الفصل الثانى عشر
تطبيقات
- مقدمة - الطب النفسى فن يستعمل أدوات علمية -
الطب النفسى علم ماهيات وموقف
- الطبيب النفسى حر فى مواكب للنمو البشرى
أولا: فى مجال التشخيص
- وظيفة التشخيص - المرض النشط بيولوجيا - النوع الحاد المغترب
- النوع النشط المباشر - النوع المستبدل - المرض المستتب - النوع
الحلوسط
- النوع المتفسخ والمتدهور - مواصفات المرض النشط بيولوجيا - مواصفات
المرض المستتب
- مظاهر تحديد النشاط البيولوجى - الاختبار العلاجى
- علاقة الاضطرابات
الطبنفسية للصرع بهذا الفرض
فى مجال العلاج
- العلاج الوقائى - الاتجاهات السائدة - حاليا - فى علاج الامراض
النفسية
- خطوات العلاج – التشخيص - التشخيص التقليدى - التشخيص الدورى
- التشخيص الجينى - التشخيص النموى - التشخيص المجتمع - الانتقاء
- انتقاء الطبيب للمريض - انتقاء المريض للطبيب – التخطيط - التوقيت
- هذه الدراسة وانواع العلاجات المختلفة
أولا: العلاج الكيميائى
- بعض مزايا الضبط والربط الكيميائى - بعض مثالب الضبط والربط
الكيميائى
- تقسيم العقاقير من واقع هذا الفرض
القواعد العامة للعلاج بالعقاقير
- فرض الانتقاء المستوياتى لعمل العقاقير النفسية
ثانيا: العلاج الكهربائى
- طبيعة عمل الصدمة الكهربائية - توصيات وتحفظات استعمال الصدمة
الكهربة
- العلاج النفسى - الافكار الأساسية حول العلاج النفسى - العلاج النفسى
نموذج مصغر للحياة
- محاولة توصيف العلاج النفسى - أنواع الحوار بين البشر - حوار الصم
- حوار الكر والفر - حوار شيل الهم - حوار التغافل - حوار المعية
الصامت
- حوار المواكبة
ثالثا: فى مجال البحث العلمى
- بعض الدراسات العلمية المتعلقة بهذه الدراسة - احتمالات تطبيقية:
- تحديد الظاهرة قيد البحث داخل الفرض العام - تحديد الأداة
خلاصة وتعقيب
تطبيقات
Application
مقدمة:
بعد هذه الرحلة الطويلة، أجد من
المفيد أن أحاول تحديد المعالم العملية، التى يمكن الاستفادة
منها فى مجال الطب النفسى بشكل محدد ومباشر، وقد حددت من قبل
(ص5) أن هذا الفرض يحتاج إلى كل من التوثيق Documentation والتحقيق Verification كما ذكرت أيضا (ص17) أنها 'دراسة تهدف
إلى تحديد وفروض وليس إلى فرض قوانين'، إلا أن هذا، وذاك لا
يعنى أنه ليس لها تطبيقات وآثار فورية وعملية ومباشرة.
وقد ظهر فى أكثر من موضع أنى أضع
'مفهوما للإنسان' من واقع كلينيكى ممتزج بخبرة شخصية، وهذا سليم
تماما، إلا أن الأمر لو اقتصر على ذلك لكنان ينبغى أن يدرج
تحت مباحث الفلسفة، لا أن يكون جزءا من ممارسة الطب النفسى،
والواقع- على قدر ما أعرف- أنى لم أسمح لنفسى بأن أخط حرفا
نتيجة لتأمل خالص، أو أن أصدر حكما لمجرد التصنيف والتوصيف،
بل إن كل محاولة كانت نابعة من مشكلة وإعاقة عملية مباشرة،
وكل اقتراح كان هادفا لحل مثل هذه المشكلة أو ما يتفرع
عنها من مشاكل متعلقة.. وهكذا.
وإنى لأتصور أنه بالنسبة لى فى هذه
المرحلة وقد وصلت إلى تحديد خطوط عريضة، فإنه يمكننى أن أبدأ
من واقعها إعادة النظر فى كثير من المشاكل التى تكتنف علمنا
هذا.
وحقيقة الأمر أن علمنا رغم حداثة سنة
قد وصل سريعا إلى مرحلة الشيخوخة المبكرة لدرجة يخشى عليه
منها، وكأن ما أصابه أشبه بمرض البروجيريا Projeria ((والذى يعنى مظاهر الشيخوخة عند الرضع
إذ تختلط بمظاهر تأخر النضج)، وكلما تفاقمت المشاكل ازدادت
المحاولات لحلها بنفس اللغة وفى نفس الاتجاه، فيشرق الأمل نتيجة
لصدق المحاولات وليس نتيجة لصحة الاتجاه... ولكنه سرعان ما
يخبو عند الممارسة العلمية، والاختبار التطبيقى، وليس أدل على ذلك
من محاولات التصنيف الدولية والوطنية، فكلما عجزت محاولة عن
الوفاء بما يوضع له التصنيف من محاولة تغطية الأعراض المعروفة
وإرساء قواعد لغة موحدة، بدأت محاولة جديدة
بنفس الأسلوب فيتضاعف عدد الأمراض، والزملات، وتتزايد درجات الشدة،
والمحاور، لتفشل من جديد، وهكذا فإذا انتقلنا إلى مجال التطبيب
الكيميائى، لراعنا عدد العقاقير التى تغمر السوق فى كل ثانية،
وتضطر الشركات، والممارسون من قبل ومن بعد، أن يخترعوا فروضا
كيميائية واهية كأشد ما يكون الضعف، وذلك ليبرر كل طبيب أما
مريضه وأمام ضميره شرعية ما يفعل، ولكن هذا الفيضان من
العقاقير والمبالغة فى الفروض والنظريات الكيميائية لم يفعل شيئا
إلا أن زاد المشكلة غموضا، ومع استحالة مقارنة عقار بعقار
(رغم محاولات الضبط الأعمى والبصير)، ومع استحالة معرفة ما
وراء فعل العقار المعطى فى العرض الظاهر.. فضلا
عن تتبع آثاره وتقديم خطره وجدواه معا، وفى مواجهة هذا العجز
والبلبلة تظهر عقاقير جديدة.. لا لتحل المشاكل القائمة أو
المتبقية، ولكن لتهز الفروض القائمة وتخلق مشاكل جديدة بلا أمل
فى حلها ما دمنا نستعمل نفس اللغة ونواصل نفس التكرار على
نفس الأساس المجزئ المقطع.
فإذا انتقلنا إلى مجال العلاج النفسى
وجدنا الأمر ليس أفضل من سابقية، فأنواع العلاج النفسى تضاعفت
حتى قاربت المائة المكتوبة والمنشورة، ووراء كل نوع نظرية،
وداخل كل نظرية صاحبها... الخ الخ.
هذا هو وضع علمنا فى مرحلته الراهنة،
وما لم نوافه بحل جذرى يعيد كل شئ إلى نصابه، فلا أمل فى
الجهد المبذول، والخوف كل الخوف أن يموت فى مهده رغم شدة
حاجة إنسان العصر له أو لما شابهه، وخاصة وأن الضربات قد
ابتدأت تتوالى عليه من داخله فيما يسمى 'الحركات المناهضة للطب
النفس ى"التى يتزعمها أطباء نفسيون أولا وأخيرا.
* * *
فإذا
كان هذا هو حال علم الطب النفسى، فإن إضافة نظرية جديدة
بنفس الأسلوب قد لا يزيد الأمر إلا تعقيدا وغموضا.
إذا فماذا تقدم هذه الدراسة وسط كل
هذا التشويش المتلاحق؟
إنى أعتقد أنها تحاول أن تعيد النظر
فى كل شئ، وتدعو لذلك، ابتداء من وضع علم الطب النفسى بين
العلوم، أو بمعنى أصح (ولكن بتعبير أقسى): حشر الطب
النفسى بين العلوم، ولعل كل هذه المصائب والتخبطات إنما
تنبع من مصدر واحد وهو أننا نقيس الهواء العليل بالمتر، ونزن
زرقة السماء بالكيلو جرام، وكلما فشل القياس والوزن، جددنا
الموازين وأشرطة القياس لعل وعسى، بلا طائل إلا زيادة فى
التخبط والعجب.
وكأنى أريد القول أن علم الطب النفسى
قد يثبت أنه ليس علما أساسا له فنيات Techniques علاجية
وتطبيقة ولكنه فن أساسا يستعمل حقائق علمية جزئية كأدوات
تسهل له إتقان فنه، فإذا شبهناه بالرسم مثلا لقلنا إن هناك
علوما تبحث فى ثبات الألوان، وعلوما تبحث فى 'متانة الفرشاة'،
وعلوما فى زوايا الضوء ولكن هناك فن واحد يستعمل كل تلك
العلوم وهو فن الرسم، هذه أول صيحة مزعجة للجميع تلقيها هذه
الدراسة متحدية فى وجوه الجميع.
والصيحة الثانية تعلن أن هذا العلم
(مع استعمال لفظ العلم تجاوزا حتى ننتهى من المقدمة) هو علم
ماهيات ومواقف.. وليس كعلم كميات وأعداد، فالكم والعدد
يرتبط-فى هذا العلم بماهية ما يقيس ويحسب، وبموقف من يقيس
ويحسب.
فإذا قلنا أن هذا العلم لابد أن يخاطر
أولا بتحديد 'ماهية الإنسان' وعلى الطبيب أن يحدد 'موقفه' من
هذه الماهية، فنحن نخرج من باب العلم بمعناه المعروف لنجد
أنفسنا مطروحين بين الفلسفة والسياسة، فالأولى تهتم بالقيم
والماهيات([1])
والثانية هى تحريك القوى البشرية الجماعية من خلال المواقف...
فأين علمنا وسط هذه الجحافل الزاحفة؟
أما عن الفلسفة فقد أصيبت بصدمة هزت جذورها
حين عجزت حقيقة وفعلا عن حل المشاكل اليومية، ولكن هل يعنى
ذلك أنها عجزت فعلا؟ أم أن ترجمة الفكر الفلسفى المعقلن
المتعالى إلى لغة الفعل اليومى هى التى عجزت؟
وإذا صدق الظن، فالطب النفسى بمعناه
الوقائى أساسا، والعلاجى بدرجة أقل بكثير، لابد وأ يتولى بدرجة
ما القيام بهذه الترجمة الحتمية والمسئولة.
أما التداخل مع السياسة فهو ليس
مقتصرا على المعنى الشائع لما يسمى الحرب النفسية ووسائل الدعاية
والتعمية.. الخ، ولكنى أقصد المعنى الأعمق من تحميل من يتعرض
لقيادة المجاميع مسئولية مفهومة عن 'ما هو إنسان' وبالتالى
مسئوليته الوقائية الساعية لتجنب خلل توازنه بالعمل على مسيرته
فى اتجاه عقربى ساعة التطور وليس عكسها وبالقياس، ولكن على نطاق
أضيق، نجد أن مفهوم الطبيب النفسى وموقفه تؤثر حتما بطريق
مباشر أو غير مباشر على ممارسته الفنية المهنية.
ثم ننتقل إلى المشكلة الثالثة والتى
تحتاج إلى صرخة ثالثة تنادى بملء فيها تقول: هل الطبيب النفسى
صانع تجميع أو ضابط أجهزة أم هو حرفى أو مهنى أصلا؟ وبأسلوب
آخر: هل الطبيب النفسى يقوم بعمله كمنفذ محدود لجزء منفصل عن
الكيان الكلى، أم هو حرفى فنى مادته وهدفه الإنسان ككل فى
محنته الخاصة، وللأسف الشديد فإن كلمة حرفة لم تعد تنال
الاحترام الكافى من أهل العلم، فى حين أنها فن إنسانى لا بديل
عنه مهما تطورت الإمكانات، وفى هذا أقول إن هذا الفرع من
الطب هو بالضرورة حرفة أساسا، لها أصولها الفنية، وأدواتها
العلمية ولكنه فى النهاية حرفة من أرقى الحرف البشرية أو
لعلها أرقاها جميعا من حيث أن معلمها هو إنسان وصبيها هو
إنسان ومادتها هى الإنسان، فإذا كان الأمر كذلك فلابد لأهل
الحرفة أن يركزوا كل اهتمامهم على حذق حرفتهم ونقلها من جيل
إلى جيل أفضل وأفضل، فإذا تبينوا لها سرا وتفسيرا وأصلا يمكن
أن يسهل التعليم والحذق والتدريب فيها وتعمت، ولكن لابد من
استمرار تعلم الحرفة بالأصول المعروفة والمرعية لهذه الحرفة مثل
كل الحروف.
أما أن تتعسف الأمور ونسمى 'الحرفة'
'علما' قبل الأوان ثم نحبسها فى قفص لم تخلق له نتيجة
للشعور بالنقص وعبادة كلمة 'علم' التى يصعب تعريفها حتى الآن
فهذا خطرا أيما خطر على الحرفة والعلم المقترح معا...، وبديهى
أن كون الطب النفسى حرفة لا يعنى أنه ليس له علاقة بالعلم،
بل كما قلنا إنه يستعمل العلم ويحاول أن يفسر بالعلم، ويقبل
تفسيرات العلم التى لا تتعارض مع حذق حرفته.
خلاصة القول:
إن الطب النفسى بوصفه الحالى هو فن
أكثر منه علما، وهو فلسفة ممارسة أكثر منه تنظير جزئى موقوف
التنفيذ، وهو حرفة كلية أكثر منه صناعة أجزاء.
وأى حل لمشاكل الطب النفسى لا يضع نصب
عينيه هذه الأساسيات هو حل فاشل لا محالة.
ومثال ذلك ما دمنا فى مجال تعليم
الحرفة، فإن الاستغراق المسبق فى التصنيف والتوصيف لا يسمح
بتعلم الحرفة أو حذق اللغة بالقدر المفيد، والأولى أن يربى
'الصب ى"ليرضع 'الصنعة' ثم تعدد له الأجزاء والأسماء
ليستوعبها من واقع الممارسة.
وأعتقد أن هذه المقدمة ضرورية لمن
أراد أن يعيد قراءة الدراسة من أولها، أو لمن أراد أن يعرف
لمن أقدم هذه الخلاصة وماذا أقدم فيها.
فأنا أقدم هذا المفهوم بما يحمل من
آفاق تطبيقات جديدة لمن يده فى النار فعلا، أى لمن
يمارس مواجهة الإنسان إذ يتعرى ويتمزق ويتفسخ ويتجمع ويتراجع
وينبض ويتقدم ويتأخر، أى أقدمها لهذا الحرفى الذى أقدم فعلا على
احتراف هذا الفن، والذى يريد إطارا نظريا يعاونه على ما هو
فيه فعلا، وقد يقدم له شرحا لبعض ما يفعل فعلا أو ما
يحدث فعلا... هذا هو من أقدم له هذه الدراسة.
إنه
الدارس الصغير بصفة خاصة (الصبى) الذى يحاول أن يتحسس طريقه
بشجاعة الصغار الذين يستهينون بالمخاطر، والذى لم يعجزه فشله
بعد، ولم يعوقه كثرة ما حشر فى عقله من ألفاظ.
وإلى الزميل الذى استطاع بشجاعة العلماء
أن يعلن فشله ويتردد بلا كلل أمام ما يفعله، وهو مازال
يبحث عن تفسير لهذا الفشل أو تقويم شريف لما يسميه نجاحا
(لا يرضيه فى العادة).
وإلى المريض الذى استطاع أن يتحمل ما
أصابه من عجزنا، ودفع ثمن خيبته وخوفنا معا.
كل هؤلاء- ومثلهم- ممن يدهم فى النار
يستطيعون أن يلتقطوا ما أردت الاشارة إليه.
ولكنى لا أقدمه للمكتبيين والمناقشين
والممحصين على الورق، لا استهانة بدورهم... فما أعظم ما يقومون
به وألزمه، ولكن لأنه قد يصعب عليهم أن يقوموا حرفة
بمقاييسهم، وأن ما قدمته وأقدمه قد يلزم-لفهمه-معايشة ومشاركة
ومباشرة أرجو أن تتاح لمن يريد منهم... حتى يقرأ ويعمل ويرى،
ثم يرى ويقرأ ويعمل، ثم يعمل... وهكذا، وبذلك أجزم حتما أننا
سنلتقى.
إلا أنى لا أنكر حاجتى الشديدة لرأيهم
ونقدهم ورؤيتهم مع كل تحفظاتى وأملى فى حوار.. معا.
ولهذا القصد المحدد، والمجال المحدد،
تجنبت فى هذه المرحلة أن أفرط فى التوثيق والاستشهاد وإثبات
الرأى بما سبق من آراء ومناقشة ما عارض من آراء، لأن هدفى -
فى هذه المرحلة- ليس هو الجدال النظرى والاستعراض العقلى، ولكنى
أرجو أن يكون فى هذه الدراسة من الأصالة ما يعين الطبيب
النفسى بوجه خاص، ويعين كل من آلمه ما آل إليه مفهوم 'ماهية
إنسان'، فيعيد النظر، فإذا وصل إليهم ما عنيته، فعندى أمل شديد
لفتح آفاق تطبيقية متواضعة تسهم فى المسيرة بمسئولية أعمق من
التراشق بالآراء.
ومع
هذا التعميم اللازم أرجع لأدخل إلى حلقة تخصصى بمحض إرادتى لأحدد
الحديث عن بعض التطبيقات المحتملة فى ثلاث مجالات أساسية هى:
1 - التشخيص.
2 - العلاج.
3 - البحث العلمى.
ورغم علمى بأنى أقع فى نفس الخطأ الذى حذرت
منه فى البداية، وأنى بالتزامى بمناقشة اللغة السائدة واستعمالها
قد أضيق على فكرى حتى لا أقول شيئا ذا بال فى نهاية النهاية،
إلا أن هذه المخاطرة أفضل بكثير من مخاطرة الحديث بلغة
جديدة تماما وبديهى أن ما سأورده هنا هو مجرد خطوط عامة
لأن كل موضوع من هذه المواضيع يحتاج كتابا بأكمله أرجو أن
أتمكن من الوفاء بحقه بإذن الله.
أولا: فى مجال التشخيص
لاحظنا طوال الدراسة أننا لم نتناول
الأمراض بطريقة تقليدية، كما أننا لم ندرس كل الأمراض دراسة
منهجية وذلك لسببين أولهما: أن الدراسة أساسا هى شرح
لمتن شعرى وثانيهما: أن تناول كل الزملات المرضية من
منظور سيكوباثولوجى يلزمه عدة مجلدات فضلا عن أن كل حالة
فردية بذاتها، مهما اتفق التشخيص يمكن أن يكون لها تركيبها
السيكوباثولوجى الخاص.
ومع ذلك فقد لاحظنا كذلك أنه ما من
مرض تناولناه بشكل منهجى لا وقدمنا تقسيما له مختلفا تمام الاختلاف
عن التقسيم المألوف.
وأبدأ بالإشارة إلى بعض جوانب موقف
التقسيم التقليدى للمرض النفسى فأقول([2]):
إن
التشخيص وظيفتين أساسيتين على وجه التحديد:
1 - الاقتصاد Economyوهذا
يعنى أن نوجز فى كلمة أو جملة ما نعنى به مجموعة من الصفات
المتلازمة والمعلومات المتجمعة، وذلك بديلا عن عرض كل هذه
الصفات فى شكل مفصل لا يسمح به الوقت ولا يمكن معه التواصل،
وحتى يقوم بهذه الوظيفة بكفاءة لابد أن يكون جامعا مانعا.
