الأكتئاب.
فالهجوم كلما أشتد على المعالج
أو على الشريك أو الحبيب ... إلخ كلما أعلن هذا ضمنا شيئين أولهما:
الحاجة الشديدة إلى هذا الشخص موضع الهجوم وثانيهما:
احتمال اقتراب استقبال عواطف صادقة نحوه .. وهذا وذاك كما
يبدوهما عكس الشائع عن مثل هذه المواقف البادية العدوان.
(156) الجذب
النكوصى فى البارانوى :
وخوفا من استمرار هذا التلويح
بالأمان المخيف (لاحظ التعبير ظاهر التناقض) فإن الميل إلى
الانسحاب بعيدا عن مصدر التهديد (بالأمان) يشتد، ولكن نلاحظ أن
البارانوى لا يستسلم أبدا لهذا الجذب مثل الشيزويدى، فهو دائما
يتصور أن هذا الأتجاه هو اتجاه إلى الموت ذاته وهو إذا
مشدود دائما بين الخوف من الآخر والخوف من الوحدة، ولكن إذا
كان الأقتراب حتم رغم مظاهر التألم ومحاولة إيقافه بإشاعة
الأنزعاج والأحتجاج
(ألبس جلدى بالمقلوب
فلينزف إذا تقتربوا
ولتنزعجوا)
فإن الاتجاه نحو النكوص يبدو
حتما أخطر وإن كان لايتم بمعنى دخول الرحم وإنما فقط بالشعور
بالجذب نحوه
(لأواصل هربى
فى سرداب الظلمة
نحو القوقعة المسحورة)
(157) الحاجة إلى الحب:
إذا فحاجة البارانوى إلى الحب هى
أصعب مآسيه الوجودية، وإذا كان الشيزويدى يحتاج إلى الأعتماد
الأموى المطلق (داخل الرحم), والمكتئب يحتاج إلى علاقة مع آخر
بكل ما تحمله من مخاطر، فقد وجدت فى خبرتى أن البارانوى يحتاج
إلى علاقة مع آخر بكل ما تحمله من مخاطر، فقد وجدت فى خبرتى
أن البارانوى الذى يحتاج إلى حب والدى حامى وواضح ومباشر، وهذه
الحاجة التى تعلن موقفا وسيطا بين الأختباء فى الرحم، وبين
المغامرة بالعلاقة تؤكد الموقف البارانوى الذى يأبى الألتهام
ولايقدر على الأقتراب فى نفس الوقت، وهو يرفض الوحدة بكل ما
يملك من قدرة على تجميد الموقف - وسطا - بعيدا عنها، إذ هو
يعلم تماما معنى العدم والموت فيها
(لكن بالله
عليكم ماذا يغرينى فى جوف الكهف؟
وصقيع الوحدة يعنى الموت)
وفى نفس الوقت هو لا يضمن
إطلاقا أنه إذا رفض الوحدة سوف يحصل على حاجته الملحة
والعنيفة إلى الرعاية المباشرة، وجهاز الاستقبال العاطفى عند
البارانوى مغلق كل الوقت، وهذا من أهم دفاعاته المتأصله
والحامية له من اقتراب الآخرين، وبالرغم من أنه هو الذى لا
يستقبل قصدا ودفاعا وحماية فإنه يضع اللوم على الآخرين باعتبارهم
نسوه أو أهملوه أو أطعموه وتخلوا عنه، وكثير من قصص البارانوى
التى يقوم فيها بدور الضحية يحكى فيها عن خيانة الأصدقاء، ونقص
الوفاء وعذر الأحبه، وقلة الأخلاص ... إلخ.
(أما فى بستان
الحب،
فالخطر الأكبر
أن تنسونى فى الظل
ألا يغمرنى دفء الشمس
أو يأكل برعم روحى دود الخوف
فتموت الوردة فى الكفن الأخضر
لا تتفتح
والشمس تعانق من حولى كل الأزهار
هذا موت أبشع)
وهكذا يظل البارانوى يتحرك فى مسافة
محدودة لايدخل القوقعة المسحورة ولايقترب من الآخر، يتأرجح فى
رحلة الداخل والخارج، فى رحلة الداخل والخارج، فى رحلة الوحدة
والأستغاثة، فى رحلة الحاجة والعدوان، ولعل أخطر ما يواجه
البارانوى هو اعترافه بوجود الآخر وإمكانية الحب، ونجاح الأخرين
فى تبادله دونه، وهو شعور يضاعف ويؤكد وحدته وانفراديته وشقاءه
الداخلى، ولكنه لايدل على انعزاله وانغلاقه وانسحابه مثل
الشيزويدى.
