الباب
الثالث
إعادة قراءة
فى كتابات باكرة
فى
نفس الموضوع ومثله
مقدمة:
وأنا أختتم مراجعتى لهذه القراءات فى التراث
الشعبي، تذكرت أن لى عملين باكرين كنت قد نشرتهما فى مجلة "الصحة
النفسية" فى الستينات، ثم أعدت نشرهما فى كتاب هو مجموعة
مقالات باسم "حياتنا والطب النفسي"(1)
العمل الأول هو قراءة
فى أرجوزة "واحد اتنين سرجى مرجي، إنت حكيم ولا تمرجي"،
والثانى هو دراسة بعنوان "الحيل النفسية فى الأمثال العامية".
وبدون قراءة (جديدة - الآن) رحت أجمعها
المادة كما هي، لتنشر كملحق لهذا العمل "قراءة التراث الشعبى المعاصر فى وعى الناس".
ثم رحت أصحح الأخطاء المطبعية، فتعجبت من
هذه الكتابة السلسة ومن هذا الوضوح المباشر الذين هما نقيض
ما يميزنى الآن، وبالذات الوصف الذى وصفنى به عصام اللباد فى
تعقيبه على الحواديت، وتذكرت كيف أن كثيرا من القراء من
مختلف المستويات قد أتحفونى بتعليقات طيبة على هذين العملين
الباكرين بالذات، وعلى عمل ثالث هو كتاب شبه قصصى جمعت فيه
صورا من عيادة نفسية، بشكل شبه مباشر، ونشرته بعنوان "عندما
يتعرى الإنسان"(2).
ومع هذا فحين قرأت العملين وهممت بضمهما
إلى المجموعة الحالية رحت أتراجع، وقد كنت قد انتهيت لتوى من
هذه القراءة الأخيرة فى الحواديت الأربعة، وأزعجنى ما فيها من
تكثيف وغموض وتعسف وفرط تأويل واقتحام وراء إقتحام دون ما
دليل أو تراجع. رحت أراجع نفسي، وكنت قد راجعتها فى هذا
الصدد عدة مرات من قبل.
فأتساءل: ماذا يريد الناس أن يعرفوا من
شخص مثلي؟.
وأجيب: يبدو
أنهم يريدون أن يعرفوا ما يعرفونه فعلا لا أكثر.
وسألت:
- وهل هذا هو واجبى
الآن، بعد كل هذه الرحلة؟
وأجبت:
- يبدو أن هذا ما
ينتظرونه من طبيب نفسي، يمسك بالقلم أحيانا ثم أردفت:
- لكننى لا أستطيع، لم
أعد أستطيع أن أقرر وأسجل وأكتب وأنشر ما هو، فى نظري، تحصيل حاصل، .
فسألنى:
من أين تميز ما هو تحصيل الحاصل، عن
ماهو حق الناس فى معرفة أوضح، معرفة أمور بسيطة ومباشرة حتى لو
كانوا يعرفونها؟.
فأجبت:
على أن أجتهد فى كل مرحلة بحسبها، أما عن
الأمور التى يعرفونها فهذا عمل يقوم به آخرون، ولم أعد متأكدا من فائدته بعد طول هذه
الخبرة، بل إننى بدأت أشك فى أضراره لو سطح النفس البشرية
بهذه الصورة الشائعة، (من أمثال: دع القلق وابدأ الحياة، وعلى
الأم أن تحب إبنها.. إلخ)
وظل هذا الحوار يهدد صدور هذا الهامش، بل
كاد يهدد صدور العمل الأصلي، بعد أن امتد حوارى مع نفسى
ليدمغ هذا العمل الحالى باعتباره النقيض البعيد، متهما إياه
بالغموض والتكثيف والإفتقار إلى منهج متسق...إلخ (وهى نفس
ملاحظات معظم المعقبين الذين اقتطفت بعض أقوالهم آخر الباب
السابق.