2 - التواصل Communication وهو
أن التشخيص يسعى إلى إقرار لغة مشتركة، بحيث يصبح ما يعنيه
آخر حتى ولو لم يلتقيا، ومن خلال هذا الإتفاق، يمكن نقل
الخبرة وتوفير الجهد وتقريب وجهات النظر وتحديد أوجه الاختلاف.
ويترتب على التشخيص عواقب لا حدود
لها:
1 - فهو يؤثر على موقف
الطبيب إزاء مريضه تفاؤلا وترددا وتشاؤما إذا يؤثر على التنبؤ
والمسار.
2 - وهو يؤثر على خطة العلاج
فى كل لحظة.
3 - وهو يؤثر على خطة
الحياة قبل وبعد العلاج.
4 - وهو يؤثر على حرية
المريض وكرامته.
5 - وهو يحدد - أحيانا -
احتمال عودة المرض من عدمه.
6 - وهو يؤثر أبلغ
التأثير وأخطره على البحث العلمى ومدى إمكانية تعميم ونقل
نتائجه.
وبعـد:
فبمراجعة التشخيصات السائدة فى الأمراض
النفسية([3])
وطريقة التعامل بها نجد أنها من أقل الأمور دلالة، وربما من أقلها
تأثيرا فى كل ما ينبغى أن تؤثر فيه، ولست هنا فى مجال تعداد
أوجه القصور كلها ولكنى سأورد أمثلة محددة من واقع دليل
تشخيص الأمراض النفسية الصادر عن الجمعية المصرية للطب النفسى
لعام 1979 باللغتين الانجليزية والعربية معا وسأطرح
جانبا-ومرحليا-الأمراض النفسية والعقلية المقترنة بالزملات
العضوية المخية، لأن هذه الدراسة لم تتناولها، علما بأن تصنيف
تشخيصاتها قاصر أيضا أشد القصور.
فإذا اقتصرنا على الزملات التى تناولتها
الدراسة فسوف نرى أمثلة توضح كيف أن التشخيصات التقليدية
السائدة تكاد تكون عاجزة عن الوفاء بما وضعت من أجله عجزا
لا يصلح معه إصلاح جزئى بإضافة زملة، أو تغيير اسم زملة أخرى
أو حذف زملة ثالثة... وجدير بنا أن نورد بعض الأمثلة
الموضحة أولا:
1 - يدرج الهوس والاكتئاب
تحت فئة رئيسية واحدة (6 صفر) حتى لو لم يصب المريض إلا
بنوبات اكتئاب خالصة طول حياته، ورغم أن علاجها مختلف،
وسيكوباثولوجياتها مختلفة ونتاجهما مختلف.
2
- لا توجد زملة قائمة بذاتها اسمها
'الذهان الدور ى"مع أنها- من خلال هذه الدراسة والمشاهدات
الكلينيكية عامة - هى الأصل، فالمرض النفسى لا تظل حدته كما هى
طول الوقت، وأغلب الأمراض إما دورى أو متفتر Intermittent وقليل
منها هو التمادى فى الإزمان والتدهور دون طباق إو إفاقة، فإذا
ما قابلنا ذهانا دوريا من أى نوع آخر غير الهوس والاكتئاب
فإنه عادة ما يوضع تحت فئة الهوس والاكتئاب (أخرى) (6 صفر / 9)
رغم أن الدورة قد لا تشمل أعراض الهوس ولا أعراض
الاكتئاب!!!.
3 - يوجد تحت نفس الفئة،
المرض ونقيضه، من حيث العلاج والمسار والموقف... الخ ومثال ذلك
أن 'المرض الاكتئابى الذى لم يتعين فى مواضع أخر ى"(صفر 6 /
5) والذى أسماه آخرون كما ورد فى حاشية الدليل (الاكتئاب المزمن
والمتراكم القلق) أقول إن هذا المرض بالوصف الذى ورد به يكاد
يكون نقيض 'مرض الهوس الاكتئاب: النوع الاكتئاب ى"(صفر 6 /
صفر) كذلك فإن 'الفصام الاستهلالى' (7 صفر/ 1) يكاد يكون نقيض
الفصام الهيبفرينى (7 صفر / 5) وكما أن نوبة البارانويا الحادة
وتحت الحادة (1 صفر / صفر) تكاد تكون نقيض البارانويا (1 صفر /
6).. وأعنى نقيضها علاجا ومسارا ونتاجا معا.
4 - يوجد خلط هائل فى
الألفاظ التى لا تساعد - مهما حاولنا شرحها-على أن يقوم
التشخيص بدوره الجامع المانع التواصلى وذلك مثل استعمال: 'الذهان'
فى مقابل 'العصاب'، ثم استعمال 'الذهان' فى مقابل 'غير Nonpsychotic ثم استعمال كلمة 'حالات' (البارانويا مثلا) دون تحديد
إلى أى الفئتين تنتمى، ثم استعمال كلمة مرض (أمراض الهوس
والاكتئاب) دون تحديد أيضا هل كلمة مرض تعنى ذهانا أو
عصابا.. أو غير ذلك.
ولن أستطرد أكثر من هذا لأن الأولى فى
هذه الخطوط العريضة أن نرى البديل الذى قدمته هذه الدراسة،
تاركين الدراسة النقدية جانبا فى المرحلة الحالية، وسوف أدخل
مباشرة إلى الاقتراحات التطبيقية مذكرا القارئ بكل شدة بما أطلت
فيه فى مقدمة هذا الفصل من أن تطبيق أى رأى- أو حتى
فهمه - يحتاج إلى ممارسة ترشده إلى ما يعنى التنظير، وأن ما
نقترحه هذه الدراسة يحتاج فى المقام الأول إعداد من يقوم به
إعدادا سليما بما فى ذلك موقفه من ماهية الإنسان ومسار نموه
شخصيا.
ونخاطر فنبدأ بالقول:
على من يتعرض لتشخيص الأمراض النفسية أن
يواجه نفسه، مهما بلغت قسوة المواجهة، بأسئلة محدودة ومرشدة عن:
من هو الإنسان، وما هى خطواته السليمة على الطريق، وماذا يعيقه؟
وعلى أى صورة تظهر هذه الاعاقة؟
ثم يبدأ الشخص يتحسس طريقه بأن يحدد
أولا وقبل كل شئ زملتين أساسيتين لم تردا فى هذه الدراسة،
وسوف نتناولهما بالتفصيل فما بعد مع الدراسة المستقلة عن
التشخيص، ألا وهما: الذهانات (والحالات غير الذهانية) المقترنة
بالزملات العضوية المخية، ثم التأخر العقلى.
وتحدد هذه الزملات أساسا (1) بالتقدير
الكمى لاضطراب الوظائف العقلية (ب) وباكتشاف السبب العضوى
إن وجد (جـ) وبتتبع آثاره تشريحيا إن أمكن (د) بالفشل
الكامل للمشخص الخبير أن يجد للمرض وأغراضه معنى غائيا يمكن
تفسيره سيكوباثولوجيا تفسيرا سلسا (هـ) وبمحاولة المريض تخطى
العجز الناشئ منها.
وهذا التحديد المبدئى لهاتين الفئتين
مفيد فى بداية التشخيص وضرورى، ليبدأ بعد ذلك تسلسل التفكير،
بعد استبعادهما، بلغة أخرى، هى لغة النمو والنشاط البيولوجى بديلا
عن لغة 'التلف والتعويض'.
ثم تصبح المشكلة موجهة من منظور تطورى
إلى تحديد تقسيمين أساسيين ترددا طوال هذه الدراسة وهما:
1- الاضطرابات النشطة بيولوجيا([4]Biologically active
disorders
2- الاضطرابات المستتبة([5])Established disorders
وهذه التفرقة شديدة الأهمية بالنسبة
للعقاقير التى تعطى، والعلاج النفسى المناسب، ومدى المسئولية، وطبيعة
المسار.
ولابد أن نعترف أنه ما لم يؤثر
تشخيص ما على كل هذه الخطوات فلا مبرر له من الناحية
التطبيقية، ومثال ذلك أن الفرق بين تشخيص الفصام البارنوى مثلا،
أو الفصام المزمن غير المتميز ليس له بالغ الأثر على هذه
الأبعاد جميعا، فى حين أن الفرق بين الفصام البيولوجى النشط
والفصام المستتب، هو فرق فى الموقف والمفهوم وخطة العلاج وتوقع
مسار المرض جميعا.
ثم
ننتقل خطوة نحو تعريف تعبير 'النشطة بيولوجيا' حيث أن أى
كائن حى هو كائن نشط بيولوجيا، ولكننا، نعنى هنا مفهوما محددا
متعلقا بما هية الإنسان وهو أن التوازن البيولوجى المسئول عن
استمرار الحياة ينشط دوريا، ويتبادل نشاطه هذا مع كمون نسبى،
ونحن إنما نعنى - بهده الصفة 'النشطة بيولوجيا'-الأمراض التى
تظهر مصاحبة لهذا النشاط أو كأحد المضاعفات لهذا النشاط الذى
أثير فى ظروف غير مناسبة أؤ فى توقيت غير ملائم.
ويمكن تقسيم كل زملة تقريبا تبعا لهذا
المنظور المؤثر مباشرة فى نوع المرض ومساره وتخطيط العلاج، حيث
أن كل علاج سوف يتوقف على هذا البعد أساسا، وأحيانا
'تماما'; بمعنى أن من الاكتئاب ما هو نشط بيولوجيا ومنه ما
هو مستتب، ومن الفصام ما هو نشط بيولوجيا ومنه ما هو مستتب،
وهكذا وهكذا، وبديهى أننا نحتاج إلى المقاييس الاكلينيكية اللازم
توافرها لتميز هذين النوعين، كما قد تساعدنا مستقبلا مقاييس
سيكومترية وفزيائية متى ماتزايدت الفروض المتعلقة بالنشاط
البيولوجى، وعرفت طبيعتها بشكل أو بآخر.
إذا فنحن لا نملك فى هذه المرحلة من
تطور هذا الفرض إلا أن نعتمد على الحكم الاكلينيكى الذى يعتمد
بدوره على الفاحص، وطول خبرته، ونوعها، ومدى تطوره..، ولا
سبيل-كما قدمت-إلا للاعتراف بهذا القصور الذى يتطلب مسئولية
مضاعفة باستمرار.
أما الفاحص الذى قد يجد هذه المقومات
المميزة بعيدا عن إدراكه حاليا أو مختلطة عليه، فلا بأس عليه،
ولكن ينبغى -إذا أراد الاستفادة من هذا الفرض- أن يواصل
خبرته ونموه معا ثم يعيد طرق الباب، ولا شك أنه سيفتح له
مادام يسعي:
والمرض النشط بيولوجيا بصفة عامة يمكن تقسيمه بالتالى إلى ما يلي:
1- النوع الحاد المغترب:
ومثال ذلك أغلب حالات
الهوس الحاد، ونوبة الفصام الحادة، وحالات البارنويا الحادة.
2-النوع النشط المباشر: ومثال ذلك اكتئاب المواجهة والفصام الاستهلالى، وبعض حالات
البارانويا تحت الحادة، والشخصية النوابية.
3- النوع المستبدل([6]):
ويشمل بعض الأعصبة الحادة والموقفية والدورية وهذه الأنواع
الثلاث جميعا قد تحدث بصورة دورية أو منفترة.
كما يمكن تقسيم المرض المستتب بصفة
عامة إلى الأنواع التالية:
1- النوع الحلوسط المستقر ويشمل أغلب أنواع اضطراب الشخصية وخاصة النمطية
والمنعكسة كما يشمل، الأعصبة المزمنة وخاصة الوسواس القهرى وعصاب
الهيبوكوندريا، وأخيرا فإنه يشمل حالات البارانويا المزمنة.
2- النوع المتفسخ
والمتدهور ويشمل بوجه خاص
الفصام المزن بأنواعه، ونورد هنا مميزات هذين القسمين الكبيرين
بصفة عامة.
ونبدأ بالنوع
النشط بيولوجيا فنقول:
1- إن له فى العادة بداية
واضحة (وليست حادة بالضرورة) ويستحسن البحث عنها فى كل حالة.
2- إنه يحدث مواكبا-أو
بديلا عن-أزمة نمو.
3- إنه يدل على استعادة
نشاط الجزء الكامن فى الشخصية بطريق منافسة ومزاحمة
ومعطلة للجزء الظاهر، وبلغة المخ إنه يدل على نشاط نقطة
انبعاث Pace maker (أو أكثر) بالإضافة إلى نقطة
الانبعاث المسيطرة، أو التى كانت مسيطرة، وبلغة تعدد الذوات
(إريك بيرن) على نشاط شخصوص (أنفس - حالات الأنا) متعددة معا([7]).
4- إن النوع الحاد منه قد يظهر فى شكل أعراض عنيفة
وحادة وفجائية ومفسخة معلنة إفراطا فى الاغتراب.
5- إن النوع النشط منه
قد يظهر فى شكل أعراض وعى مفرط ومزعج، وذهانى أحيانا، ومعطل رغم
أنه يقلل من هوة الاغتراب، إلا أنه تقليل يحرم صاحبه من
دفع الاستمرار 'الروتيني'، ولا يعطى بديلا إيجابيا فى الوقت
المناسب.
6- إن الوظائف
الفسيولوجية لسائر أجهرة الجسم قد تصاب باضطرابات مصاحبة لهذا
النوع النشط، وتظهر أساسا وغالبا فى مجال نشاط الجهاز العصبى
الذاتى.
7- إن النوع الحاد منه
لا يستمر مدة طويلة فى العادة، ويترك غالبا ندبا دائما تمهد
لانتقال المرض مرة بعد مرة إلى النوع المستتب.
8- إن النوع النشط منه
قد يستمر مدة أطول (تصل أحيانا إلى سنوات) وهناك فرصة ضعيفة
- لا توجد أصلا فى النوع الحاد، وهى أن ينقلب هذا النوع بصفة
خاصة إلى أزمة نمو، ومن ثم إلى ولاف أعلى([8]).
9- إن هذا النوع بصفة
عامة يستجيب لأى تدخل كيميائى استجابة حساسة وسريعة.
10- إن هذا النوع أيضا
يستجيب استجابة مباشرة (بغض النظر عن اتجاهها إلى أسوأ أو
أحسن) للصدمات الكهربية.
11- إن النوع النشط منه
يتطلب فى العلاج النفسى موقفا ايجابيا ومسئولا ونشاطا ومواكبا
لا موقفا تسكينيا وتأهيليا ومنسحبا ومتعادلا.
12- إن هذا النشاط البيولوجى قد يستنتج من حدة مظاهر
ضبطه، وهذا ما يسمى النوع المستبدل Substituted فبعض الأعصبة الحادة التى تعنى
الافراط المفاجئ فى استعمال ميكانزمات بذاتها إنما تستعمل هذا
الافراط لمنع هذا النشاط البيولوجى الداخلى من الظهور، وبالتالى
فإنها تصبح بديلا لهذا النشاط ودالة عليه، رغم أن الصورة
الكلينيكية لا تشير مباشرة إلى هذا النشاط البيولوجى الداخلى،
وهذا النوع بالذات لا يستجيب للتدخل الكيميائى على مستوى العمق،
ذلك لأن الاستبدال الدفاعى ينجح لدرجة يهمد معها النشاط الأعمق،
ولكنه يستجيب لدرجة متوسطة للتدخل الكيميائى المسكن السطحى.
أما المرض
المستتب فيمكن أن نتبين
فيه بصفة عامة ما يلى:
1- أنه 'وجود' مرضى
كامل وليس 'مرضا حادثا'، وهو يعنى سوء تنظيم للشخصية أخذ
شكلا (نمطا) ثابتا أو متزايدا فى التدهور، وبالتالى فهو ليس
نشاطا استجد، وإنما هو سوء تنظيم استقر (عادة بعد فترة
نشطة).
2- إن بدايته بعيدة حتى
لتكاد تغوص فيما جرى ولا تتبين إلا بفحص خاص ودقيق.
3- إنه بمجرد حدوثه
يتوقف النمو تماما، بل وقد تصبح المسيرة متجهة إلى التدهور
بدل العكس، فإذا حدثت تهيجات مرضية مقابلة لأزمات النمو،
فهى-فى العادة- تهيجات تنازلية تفسخية، وليست تصعيدية ولافية.
4- إنه
يحدث-عادة-كنتيجة للمرض النشط بيولوجيا (بأنواعه).
5- إنه لا يستجيب عادة للعلاج الكيميائى (أو الكهربائى)
ما لم يستعد نشاطه بطرق علاجية أخرى بصفة تمهيدية.
6- إن العلاج
النفسي-بالمعنى المباشر-لا يصلح فيه بدون تأهيل طويل وضغط
مناسب، وعلاقة مخترقة، تهدف جميعا إلى تنشيطه أولا.
7- إن الاغتراب فيه
مضاعف، ومدى الوعى ضيق وشديد التشويه.
8- إن الوظائف
الفسيولوجية تكاد تكون عادية لأنها أعادت تنظيم نفسها على هذا
المستوى المستتب الجديد.
9- إنه مزمن بالضرورة (وحتى النهاية) وقد تتغير تفاصيل
أشكاله الظاهرية، إلا أنه لا ينتهى أبدا ما لم يستعد النشاط
فورت فتلوح فرصة إعادة تنظيم جديدة.
10- إن توقع سير المرض Prognosis فى
هذا النوع سئ ومثبط؟
* * *
وهكذا نجد أن هذه الدراسة تؤكد أهمية
أن تطرح سؤالا عمليا ومباشرا بعد كل اسم تشخيص تقليدى أياكان
أصله ومرجعه، يقول: 'هل هذا التشخيص (الاكتئاب مثلا) من النوع
النشط بيولوجيا أو المستتب([9])؟
ويتم فحص المريض من خلال ما قدمنا من مميزات فارقة، متذكرين
فى كل حال المراحل الوسط بينهما، ومراحل الانتقال كذلك. ولست
فى هذا المقام المحدود فى موقع يسمح بإعادة طرح كل التشخيصات
فى صورتها الجديدة من خلال هذا البعد، ولكنى سأكتفى بتغطية معظم
ما ورد فى هذه الدراسة وتحت أى الأصناف تندرج.
فمن الأمراض النشطة بيولوجيا (مباشرة)
التى وردت فى هذه الدراسة وننصح بمراجعتها فى أماكنها ما
يلى:
الأزمة المفترقية (ص43)، وعى (يقظة)
المجنون (ص44) رهاب الجنون، (ص118) رهاب فقد التحكم (ص119)
ورهاب الخوف من الضياح (ص112)، وكثير من الرهابات الأخرى
(ص110-ص119).. الذى يتوقف مدى كونها نشاط بيولوجيا مباشرا أو
مستبدلا على مدى العقلنة التى امتصت النشاط البيولوجى فى كل منها،
ثم الاكتئاب العصافى الدفاعى ص153: بصفته من النوع المستبدل غير
المباشر) والاكتئاب الدورى البيولوجى (ص156) واكتئآب المواجهة
الولافى (ص156) ثم أنواع الهوس بقطبيه (ص211-ص221) (فيما عدا
الهوس المزمن الذى لم يرد فى هذه الدراسة بشكل واضح) وكذلك
حالات البارانويا البيولوجية النشطة (ص278) وتشمل حالات
البارانويا الدورية (ص279) وحالات
البارانويا الراجعة المتفترة (ص279) وأيضا الفصام البيولوجى النشط
(ص336) والفصام البيولوجى الحاد التدهورى (ص338) ويشمل النوبة الفصامية
الحادة غير المميزة ص338) والفصام الراجع المتفتر (ص337)
والفصام الكاتانونى (ص339) ثم اضطرابات الشخصية الدالة على إجهاض
نبضة النمو (ص473) وتشمل الشخصية الانفجارية (ص474) والشخصية
العاصفية (ص474) وهوس السرقة المرض (ص475) ونوبات التيجر الكحولى
(ص475) والانغماس الجنسى النزوى (ص475) وهوس الحرق المرض (ص476)
ثم اضطرابات الشخصية الدالة على إفراط نبضى مغلق بديلا عن
النشاط النبضى اللولبى النامى (ص476) وتشمل الشخصية الفرحاانقباضية
(ص477) والشخصية المغير انسحابية (ص478) والشخصية الشكاحتوائية
(ص478) وإلى درجة أقل: اضطرابات الشخصية الدالة على تأخر النمو
وتعثره وتماوجه (ص457-ص460).