وهنا لابد أن نتطرق إلى التفسير
الذى طرحه التحليل النفسى لسيكوباثولوجية البارانويا باعتبارها
نابعة من فشل نسبى لكبت الميول الجنسية المثلية .., والتفسير
عندى لهذا الفرض يحتمل أكثر من وجه: أولا: إن حاجة
البارانوى هى حاجته إلى "دعم قادر قوي" (الذى عبرت عنه
بالدعامة الوالدية), وقد لوحظ أن المادة المكبوته فى الذكور فى
هذه الحالات هى الجنسية المثلية، أما عند الإناث فهى الجنسية
المغايرة Heterosexuality , وهذا يعنى ضمنا حاجة البارانوى إلى القوة
أساسا-الممثلة رمزا فى هذا النداء الملح الخائف بالاعتماد على
الذكر بالنسبة للجنسين بما يعنيه.. ذلك الأعتماد الذى قد يختلط
مع المادة المكبوتة فيظهر فى صورة جنسية، ويوصف بلغة جنسية،
وقد لاحظت فى الممارسة الكلينيكية أن هذه الحاجة إلى الوالد
قد تمتد إلى حالات الذهان البارانوى المقحم Folie a deux حيث لا تنفك
الرابطة المربطة بين العضو الطاغى (البارانوى عادة) والعضو
المستسلم، الفصامى (من النوع الهبيفرينى أو البارنوى عادة) إلا
بجرعة والدية للأثنين معا.. ياحبذا من نفس المعالج.
والوجه الثانى: أن حالات البارانويا إذ هى
تنتقل بالضلالات من اللاشعور إلى الشعور نتيجة لفشل الكبت
جزئيا إنما تظهر الضلالات الكامنة والجاهزة، ومن ضمن الضلالات
المترتبة على عدم معايشة مراحل النمو الجنسى المختلفة تلك
الخبرات والرغبات التى يرفضها المجتمع، فالمجتمع يرفض الجنسية
المثلية عند الذكور بشكل عنيف ومباشر وهو يرفض الجنسية
بنوعيها وربما المغايرة أكثر عند الإناث، وظهور هذه أو تلك فى
مادة التحليل ماهو إلا إزاحة الغطاء عن ضلالات موجودة فعلا،
وبالتالى فلايوجد مبرر لترجيح علاقة سببية بين البارانويا وهذه
الضلالات بوجه خاص.
والوجه الثالث: لتفسير الجنسية المثلية عند
البارانوى هو أن الوجود الأستقطابى يهتز مع بداية هذا الذهان،
وبالتالى فإن احتياجات القطب الآخر للتعبير عن نفسه كمجرد
الوجه الآخر (الأنثى فى حالة الذكر وبالعكس) إنما يختلط بالمادة
المكبوته، ويظهر على أنه جنسية مثلية بشكل أو بآخر، حسب طريقة
استخراج المادة وطريقة تفسيرها.
(158) احتمال
استسلام البارانوى:
ولا يستطيع البارانوى فى هذا
الموقف الملح، المهدد بالذل، المعلن للحاجة، العاجز عن الهرب، أن
يواصل تثبيت الموقف بكل هذه الأبعاد المتناقضة مدة طويلة، وهو
معرض إما إلى اللجوء لإحدى التنويعات البارانوية المزمنة التى
أشرنا إليها فى أول الفصل، وإما إلى الأنسحاب الشيزويدى وإلغاء
أى احتمال لاقتراب آخر والأستغناء عن هذا الآخر كلية..