ثم تراجعت عن التراجع، ورضيت بتسوية سخيفة:
وهى أن أستبعد من هذه الكتابات الباكرة ما أتصور أنه
لايتناسب مع المرحلة التى أمر بها حاليا مثل: "أن الطبيب
لابد أن يحب مريضه جدا"، أو مثل أن "الإنسان جسم ونفس
ومجتمع"، وأن أضيف ما أرى أنه أنسب للمرحلة، وعلى من
يريد أن يرجع للأصل أن يفعل، فهو منشور وفى المتناول فى
مكان آخر.
وقد انتهى الأمر إلى مايلى:
1- اختصرت أغلب ماجاء بعد
قراءتى الأولى لأرجوزة "واحد
اثنين سرجى مرجي" ثم أضفت تعقيبا على ما تبقى.
2- تذكرت قراءتى لأرجوزة
أخرى هى "ياطالع الشجرة" لم تنشر، فأعدت صياغتها من
الذاكرة لأنى لم أعثر على أصلها.
3- ثم نشرت الهامش الثالث
عن الحيل النفسية والأمثال العامية بأقل قدر من التعديل وقدر
متوسط من الإضافة.
وهكذا تحددت ملامح هذا الباب.
الأرجوزة الأولى:
واحد اتنين سرجى
مرجي
إنت حكيم ..
ولآتمرجي؟
"واحد إتنين سرجى مرجي
إنت حكيم ..
ولاتمرجي
أنا حكيم بتاع
الصحة
العيان أديله
حقنه
والمسكين أديله
لقمة
نفسى أزورك يانبي
ياللى بلادك
بعيدة
فيها أحمد
وحميدة
حميدة ولدت ولد
سمته عبد الصمد
مشته عالمشاية
خطفت راسه الحداية
حد يابد يابوز
القرد
القراءة:
سمعت من هو إبنى -كإبني- يردد هذه الأرجوزة مرة ومرات،
وبدون مناسبة - كالعادة - سألنى: "يعنى إيه"؟ - وتشاغلت،
فألح، وقلت له: ممن تعلمت هذه الأغنية؟" قال "من
جدتي" قلت: "أسالها ياأخي". وذهب يسألها فلم تتهرب
مثلي، فهى دائما أكثر شجاعة، وفطرتها أصدق من علمي، وإجاباتها
على الأطفال حاضرة دائما، وأخذت تحكى له "حدوته" ..
ووجدتنى أسمع بنصف أذن، ثم بكل حواسي، لأكتشف أن فى هذه
الأغنية البسيطة قصة الإنسان والحكمة والطب والمرض والموت.
فقد وجدتها تحكى أن أصل الإنسان هو أحمد
وحميدة، وأن الإنسان نشأ فى بلاد بعيدة، وما زال تواقا إلى
زيارتها لمعرفة أصله .. وأصل الحكاية.
فرحت أكمل لنفسى بعدها أن أصل الحكاية
نبي، والنبى هو الإنسان المتصل بأصل الخليقة، وتريد الأرجوزة
أن تصل الإنسان بأصل الوجود.
وما دام هناك أحمد وحميدة، فالنتيجة
الطبيعية أن حميدة تلد إنسانا جديدا، وأن تأخذ بيده فى دروب
الحياة، وما يكاد يمشى حتى يخطفه الموت فجأة وبدون مبررات
كافية، وكل ما نملك أن نقوله للموت هو "حد يابد يابوز
القرد".
وأثناء هذه الرحلة الغريبة التى بدأت فى بلاد
بعيدة، وانتهت بغير تفسير، يقابل الإنسان صعوبات وآلام لا
مبرر لها أيضا.
ويحاول بكل ما أوتى من قدرات وتحد وإصرار
أن يجعل هذه الرحلة أروع ما تكون .. رغم أنها رحلة لها
نهاية محتومة.
ويحاول الإنسان أن يرفض تلك النهاية ...
ويبدأ السعى نحو الخلود.