أما ما عن الأمراض المستتبة فيمكن أن
يتتبع القارئ ما ورد طوال هذه الدراسة فى المواقع التالية،
كأمثلة:
الحياة العصابية (الكمية) المعاصرة (ص73)
العصاب الوسواسى القهرى (ص120)، هوس النظافة (ص130) العصاب المزمن
واضطرابات الشخصية، الاكتئاب التبريرى العدمى (ص154) الاكتئاب الراكد
المذنب (ص155) الاكتئآب التعودى الطبعى (ص155) الذهان النكوصى
(ص213) حالات البارانويا المستتبة (ص280) وتشمل حالات البارانويا
الودودة الضحوكة (ص289) وحالات البارانويا القاسية الساخرة (ص281)
وحالات البارانويا المعتمدة اللاصقة (ص281)، الفصام الحلوسط
(ص340)، ولافصام النكوصى قليل الأعراض (ص341) والفصام المستتب
المتدهور (ص341) ومكافئات الفصام (ص342) ثم اضطرابات الشخصية
الدالة على تجمد النضج وتصلبه (ص461) وتشمل الشخصية الشبفصامية
(ص463) والشخصية البارنوية (ص464) والشخصية الاكتئابية (ص465)
والشخصية الوسواسية (ص466) والشخصية الهيبوكوندرية (ص467) والشخصية
المضادة للمجتمع (ص467) والشخصية العاجزة (ص468) والشخصية السلبية
المعتمدة (ص468) والشخصية التحهوسية (ص468) والجنسية المثلية
المطلقة (ص469)-وكذلك اضطرابات الشخصية الدالة على انحراف مسار
النضج (ص470) وتشمل بعض أنواع الشذوذ الجنسى (ص472) والشخصية
المغايرة للمجتمع (ص472) والاغتراب الهواياتى (ص472) والشخصية
المتمارضة (ص472) وأخيرا اضطرابات الشخصية الدالة على نمو معكوس
(ص479) وتشمل الشخصية الانفصامية (ص481) والشخصية البارنويكية (482)
والشخصية المجرمة المتحجرة (ص482) والشخصية السيكوباتية (ص483)
والشخصية الذهانية غير المتميزة (ص483).
* * *
وبعد.
فإنه يستحيل فى هذه الخلاصة أن نفصل
المدى الذى يمكن أن يظهر فيه النشاط البيولوجى ودرجات حدته
وأنواعه المغتربة والمباشرة والمستبدلة (ثم المتماوجة) وكذلك المدى
الذى يمكن أن يصل إليه سوء التنظيم Maloganization المستتب،
فلهذه جميعا دراسة مطولة أخرى ليس هذا حينها، إلا أنه يجدر
بنا أن نشير إلى بعض الخطوط العريضة التى قد تساعد مبدئيا فى
تحديد نوع ومدى النشاط البيولوجى الذى يحدد بشكل مباشر خطة
العلاج، وكذلك إلى بعض الإيضاحات الإضافية التى تتعلق بموقع
الاضطرابات الطبنفسية للصرع (4 صفر / الدليل المصرى 1979).
الخطوط العريضة لتحديد مدى نوع النشاط
البيولوجى: بالإضافة إلى ما
ذكرنا فى المميزات العامة يمكن إضافة بعض المظاهر المساعدة
لتحديد هذا النشاط:
1- لابد من تمييز النشاط
السطحى (القهرى أحيانا) من النشاط البيولوجى الأعمق فأحيانا ما
يكون النشاط السلوكى فى شكل هياج حركى هو مجرد عدوان
عادى (سادى فى العادة) غير دال على نشاط داخلى مقابل، وأحيانا
ما يسمى مثل هذا لهياج بالهياج السيكوباتى
(psychopathic Excitement) لأنه يحدث أكثر ما يحدث فى الحالات
السيكوباتية وخاصة عند ما يقع الشخص فى مأزق لا مخرج منه،
وقد يعد مثل هذا النشاط استبدالا لنشاط بيولوجى أعمق إلا أنه
غالبا ما يكون مجرد مظهر سلوكى للنشاط القائم فعلا دون حاجة
إلى اعتبار وجود نشاط داخلى أصلى.
2- قد تبدأ الخبرة
المرضية نشطة بيولوجيا بشكل مباشر وصريح، ولكن سرعان ما تمتصها
خبرة عقلانية بديلة، ومثال ذلك حين يبدأ الشعور بالخوف الحقيقى
من النشاط الداخلى فى شكل 'رهاب الجنون' أو 'رهاب الضياع' أو
'رهاب فقد التحكم' ثم تعقلن الخبرة وتسقط إلى الخارج فتصبح
عصابا قهريا وسواسيا يشمل فكرة الخوف المتكرر ولكن بأقل درجة
من المصاحبات الفسيولوجية والمعايشة، والحالة الأولى تستجيب
للعقاقير بشكل مباشر ورائع، والحالة الثانية لا تستجيب، وهذا
بديهى حسب الفرض المطروح.
3- عادة ما يصاحب النوع
النشط المباشر (لا المغترب ولا المستبدل) درجة من الربكة
والرهبة والخوف وذلك دلالة على أصالة الخبرة الدالة على معايشة
نشاط جديد عليه تماما كان كامنا حتى أثير([10]).
4- إن مقياس النوم
والأحلام مقياس مساعد، ولكنه ما لم يؤخذ كجزء من كل، قد
يضلل، ففى الحالات النشطة بيولوجيا عادة ما يقل النوم بشكل
ملحوظ، وإذا ما قل أكثر فأكثر قرب نهاية النوم فإنه يدل على
نشاط داخلى أكثر، أما الأحلام فإن فى هذه الأمراض المفروض أنها
تزيد مع قلة النوم ولكن فى مجموعها تقل كميتها لقلة النوم
ككل، وبالتالى لا تؤدى وظيفتها كصمام أمن وتفريغ فسيولوجى مباشر،
إلا أن قياسها كلينيكيا صعب، لأن المهم-كما ذكرنا-ليست
الأحلام المروية ولكن ظاهرة الأحلام ذاتها، التى لا يمكن قياسها
إلا برسام المخ المستمر وهذا إجراء بحثى، لا يصلح تشخيصا
روتينيا بحال من الأحوال، وإلى أن توجد الطريقة المناسبة
(اللاسلكية فى الأغلب) لقياسها فلابد أن نكتفى بالافتراض، وعلى
النقيض من ذلك فإن الافراط المتزايد فى النوم قد يدل أيضا
على نشاط بيولوجى لأن هذا الافراط يؤدى وظيفتين الأولى
فرصة تعويضية لإتاحة مزيد من كم الأحلام والثانية: هرب
ظاهرى من ضغوط اليقظة.
أما
فى الأمراض المستتبة فقد تكون كمية النوم والأحلام طبيعية
تماما أو زائدة قليلا.
5-
قد يحتاج الأمر لتحديد مدى وجود النشاط البيولوجى (مع قلة
مظاهره فى مظاهر السلوك فى الصورة الكلينيكية) أو لتحديد ما
إذا كان السلوك النشط (حتى الهياج) سلوكا دالا على نشاط
بيولوجى داخلى أم على تهيج سلوكى ظاهرى.. أقول قد يحتاج الأمر
إلى مايعرفه الأطباء باسم 'الاختبار العلاجى"Therapeutic Test
وتفصيل ذلك:
أصل الاختبار العلاجى هو أن يوجد عقار
(أو أسلوب علاجى) خاص تماما بذاته أو يعرض بذاته، فإذا
كان الأمر مختلطا عند التشخيص، فإن هذا العقار يعطى تجريبيا،
فإذا استجاب له المريض واختفى المرض (أو العرض) تبينا أن هذا
المرض كان هو الموجود بدليل أن هذا العقار الخاص به قد قضى
عليه تماما، ومثال ذلك أن اختار الطبيب فى غيبوبة مريض السكر
هل هى نتيجة لزيادة السكر (والاسيتون) فى الدم أم لنقصه نتيجة
لجرعة زائدة فى الانسولين أو خلافه، فإنه قد يعطى المريض
جلوكوزا مركزا فى الوريد، فإذا أفاق المريض فإن التشخيص يثبت
أنه كان غيبوبة إنسوسين (نقص سكر).، ومثال آخر إذا كان ثمة
طفح جلدى قد يكون مظهرا لحساسية معينة أو التهاب بذاته، فإذا
أعطى المريض مضادا للحساسية واختفى فقد كان مرض حساسية، وإذا
لم يختف فقد يرجع الالتهاب.. وهكذا، وبديهى أن الأمور فى
ممارسة الطب لا تسير بهذه السهولة مثل جدول الضرب، إلا أنى
أوردت هذه الأمثلة لأوضح طبيعة معنى الاختبار العلاجى.
ولكن فى الأمراض النفسية لا يوجد علاج
خاص لمرض بذاته، مما يجعل قيمة مثل هذا الاختبار
أقل بكثير مما نأمل فيه، هذا إذا كنا نستعمل اللغة التقليدية
فى التشخيص، وقد كان بعض الأطباء ولا سيما قبل حوالى خمس عشر
سنة (قبل إغراق العقل البشرى بأطنان المهدئات الجاهزة) كانوا
يستعملون الصدمات الكهربية اختياريا، ويدرجون من يستجيب لها تحت
فصيلة الهوس والاكتئاب (بأثر رجعى) وقد يعتبرون من لا يستجيب
لها فصاميا وما إلى ذلك، إلا أن هذا الاختبار لم يعدله نفس
القيمة بعد أن تعددت أنواع الاكتئاب غير القابل للشفاء
بالصدمات، وبعد أن تحسنت النظرة للفصام واحتمال شفائه.
ونأتى
الآن للسؤال: ما هو موقف اختبار العلاج بصفة عامة بالنسبة
للمرض الذى تقدمه هذه الدراسة؟ والإجابة من واقع خبرتى
الكينيكية تقول([11]):
1- إن الأمراض التى
تستجيب بشكل واضح ومحدد (ونوعى فى الأغلب) للصدمات الكهربية،
وخاصة الأولى والثانية والثالثة إنما ترجع وجود نشاط بيولوجى حاد
مغترب، أو نشط مباشر.
2- إن الأمراض التى
تستجيب للعقاقير التى تعمل على المستويات الأقدم من المخ (أساسا
الفينوثيازين وما يقابل مستواه) تدل على أن هناك نشاطا
بيولوجيا قائما بدرجة ما، وإن كان هذا الاختبار أقل بكثير من
سابقة للأسباب التالية:
(أ) إن الأمراض المستتبة تتضمن بالضرورة نشاط الجزء
الأقدم حتى وإن تلوث واستقر ظاهريا.
(ب) إن مفعول هذه العقاقير طويل المدى قد يؤثر إن
آجلا أو عاجلا على هذا النشاط الأقدم حتى فى الأمراض
المستتبة.
لذلك فإن المهم فى هذا الاختبار العلاجى
هو 'الاستجابة السريعة (خلال أيام) المحددة نوعيا' وليس
التهدئة العامة أؤ البلادة الحافية لما تحتها من أعراض.
3- إن الأمراض التى لا
تستجيب لكميات هائلة من هذه العقاقير التى تعمل على المستوى
الأقدم من المخ إنما تدل على احتمال عنف هذا النشاط واختفائه
فى الظاهر السلوكى تلوثا مع المستوى العادى بحيث يصعب الإطاحة
به (أو حتى الوصول إليه كنشاط مستقل)، وهذه الاستجابة قد تدل
على مرض مستتب تماما إما فى صورة اضطراب شخصية أو ذهان مزمن
مستتب (فصام فى العادة).
4- إن الأمراض
(المستبدلة) التى تستجيب للعقاقير الكيميائية تدل على نشاط بيولوجى
أعمق مضبوط بنشاط بديل حى، وليس مجرد فرط فى الميكانزمات
الضابطة المعقلنة، ومثال ذلك أن الرهاب المصاحب باضطراب أتونومية
autonomicومعايشة،
يستجيب لعقار البارستيلين (هو عقار مكون من 10 مجم مثبط لأحادى
الأمينات + MAOI واحد
مليجرام ستيلازبن (تريفلوبيرازين))، وبالتالى فإنه يبدو أن عقار
الستيلازين يعمل على المستوى الأقدم بشكل متواضع (بقدر ما تبقى
من نشاط داخلى مثير لم يضبط)، كما يعمل عقار البارنات parnate على
المستوى الأتونومى الضابط إذ يقوم بعملية فض اشتبك بين فكرة
الخوف ومصاحباتها الأتونومية، وبالتالى يوقف الحلقة المفرغة، ويحدث
ما يمكن أن يسمى 'فض تشريط كيميائى Chemical Deconditioning
وهذه تزاوج للعلاج السلوكى مع العلاج الكيميائى مبنى على هذا
الفرض التى طرحته هذه الدراسة (تفسير بأثر رجعى، وليس محدد
ابتداء)، وفى المقابل نجد أن المخاوف التى لا تستجيب لهذا
العقار إنما تدل على طبيعتها المعقلنة وأنها غير مصحوبة بنشاط داخلى
أو خارجى فى متناول الضبط الكيميائى..، ويصبح تشخيصها أقرب إلى
المخاوف التى لابد أن تنتج تحت مخاوف عصاب القهر التسلطى
(راجع ص109، 110).
5- كنت أود أن أضيف
العلاج النفسى 'كاختبار علاج ى"إلا زنى ترددت كثيرا لاختلاف
كلمة العلاج النفسى من مدرسة لمدرسة، وعدم تخصيص نوع بذاته
لمرض بذاته... الخ وإن كان لا مفر من بعض الإشارات:
(أ) إن الأمراض النشطة بيولوجيا لا تواصل العلاج النفسى،
إلا النوع الأعمق منه الذى يكون القائم به فى حالة نشاط
مقابل، وإن كان المفروض فيه أن يكون على الطريق الصاعد لزوما
ومسئولية.
(ب) إن الأعراض التى تستمر مدة طويلة فيما يسمى التحليل
النفسى (سنوات) وخاصة التقليدى منه، يمكن أن تندرج (بأثر رجعى
نتيجة لاختيار هذا العلاج) تحت نوع من أنواع اضطراب الشخصية
أساسا، وخاصة النوع الوسواسى والشبفصامى، وبالتالى فهى من الأمراض
المستتبة، أو أن هذا النوع من العلاج يساعد على تحويلها -
للأسف من الأمراض النشطة إلى الأمراض المستتبة مع تراجع
الأعراض النشطة واستتباب التركيب النمطى الخفى.
(جـ)
إن المريض الذى يرفض علاجا من 'معالج مستتب'،
قد يعنى أنه يعانى من مرض نشط، والعكس صحيح، فالمريض الذى يرفض
علاجا من 'معالج نشط' قد يعنى أنه يعانى من 'مرض مستتب'
يريد له أن يزيد استتبابا لا أن يقلقل.. وهكذا.
وأكتفى بهذا القدر لأنها مجرد عينات لا
أكثر ولا أقل تشير بطريقة عملية، مع أقل قدر من التنظير إلى
أهمية هذا الفرض فى التطبيق، لأننا لاحظنا كيف أن الأهم فى
التشخيص (والعلاج) ليس أن المريض عنده اكتئاب أم غير ذلك، ولكن
هو أن هذا الاكتئاب نشط أم مستتب.
* * *
علاقة "الاضطرابات الطبنفسية
للصرع"، بهذا الفرض:
طوال هذه الدراسة حاولنا أن نربط بين
النوم والأحلام والمرض النفسى، وكان هذا الربط من خلال فهم
الطبيعة النبضية الدورية لنمو الإنسان([12])، سواء فى
شكلها السوى المنتظم (اليقظة-النوم-الأحلام)، أو فى النبضات
الجسمية النوابية (المرض النفسى الدورى) Periodical mental illness أو فى
الإجهاض النزوى المعوق (اضطرابات الشخصية الدالة على إجهاض نبضة
النمو فى نشاط اندفاعى نزوى ص 473-476) أو فى الاجهاض المشوه
الذى تتفسه فيه الشخصية ويساء إعادة تنظيمها (الفصام المستتب
وحالات البارانويا المزمنة.. الخ)، ولكى نستكمل الصورة يستحسن
أن ندرك أين يقع الصرع، ومصاحباته فى هذه المسيرة:
ومن واقع خبرتى الكلينيكية بهذا الصدد،
وفى حدود هذه الخطوط العريضة من خلاصة هذه الدراسة أقول([13]):
1- إن الصرع هو نوع من الاندفاعة المخية المفردة
الزائدة Solitary cephalic extrasystole (التى تتكرر، وقد تتعاقب).
2- إن مصدر هذه
الاندفاعة هو أى نقطة ذات عتبة threshold منخفضة
لمسار النبضة.
3- إن هذه النقطة قد
توجد نتيجة التهاب أو إصابة أو وراثة أو نقص خلقى أو دون
سبب ظاهر.
4- إن آثار هذه
الاندفاعة الزائد Extrasystole ونتاجها
السلوكى يتوقف على مكان البؤرة ومسارها فى نيورونات معينة قد
تقتصر على هزة فى آلعضلات، أو غيبوبة فى الوعى، أو سلوك حركى
أو نفسى معقد.
5- إن وظيفة هذه
الاندفاعة الزائدة قد تكون وظيفة صمام أمن يفرغ أى نبضة
عظيمة غيرمعدلها إعدادا مناسبا، وبالتالى فهى قد تحفظ تماسك
الشخصية إذا لم تتكرر كثيرا وكانت مناسبة ومفهومة ومقبول
دورها من صاحبها.
6- ولكنها قد تكون
مخلخلة للتنظيم السائد، إذا ما تكررت وأفسدت أى استيعاب
للاندفاعة السابقة بما يترتب عليه سوء تنظيم متزايد فى صورة اضطراب
الشخصية المصاحب للصرع أو الذهان الصرعى (قريب الشبه بالفصام).
7- إنها أحيانا تتبادل
مع - وتساعد فى إطلاق - نبضة ولافية بناءة تظهر فى صورة إبداع
فنى أو خلق ثورى، وهذا ما يفسر تواتر الصرع فى كثير من
المبدعين مثل دستويفسكى.