خلاصة وتعقيب
1- تعتبر حالات
البارانويا مشكلة تشخيصية وسيكوباثولوجية، فهى تتفق مع الفصام فى
غائية قطع العلاقات المغذية مع الآخرين، وتتفق مع العصاب
المزمن واضطرابات الشخصية فى الإفراط فى استعمال الحيل (وخاصة
الإسقاط والعقلنة لتكوين الضلالات والهلاوس), دفاعا ضد تهديد
الذهان الأعمق والتناثر، وعلى سبيل المثال فإن الشخصية الشيزويدية
مبنية على ضلال "لا أحد يحبنى" فى حين أن الشخصية السيكوباتية مبنية على ضلال "ليس
على الأرض سواي", وكلاهما بذلك يحافظ على نفسه ضد التناثر.
2- إن تحديد
الخط الفاصل بين ماهو "مفهوم" وماهو "ضلال" صعب للغاية، وهذا يدخل مباشرة فى
"قضية المعرفة" وطبيعتها، ويعتبر هذا سبب آخر يفسر
الربكة المرتبطة بهذه الفئة.
3- يتجنب
الكلينيكى عادة تشخيص هذه الفئة لتجنب الموقف "الحكمى", وحتى لايتعرض إلى مراجعة مفاهيمه
هو ذاته (أو ضلالاته ... فمن يدري؟).
4- إن أغلب
الحيل الدفاعية إنما يكمن تحتها ضلالات لا شعورية باللغة
المعرفية، والضلالات العمومية اللاشعورية هى معتقدات وجماطية، أحادية
الجانب، وغير قابلة للتناول.
5- إن الفرق
بين الفصام وحالات البارانويا - برغم تشابههما فى الهدف السيكوباثولوجى - يكمن
فى عجز الفصامى عن تكوين مفهوم متماسك أو منظومة ضلالية
متنظمة بما يستتبع ذلك - فى النهاية - من تناثر فى الشخصية.
6- إن تكوين
الهلوسات والصور الخيالية إنما يطابق تماما تكوين الضلالات ولكن على مستوى الإدراك الحسى
والتخيل بالتوالى.
7- إن الهلوسات
يمكن أن تتناول من زوايا عدة:
(أ) فهى تعلن
تعتعة ثم ملخ ثم إسقاط جزئى لحالات منطبعة من حالات الأنا
مشحونة بإفراط لم يمكن تمثيلها بدرجة كافية (الهلوسات
البيولوجية النشطة).
(ب) وهى تعلن من جهة أخرى
قصور "المعلومات" الواصلة لجهاز فعلنة المعلومات المخى، وهى
على ذلك معلومات داخلية تعويضية.
(جـ) وهى حين
تستتب وتسقط، وتعقلن تمثل "الهلوسات الضلالية المسقطة".
8- إن متدرج
البارانويا يمكن أن ينظر إليه، إذ يتسلسل، من بعدين معا:
الأول: بعد "الشعور واللاشعور".
والثانى: بعد "المنظومة الضلالية
(الأساسية) المنظومة المفهومية الأساسية".
وعلى ذلك ففى الحياة العادية
نجد المنظومة الضلالية تقع فى اللاشعور أساسا، ولايظهرتأثيرها فى
السلوك إلا بطريق غير مباشر، فإذا زاد هذا التأثير فى اتجاه
الشك والحساسية والشعور بالأستعلاء (والنقص) فإن الشخص قد يوصف
- فى حدود السواء أيضا- بأنه ذو شخصية بارانوية، أما فى حالة اضطراب نمط الشخصية
البارانوى فإن المنظومة الضلالية تلوث المنظومة بدرجة كاملة
تقريبا، أما فى حالة البارنويا الحقيقية فإن المنظومة
الضلالية تحل محل المنظومة المفهومية بشكل شبه تام وتأخذ شكل
السلوك شبه العادى.
وأخيرا فإن حالات البارانويا
الأصلية هى التى تسير فيها المنظومة الضلالية والمنظومة
المفهومية جنبا إلى جنب فى نفس الوساد الشعورى.
أما فى الفصام البارنوى فإن
عاملا جديدا يضاف إلى كل ذلك حيث تكون عملية تكوين المفهوم
وتكوين الضلال عاجزة فى ذاتها مما ينتج عنه اضطراب فى شكل
الفكر وتصبح الضلالات غير منتظمة (أو سيئة التنظيم).