8- إن التخلص منها أو
الحفاظ عليها أو السعى إلى إطلاق الطاقة فى بديل خلاق، يتوقف
كل ذلك على دراسة وظيفتها لكل حالة على حدة، وعلى احتمال
المريض وتفهمه طبيعتها، وعلى وجود المجال البديل لاطلاق الطاقة،
وعلى توافر إمكانيات ذلك، وعلى أى حال فإن العلاقة 'ذات المعن
ى"الغنية 'بالرسالة والعائد' قد تكون مخرجا ملائما بديلا
عن هذه الاندفاعة الزائدة أيضا([14][14]).
9- إن ظهور تغيرات شبه
صرعية فى رسام المخ الكهربائى فى بداية ظهور الفصام وقرب نهاية
تحسنه، ثم وجود مثل هذه التغيرات وأحيانا الصرع الصريح
كلينيكيا مع، ومتبادلا مع، المرض النفسى الدورى، وأخيرا وجود مثل
هذه التغيرات مع اضطرابات الشخصية النزوية المشار إليها.. كل
ذلك يشير إلى هذه العلاقة التبادلية الوثيقة([15]).
ثانيا: فى مجال العلاج
قلت فى ما مضى إنى أتقدم بهذا الفرض
بهدف عملى محدد، فى نطاق حرفة فنية لها أسس فلسفية وعلمية
وتطبيقات يومية وملحة، وعلى ذلك فإن الحديث عن التطبيقات
العلاجية هو صلب العمل كله لا محالة - من وجهة نظرى على
الأقل.
والذى مارس العلاج للمئات والألوف وعشرات
الألوف، والذى عايش الآلام المزلزلة والفشل المخل ليل ونهار،
والذى لم تفصله مهنته عن ذاته بل زادته، واجهة، ولم يفصله
مرضاه عن مجتمعه بل زادوه اقترابا ومقارنة يومية ومزعجة، أى
باختصار كما ذكرت فى مقدمة لهذا الفصل: الذى يده فى النار،
ويعرف أن علاج المرض النفسى: لا يصلح معه تعميم غير
مسئول، ولا يمكن تناوله بطريقة المفاصلات الطفلية، ولا يليق أن
يكون حماسا نظريا بلا متابعة أو تقويم مستمر.
وعلى أى حال فينبغى ألا تكون كلمة
العلاج بهذا الغموض الشائع الذى يجمع بين علاج يستغرق سنوات
طويلة: ساعات بلا عدد وكلام بلا نهاية وعلم يستغرق تحية
صباح أو بضعة أقراص أو قائمة انتظار، فالعلاج مستويات تتحدد
بالهدف منه الذى يحدد بدوره طريقته، فهناك (1) العلاج الوقائى،
(ب) والعلاج المؤهل القائم به، (جـ) والعلاج البحثى والتجريبى
(د) والعلاج المنتقى والخاص (هـ) ثم علاج المجاميع الغقيرة
اللازم والملح. وأى خلط بين هذه المستويات لابد وأن يعلن
موقف من يتناول هذه المستويات: أهو معالج بحق، أم هو منظر
متأمل، أم هو متغافل مدافع، أم هو ناقد ساخر لم يعالج حالة
واحدة فى حياته (أو فى الكثير بصعة حالات).. الخ.
ولا أستطيع من موقعى هذا أن أصدر فى
هذا الموضوع أحكاما عامة، وكل ما أستطيع تقديمه هو واقع خبرتى
وممارستى عبر عشرين عاما فى واقع بلدى الخاص، مع بعض ما يصلنى
من ممارسات مغايرة، بالإضافة إلى إطلاع نظرى، فإذا كان فى ما
أقول بعد ذلك ما يستأهل التعميم أو نقل الخبرة، فهى مسئولية
من يفعل ذلك فى حدود المجال الذى يختاره، ويجدر بنا أن نقدم
العلاج الوقائى وعلاقته بهذه الدراسة أولا فى لمحة سريعة.
لاحظنا فى هذه الدراسة أننا تناولنا
الحياة العادية بالوصف والنقد والتشريح كما تناولنا فى أكثر من
موقع بعض اخطاء التربية وبعض معالم التوجيه السليم، ولما كان
علاج المرض النفسى بالمعنى الحقيقى (للوصول إلى هدف إنسانى طيب
يليق بمسيرة الإنسان)، لما كان ذلك أمر شديد الصعوبة نادر
الحدوث، فلابد أن نعترف أن أهم ما يقدمه الطب النفسى من
واقع فشله هو أن يعلن للمجالات الأخرى بعض مادته للتعاون
للعمل على منع المرض بمعناه الانهزامى المدمر قبل أن يستفحل
فيستحيل اللحاق به وتعديل مساره، وإذا كانت هذه الدراسة قد
قامت مفهوما للإنسان يؤكد على عدة حقائق أهمها: النمو
المستمر-والنمو النبضى على أطوار-والنمو اللولبى، وقد عرضت فى
كل موقع ماتعنيه بكل هذا، وما يدل على احتمال صحة هذه
الفروض، إذا كان الأمر كذلك، فالوقاية الوحيدة هى إتاحة أحسن
الفرص لتسير هذه المسيرة فى طريقها السوى ما أمكن إلى ذلك
سبيلا.
ونستطيع أن نوجز هذه المعالم الوقائية
من واقع الدراسة وذلك بتأكيد ما توصلنا إليه من حقائق وفروض
تقول:
1- إن صناعة التربية-بمعناها السلوكى المسطح-مستحيلة،
وكان ما يمكن عمله هو أن نطلق مسيرة النمو للكبار قبل
الصغار، فيتلقى نتاجها الجيل التالى مباشرة من خلال 'المواكبة'([16])
الأمينة.
2- إن التنافس بلا
حدود.. خطر على النبض النموى السليم (ص66).
3- إن التخزين القهرى
قد يسلب الطاقة أولا بأول (ص74).
4- إن اللفظنة Verbalism تدعو
إلى تراكم التباعد وتمهد للمرض النفسى.
5- إن حاجة الطفل إلى
التغذية البيولوجية تغذى من خلال 'الحضور النشط'
Active presence وليس من خلال العواطف الامتلاكية أو الاستثمارية
أو الاستعراضية (ص352).
6- إن طغيان العقلنة
على التفكير الابتكارى يخل بتوازن شقى النمو، على أنه لكل ناحية
ترجيحها حسب طور النبضة المخية (ص82، 83..).
7- إن الاغتراب (والحيل
النفسية) ضرورة مرحلية (ص734، 76)، كما أن التعجل بإفشالها
تشويه للمسيرة، وتعجيل بالتسيب دون استعداد كاف أو مجال
مناسب.
8- إن التأجيل والمناورة
فى النمو ضرورى للاستعددا لنبضة منتصف العمر العظيمة، رغم أنهما
خطر (ص 102، 553).
9- إن التناوب حتمى،
وعلى ذلك فإن مفهوم المرونة لازم لإطلاق مسيرة النمو، وهو يأتى
من ممارسة الجيل الأقدم، المسئول، فضيلة 'احتمال تناقض:
التشكيل Structuringوالسماح
Permissiveness معا' (فى نفس الوقت)، بمعنى أن يكون الإطار محددا من
حيث التعليمات والالتزام والمشاركة والأساسيات الواجبة ثم يكون
كسر هذه التعليمات مسموح به على مسئولية من يكسرها، ومع هذه
الحركة التى لا تلوح بخدعة حرية غير موجودة.. وفى نفس الوقت
لا تسحق من يحاول أن يختلف، يتصاعد الديالكتيك الذى يسمح
بالحركة ويعتبر وقاية ضد المرض النفسى.
10- إن النوم والأحلام
هما صمام الأمن الطبيعى (ص70، 637، ...) ولابد من العناية
بالسماح لهما أن يقوما بوظيفتهما الطبيعية دون استغراق انحرافى
فى الاهتمام بالمحتوى المروى بقدر الاهتمام بالوظيفة ذاتها..
والنظر فى عائدها بما تحدث من تنفيث كصمام أمن.. وفى نفس
الوقت إكمال دورة النبضة الحيوية (ص639).
11- إن الذات الإنسانية
'واحدة' فى لحظة مالسلوك ما، وفى نفس الوقت فإن تعددها كامن
وجاهز لإكمال نموها باستمرار، (ص 26) وبالتالى فقبول التناقض
والتذبذب فى حدود متوسطة يعنى نوعا من السماح لا يعجل بتجميد
الشخصية فى نمط ثابت فى فترة مبكرة من الحياة، بحيث يصبح
الناتج اضطراب الشخصية حتى لو سميت الشخصية الثابتة أو القوية،
أو المستقرة، لأن نبضها المستمر سيعوق لا محالة.
12- إن كل ما يخطر على
الفكر هو من واقع الحياة ذاتها، ولا حجر عليه ولكن قبوله
مشروط يتحمل مسئولية معقباته.
13- إن كل أزمة نمو
-وخاصة فى الرضاعة والمراهقة ومنتصف العمر-يخرج منها الإنسان
مختلف نوعيا، وينبغى أن يكون هذا مقبول ومنتظر دون انزعاج أو
رفض، وأن يكون استعددنا للتكيف مع الجديد هو الحافز لنمونا
نحن بدورنا.
14- إن الوراثة عامل
شديد الأهمية بالنسبة للفرد، وكل ما يمكن عمله أثناء مسيرة
النمو هو توجيه الوراثة إلى أحد البدائل الايجابية التى تتيحها
البيئة وتساهم فى تهيئتها، وليس منع ظهور آثار الوراثة أو
تغيير الوراثة فى جيل واحد (على أن تراكمات تأثير البيئة قد
تغير الوراثة فى أجيال كتعاقبة كثيرة كثيرة... بلغة التطور).
15- إن الزعم بأن الفطرة يمكن أن تنطلق تلقائيا رغم
خطر يحتاج إلى جنة - لا إلى هذه الدنيا-ليتحقق فيها، والفطرة
البدائية وجود انعكاسى بسيط (ص71)، أما الفطرة النامية (ص64)
التى تتشكل وتنطلق ثم تتشكل وتنطلق وهكذا باستمرار، فهى الفطرة
السليمة المعنية وفترات التشكل المبدئية قد تبدو ناقصة لا
محالة ولو اكتملت لما كان هناك داع للانطلاق المستمر.
والوقاية تتطلب عدم الانخداع بالفطرة
العشواء، وفى نفس الوقت عدم تشكيلها من الخارج كلية.
16- إن هذا الوجود
الفطرى الانعكاسى يعقبه 'وجود شرطى"وهو أكثر تعقيدا
وأعمق فى طبقات السلوك وأطول عمرا وأرقى، إلا أنه فى النهاية
يسلم إلى 'الوجود ذى المعنى" الذى لا يستجيب منعكسا
بسيطا، ولا حسب تجمع منعكسات العادة، وإنما من منطلق
'الرسالة-والعائد' والرسالة هى المعلومة أو المثير ذو المعنى،
والعائد هو الاستجابة - الإرادية جزئيا- ذات المعنى أيضا.
17- إن الاعتماد ضرورى فى
حياة الكائن البشرى وإنكاره إخفاء له وتضعيف لمشاكله، وهو يبدأ
مطلقا فى داخل الرحم وينتهى متبادلا وإراديا، وقد ينطلق الفرد من
ذلك-دون تخط لذاته-إلى اعتماد على تناغم مع دوائر كونية
أكبر، وهذه من وظيفة الإيمان العملية.
18- إذا فالتربية
الإيمانية التى تبدأ بالتشكيل الدينى وتنتهى بالالتزام العرضى بكل
الناس والاتجاه الطولى بالتناغم عبر الذات-ضرورة بيولوجية لا
بديل لها فى مسيرة النمو الدائمة (ص137).
19- إن أوقات التعليم
وطريقته تختلف حسب مرحلة النمو، ففى فترة الاندفاعة (البسط)
يحتاج الطفل والمراهق وأى شخص، إلى البيئة حسنة التشكل متناسبة
السماح، Well structured and appropriately permissive environment وفى
أوقات التمدد (الاستيعاب) يحتاج الطفل والمراهق والشخص إلى
الحصول على أبجدية الحياة واتقان العادات المنظمة.
20- إن هذا التعليم الانتقائى
سوف يتناغم مع المسيرة الطبيعية للنمو، بحيث نستطيع أن نلحق بالشخص
النامى فى أى محطة تالية، ولا نقهره لتغيير ذاته فى وقت
هو مازال يؤكد فيه ما حصل عليه إذ يبنى به كيانا ما،
حتى لو كان كيانا سئ التركيب مرحليا كما يبدو لنا، فكأن
وظيفة التعليم (التربية) هى مواكبة المراحل المختلفة جميعا (وليس
مجرد الطفولة والمراهقة.. الخ) أى مع نوبات النمو المستمرة
وتهيئة الجو المناسب للإفاءة من كل مرحلة أكبر فائدة ممكنة
فى انتظار المرحلة التالية والأخرى وهكذا، ومن هنا تظهر أهمية
عدة أمور.
أولا: ضبط إيقاع تدخلنا وطريقته مع
إيقاع النمو الطبيعى.
الثانى: قدرتنا على تمييز دور التمدد([17]) من دور
الاندفاعة ويمكن الرجوع فى ذلك إلى ما جاء فى هذه الدراسة عن
الأزمات المفترقية مثل أزمات النمو وأزمات المواجهة، ولهذه
الأطوار أوقاتها المحددة بين كل مرحلة نمو وأخرى مختلفتان
نوعيا: مثلا بين الرضاعة والكلام، أو بين طفل البيت
وطفل المجتمع (المدرسة) أو بين طفل المدرسة وطفل الثورة
الغددية الجنسية (المراهق) أو بين الأعزب والمتزوج.. أو بين
الناجح والناظر فى نجاحه (منتصف العمر).. الخ.
الثالث: حركة نبضنا نحن إزاء نبض النمو الذى نعتبر
مسئولين عنه، إذا ما لم نكن نحن فى نبض مستمر مواكب-ليس
بالضرورة فى تواز مقابل، وإنما تكفى أن تكون المواكبة من حيث
المبدأ والاتجاه-، فإن حياتنا الثابتة المستتبة بإفراط قد تكون
عائقا حقيقيا لمسار نمو الجيل القادم بالمعنى المشار إليه
للعلاج الوقائى.
21 - من العلاج الوقائى
عدم التسرع بالتشخيص الطبنفسى، وإعادة فهم ما نتصور أنه شذوذ
من خلال هذه المسيرة النابضة باستمرار.
22 - لا تقتصر الوقاية
على أن تكون الأسرة متحركة نابضة فى مجتمع جامد متوقف، وإلا
أصبحت الأسرة برمتها معرضة للنبذ غير المحتمل مما قد يؤدى
بحركتها النابضة إلى التشوه فالشذوذ، بل ينبغى أن يكون المجتمع
فى حركة نبضية موائمة، وهذا هو المقصود بتطور المجتمع، أما
تصنيف المجتمع إلى مجتمع سلفى جامد، ومجتمع اسمه 'تقدم
ى"ولكن بنفس الجمود، فهذا تقسيم سطحى خادع، فالمجتمع هو أيضا
إما نابض متغير مغامر ما بين الاندفاعة والاستيعاب، وإما هو
مجمد معوق تحت أى عنوان تقدمى زائف أو سلفى خائف.
وتناسب درجة نبض الفرد مع نبض الأسرة
مع نبض المجتمع، بحيث لا تكون الهوة عميقة وخطرة، ضرورى
للوقاية الحقيقية.
23 - لابد من الاعتراف
بضرورة وجود نسبة تكادتكون ثابتة من التعداد، سوف تصاب بالمرض
النفسى مهما كانت درجة مرونة المجتمع أو حركة نبض الأسرة...
الخ، ذلك لأن وجود هذه النسبة فى ذاتها دليل على الحركة
المستمرة، ولكن من منظور وقائى ينبغى العمل على أن يكون نوع
المرض-إذا ما حدث نشطا ما أمكن (لا حادا مغتربا ولا
مستتبا متدهورا) وذلك بحسن التوقيت والسماح والتأجيل وتحسين
ظروف البيئة حسنة التشكيل شديدة السماح حتى للمرض ذاته، وقد
لاحظت فى خبرتى أن المجتمعات المستتبة الأقل نبضا 'لبعد الشقة
بين مستويى وجود أفرادها' (دون ذكر اسمها أو تفاصيل عنها فى
هذه المرحلة) تحضر الحالات منها فى
حالات ذهول غير مميزا، أو تدهور خطير، أو مواجهة معقلنة مغلقة،
أما المجتمعات النابضة (بغض النظر عن درجة بدائيتها) فإن
الغالب فيها-فى حدود خبرتي-هى الأمراض الدورية النوابية الغالب
عليها الجانب الوجدانى.
24 - يعتبر من العلاج
الوقائى العمل على الاسراع بالعلاج المكثف والمباشر لتحويل الأزمة
المفترقية إلى مسارها الايجابى.
25 - كذلك يعتبر من العلاج
الوقائى اتقان علاج النوبة الحالية بحيث تأتى النوبة القادمة
أقل اغترابا وأعجز تفسيخا للشخصية.
26 - وأخيرا فإنه يعتبر
من العلاج الوقائى الإعداد السليم للمعالجين القادرين على مواصلة
مسيرتهم النموية الشخصية، بحيث يصبح وجودهم مرجح لإجهاض المرض
وتحويل مساره، ولا يكون خوفهم مثبت للمرض واستتباب جموده، رغم
احتمال اختفاء أعراضه.
وبعـد
فهذه مجرد خطوط عريضة كما ذكرنا،
والإفاضة فيها تحتاج إلى بحث آخر ومجال آخر لأنها تتعلق
بمسيرة الإنسان فى السواء أكثرمنها فى المرض، وبمسيرة المجتمعات
بما يشمل علم السياسة وعلم الفلسفة الحقيقية.. وتوظيف الفن..
الخ وهذا ليس غرضنا الآن ولا هو فى قدرتنا فى هذه العجالة،
وعلينا أن نتقل مباشرة إلى العلاج الفعلى فى حدود المهنة
مباشرة:
الاتجاهات السائدة- حاليا- فى علاج
الأمراض النفسية:
قبل أن نشير إلى ما يمكن أن تضيفه
هذه الدراسة فى العلاج الفعلى للأمراض النفسية يجدر بنا أن
نقف قليلا أمام ما يجرى فعلا فى علاج الأمراض النفسية، إن
كان ثمة علاج، فنقول:
تنقسم الاتجاهات العامة لعلاج الأمراض
النفسية حسب زوايا النظر المختلفة التى يرتبط بها العلاج الجارى
ارتباطا مباشرا، وقد تبدو هذه الزاوية واضحة فى وعى المعالج،
وقد تستنتج ضمنا من نوع ممارسته; وهذه النظرات وما يتبعها
من اتجاهات علاج، يمكن أن تعرض فى ايجاز فى ثلاث مجموعات كما
يلي:
1 - علاجات 'المضادات
الكيميائية'.. ووراء هذه العلاجات مفهوم أن الإنسان مجموعة
تفاعلات كيميائية وسلوكية أى أنه، هو (وجودى) نتيجة لهذه
التفاعلات ما بين خلايا مخه بطريقة خاصة، وشذوذ سلوكه هو
نتيجة لزيادة هذا التفاعل أو نقص هذه المادة أو العكس،
وعلاجه بالتالى لابد وأن يتجه مباشرة إلى تعديل هذه الزيادة
أو تعويض هذا النقص الكيميائى، فيتعدل السلوك.