أما فى العصاب البارانوى
فإن المنظومة الضلالية تقترب من الشعور دون أن تخترقه ويظهر
سوء التأويل أو الضلالات المؤقته .. ولكنها قابلة للتعديل إما
ذاتيا وإما استجابة لاختبارات المنطق العام.
9- يمكن تقسيم
حالات البارانويا من خلال بعد إضافى (ليس بالضرورة بديلا عن
البعد الشائع) فنقول إنه يوجد حالات البارانويا النشطة بيولوجيا
والتى تعنى إعادة النشاط للمستوى البارانوى (باللغة الفيلوجينية) أو
الموقف البارانوى (باللغة الأنتوجينية) وهذه الحالة هى نواة تكوين
الضلالات الأخرى، ونلقاها فى الصورة الكلينيكية - كما هى نسبيا -
فى صورة نوبات البارانويا الحادة وتحت الحادة، وهذه الفئة هى
أساس موضوع دراستنا للسيكوباثولوجى هنا، وقد تشمل فئات فرعية
مثل حالات البارانويا النوابية وحالات البارانويا المتفترة، أما
النوع الأساسى الآخر فهو حالات البارانويا المستتبة والتى تقابل
المفهوم الفرنسى عن "الضلال المزمن" (باستثناء الفصام
المدرج عند الفرنسيين تحت نفس العنوان) وهذه الحالات تمثل
تغيرا مزمنا فى تركيب الشخصية نفسها، كما يمكن أن نجد منها
تنويعات مختلفة فى الصورة الكلينيكية أيضا مثل حالات "البارانويا
الودودة الضحوكة", و"حالات البارانويا القاسية
الساخرة", و"حالات البارانويا المعتمدة اللاصقة".
10- إن مصدر
الضلالات عامة (وفى حالات البارانويا خاصة) ينبع من إحياء الموقف البارانوى،
وكذلك كشف الغطاء عن المحتوى الضلالى اللاشعورى الموجود فعلا ثم،
نسج عقلنى لكل من هذين المصدرين بالأشتراك مع المثيرات البيئية
لإخراج معتقد أو مدرك أو صورة خيالية.
11- الموقف البارانوى أثناء النمو
الفردى (وباعتبار أصله الفيلوجينى) لايمكن فصله فى واقع الحال من
الموقف الشيزويدى، ويهدف كلا الموقفين إلى إبعاد أو تجنب
الموضوع (الآخر), ولكن بأساليب مختلفة، كما يتبادل الموقفان
المواقع فيما بينهما، ولكنهما مختلفان تماما من منظور
السيكوباثولوجى وهذه الدراسة تقدم الموقف البارانوى كنشاط مستقل.
12- إن البارانوى
(الطفل فى الموقف البارانوى الأصلى أو الشخص فى الموقف البارانوى
المستعيد نشاطه) ليبعد الآخر باتباع أساليب تجعل الآخر يخشى
مزيدا من الأقتراب وأهم تلك الأساليب: (أ) الأسلوب القنفذى، و (ب) أسلوب المطالبة
الملاحق، و (جـ) أسلوب الإيهام بالذنب (الإذناب).
13- إن وحدة البارانوى
وحدة نشطة، تسمح بعلاقة يضع شروطها البارانوى نفسه، وعلى مسافة
معينة منه، وينبغى أن نميز هذه الوحدة عن وحدة الشيزويدى التى
يحققها بالأنسحاب وعن وحدة الهوسى التى يحققها بالأنكار، أما
العصابى فهو ليس وحيدا- ظاهريا- بفضل استعمال الميكانزمات
المختلفة.
14- إن العمل
عند البارانوى، وهو عادة ما يكون ناجحا، يؤدى عدة وظائف معا
وهى: (أ) التعويض، (ب) والتحصين، (جـ) والتدعيم.
15- إن شقاء
البارانوى هو خليط من الحزن والألم والجوع والضياع وهو
لايستطيع أن يختبئ فى اللامبالاة مثل الشيزويدى كما لا يستطيع
أن يتحمل ألم التناقض مثل المكتئب، وهو لايسمح لمشاعره
الداخلية الصادقة أن تظهر فى سلوكه الظاهرى.