ويشمل ذلك تثبيط أى نشاط 'غيرمناسب'
بالمضادات الكيميائية المناسبة (وتعريف كلمة غير مناسب يتوقف إلى
حد كبير على الطبيب والمجتمع وليس على أى فهم بيولوجى) وقد
تدخل الصدمات الكهربائية فى هذا الفرض الكيميائى، وتظل أداة
إمبريقية غير معروفة المفعول ولكنها تؤدى نفس الدور للضبط
والربط الفيزيائى- الكيميائى- السلوكى، ويقوم بهذا الدور العلاجى
أغلب الأطباء النفسين العضويين كما يسمون أنفسهم.
2 - علاجات تعديل السلوك: ويبنى هذا الاتجاه على مفهوم أن الإنسان مجموعة ارتباطات
شرطية، تظهر فى شكل سلوك، فذا اختل هذا السلوك، فهذا التدريب
على أن هذا 'الجزء' قد تدرب تدريبا خاطئا، واللعلاج هو أن
يلغى هذا التدريب ويعاد تدريبه (هذا الجزء) من جديد ليعدل
السلوك، وهذا هو اتجاه المعالجيين السلوكيين بصفة عامة رغم ما
يحاولون حاليا من تطوير فيه ولكنه مبنى على نفس الأساس.
3 - علاجات النسيج الكلامى
فى الوعاء الذكرياتى، وتنبنى هذه المجموعة
على مفهوم أن فى الإنسان مجموعة ذكريات غائرة مشحونة، وبالتالى
مستحوذة على جزء من الطاقة اللازمة للسلوك والتكيف، وكذلك مؤثرة
بطريق غير مباشر على السلوك، فإذا زاد هذا الاستحواذ، وذلك
التأثير لدرجة تخل بالسلوك، فإن العلاج هو أن يفرج عن هذه
الذكريات ليعاد تنظيمها وتنطلق الطاقة ويتعدل السلوك..، ورغم ما
فى هذا المفهوم من إيجابيات من حيث المبدأ، ورغم ما يقال
فيه من إدراك عميق لطبيعة التركيب البشرى، إلا أن تطبيقاته
العلاجية تدل على التأكيد على مفهوم الإنسان كوعاء له جدار
منسوج باحكام، وأنه إذ تعدل ما بالوعاء واستقام النسيج الخارجى
ولقطت غرزه الساقطة ولضمت فى مكانها..، فإن الصحة تتحقق بداهة،
إلا أن ما يعرض من مادة أغلب هذا العلاج وما يعف عن
نتائجه يؤكد المفهوم المستعرض للإنسان دون المفهوم الطولى،
والمفهوم المخزونى دون المفهوم النبضى، والمفهوم النسيجى التصالحى،
وذون المفهوم المواجهى الولافى وهذا كله يجعله أيضا علاج
أجزاء (ذكريات) أكثرمن علاج كل نام باستمرار.
ويغلب هذا المفهوم على معظم ممارسى ما
سمى بالتحليل النفسى.
أما ما يناهز المائة نوع من العلاج
النفسى المنشورة، وعشرات الآلاف الأنواع غيرالمنشورة (حيث كل معالج
هو نوع بذاته) فبعضها يتخطى هذا الوعاء الذكرياتى إلى إطلاق
'ما هو إنسان'، كل حسب نظريته، وبعضها يمزج بين ما هو ذكرى
وما هو تفاعل آنى، وبعضها يحيى المعنى، وبعضها يؤكد الاغتراب
بالعلاج الكلامى، وبعضها يفك التوتر 'بالتدليك العلاجى'، إلى غير
ذلك مما لا مجال لشرحه، وفى كل من هذه العلاجات خير كثير،
ومخاطر كثيرة بلا شك.. ولست هنا فى موقف نقدى لأى منها فى
هذه المرحلة.
وتعقيبا على كل هذه الاتجاهات نجد أنها
تشترك جميعا فى بعض المواصفات العامة التى يجدر التعرف عليها
ابتداء:
1 - أنها تجزيئية: فالإنسان فيها مجموعة سلوك، أو مجموعة تفاعلات
كيميائية، أو مجموعة ذكريات، أو مجموعة بؤر اغتراب... الخ الخ.
2 - أنها أحادية النظرية: فالإسا إما هذه المجموعة من المواصفات أو تلك
وأولئك الذين يزعمون أنهم من المدرسة متعددة الاتجاهات Multidimensional قد
يفعلون ما يبدو أنه موالفة، إلا أنه فى عمقة قد يثبت أنهم
يجمعون هذه المجموعات بجوار بعضها البعض أكثر من أنهم
يربطون بينها فى مفهوم واحد.
3 - أنها مفاهيم ذات
بعد ثابت (فيما عدا بعض الاتجاهات العلاجية النفسية:
الانسانية منها خاصة) بمعنى أن الإنسان فيها 'كيان' أكثر
منه 'حركة'، فهو كيان زائد (+) مرض، أو كيان ناقص (-)
مزية.. الخ، وليس أن الإنسان حركة منطلقة أو معوقة.
4 - وبالتالى أن الإنسان
يصيبه 'مرض' كذا وليس أنه هو فى نوعية وجوده هذه 'هو المرض
ذاته'، (فيما عدا بعض الاتجاهات الإنسانية([18]) التى تؤكد
على رفض فكرة المرض كالمكروب الغريب أو الجسم الغريب).
5 - أنها مفاهيم متنافسة النزعة-فى
الأغلب-أى أن العلاج إما عضويا أو نفسيا، إما تحليليا أو
سلوكيا... الخ، وأخشى أيضا أن تكون المحاولات التوفيقية، هى
محاولات-فى كثير منها-تلفيقية تضع العلاجات بجوار بعضها دون
عمق رابط بينها ولا هدف جامع بين مساراتها لأنها لم تسع
إلى إطار نظرى يجمعها.
ورغم كل هذا النقد الذى يمكن أن
يزداد تفصيلا، إلا أن هناك ملاحظات عملية أخرى تقول:
1 - إن أغلب هذه
العلاجات تقوم، بدور-ما-فى إعادة المريض إلى درجة-ما-من
الفاعلية والتكيف.
2 - إن ما يعيد المريض
فعلا إلى التوازن أو الفاعلية ليس بالضرورة ما يعتقد
المعالج أنه يؤديه سواء أعطى قرصا كيميائيا أم استغرق فى
تفسير حلم طويل.
3 - إن المقارنة بين
نتائج علاج وآخر، دون وضع مفهوم أعمق لما هو إنسان مقارنة
غير علمية وغيرممكنة أصلا.
وبعد
فماذ تعطى هذه الدراسة على وجه التحديد
غير كل هذا؟
1 - من منطلق هذه
الدراسة تعتبر العلاقة العلاجية المثمرة هى: 'مواكبة مسيرة
النمو لازالة معوقاتها، أوتأجيل نبضها، أو تعديل مسارها، أو
ايقاف انعكاسها وتدهورها، من منطلق بيولوجى أساسا يستعمل كل
المتاح المقابل لتركيب الإنسان واحتياجه معا من كيمياء وكهرباء
وكلمة ومعنى و 'واخر، وهدف.. الخ وذلك فى توقيت مناسب وحركة
مستمرة'.
ولتحقيق ذلك لابد منبداية وخطوات عملية
وبسيطة تبين إمكانية وفاعلية تطبيق هذا الفرض فى مجال العلاج:
أما البداية، فهى معايشة المفهوم البيولوجى للإنسان الذى
تقدمه هذه الدراسة، والإيمان به معا.
وهذا ما عنيته ابتداء من أن هذه
التطبيقات إنما تقدم لمن 'يده فى النار فعلا' أى لمن
يمارس مواجهة الإنسان إذ يتعرى ويتمزق ويتفسخ ويتراجع وينبض
ويتقدم ويتأخر'، إذ من يفعل ذلك لابد له من رؤية ولو على
مستوى الفرض تعينه فى مسيرته، والرؤية التى قدمتها هذه الدراسة
هى أن 'الإنسان حركة بيولوجية دائمة، تختلف أطوارها نشاطا
وكمونا، اندفاعا وتمددا، بسطا واستيعابا، وإن لهذه الحركة فى
مختلف أطوارها المكررة جزئيا والمتتابعة لولبيا أبدا، تفاصيل
فسيولوجية وسلوكية وفكرية ووجدانية، وهى المظهر المعبر عن هذه
الحركة، والمدخل لها فى نفس الوقت، ولكنها ليست بديلا عنها
بحال من الأحوال'.
وعلى ذلك فأن نقول مع فرويد أن
الوجدان أو الجنس هو الدافع الأول أو الأوحد، وأن إعاقته
وتشويهه وارتباطاته الخاصة هى المسئولة عن المرض، فهذا استبدال
للجزء بالكل.
وأن نقول مع أريتى فى 'نظريته المعرفية'
أن الإنسان فكر معرفى، وهذا الفكر المعرفى هو نتاج المخ ومنظم
له فى نفس الوقت، وأن ما عدا ذلك بما يشمل الاضطراب الوجدانى
هو مظهر ثانوى.. فهذا إحلال للجزء محل الكل أيضا.
وأن نقول مع الكيميائين (والعضويين) أن
الإنسان تفاعلات كيميائية.. الخ، أو مع السلوكيين أنه مجموعة
عادات الخ فنحن نقع فى نفس المحظور.
كل ذلك موجود ومقبول وظاهر، يضطرب
ويعالج، ولكن كمعبر عن، ومدخل إلى، النبض البيولوجى الكلى لمسيرة الإنسان..
هذه هى نقطة البداية
وإن كان ثمة علاج عن طريق تفريغ
الذكريات، أو حل التوقفات الجنسية (تحليل نفسى)، أو لضم الأفكار
فى تجميع معرفى (علاج مكثف للفصام 'أريتى') أو
تعديل للسلوك (علاج سلوكى) أو إضافة كيميائية (علاج عضوى).. فإن
ناتجه الإيجابى إنما يتحقق: ليس نتيجة مباشرة للاجراء العلاجى
ذاته وإنما أيضا:
(أ) نتيجة للتواجد البشرى المصاحب، وحتى لو لم يكن هذا
التواجد البشرى 'حاضر فعلا' جسدا: (لحما ودما)
ولكنه حاضر إرادة وقرارا ورعاية وصحبة ووعيا مما يستحيل
إلغاؤه.
(ب) ثم نتيجة للمفعول الجزئى المناسب (كلمة-أو قرص-أو
صدقة) الذى تدخل عبره إمكانية التنظيم الأعمق والمناسب.
(جـ) ثم نتيجة للفرصة المتاحة من خلال العاملين السابقين
لإمكان إكمال المسيرة أو تأجيلها بالتأهيل المخطط، أو بالتأهيل
التلقائى فى الحياة اليومية.
أكرر القول أن ما يتخذ من إجراء مناسب
ومفيد، هو مدخل ومعبر لإصلاح الاضطراب البيولوجى الذى أعلن
تعثرالمسيرة كما قدمتها هذه الدراسة.
أما النتائج الأخرى، والتى تبدو على
أنها تحسن نتيجة لأى من هذه الاجراءات الجزئية فهى فى الحقيقة
تحسن بمعنى إزالة الأعراض ولكنها قد تكون إعاقة إذا نظر
إليها من بعد استمرار النمو، فإنها تتم أيضا من خلال هذه
الإجراءات العلاجية الجزئية إذ قد تثبط النشاط (كيميائيا أو
كهربيا) فورا ونهائيا، أو تقفل الدائرة (فلا تعود الحركة
لولبية) بالعقلنة من خلال الكلام، أو بالتثبيت من خلال التجميد
بما يشمل السطحى (العلاج السلوكى).
وهكذا نرى أن الإجراء العلاجى قد لا
يكون مرتبطا مباشرة بنتيجة العلاج وأن نتاجه قد يكون إيجابيا
(إطلاق المسار) أو تسكينيا (تأجيل المسيرة) أو سلبيا (ايقاف
المسار نهائيا) حسب عوامل ومتغيرات كثيرة لا تكمن فى الإجراء
العلاجى ذاته بقدر ما تكمن فى ما تعتقده ونؤمن به ونعايشه
عن 'مفهوم الإنسان' 'ما هونحن' كمعالجين.
وأكتفى بهذا القدر من المناقشة العامة
لضرورة 'البداية' النظرية، لأنتقل إلى الخطوات العملية التى يمكن أن
تجعل تطبيق هذا المفهوم ممكنا بدرجة أو بأخري:
خطوات العلاج
اولا: التشخيص: رغم ما أفضنا فيه من نقد للتشخيص
والتصنيف والموقف الحكمى للمشخص والمعالج إلا أنه لا يبدأ علاج
ملتزم بمفهوم وهدف لما هو إنسان إلا بإقرار التشخيص وتحديده،
وفى هذا نقول: يشمل التشخيص فى هذا العلاج([19]) المنطلق من
هذه الدراسة تحديد كل مما يأتى بالدرجة الممكنة:
1 - التشخيص التقليدى: ويستحسن أن يتبع فيه أحد
التقسيمات المتفق عليها مع بيان ذلك تسهيلا للغة التخاطب.
2 - تشخيص النشاط
البيولوجى ويشمل ما ذكرنا فى الجزء الأول من هذا الباب عن
تحديد درجة النشاط البيولوجى مع كل تشخيص تقليدى، أى هل هذا
المرض نشط بيولوجيا أم مستتب، فإذا كان أيهما فأى نوع من
النشاط؟: الحاد المغترب أم النشط المباشر... (فى حالة النوع
النشط) الخ.
3 - التشخيص (النبضى)
الدورى: وهو المتعلق بدراسة
النوم واليقظة والأحلام لمعرفة مدى كفاءتها فى القيام بوظيفتها
أساسا ثم المتعلق بعد ذلك بدراسة دورات النمو طوليا، ثم
المتعلق بالبحث عن أى نشاط (ليس بالضرورة مرضى) دورى على مدار
اليوم أو الفصل أو العام أو العمر كله، فإذا لم يوجد نشاط
ظاهر فإنه يمكن البحث فى الدورات المفترضة الكامنة وماذا كتمها
وأخفاها.. الخ، كما يشمل ضمنا دراسة وافية لأى نوبات مرضية
سابقة ودرجة انتظامها ومحتواها وآثارها.. الخ.
ودراسة النوم والأحلام باعتبارهما الطور
الآخر للنبضة اليومية المتكاملة، من حيث كمية النوم ونظامه
وأهميتة وفائدته التجديدية (وليست التسكينيكة فحسب) وكذلك
الأحلام- وإن كانت الأحلام المروية والمشعور بها ليست هى
الهامة بالنسبة لوظيفة الأحلام ذاتها كما سبق أن ذكرنا-أما
دراسة ظاهرة الاحلام فمازالت تحتاج إلى أدوات غيرمتاحة بعد
بالدرجة والدقة الكافيتين.
4 - التشخيص الجينى: ويشمل دراسة التاريخ العائلى طوليا: لا بحثا عن
المرض بوجه خاص وإن كان ذلك لازما، وإنما بحثا عن درجات
النشاط، ومدى الجمود، وتناوبه فى أفراد العائلة، وأشكال التعبير
عنه مرضيا، أو إبداعا، أو جمودا أو انحرافا.. الخ.
5 - التشخيص النموى:
وهو مرتبط بالبعد السابق مباشرة ويشمل تقرير ما إذا كان هذا
الشخص قد تجمد تماما، ومنذ متى، وإلى متى، وهل هو قابل لإعادة
التنشيط أم لا، وهل النشاط الموجود - إذا وجد-هو نشاط محلى
تفريغى مجهض.. أم غير ذلك.. الخ.
6 - تشخيص المجتمع
(البيئة): بنفس الطريقة التى انبعث فى تشخيص الفرد المريض لابد
أن يشخص المجتمع وما إذا كان نابضا أو متجمدا، مجربا عميقا
أم مدعيا، مسامحا أم متعصبا... الخ الخ ويشمل هذا المجتمع
الأوسع فالأوسع.
7 - التشخيص الذاتى
(للمعالج): وهذا البعد الجديد هو ما يحدد طبيعة العلاج من
واقع التأكيد على 'المواكبة' (كما سنشرحها فيما بعد) وبديهى أن
هذا البعد خطر وصعب لدرجة الاستحالة أحيانا، فهو يتعلق-من
حيث المبدأ-بإعادة نظر المعالج فى نفسه أمام كل حالة بصفتها
لحظة متجددة إذ يسأل نفسه مكررا 'من هو أنا الآن على
هذا المسار؟' ومن المتوقع ألايجيب، أو أن يجيب من خلال دفاع
خاص أو احتياج خاص، وفى هذه الحال يظهر واضحا أهمية رأى
الآخرين زملاء ومشرفين، موجهين ومرضى، بالإضافة إلى فائدة الفشل
تلو الفشل فى تقوية هذه الرؤية التى لابد أن تنمو تدريجيا.
فإذا استقر المعالج على الوفاء بمتطلبات
هذه الأبعاد التشخيصية انتقل إلى الخطوة التالية وهي:
ثانيا: الانتقاء
وتشمل هذه الخطوة ثلاث أبعاد هى (1)
انتقاء الطبيب للمريض (2) وانتقاء المريض للطبيب (3) وانتقاء خطة العلاج
العامة.
1 - انتقاء الطبيب (أو
المعالج)([20])
للمريض: وأى طبيب، بوعى أو بغير وعى، إنما يقوم بانتقاء مريضه
أو بإزاحته (أو تطفيشه)، وهنا يستحسن أن تتم هذه العملية
بوعى جزئى على الأقل مرتبط ارتباطا مباشرا بكل الأبعاد التشخيصية
السابقة بما فى ذلك موقف الطبيب على سلم التطور ومدى نشاط
حركة نموه، وكذلك الخطة الممكنة والمناسبة للعلاج، وقد
يشعر الطبيب أنه أقل من عبء متطلبات مريض ما، فى لحظة
بذاتها، وفى هذه الحالة إما أن يزيحه ويحوله إلى من يتصور
أنه أكثر اهتماما بهذه المرحلة وأكثر قدرة عليها (ومن هنا
جاءت أهمية العمل الجماعى باستمرار) وإما أن ينتقى له خطة
علاجية أخرى تناسب مقدرته فى هذه المرحلة.
كذلك قد يجد الطبيب - بأمانة - أن ما
يثيره المريض فيه مرحليا هو أكبر من طاقة استيعابه، رغم وضوح
رؤيته العقلية لماهية الإنسان ومسيرته، إلا أنه من عمق هذا
الوضوح قد يعرف أن المسألة ليست مسألة معرفة بالإنسان، وإنما
هى تحقيق مسيرة الإنسان فى ذاته شخصيا، الأمر الذى يستغرق العمر
كله، ولذلك ينبغى ضبط إيقاع خطوه مع إنتقاء مرضاه، حتى
لا يقتحم فى منطقة هوليس مستعد لها، فتتعجل خطاه على المسيرة
فيتعثر، وهنا يصلح ويفيد التوجيه والاشراف بشكل هائل، ولابد
أيضا من الاعتراف بأنه لو ترك الأمر للطبيب وحده لما أقدم -
فى الأغلب - على مخاطرة قد تفيده، وإنما تتحرك مسيرة الطبيب
رغم مخاوفه نتيجة (أ) لحسابات خارجية من مشرفيه وزملائه (ب)
أو لأخطاء تقديرية فى انتقائه لمريضه أو خطته (جـ) أو لضرورة
اضطرارية، أرغمته على القيام بواجب أكبر منه، ومن خلال هذه الظروف
العلمية القاهرة حتما تستمر مسيرة الطبيب، لو لم يسرع
بإخماد الجذوة فورا ومباشرة بتغيير الخطة أولا بأول إلى ما
هو آن وأكثر إبعادا، ولو أن هذا حقه من حيث المبدأ، إلا
أن مفهوم هذا العلاج والعمل الجماعى قد يقلل من التمادى فيه
ولو نسبيا.