16- يحقق البارانوى - بصفة عامة -
الحفاظ على الآخر على مسافة بوسائل متنوعة من جانبه ومن جانب
ما يستثيره فى الآخر، ومن ذلك ريبته، وإخفاؤه عواطفه، وحكمه
المتعالى، والكر والفر، والأساليب القنفذية، والإذنابية والملاحقة، وكذلك
الصد التأويلى الذى يشوه أى تفسير لأى محاولة صادقة للأقتراب.
17- إن "رحلة الداخل
والخارج" التى وصفت أساسا فى الموقف الشيزويدى (البارانوى)
تتطور إلى رحلة "الوحدة والأستغاثة" فى الموقف البارانوى، ويحقق
البارانوى وحدته بحلوسط يؤكد أنه شديد التمسك بوحدته
شديد الضجر منها، وهو شديد التعلق بالآخر ومحتاج له، شديد الخوف عليه ومنه فى نفس الوقت،
وهو شديد الإصرار على حركة الآخر إليه شديد التعجيز له، معاً.
18- البارانوى عاجز عن الأخذ،
وعن تلقى الحب أو المساعدة، وهذا يدل ضمنا على خوفه من أن
يكشف عن حاجاته الهائلة وعن ضعفه الداخلى.
19- إن مفهوم "الوجود
المثقوب" إنما يعنى الألتهام غير المحدود الذى يخاف منه البارانوى
لو أنه سمح لنفسه بالأقتراب أكثر من الآخر.
20- إن تعبيرات
التكوين البارانوى، والاستعداد البارانوى، والعائلة البارانوية، إنما يشير إلى وراثة
أسلوب بارانوى خاص للتعامل فى الحياة كان قد غلب على سلوك
قطاع من البشر ذوى علاقات جينية. فإذا لم يعش الفرد
"انتوجينيا" هذا المستوى البارانوى المحدد فيلوجينيا وعائليا معايشة ملائمة، حتى
يستوعبه بدرجة كافية، فإنه يصبح عرضه لاستعادة نشاطه بشكل مفرد
عند أية نبضة ماكروجينية تلك النبضة
التى قد تجهض عند المستوى البارانوى مما يحولها إلى نبضة سيكوباثوجينية مسئولة عن إحداث حالات
البارانويا (من النوع النشط بيولوجيا ... كبداية).
21- إن عدوان البارانوى لاينبغى
أن يؤخذ باعتباره مجرد من دفاع الكر والفر حيث أنه قد يعنى
أيضا:
(أ) دفاعا ضد
مزيد من اقتراب الآخر. (ب) وطمأنينة ضمنية على أنه موجود
وفى متناول التعامل. (جـ) ونوعا من تكوين رد الفعل يخفى به
شعوره الداخلى بالضعف. (د) وتأكيدا لضلال "لاأحد
يحبني". (هـ) واحتجاجا على جرعة ونوع المعروض مما يسمى
حبا. (و) ومحاولة لتشويه أى علاقة أصيلة خوفا من أن تزداد
إلى درجة خطرة.
22- إن استعمال
كلمات مثل "الحب" و"الرعاية" و"الدفء
العاطفي" فى مجالات العلاقة بالآخر، واحتياجات الأطفال ومناقشة المشكلة
البارانوية ماهو إلا استعمال تقريبى، وإن الترجمة الحقيقة لهذه
اللغة إلى لغة أكثر علمية يمكن أن تكون بالحديث عن "المعلومات
الكافية والمناسبة" التى تسمح بالجرعة الصحيحة للاستيعاب
والتمثيل ومن ثم باستمرار النمو.
23- إن حاجة البارانوى للحب، برغم
كل دفاعاته ضد ذلك، تمثل محورا أساسيا للمشكلة البارانوية، وهو
يحتاج إلى آخر قوى ويعتمد عليه، الأمر الذى يترجم عادة إلى لغة
الذكورة مما يفسر المادة المحتوية للجنسية المثلية وللجنسية
المغايرة من المرضى الذكور والإناث على التوالى، وهذه المادة
الجنسية - إذا لا تمثل علاقة سببية بالمرض ذاته. ولكن التفسير
الأرجح أنها من ضمن الضلالات التى كانت لا شعورية والتى تكونت
نتيجة للرفض الإجتماعى والمعلومات الخاطئة أثناء التربية.
[1]- إبتداء من
وحتى البدء فى شرح المتن سوف تعنى حالات البارانويا النوع
الحاد وتحت الحاد فى الأغلب.
[2] - فضلت ترجمة كلمتى Delusional System إلى
منظومة ضلالية وكلمة 'منظومة', لتفردها، تفضل - من وجهة نظرى - كلمة
'جهاز' وقد سبق أن أستعملت هذا اللفظ 'منظومة' فى كتاب مشترك
وهو 'مبادئ الأمراض النفسية' ولقيت قبولا مناسبا.
[3]- ترجمنا كلمة Clinical قبل
ذلك - أحيانا - إلى 'إكلينيكي' ثم رجحنا هنا أن نحذو حذو بعض
الزملاء مستعملين كلمة كلينيكى - أيضا - فهى أقرب تعريبا، رافضين
فى الحالتين الترجمة السطحية إلى كلمة 'سريري', حيث أن المفوم
الكلينيكى أعمق وأخطر مما توحيه الترجمة الحرفية 'سريري'.
[4] - يلاحظ القارئ فى هذا الفصل وفى
الفصل الذى يليه (الفصام) أن المقدمة قد تطول طولا ينسبنا
طبيعة، هذه الدراسة، وأنها أساسا شرح لمتن 'سر اللعبة', إلا
أنى لجأت إلى ذلك عامدا لأهمية هذين الزملتين كمحور جوهرى
لسائر الأمراض النفسية.
[5] - راجع أيضا 'المسار الإيجابى النموي'
لحيل الأدخال عامة ص 92ومابعدها.
[6] - الأحلام هلوسات النائم بالمعنى
البيولوجى المباشر، وبالمعنى النفسـى كذلك.
[7]- ... وفى الزملات
المخية العضوية أيضا، إلا أننا تعهدنا بعدم التعرض لها فى صلب
هذه الدراسة، وإن كنا سنرجع إيها فى التعقيب النهائى.
[8]- فى عمق معين، ومن منظور نظرية
المعرفة، يمكن اعتبار رأى المثالين الذين ينكرون الوجود الموضوعى
أصلا، أنهم يتصورون أن الإدراك البشرى - فى الأحوال العادية -
ماهو إلا بارانويا تخيلية مزمنة، ولكن على الأشياء التى ندركها
بالمواصفات التى نعتقدها، وهكذا نعود نقترب - كما فعلنا بشأن الضلالات
- من وجه الشبه مع الحياة العادية مما لا لتفصيله هنا مرة
ثانية.
[9] - أصل كلمة بارانويا تعنى بارا Para أى
'بمحاذاة' ونويا Noia أى 'عقل' فتكون الكلمة معناها
بمحاذاة العقل، وهو المعنى الذى نحاول أن نعرضه هنا باعتبار
الحياة الفهومية هى 'العقل' والمنظومة الضلالية هى التى بمحاذاة
هذا العقل.
[10] - بديهى أن المنظومات المفهومية
والمنظومات الضلالية عديدة ومتعلقة بكل أتجاه، إلا أننا نقصر
الحديث على المنظومة المحورية أو المركزية سواء المفهومية أو
الضلالية.
[11]-
هذا التصنيف ليس بالضرورة بديلا عن التصنيف الشائع، ولكنه بعد
آخر لحالات البارانويا، بمعنى أنه يمكن تصنيف الحالة بالبعد
التقليدى: ضلالية أو هلوسية ... إلخ ثم بهذا البعد أيضا
بالإضافة.
[12] - أكرر هنا أنى أتجنب عامدا -
بطبيعة هذه الدراسة كما شرحت فى التقديم - أن أذكر المراجع
الأخرى إلا لماما، وهنا أجد من المناسب التنبيه إلى وجه الشبه
بين هذا النوع الدورى وبين إحدى الفئات الفرعية كما أسماها
ليونهات Leonhaitالذهان شبه الدورى .Cycloid Psychosis
[13] - يلاحظ القارئ أنى أتجنب كثيرا
استعمال تعبير العلاقة بالموضوع Object relation وأفضل
عنه استعمال تعبير العلاقة بالآخر تأكيدا لوجه النظر الإنسانية
من أن الآخر الإنسانى ليس مجرد موضوع.