2
- انتقاء المريض للطبيب:
وهذا النوع من الانتقاء هام وعملى
ومفيد فى خطة العلاج وفى تحديد موقف المريض من مسيرة التطور
(والطبيب معا)، فقد سبق أن قلنا ص (735) 'إن المريض الذى يرفض
علاجا من 'معالج مستتب' قد يعنى أنه يعانى من مرض نشط،
والعكس صحيح، فالمريض الذى يرفض علاجا من 'معالج نشط' قد يعنى
أنه يعانى من 'مرض مستتب' ونفصل الأمر هنا فنقول إن المريض -
فى الظروف الملائمة - يرفض المعالج بطرق متعددة منها:
(أ) الامتناع الفعلى عن العلاج سواء رفضا لحضور أو رفضا
لاتباع تعليمات العلاج (عقارا أو نظاما).
(ب) الحضور بالجسد والامتناع عن المشاركة والتفاعل.
(جـ) استمرار الأعراض (أو رجوعها)، أو ما يمكن أن يسمى
الامتناع عن الشفاء أو التحسن، وكل هذا يعنى بطريقة أو بأخرى
أن هناك عدم تناسب بين الخطة والمعالج والطبيب، ومهما اضطرت الظروف
أو القوانين الالتزام الطبى والخلقى بفرض جزء من العلاج فى
البداية على المريض، فإن هذه مرحلة مؤقتة حتما . . وسوف تتاح
الفرصة للمريض، بعد إضافة ما رأى داخله من خلال هذه
المرحلة الضاغطة مؤقتا، سوف تتاح له الفرصة لإعادة الاختيار لا
محاله.
ثالثا : التخطيط:
ذكرنا حالا أن البعد الثالث فى
الانتقاء هو انتقاء خطة العلاج عامة وهو ما نفضل أن
نفرده فى جزء خاص يسمى 'التخطيط' ويبدأ من التشخيص
بكل أبعاده السبعة، حيث ترسم خطة العلاج فى حدود الإمكانيات
العملية، وذلك بصفة مبدئية، على أن تتغير باستمرار تبعا
للمتغيرات التالية (أ) تجاوب المريض معها (ب) تجاوب الطبيب
وفاعليته فيها (جـ) ظـهور متغيرات جديدة داخل المريض أو فى
أعراضه (د) ظهور متغيرات جديدة فى المحيط (إمكانيات أكثر أو
أقل أو فرصة أطول أو أقصر.. الخ) وتشمل الخطة بعد دراسة
الأبعاد التشخيصية السبعة الاجابة على الأسئلة التالية:
(أ)
ما هو المطلوب بالنسبة للنشاط (البيولوجى) القائم؟ (إن كان ثمة
نشاط): أن يتوقف أم أن يكمل ولكن فى مسار إيجابى آخر، وتتوقف
الاجابة على هذا السؤال على عدة متغيرات أهمها موقف المريض
نفسه، ثم موقف المعالج نفسه والقاعدة من واقع هذه الدراسة
تقول 'يحفز المريض من خلال صدق مسيرة المعالج أن يكمل
النشاط إلى الولاف الأعلى، فإذا رفض وعجز وقاوم .. فسوف
يختار هو العكس، وعلى الطبيب أن يرضخ لاختياره باعتباره تأجيلا
وليس استسلاما، ومن ثم فعليه تشغيل فترة التأجيل هذه فى
الإعداد للجولة القادمة، فيكون التوقف اختيارا، والعودة إلى النشاط
فى ظروف أفضل اختيارا أيضا'.
أما حفز استمرار النشاط فيتم عادة
بالعلاج النفسى بشتى صوره التى تسمح للمريض 'بمواكبة' الطبيب فى
مسيرته الموازية (إن كان سائرا أصلا)، أما الايقاف والتأجيل
فيتم بالعقاقير أو الجلسات الكهربية أو العلاج النفسى التفسيرى
والتبريرى.
وينبغى أن تعتبر استجابة المريض مجرد
استجابة مبدئية، لأه من خلال المحاول والفشل قد يعود فيطلب
البديل الآخر (النشاط بعد الهمود المرحلى) ولذلك على الطبيب ألا
يتسرع فى اعتبار اختيار المريض اختيارا نهائيا.
أما فى حالة الأمراض المستتبة فالسؤال
الذى يطرح نفسه هو: هل يحفز المريض لاستعادة النشاط البيولوجى
أملا فى إعادة تنظيم شخصيته (ومستويات مخه) على مستوى أفضل؟ أم
يكتفى بأن يعدل مستوى استتبابه إلى ما هو محتمل أو فعال بأى
درجة مهما كانت متواضعة؟.
والطبيب لا يستطيع أن يجيب ابتداء على
مثل هذا السؤال، بل إن أعراض المريض، ومدى تعجيزها له،
وانتظامه فى الحضور هى التى تعلن ضمنا طلبه لاستعادة النشاط
مهما كان مؤلما أو مربكا.
ومن خلال إصرار المريض على الحضور مع
استمرار الأعراض ترسم خطة العلاج على أساس تصعيد إفشال هذا
الوضع المستتب، ومن ثم استعادة النشاط ليصبح المرض المستتب
مرضا نشطا، وأهم معالم استعادة النشاط هو ظهور الاكتئاب (من
نوع اكتئاب المواجهة) بوجه خاص، وهنا تتناقض العقاقير وتستبعد
الجلسات الكهربائية وتتزايد جرعات العلاج النفسى، وإعادة التنشيط
كجزء من خطة كاملة فى (ص755) العلاج لا يعنى بالتناثر أو
التفسخ كما تزعم بعض المدارس المناهضة للطب النفسى، بل إن
ضبط جرعة إعادة التنشيط هى من أهم مسئوليات الطبيب المعالج،
ويمكن أن تزداد جرعة الكيمائيات أو حتى الجلسات الصدمية حسب
الدرجة المسموح باستعادة نشاطها، بحيث تزيد من وعى المريض مع
عدم تعريضه للتفسخ الذى يخاف أن يؤدى فى المدى الطويل إلى سوء
تنظيم على مستوى أدنى، واستعادة النشاط هذا هو ما سبق أن
أسمته 'إعادة إحياء ديالكتيك النمو'([21].
إذا فإحياء تنشيط المرض المستتب هو
جزء من خطة علاجية متكاملة، كما أن تأجيل نشاط المرض النشط
هو أيضا جزء من خطة علاجية متكاملة، وهذا وذاك مرتبط
بالمفهوم النبضى البيولوجى لمسيرة نمو الإنسان، ولذلك فهو يستعمل
الكيمياء والفيزياء والتواصل الإنسانى وتعديل السلوك بجرعات
متكاملة متغيرة بالضرورة حسب مسار كل حالة على حده.
فلا مجال إذا - من هذا المنظور -
لتفضيل علاج على علاج بالشكل الطفلى السطحى الذى يجرى فى
المناظرات التفاخرية بين المتحيزين لأنواع العلاج المختلفة.
وعلى هذا 'فالتخطيط' للعلاج من منطلق
هذه الدراسة هو تخطيط متغير فى كل آن، وما دام متغيرا إلى
هذه الدرجة فإن أهم ما يمكن أن نفيد من هذه الدراسة هو
إعادة النظر بدقة أكبر فى متغير هام من متغيرات العلاج وهو:
رابعا: التوقيت:
حين أعلم طلبتى ما هى أهم العوامل
المؤثرة فى العلاج عامة والعلاج النفسى خاصة أعلمهم أنها: الوقت
والتوقيت Time & Timingأما
الوقت فيشمل بعدين أولهما أن المريض يحتاج لوقت طويل نوعا
حتى يشفى وترسخ قدماه على الأرض ويتعلم ما هو جديد وثانيهما:
أن الطبيب لابد أن يعتبر أن أى تقدم لمرضان إنما يتم من
خلال ما يعطيه من وقت يتعلم فيه ويتعلم منه، إذ يأخذ ويعطى،
ويعيد النظر، أما التوقيت فهو يتعلق بضبط إيقاع التدخل
بالتفسير أو القرص أو الصدمة أو الصمت ضبطا يتناسب مع
مسيرة المريض فى كل آن، ومع قدرة الطبيب فى كل آن وبديهى
أنه لا يوجد 'جدول ضرب' يدلنا على 'متى نفعل ماذا' ولا
يمكن أن يأتى حسن التوقيت والتوفيق فيه إلا من خلال عوامل
متعددة ومتداخلة وصبعة فى آن واحد، أهمها:
(أ) تحديد وتوضيح مفهوم للانسان عامة.
(ب) تحديد الهدف العام من العلاج.
(جـ) تحديد الهدف المرحلى من العلاج.
(د) تحديد مرحلة المريض الآنية.
(هـ) تحديد مرحلة المعالج الأنية.
(و) وبعد اعتبار كل ما سبق: التلقائية، وعدم
التقيد بفكرة محددة مسبقة.
(ز) ونتيجة للتلقائية: التعلم من الخطأ
واستمرار المحاولة مع تعديل تفاصيلها.
وبهذا يكون 'التوقيت' هو النتاج التلقائى
لضبط إيقاع خطوات العلاج من خلال تنظير فكرى معين، وقدرة
مرحلية بذاتها.
وكلما طالت الممارسة وزاد وعى المعالج
وانتظمت خطاه، زاد التوفيق فى التوقيت ونجاح نتائجه فى اتجاه
هدف العلاج أما علاقة هذا البعد (التوقيت) بهذه الدراسة فهو
ظاهر من أنه يستحيل تحديد الأبعاد الستة السابقة، دون تبين
لمفهوم إنسانى بيولوجى يشمل فهم مسار الإنسان فى واقعه الحيوى
(الكيمياء، الفيزياء، والكلمة، والمعنى ، والآخر.. إلخ).
خامسا: التأهيل:
مهما تكن نتائج المرحلة النشطة من
العلاج فإن نتائجها لا تستقر ولا تتعمث إلا من خلال تأهيل
مبكر يستغل بشكل مباشر المبدأ السلوكى أساسا، كما يعمق طبيعة
العلاقة البيولوجية الجديدة وما تحمل من مبادئ 'التغذية -
والعائد' بنوعية جديدة لهدف جديد يتناسب مع المرحلة الجديدة،
والتأهيل هنا يتناسب حسب الطور الذى يمر به المريض إن كان
طورا نشطا أم طورا مستتبا، ولكل طور طبيعة تحدد نوعية التعليم
الممكن فيه، وقد سبق أ ن ذكرناها فى العلاج الوقائى، وقد
يثبت أن التعلم الطبعى (البصمى) Imprinting learning
يغلب فى الطور النشط فى حين أن التعلم السلوكى الشرطى يتغلب فى
الطور المستتب، وهذه الدراسة
تؤكد أن أزمة المرض هى إعادة ولادة، وبالتالى فإن التأهيل
سيسير فى الأطوار الأولى فالتالية كما يولد الطفل سوآء بسواء.
سادسا: المتابعة
تؤكد هذه الدراسة بصفة خاصة على البعد
الطولى للنمو، فى نشاطه النبضى، وشكله اللولبى ولا يمكن التأكد -
بصورة قاطعة - من حقيقة المسار العلاجى، هلى هى رؤية عارضة
مؤقتة أم أنها دائرة نشطة ولكن مغلقة، أم أنها خدعة تدهورية
قليلة الأراض أم أنها مسار تصاعدى مستمر، وكل ذلك لا يمكن
التحقق منه بدرجة معقولة إلا: (أ) بالمتابعة الطويلة، (ب)
بالمقاييس المحددة مسبقا والتى لا تكتفى بزوال الأعراض باعتبار
أن هذا هو الشفاء عينه.
وكم من نتائج قومت على أنها إيجابية
ثم تبين بالمتابعة أنها كانت بريقا سرعان ما انطفأ.
وكم من نتائج قومت على أنها سلبية
(وخاصة انقطاع المريض عن العلاج) ثم تبين بالمتابعة أنها
إيجابية، وأن آثارها مستمرة سنة بعد سنة إلى غايات لم يكن يمكن
تصورها فى حينها.
هذه الدراسة وأنواع العلاجات
المختلفة:
تكلمنا فى الجزء السابق عن التخطيط
للعلاج بصفة عامة، ولم تختص نوعا معينا من العلاجات بالتوضيح
والتفسير، وإنما يكتمل الفرض يحق ويبدأ فى التحقيق إذا وضع من
خلاله إطار للعلاج يفسر بعض الاضطراب القائم
ويتوقع بعض النتائج المترتبة، وسنتناول هنا علاقة كل علاج على
حدة بهذا الفرض بعد أن ألمحنا إلى التخطيط العام، ولكنا سنعود
ونضع بعض الأمثلة التوضيحية التى تشرح العلاجات فى علاقتها
المتداخلة بعضها ببعض، تاركين التفاصيل وعرض كل مرض على حدة
مع تقديم حالات مناسبة لكتاب مستقل عن 'العلاج' لعله يظهر فى
المستقبل القريب إن شاء الله.
أولا: العلاج الكيميائى([22]):
لا يمكن اللحاق بالفيض الهائل الذى
يغمر السوق كل يوم من العقاقير المضادة للمرض النفسى وتقويمه
على أساس علمى سليم، وكل ما نستطيعه فى هذه المرحلة هو التأكيد
على بعض النقط والإشارة ببعض الأسهم إلى بعض الاحتمالات
المرجحة.
والوضع الراهن يقول:
1- إن كل العقاقير بلا
استثنآء تعطى إمبريقيا Empirically مهما
كانت مبنية على فروض تبدو قوية.
2- إن الفروض القائمة
مبينة على حقائق جزئية تتعلق بصفات العقار كيميائيا
وفارما كولوجيا: إما على المستوى اللاحيوى (in
vitro)
وإما على المستوى الحيوى (in
vivo) ولكن فى الحيوانات، وإلى درجة أقل على المستوى الانسانى،
ولكن تعميما من المستوى الحيوانى أو تقويما لمستخرجات أيضية (metabolic)
ثانوية، وكل هذا قد يفيد فى شرح طبيعة عمل العقار، وقد
لا يفيد، وقد يضلل.
3- إن الدراسات المضبوطة
حتى بطريقة الضبط المزودة المجهل Double blind يستحيل
التحقق من حقيقة نتائجها وذلك لاستحال تحديد المتغيرات من
ناحية، واستحالة تشابه حالتين تشابها يسمح بالمقارنة (من واقع
هذه الدراسة يمكن تأكيد ذلك).
4- إن الاختلاف الصارخ
بين ما يجرى فى المعامل وما يعطى فى الممارسة الاكلينيكية
العلاجية التطبيقية يشكك فى إكان الربط المباشر بين نتائج
البحث العلمى وبين ما يهدى الطبيب الممارس لضبط جرعته فى
الممارسة العملية.
5- إن تعدد العقاقير فى
الوصفة الواحدة يضعف احتمال معرفة - على وجه التحديد - إلى أى
العقاقير يرجع التأثير الحسن أو السئ.
6- إن تغيير الجرعة مع
عدم تغير الاستجابة (والعكس أى: تغيير الاستجابة مع عدم تغيير
الجرعة) إنما يشير إلى أن عوامل متداخلة نتحكم فى الاستجابة
تحكما نشطا لابد أن يؤخذ فى الاعتبار.
7- إن القول بعدم تخصص
هذه العقاقير Nonspecifity اللهم
إلا فى مجاميع كبيرة كبيرة .. لا تتعدى اليد الواحدة لهو قول
له ما يؤيده من واقع الممارسة الاكلينيكية.
8- إن إعطاء هذه
العقاقير مع العلاجات الأخرى (العلاج الكهربى أو النفسى أو
التأهيلى) يحتاج تعديل الجرعة من ناحية، كما يترتب عليه عدم
معرفة إلى أى العلاجات يرجع فضل التقدم أو غير ذلك.
9- إن تساوى الاستجابة
مع اختلاف 'مجاميع' العقاقير التى تعطى لنفس المريض من أطباء
مختلفين يشكك فى طبيعة عمل العقار من جهة وفى تخصيصه من
جهة.
10- إن الزعم بأن هذه
العقاقير - إن لم يكن لها فاعلية خاصة - ليست إلا جرعات
إيحائية مثلها فى ذلك مثل العقار الزائف Placebo زعم
تسطيحى رغم جدارته بالاعتبار، ذلك أن مفهوم 'الإيحاء' ببعده
المسطح الشائع، وخاصة فى الأمراض النشطة بيولوجيا، والأمراض
الذهانية المستتبة هو أقل بكثير من علاقة التركيب الإنسانى
المعقد بالمؤثرات الواصلة إليه.
ولكنا فى وسط هذه الملاحظات والحقائق
المزعجة والمنذرة لا نملك إلا الاعتراف بأننا فى علاج الأمراض
النفسية نعيش عصر 'الضبط والربط الكيميائى بماله وما عليه'.
أما
بعض ما له فهو:
1- إن العقاقير قد
قهرت الجنون (الذهان) بمعناه المرعب، وبالتالى أصبح الطبيب أقدر على
الاقتراب من المريض، وعلى محاولة فهمه، بل وعلى المغامرة بعلاجه
نفسيا.
2- إن 'الحجر الكيميائ
ى"أغنانا عن كثير من 'الحجر الكيميائ ى"(بالربط أو بالسجن)
مما أعطى حرية وكرامة أكبر لقطاع كبير من المرضى.
3- إن الاستعمال المناسب
والمبكر لبعض العقاقير قد أجهض مسار الذهان إلى نهايته
التفسخية (مثل الفينوثيازين فى الفصام الاستهلالى).
4- إن بعض العقاقير قد
خففت من آلام المرضى ويأسهم لدرجة حافظت على حياتهم (مضادات
الاكتئاب).
5- إن عقاقير أخرى قد
أطلقت سراح بعض المرضى من سجن مخاوفهم (مثل عقار البارستلين
فى العصاب الرهابى أو عقار الأنافرانيل فى بعض حالات
الوسواس القهرى ... إلخ)
وهذه أمثلة حقيقية وثابتة من واقع
الممارسة الكلينيكية إلا أنه لتقويتها التقويم الحقيقى لابد أن
توزن فى مجموعها - وبمقاييس محددة مبدئيا - فى مقابل ما يترتب
على هذه العقاقير من آثار معوقة ...، وهذا ما أسميناه 'ما
على عصر الضبط والربط الكيميائي'.
وهذه بعض الملاحظات الاكلينيكية التى توضح هذا البعض المناقض
لما أسلفنا (الوجه السلبى)
1- إن المرض النفسى
أصبح أهدأ ظاهريا، ولكن المريض النفسى أصبح أكثر همودا لدرجة
الموات، أو بلغة هذه الدراسة: إن الأمراض المستتبة زادت على
حساب الأمراض النشطة.
2- إن المرض النفسى
المباشر والحاد قد تناقص لصالح اضطرابات الشخصية الغائرة،
والمعوقة للنمو والمعطلة للمجتمع والأبعد عن متناول العلاج.
3- إن الأمراض النوابية
قد تناقضت بشكل ظاهر وخطير، مما يمكن أن نستنتج معه ضمنا
أن الطبيعة النبضية للوجود البشرى قد تكون قد أصبحت مرفوضة
أكثر وأكثر مما قد يكون نذيرا يهدد الجنس البشرى بالانقراض
أو بالتوقف تمهيدا للانقراض.
4- إنه بالمقاييس الأعمق
الإبداعية الوجود البشرى، والرنين العاطفى التواصلى بين البشر، يبدو
من الانطباع الظاهرى الأولى أن هذا وذاك فى تناقص مواز لفرط
استعمال مثل هذه العقاقير، مع العوامل الأخرى المسئولة.
5- إن سهولة إستعمال
العقاقير فى الحالات المبكرة قد أجهضت كثيرا من الأزمات
المفترقية (بلغة هذه الدراسة) وألغت نبضة 'ماكروجينية'
خوفا من أن تتطور إلى نبضة 'سيكوباثوجينية'.
6- فى الوقت الذى أصبح
الطبيب فيه أقل خوفا من المريض الذهانى أصبح أيضا أقل فرصة
للإثارة الحافزة له لاستكمال نموه من واقع مواكبته لخبرة
إنسانية عميقة ومثيرة.
وتكتفى حتى هنا بهذه الإلمامة السريعة
بوضع استعمال العقاقير (الحديثة!!) فى العلاج.
والسؤال الذى يطرح نفسه تطبيقا من هذه الدراسة
هو: هل أضافت هذه الدراسة، أو هل يمكن أن تضيف، أى فروض
جديدة تسهم فى إيضاح بعض أبعاد هذا الموقف؟
والجواب عندى محدود بممارستى الكلينيكية
الخاصة أعرضه فى حدودها ملتزما بالتحذير من التعميم المباشر
قبل هضم الغرض من جهة، وحذق المقاييس من جهة أخرى، وفى هذا
أقول:
إن هذه الدراسة تسمح بتقسيم الأمراض،
أو بتعبر أدق 'مجاميع الأعراض' إلى ما يدل على مظاهر خاصة
متعلقة بالفرض المطروح: وهذا التقسيم يرجع إلى تقويم كلينيكى
أساسا:
1- فهناك الأمراض النشطة
بيولوجيا (مثل الفصام الاستهلالى) فى مقابل الأمراض المستتبة([23])
(مثل عصاب الوسواس القهرى أو الفصام المزمن المتبقى).
2- وهناك النشاط الدال
على تعدد نقط الانبعاث Pace maker وبالتالى
مستويات المخ (مثل حالات البارانويا الحادة وتحت الحادة) فى
مقابل الأمراض ذات المستوى الواحد الأطغى والأكثر سيطرة مثل
الهوس).
3- هناك الأمراض الدالة
على نشاط مواجهى (مثل اكتئاب المواجهة) فى مقابل الأمراض الدالة
على نشاط تنافسى أو تبادلى (مثل الفصام الحاد غير المتميز).
وهذه مجرد أمثلة كعينات تفصل فيما بعد
فى تخصيص عمل كامل عن العلاج.
ويمكن من واقع هذه الأبعاد الجديدة
تقسيم عمل العقاقير على هذا الأساس; ومرة أخرى نقول أننا سوف
نأخذ مجرد عينات لحين حصر عمل العقاقير المتاحة، وعلى القارئ
والممارس من واقع خبرته أن يصنف ما يستعمل من عقاقير حسب
ما يشاهد من مشاهدات تصنيفا مقابلا ما أمكن:
1- عقاقير تعمل مركزيا
أساسا (على الجهاز العصبى المركزى وإلى درجة أقل على الجهاز
العصبى الذاتى المركزى ثم الأجهزة العصبية الطرفية) ومثال ذلك كل
مجموعة الفينوثيازين وما شابهها (هالوبيريدول) ومضادات الاكتئاب
الكبيرة، (التى تمثلها أساسا المركبات ثلاثية الدوائرTricycles )
2- عقاقير تعمل طرفيا
ومركزيا معا: مثل مضادات أحادى الأمينات وخاصة 'البارنات'
حيث تعمل كمعوق للتوصيل العقدى وفى نفس الوقت تعمل مركزيا،
ومثل 'مركبات الديازبين' حيث تعمل كمرخ للعضلات وفى نفس الوقت
تعمل مركزيا.
ويمكن تقسيم العقاقير التى تعمل
مركزيا أساسا تقسيما تصاعديا باعتبار العقاقير التى تعمل على
الأجزاء الأقدم فالأحدث، وهذا يرجع أيضا إلى معرفة الأمراض
والأعراض الدالة على النشاط الأقدم فالأحدث، وأستطيع من واقع
خبرتى الشخصية أن أقدم مثالا لترتيب مثل هذه العقاقير (التى
تعمل على المخ الأقدم أساسا) ترتيبا تنازليا من الأحدث إلى
الأقدم([24])
على الوجه التالي; منتقيا العقاقير الأكثر شيوعا والتى تم
اختبارها عدة سنوات كلينيكيا.
التوفرانيل Imipramine (Tofranil)
(الأنافرانيل)
Chlorimipramine (Anafranil)
التريبيتزول Amytryptiline (Tryptizol)
التاركتان Chlorprothixene
(Taractan)
المبليريل Thioridazine (Melleril)
اللارجا كتيل Thorazine (Chlopromazine)
الترابلافرن Perphenazine (Trilafon)
الستيلازين Trifluperazine
(Stelazine)
الراندولاكتيل Butynylperazine
(Randolectil)
الماجيبتيل Thioproperazine
(Majeptil)
ويمكن على نمط هذا النموذج وضع عشرات
القوائم المقابلة لاستيعاب العقاقير التى تغرق السوق كل ثانية ..
وإن كان الأمر لا يحتاج إلى تجربة معملية واحدة وإنما إلى
شهور وسنوات من المحاولات الكلينيكية المستمرة على أساس فرض
عامل وتتبع متواصل، أما العقاقير التى تعمل على المخ الأقل
قدما (بما فى ذلك القشرة بطريق مباشر وغير مباشر) فإنها لا
ترتب تصاعديا فى العادة ولكنها تشمل مثبطات أحادى الأمين،
والمهدئات الخفيفة، والباربيترات، كأمثلة.
على أن هناك مجموعة من العقاقير ولو أنها قليلة الاستعمال
كعلاج مباشر إلا أن فهم عملها سوف يساعد على مزيد من توضيح
هذا الفرض، وهى العقاقير المنشطة للمخ الأقدم (عن طريق إضعاف
سيطرة المخ الأحدث وذلك بتعويق التوصيل المشتبكى عامة والتواصل
بينهما بوجه خاص) وهى العقاقير المعروفة باسم العقاقير المذيبة
(المفككة) للنفس Psychedelic drugs مثل
عقار "ل س
د 25 "LSD 25 والمثامفيتامين
والحشيش ... كأمثلة (وهى قد تسمى خطأ المخدرات).
ولعل المفتاح الحقيقى لدراسة طبيعة
وحقيقة مفعول العقاقير سوف تكون من مدخل دراسة علاقتها بنشاط
المخ الكهربى والفسيولوجى والنفسى فى مختلف أطوار نبضه (تمددا
وبسطا)، وقد بدأ هذا الاتجاه فعلا فى دراسة علاقة هذه
العقاقير بالنوم النقيضى (النوم الحالم) ومن أمثلة ذلك: بأن
الكحول والأمفيتامينات والباربيتيرات ومثبطات أحادى الأمين ومشتقات
الإميبرامين والميبروبامات والمورفين. كل هذه العقاقير تنقص من
كم النوم الحالم، وعلى النقيض من ذلك فإن الفينوثيازين
والرزربين وأغلب مضادات الاكتئاب ثلاثية الدوائر Tricycles مثل
التوفرانيل، والكلورال هايدرات والفلورازبان، والكلورذيازبوكسيد ... كل
ذلك يزيد من كم النوم الحالم.
ولكن هذه الدراسات ما زالت فى أولها
كما أن هناك تفسيرا بأن العقاقير التى تثبط كمية النوم
الحالم يعقبها زيادة تعويضةRebound
تستمر مدة طويلة، مما يزيد من درجة الغموض فى بداية الطريق
إلا أن هذا الخط الكلى للدراسة الذى يسمح 'بفروض مستويات
النشاط' بديلا عن فروض 'المشتبكات التجزيئية' أو مكملة
لها..، هو الخط الذى أجدر بالتطوير والتصعيد والتثبيت إذا كان
لنا من توضيح بعض ما ذهبت إليه هذه الدراسة.
* * *
ولسوف أكتفى بهذه الخطوط العريضة لأذكر
من خلال هذا التقديم المحدود اقتراحى عن كيفية الاستفادة من
هذه الفروض عمليا ومباشرة من منطلق هذه الدراسة:
قواعد عامة:
تذكرة مبدئية:
نتذكر ثانية أنه نظرا لأنه لا يود
بشكل أكيد عقار بذاته مضاد لمرض بذاته فإن ادعاء التخصيص أمر
لابد أن يراجع الطبيب نفسه فيه منذ البداية ([25]) وكذلك فإنه
نظرا لأنه لا يوجد بشكل أكيد عقار بذاته يعالج عرضا بذاته،
بل إن مفعول نفس العقار الذى يقضى على الهلاوس فى حالة ما
قد يحدث هلاوسا فى حالة أخرى نظرا لكل ذلك أيضا فإن الأمر
يحتاج إلى مدخل جديد إلى المشكلة:
1 - يحدد إبتداء إن كان المريض يستأهل أن يأخذ عقارا
أم لا، ويتحدد هذا الأمر بتحديد الهدف من العلاج من ناحية،
والهدف من زيارة المريض للاستشارة من ناحية أخرى.
2 - إذا تقرر أنه سيأخذ
عقارا فلابد أن يحدد إن كان هذا العقار هو:
(أ)
للإيهام واستجابة لطلب المريض حسب المعتقد السائد، مثل بعض
حالات اضطرابات الشخصية (ب) للتسكين وإبقاء الحال فى بعض حالات
العصاب وأنواع الاكتئاب المستتبة (جـ) لتثبيط نشاط بيولوجى مفرط
حتى على حساب إجهاض النبضة بأكملها ما دام مسارها غير مأمون
حسب الحسابات التى فى متناول المعالج (ومثال ذلك تثبيت بعض
حالات الفصام الاستهلالى، وحالات الفصام الحاد غير المتميز،
وحالات الهوس، وحالات البارانويا الحادة وتحت الحادة، وبعض حالات
الاكتئاب المواجهى) (د) لتثبيط نشاط بيولوجى متدهور رغم أنه ليس
حادا ولا ظاهرا، كما فى بعض حالات الفصام المزمن (هـ) لإثارة
نشاط كامن فى مرض مستتب أو حلوسط معوق مثل بعض حالات
اضطرابات الشخصية.
3 - وفى
كل من هذه الحالات لا يكون فصل الخطاب فى إعطاء هذا العقار
أو ذاك هو التشخيص التقليدى، وإنما هو تحديد كل حالة على
حدة: ما هى؟ وأين هى على سلم التطور؟ وأى درجة نشاط قائمة؟
ظاهرة أم باطنة؟ وما المراد لهذا النشاط؟ وما الممكن منه؟ فى
حساب كل الظروف التى تسمح بإطلاقه أو تأجيله أو إلغائه).
4 - فإذا تم ذلك فإن تحديد المستوى النشط والمستوى الأقل
نشاطا لازم لانتقاء العقار، ويتم ذلك أيضا بالرجوع إلى التشخيص
التقليدى وتحليل الأعراض وقياس مصاحباتها الفسيولوجية.
5 - فإذا تم ذلك وأعطى
العقار فلابد أن يعتبر العقار تحت التجربة، متذكرين فى ذلك ما
ذكرناه بشأن "الاختبار العلاجى "(ص732 وما بعدها)"
طارحين جانبا - من واقع خبرتى الخاصة مزاعم شركات الأدوية عن
وقت الكمون اللازم لعمل العقاقير والذى يصل - حسب زعمهم - إلى
اسبوعين أو ثلاثة فى بعض العقاقير، تاركين كذلك جانبا المبالغات
فى الجرعات التى تقول بها أيضا شركات الأدوية تبريرا لفشل الجرعات
الأصغر ([26]).
6 - إن الاستجابة للعقار
المعطى تحديدا سوف يساعد فى توضيح صورة اعتبار النشاط ومستواه
ودرجة الاحتياج للعقاقير حسب خطة العلاج العامة .. (بما فى ذلك
البيئة المحيطة، ومجالات إخراج النشاط واحتمالات النمو، والعلاجات
النفسية المصاحبة وغيرها).
7 - تتناسب جرعة العقار تناسبا
عكسيا مع كل من (أ) عمل علاقة ذات معنى فيها من
الرسائل - والعائد ما يحفظ توازن المريض (العلاج النفسى الأعمق)
(ب) توجيه
الطاقة - إيراديا - فى نشاط عائد على الفرد ذاته بالتوازن، ما
دامت إرادته الداخلية الذاتية هى التى انطلقت إليه - حتى بعد
الضغط المبدئى، فإذا ضغطنا مثلا على طالب فصامى للاستذكار،
فاستجاب، فإن ذلك لا يبرر تخفيض العقار، وبمجرد أن يضع إرادته
الذاتية فيما يعمل، سيحس بتعويق العقار الذى ينبغى حينئذ أن
ينقص تدريجيا مع تزايد ما يضع من إرادة وطاقة فى العمل الذى
اختاره (جـ) درجه الاستتباب المتزايدة اللهم إلا فى الحالات
التى يراد إعادة تنشيطها.
8 - يفهم المريض أولا
بأول ما أمكن - وهو غالبا ممكن لو كان الطبيب ذات نفسه
فاهما ومقتنعا بالأسس العامة للفرض الشامل الذى يعطى العقار على
أساسه، وسرعان ما سيساعد المريض فى انتقاء العقار وتحديد جرعته
نتيجة لحوار مستمر مع الطبيب، وليس نتيجة لاحترام مطلق، أو
رفض مطلق، لآرائه.
9 - قد يعطى العقار
كعامل مساعد لعلاج سلوكى (تمارين الاسترخاء، أو فض التشريط
كيميائيا) أو لعلاج نفسى ([27]).
10 - بدأ مؤخرا ربط
مفعول بعض العقاقير بالأحلام ولكن النتائج - كالعادة - جاءت
متضاربة لخلط فى التشخيصات بوجه خاص، فمضادات الاكتئاب التى تزيد
من النوم الحالم تعالج كثيرآ من حالات الاكتئاب، مما يدل
استنتاجا أن كمية الحلم التى تمارس عملها "الصمام أمن
ى"ليست كافية بحيث يظل النشاط الداخلى ضاغطا فى حالة
اليقظة مما يزيد من اضطراب المستوى المتحكم حتى يضغط أكثر وأكثر
على هذا النشاط الداخلى فتظهر مظاهر الاكتئاب، فإذا أعطينا هذا
العقار المزيد للنوم الحالم، زاد صمام الأمن كفاءة، وقل هذا
النشاط المهدد فى اليقظة، وقلت الحاجة لضبطه وقل الاكتئاب.
ولا أطيل فى هذا الموضوع فهذا بحث
قائم بذاته ولكنى أشير إلى أن دراسة زيادة كم النوم الحالم
لعقار ما أو قلته ينبغى أن يربط ببعدين أساسين وهما:
1 - مدى وجود نشاط
بيولوجى داخلى.
2 - مدى الحاجة إلى زيادة
هذا النشاط فى الوقت المتاح فيه زيادته بالذات (النوم).
3 - مدى الحاجة إلى إنقاص هذا النشاط جميعه.
ومن خلال معرفة مفعول هذا العقار أو
ذاك على نشاط النوم الحالم نستطيع أن نختار العقار نوعا وكما
.. لهدف بذاته، إذ أن ارتباط ذلك بالتشخيصات التقليدية المتناقضة
هو المسئول المباشر عن تناقض النتائج لأنه مبنى على فرض وصفى
عام، لا على ظاهرة بيولوجية بذاتها.
فرض الانتقاء المستوياتى لعمل العقاقير
النفسية (تطوريا)
1 - لا أحد يعلم حتى
الآن كيف تعمل العقاقير النفسية على وجه التحديد، وكل المعلومات
الجزئية بشأنها لم تزدإلا فى تجزئ فهم الانسان وتركيبه المخى.
2 - إذا كان هذا الفرض -
الذى قدمته هذه الدراسة - مبنى أساسا على فكرة التطور وأن
الانسان يكرر تاريخ الحياة كلها، فلنا أن نتوقع أن تركيب مخه
الكيميائى ما هو إلا تركيبات الأحياء السابقة يعلو بعضها البعض
وفى نفس الوقت يتداخل بعضها فى البعض.
3 - لا يهم فى المخ إن
كانت مادة الأسيتيل كولين أكثر من هذه المنطقة أم أن مادة
السيروتنين أو الكاتيكولامين أقل فى تلك المنطقة بقدر ما يهم
كيفية عمل هذه المناطق معا، كمستويات معا، بناء على هذا
التوزيع الكيميائى المرتبط أساسا بتاريخ تطور المخ.
4 - وعلى ذلك فالفرض
المطروح هنا يقول:
"إن
أغلب هذه العقاقير إذ تثبط عمل هذه المادة بالذات (أو
تلك) إنما تعيد توزيع دوائر مستويات المخ بشكل آخر حسب
كثافة مواقع هذه المادة أو تلك وبالتالى ينتقل النشاط من
مستوى إلى مستوى لا بسبب إيقاف عمل هذه المادة بالذات أو
تثبيطها، وإنما بسبب إعادة توزيع الاتصال الكيميائى الذى هو
وراء إعادة توزيع النشاط الوظيفى المقابل" ([28])
وأقرب تشبيه لهذا التثبيط الانتقائى هو
لوحة اختبار عمى الألوان حيث قد يقرأ حرف 8 على
أنه 3 لأن نصفه الأيسر بلون لا يستطيع
المصاب بالعمى النوعى إزاءه أن يراه، كذلك فإن المخ بملايين
خلاياه وبلايين ارتباطاته يعيد تنظيم دوائره من خلال هذا التثبيط
الانتقائى، ويترتب على هذا الفرض:
1 - إمكان الربط بين
مفهوم كلى لعمل العقاقير، وبين مفهوم كلى لظهور الأعراض ذات
الدلالة والمعنى التطورى المباشر.
2 - إمكان استعمال
العقاقير فى إطار مفهوم نموى تطورى متكامل، وليس كبديل مناقض
للعلاجات الأخرى.
3 - إمكان استعمال
العقاقير بدرجة ما، استعمالا انتقائيا تطوريا، وليس استعمالا
شائعا تثبيطيا بلا تمييز.
4 - رفض الفروض الجزئية
المشتكية الصرفة، أو الفروض الكيميائية المباشرة المسطحة، لعجزها
عن التربيط بين المفهوم التطورى ذى المعنى، وبين ظهور الأعراض واختفائها
فى المرض وتحت تأثير العقاقير.
وبعد:
فإنى بعدكل هذا التعميم أعذر القارئ
والممارس الذى يثور فى نفسه احتجاج شديد، إذ يبحث عن التطبيق
العملى المباشر فلا يجد حتى الآن ما يشفى غليله، وقد اعترفت
بذلك منذ البداية، إلا إنى أجدنى أخجل من تكرار الاعتذار، ولذلك
رأيت أن أقدم نموذجا توضيحيا لحالة قد تتطلب أكثر من تدخل
عقارى، وأكثر من خطة علاجية حسب مسار استجابتها للعلاج، ولتكن
حالة فصام.