[14] - أؤكد مرة أخرى هنا أنى فى شرحى
للسيكوباثولوجيا حين أقول إن البارانوى (أو الأكتئابى أو
السيكوباتى.. إلخ) يفعل كذا أو كيت فإننى لا أعنى أنه يقوم
إراديا بفعل كذا وإنما هذا هو غائية نوع وجوده، كما أؤكد
أنى لا أتحدث هنا إلا عن البارانويا البيولوجية النشطة (أساسا)
والتى هى هى الموقف البارانوى الأنتوجينى والفيلوجينى معا، فحين أقول
البارنوى، فإنى أعنى كلا من هذا النوع وهذا الموقف. مرضيا
وتطوريا فى آن واحد.
[15] - لابد من الإشارة هنا إلى احتمال
أن يكون تصرف شعب بأكمله أو مجموعة أقلية هو نفس تصرف الفرد
البارانوى، ولا نستبعد أن يكون اليهود - الأسرائليون خاصة -
يمارسون هذه الأساليب جميعا من التكوين الذى توقف عنده نموهم
مما يحتاج إلى أبحاث محققة.
[16] - طنبل' كلمة عربية، وتعنى نصا 'تحامق
بعد تعاقل' و'الطنبلة' تشير إلى مايسميه العامة قديما 'تنبله'
وما أسموه حديثا 'تطنيش' وكل هذه المعانى أقصد بها فى المقام
الأول الأغفال والتقاضى على بعض جوانب الموقف باستعمال الحيل
أساسا.
[17] - 'الشقى لغويا غير السعيد' قال
تعالى: (فمنهم شقى وسعيد), والشقى: الضال غير المهتدى والشقى: اللص
أو قاطع الطريق' ... (الوسيط) وكل هذه المعانى تصف البارانوى
مباشرة، وفى نفس الوقت.
[18] - حالة الأنا الطفلية.
[19] - كتب إريك بيرن عن 'الخوف من
الحرية' 'كتابا مستقلا' وكتبت عن 'الخوف من الإيمان' فى 'مقدمة
فى العلاج الجمعي', وهذا كله تنبيه إلى أن كثيرا من المقدسات
الشائعة والمحببة فى الظاهر، هى مرفوضة ونهاية صعبة فى عمق
التواجد البشرى.
[20] - تعبير الأرتواء من العلاقة أكثر
صحة وعلمية من تعابير الأرتواء من الحب أو من الحنان، لأن
المهم هو ماهية ومعنى وثراء وتناسب المعلومات information الواصلة
لجهاز فعلنة المعلومات (المخ) فى مرحلة بذاتها، وهذا يمكن أن
يسمـى مجازا الحب أو الحنان، إلا أن الخلط فى سوء استعمال
هذه الألفاظ لا حدود له.
[21] - وصف جانترب فى كتابه 'الظواهر
الشيزويدية والعلاقة بالموضوع والنفس' حلما متكررا كان يحلم فيه
المريض وكأنه مكنسة تسحب كل ما يقترب منها.
[22] - يقابل هذا التعبير فى بعض
مدارس سيكولوجية الطفولة تعبير الأم الكافية Good enough mother.
[23] - لاتنسى أن هذه التعبيرات تعبيرات
وظيفية مجازية وهى تقابل التركيب الأقدم (الوالدى) والأكثر قدما
(الطفلى) مما لا مجال لتفصيله هنا حاليا.
[24] - أنظر كتاب 'مقدمة فى العلاج
الجمعي', المرحلة الخامسة فى العلاج ص 99 وما بعدها (للمؤلف).
[25] - كلمة 'المعلومات' تكرر ذكرها بمعنى Information ورغم أنها ليست
ترجمة دقيقة فإننا مضطرين مرحليا لاستعمالها، ولكن ينبغى التأكد على
أنها ليست معلومة بمعنى 'المعرفة أو الاحاطة أو الأنباء'
ولكنها معلومة بمعنى كل الرسائل الواصلة إلى الجهاز البشرى وخاصة
المخ البشرى الملخص الأول لعملية 'فعلنة المعلومات'.