1 - تحضر الحالة فى
البداية بأعراض عصابية غير نموذجية وبعض مظاهر الاكتئاب، وإذ
تبين الفاحص أن هذه الأعراض، وتلك، ليست سوى محاولة لضبط نشاط
بيولوجى داخلى دال على بداية تحرك المخ القديم فى مسيرة تنذر بالفشل
من واقع تاريخه الشخصى غير الثرى، وعجزه إذ هو مريض، وتاريخه
العائلى الفصامى، إذ يدرك الفاحص هذا وذاك، يتخذ موقفين متعاونين
(أ) فهو لا يسارع بالتخلص من الأعراض العصابية أو مظاهر
الاكتئاب حتى لا يتمادى النشاط الداخلى فى الهجوم دون استعداد
(ب) وهو يعطى مثبطات أعمق (فينوثيازين) ولكن بجرعات متوسطة أو
خفيفة لتهدئة هذا النشاط تمهيدا لإمكان استيعابه.
ثم يبدأ العلاج النفسي- والعلاج الجمعى
التطورى يصلح فى هذه الحالات بوجه خاص - فإذا نجح فى أن
ينتظم المريض بحيث تصبح الطاقة الداخلية فى متناول الإفراج
الآمن أو قف العقار واستمر العلاج النفسى، و التأهيل.
وإذا فشل وتمادت الحالة نحو ظهور أعراض
فصامية حادة وصريحة ضاعف من جرعة الفينوثيازين (أو ما
يماثلها) تثبيطا هاما ومناسبا لجرعة النشاط المهدد، ولكنه يستمر
فى التأهيل والحفاظ على العلاقة التى تسمح بتنقيص العقار تناسبا
عكسيا من معاودة النشاط.
فإذا لم ينتظم المريض واختفى عن العلاج،
وعاد بعد حين فصاما مزمنا مستتبا، فإن الفاحص قد لا يلجأ
للعقار بل يبد بالتأهيل، ومع مقاومة المريض ورفضه العودة
للحياة العادية، قد تنشط مستوياته الأقدم وتعود الهلاوس للظهور،
ويعود الأرق وغير ذلك من علامات النشاط، فإما أن تضاعف جرعة
التأهيل والحماية، أو أن يعطى جرعات مناسبة (متوسطة) من
العقاقير بحيث لا تسمح بعودته إلى استتباب مرضى كامل، كما لا
تسمح بأن تخيفه أو تعوقه الأعراض الجديدة عن إكمال التأهيل
على مسيرة العودة إلى الحياة العادية.
وباقترابه رويدا ويدا من عالم الواقع،
قد يجرؤ أن يعاود محاولة عمل علاقة بآخر، وهنا قد يمر فى
مشاعر بارنوية تحتاج إلى جرعة مؤقتة ومتوسطة من العقاقير، أو
لا تحتاج لها حسب المتاح من وقت وجهد المعالجين، فإذا تقدم
خطوة أخرى نحو علاقة أكثر إمكانا وإلزاما بآخر، فإن الاكتئاب
قد يظهر كأحد علامات التقدم وليس بالضرورة كنتاج جانبى لهذه
العقاقير، ويعامل الاكتئاب بنفس الطريقة حسب جرعته والإمكانيات
المتاحة البديلة عن مضادات الاكتئاب (التى ينبغى أن تتجنب بقدر
الامكان حتى لا نسهل الطريق إلى الفصام المستتب أو التدهورى)،
وهو إذ يقترب من مناطق البارانويا فالاكتئاب مع التأهيل يكون الأوان قد آن ليلتحق بعلاج جمعى أو
فردى يساعده على تنمية علاقاته الوليدة مع تناقص العقاقير
المثبطة تدريجيا ... وهكذا ... وهكذا ... وهكذا ...
ونرى من هذا النموذج - العام أيضا -
كيف تتحرك المسيرة العلاجية فى كل حين دون ارتباط إلا
بالاستجابة لأنواع العلاج على مسيرة العودة.
ولم أذكر متعمدا دور واحتمالات الصدمات الكهربية
هنا حتى لا أزيد الأمور تعقيدا.
وبالرغم من النموذج السابق فإنى لم
أشعر إنى زدت الأمر ايضاحا بالدرجة الكافية، وعلى ذلك فما زلت
أؤكد أمرين أولهما: أنى أقدم مادتى هذه لمن "يده فى
النار" وثانيهما: أن هذا العمل (الحديث عن العلاج)
يحتاج لعمل كامل متكامل بما فيه من عرض وحالات وشرح نظرى
أطول، آمل أن يتاح لى تقديمه عن قريب.
وقبل أن أختتم الحديث عن العقاقير
ومستويات المخ أقول بعض الملاحظات التى لم أستطع أن أوردها
بالقدر الكافى من الوضوح والتى أجدها متعلقة مباشرة بهذا الفرض
التطوري:
أولا: إن
استعمال أملاح الليثيم بنجاح فى إخماد النبض المرضى ينقلنا
مباشرة "داخل الخلية" وهو بعد تطورى كامل يختلف عن
بعد مستويات المخ من ناحية، ويقترب من بعد علم "بيولوجية
الجزيئات العظيمة Macromolecular Biology الذى يربط بين الوراثة، ومخزون
الذاكرة، وأصل التطور الفيروسى، رباطا لا يمكن أن يفهم الإنسان
بدونه، فإذا تذكرنا علاقة الذاكرة بالهلاوس وعلاقة الوراثة
بنوعية المرض النفسى لأمكن التيقن من أن الفروض المشتبكية
والكيميائية خارج الخلية كانت فروضا تخيلية تعميمية بلا مبرر،
وعلى أحسن الفروض هى فروض جزئية غير كافية.
ثانيا: إن التنشيط الصناعى لتركيب مستتب باستعمال مفككات
النفس (مثل ل س 25، LSD
25 وما
شابه) قد يفيد تجريبيا، وفى أحوال اضطرارية محدودة، إلا أنه ليس
دافعا للتطور فى العادة، ذلك أن هذا النشاط إنما يحدث نتيجة
لتدخل كيميائى مصطنع، بلا حاجة داخلية حقيقية، وهكذا تحدث
التعتعه والملخ والتفسخ نتيجة لتنشيط الانتقال فى المشتبكات
العصبية، وليس نتيجة الاندفاعة التطورية التلقائية المناسبة،
وبالتالى فهو يعرض المسار النموى إلى تجربة نمو غير محسوبة
بدقة، إذ هى صناعية ومفروضة من الخارج، ونتاجها عادة إما
اضطراب فى الشخصية مع مزيد من الاندمال والتكلس، أو تفسخ يصعب
رأم صدعه إلا برحلة علاجية طويلة.
ثانيا: العلاج الكهربائى: (الصدمات
الكهربائية):
لن أتحدث هنا إلا على علاج الصدمات
الكهربائية كنموذج هام ومفيد وخطير فى نفس الوقت فى علاج
المرض النفسى، والحقيقة أن هذا العلاج ما زال يفرض نفسه
وفاعليته على أى طبيب ممارس صادق مع نفسه، ملتزم بعون مرضاه
دون تدخل مخاوفه الشخصية، أو فرض معتقداته المثالية عليهم، أقول
نه ما زال علاجا فعالا قويا .. ومع ذلك فإن الأساس الذى
يعطى به حتى وقتنا هذا، هو أساس "إمبريق ى"Empirical بالضرورة (أيضا)
وقد وضعت أكثر من خمسين نظرية فى
محاولة تفسير هذا العلاج دون جدوى.
والفرض الذى تقدمه هذه الدراسة هو فرض
شديد البساطة يبدأ من وجه الشبه الذى حاولناه بين نبضات
القلب وبين عمل المخ .
وهو يقول: إن الصدمة الكهربائية هى نوع
من "محو الذبذبات"Defibrillation الزائدة والمنافسه والمعطلة سواء
كانت فى شكل ذبذبات متفرقة غير منتظمة Irregular widely-spread
fibrillation أم نقطة انبعاث إضافية"([29]) Extra pace maker، ذلك أننا افترضنا فى هذه الدراسة
أن المخ
يعمل
فى حالة اليقظة تحت أمر وإذن نقطة انبعاث Pace maker ولكنها لا تصدر من نقطة بذاتها
مثلما هو الحال فى القلب، ولكنها تصدر من "مستوى
بأكمله" whole level أما فى النوم فإن هذا المستوى يضعف
تحكمه فتنتطلق المستويات الأخرى معا لأداء وظيفتها التكميلية التى
سبق أن شرحناها (ص63 وما بعدها) .. وهكذا، فإذا لم يؤد النوم
والأحلام هذه الوظيفة ويعطى هذه الفرصة فإن المستويات الأخرى قد
تنشط أثناء اليقظة مما قد يؤدى إلى المرض النشط (أو فى حالات
أكثر ندرة إلى الموالفة الأعلى فى شكل إبداع أو نمو إن
استطاع المستوى الأعلى أن يستوعب هذا النشاط الآخر ويتآلف معه)
وطبيعة هذا النشاط ليست طبيعة رمزية ولكنها بيولوجية تشمل التغير الكيميائى والكهربى
على حد سواء، والنشاط الكهربى هنا هو مركز الحديث ونقطة
التركيز.
ولا توجد وسيلة حتى الآن - ربما فى
ذلك رسام المخ الكهربى - تستطيع أن تقيس هذا النشاط الزائد،
لأن أحدث الأجهزة لا تقيس إلا محصلة القوى الكهربية فى نقطة
ما على السطح فى الأغلب، وإلى درجة أكثر ندرة فى عمق معين،
ولكنه، لا يستطيع أن يقيسها فى مستويات مميزة، ومع ذلك فإن
بعض ما أشرنا إليه فى هذا الفصل (ص735 وما بعدها) عن الصرع
وعلاقته بالمرض النفسى الدورى خاصة، قد يؤيد ما ذهبنا إليه فى
هذا الفرض، وعلى ذلك فالصدمة الكهربية، - مثلما قد يحدث فى
القلب أثناء عمليات جراحة القلب المفتوحة بالتبريد - تؤدى
وظيفتها أساسا عن طريق "محو الذبذبات" Defibrillation وتثبيط نقطة الانبعاث الإضافية، وهى فى ذلك تمحو الذبذبات
الأضعف والانبعاث الأضعف، وطريقة عملها أنه بإمرار تيار كهربى
له قوة معينة فى أغشية المخ يمحو كل النشاط الكهربى لجزء من
الثانية أو أكثر، ثم هو إذ يعود ، يرجع النشاط الأكثر
انتظاما، والأقدر سيطرة ويثبط النشاط الأضعف، وفى الحالات المنتقاة
جيدا .. يرجع النشاط العادى والسوى، ويثبط النشاط المرضى الزائد.
أما فى حالات غير المنتقاة بعناية والتى
يكون فيها النشاط الجديد (الذبذبات الإضافية - أو نقط الانبعاث
الأخرى) قد نشطت واستقرت لدرجة الغلبة، فإنه بعد محو كل
النشاط الكهربى للمخ لهذه الثانية أو أكثر، تعود هذه النقط
الجديدة الشاذة وإلى العمل أكثر عنفا وأطغى على نقطة الانبعاث
السوية.
وهذا
ما يفسر أنه فى بداية الأمراض النشطة، وكذلك قرب نهاية دورتها،
حيث يكون النشاط المريض لم يطغ بعد فى حالة البداية، أو أنهك
تماما وفشل فى حالة النهاية، يكون مفعول الصدمة الكهربائية
مفعولا ناجحا ومساعدا على استعادة النبض السوى.
وعلى العكس ففى حالة قمة المرض، مثلا فى
قمة الهوس الحاد، قد تزيد الصدمة الكهربائية من حدة المرض
ولو مؤقتا.
أى أن هناك قانونان يحكمان عمل الصدمة
الكهربائية:
1- قانون يقول إن
إزالة الذبذبات كلها (والنشاط الكهربى جميعا) خليقة أن يستعيد
بعضها عمله دون البعض الآخر.
2- وقانون مقبل لقانون
"ستارلنج" وهو أن الصدمة تقوى القوى وتضعف الضعيف.
وبهذا الوضع يصبح إعطاء الصدمة
الكهربائية مسئولية جسيمة، وليس عملا عشوائيا، أو تخلصا من
المرض والمريض معا.
بل يصبح التمهيد لعلاج الصدمة
الكهربائية ثم ما يلحقه من تأهيل أهم مما يقابله فى العلاج
الكيميائى والعلاج النفسى.
وقد يجدر بنا أن نعدد بعض التوصيات
والملاحظات الخاصة بهذا العلاج الهام من منطلق هذه الدراسة، حتى
لا يعود عقابا أو يأسا، أو كما يقول العرب "آخر الدواء
الكي".
1- لا تعطى الصدمة
الكهربية إلا إن كان التشخيص يشير إلى وجود نشاط زائد بخلاف
نشاط المستوى السوى القائم (مضطربا كان أم منهكا مزاحا)
2- وبعد ذلك يكون قرار
المعالج أن هذا النشاط الزائد خطير ولا يمكن تهدئته بالقدر
الكافى بالكيمياء، ولا توجيهه بالأمان الكافى بالعلاج النفسى
والتأهيل، أو أن الوقت الذى ستستغرقه التهدئة الكيميائية طويل
لدرجة قد تؤدى بالمرض إلى الاستتباب على مستوى أدنى سئ التنظيم.
3- وعلى ذلك فإ إلغاء هذا النشاط الزائد هو تهدئة
مؤقتة ومرحلية، لأن هذا النشاط من صلب التكوين البشرى، وإلغاؤه
تماما وقهرا - باستعمال الصدمة الكهربائية عشوائيا - سوف ينقص
من الوجود الإنسانى نقصا يستحيل تعويضة إلا بأن يستعاد هذا
التنشيط فى ظروف أكثر مواءمة.
4- إن إلغاء هذا
النشاط الزائد يتطلب تنشيط النشاط السوى المقابل فى نفس الوقت
ويتم ذلك عادة بالعلاج النفسى (التواصل بالمعنى - الرسالة
والعائد) والتأهيل (توجيه الطاقة لمجال بناء يعود على الذات
بالتنظيم).
5- إن هذا وذلك يتطلب
إعدادا مناسبا قبل إعطاء الصدمة، وهذا الإعداد يشمل إعطاء
العقاقير التى تهمد الذبذبات الإضافية، كما يتضمن الجذب الإنسانى
لتنشيط المستوى السوى والعلاقاتى بالعلاج النفسى (التواصل بالمعنى)
والتأهيل (يا حبذا الخالقى).
6- إن إعطاء الصدمة فى هذه
الأحوال يصبح المسئولية الأولى للمعالج (الذى يقوم بالعلاج النفسى
أساسا) أو فريق العلاج باعتبار الفريق: هو المعالج الأول
وخاصة فى علاج الوسط.
7- إن التأهيل بعد
الصدمة يبدأ فورا مع إعطاء الصدمة مباشرة وعقبها فى الحال،
وذلك باعتبارها خبرة "ولادة جديدة" وباعتبار أن
المريض سيمر بما يشبه الميكروجينى Microgeny وهو الصورة المختزلة للماكروجينى Macrogeny ليعيد تنظيم مستويات مخه فى خلال
ثوان أو دقائق فى وجود المعالج المسئول الذى يصاحبه جنبا لجنب
أثناء استعادته وعيه ومعايشته السريعة المختزلة لتاريخ حياته.
8- إنه بهذا الشكل لا
يمكن السماح بإعطاء الصدمة الكهربية على جانبى المخ، إنما على
جانب واحد (غير الطاغى) وبأقل قدر من التخدير، وذلك حتى يسمح
للمريض أن يعايش هذه الخبرة العلاجية بكفاءة مناسبة دون تشويش
أو خلط أو نسيان.
9- إن المريض لا
ينبغى أن يأخذ الصدمة الكهربية دون قرار داخلى "بالعودة"
لأن نتيجة الصدمة هى توجيهه إلى القرار الأقوى فلو كان
القرار الظاهر هو العلاج والسير نحو الشفاء، وكان القرار
الداخلى والذاتى هو الانسحاب والهرب، فإن نتيجة الصدمة قد تكون
إما تسكينية مخمدة وإما زيادة فى مضاعفات المرض.
10- إن الإعداد - إذا -
لهذا القرار الداخلى يعد جزءا لا يتجزأ من علاج الصدمة
الكهربية.
11- إن عدد الصدمات لا
يقرره المرض: نوعه أو حدته، وإنما يقرر كجزء لا يتجزأ من
خطة كاملة للعلاج .. وبناء على استجابة المريض لكل صدمة على
حدة .. سواء فى الاتجاه أو الاستيعاب أو أى المستويات نشط
وأيها همد، وإلى أى مدى .. إلخ، وأحيانا ما يأخذ أحد المرضى
صدمة واحدة ثم يكمل الخطة أحيانا ما يأخذ عشرين صدمة دون
أن تخمد جذوة حيوية نظرا لأن المعالج (أو المعالجين) يتعهده
أولا بأول فى خطة علاج متكاملة.
12- ينبغى أن نحذر عشرات
المرات قبل أن نعطى المريض "المبدع بحق" صدمة
كهربائية ذلك لأن هذه النشاطات المتعددة معا، والتى ظهرت هذه
المرة فى صورة مرض، قد سبق أن أثبتت أنها قادرة على الموالفة
([30])
بدليل ما سبق من إبداع، وإلغاء أحد هذه المستويات، أيا كان
هذا الواحد، سوف يلغى أو يوقف الابداع([31]).
على أى حال ففى الأحوال المعد لها
إعداد حسنا، فى وسط ملائم وفاهم، وللاضطرار الأقصى، يمكن أن تعطى
الصدمات بدرجة من الأمان حتى لبعض المبدعين ما دامت تعطى فى
إطار علاجى كامل.
13- من خلال ما سبق
يمكن أن نذكر بعض الملاحظات المتعلقة بهذه المبادئ وذلك من
واقع خبرتى الكلينيكية حيث ثبتت فروق لا جدال فيها بين:
(أ) من يعطى الصدمة دون إعداد ومن يعطاها بعد إعداد (لصالح
الأول)
(ب) من يعطى الصدمة ويرافق بعدها مباشرة ومن يعطاها
ويترك (لصالح الأول)
(جـ) من يعطى الصدمة فى وسط علاجى ومن يعطاها فى وسط
"بارد" (لصالح الأول).
(د) من يعطى الصدمة بواسطة أحد فريق العلاج ومن يعطاها
بواسطة أى معالج (رقم ما) (لصالح الأول)
(و) من يعطى الصدمة بعد قرار داخلى ومن يعطاها فى أى
وقت دون قرار (لصالح الأول)
وليس هذا وقت أو مكان تفصيل ذلك.
وإن كان الباب مفتوحا لتحقيق ذلك على
نطاق واسع، آخذين فى الاعتبار التحذير الأول من أن من يمارس
العلاج من خلال "المواكبة" "واليقين" بالنبض
البيولوجى لابد أن يكون متغيرا" هو ذاته بحيث يستطيع أن
يأخذ فى الاعتبار تقويم كل حالة وكل علاج أولا بأول.
14- قد تعطى الصدمات لأمراض تعد مستتبه ومع ذلك تعطى
نتائج معينة تختلف باختلاف درجة الاستتباب:
(أ) فقد يتحسن المريض جزئيا ومبدئيا، وهذا فى ذاته قد
يدل على وجود نشاط غير ظاهر فى خارج السلوك، أى أنه يعتبر
من نوع "الاختيار العلاج ى"Therapeutic test
(ب) قد يتدهور ا