ويحاول أن يجده (الخلود) لنفسه .. أو حتى
فى ولده .. ولكن الحداية تخطف رأسه. لا محالة..
وما دام الخلود مستحيلا - جسدا، فليكن
خلودا بالعمل والكلمة والفن والحكمة.. من أجل حياة فاضلة
وسعيدة. مليئة بالأمل والصحة. فماذا تقول الأغنية عن الحكمة ..
وعن الصحة.
تقول إن الفرق بين الحكيم والتمرجي، (بلا
تجريح للتمرجى ما دام لم يدع الحكمة أو الطب) أن الحكيم
هدفه الإنسان المريض والإنسان المسكين على السواء، وأن هذين
أمران لاينفصلان، وأن المريض مسكين والمسكين مريض، وبهذا فقط
يكون الحكيم حكيما.
والحكمة - لغة - هى
معرفة أفضل الأشياء
بأفضل العلوم.
(وما أروع هذا التعريف
وأصدقه ..)
والطب من علوم الحكمة..
وطب الشيء:
أصلحه وأحكمه، والأجمل من ذلك أنه: "طب به: ترفق وتلطف.
نظرة فى القراءة:
وقد تبينت فيما عدا هذه المقدمة المعقولة
نسبيا (أنظر بعد) أننى لم أقرأ من الأرجوزة - فى النشر الأول
بعد ذلك إلا حكاية "أنت حكيم ولاتمرجي"، فرحت أصف
مهنتى باعتبارها تكاملا طبيا يعتنى بفهم المريض وحسن الاستماع
له، وقلت فى ذلك ما يحتاج إلى تسجيل بعض ما سبق نشره ثم
إعادة قراءة فمراجعة (مقتطف مما
سبق):
مقتطف (1):
واللغة هى وسيلة الإتصال بين الناس، ووسيلة
التعبير عن الذات ووسيلة التكيف ووسيلة الحضارة.
والطفل يتكلم منذ ولادته إلا أن طريقة
الكلام تختلف وتتطور، فهو أولا يتكلم بأحشائه بمعنى أنه يعبر
عن نفسه بالتبول والتبرز والدموع، ولا يسمع إلا جوع بطنه
ولا يحس إلا بعملية إخراجه.
ثم ينتقل إلى الحديث بلغة الحركة والإشارة،
فيعبر الطفل عن نفسه بحركات يديه ورجليه - بالإشارة والإيماءات
وغيرها.
وأخيرا يصل إلى مرحلة الكلام اللفظي، وفيها
يعبر الطفل عن نفسه بالألفاظ التى يستطيع بها أن يترجم مشاعره
وأن يجرد المعانى والمفاهيم.
إذن.. فالانسان محتاج إلى التعبير عن ذاته
منذ لحظة الولادة، وبأى وسيلة، فإذا حرم الانسان الناضج فرصة
التعبير الكلامى بحنجرته، فإنه قد يعبر عن نفسه بجسمه
وأحشائه.
فالفتاة التى لاتستطيع أن تقنع الآخرين بما
فى نفسها، أو التى لاتجد فرصة لذلك، فإنها قد تقنعهم
بالإغماء، فالإغماء هنا "لغة".
والرجل الذى لايستطيع أن يعبر عن صراع
قائم داخل نفسه بين الاستقلال والاعتماد على والديه، قد يصاب
بقرحة المعدة التى تعلن الاحتجاج على هذا الموقف غير المستقر.
والموظف الذى لا يستطيع أن "يبلع"
رئيسه، يتقيا.
والزوجة التى لاتستطيع أن تشتم زوجها قد
تسعل .. وهكذا،
وقديما كنا نتحدث عن "الأراجوز"
الذى يتكلم من بطنه .. بالمرض.
يقول الشاعر العربى:
"ولابد من شكوى لذى
مروءة
يواسيك أو يأسوك أو يتوجع"
أن يسمع، يواسي، أو يأسو، أو يتوجع
هذه هى وظيفة
الطبيب فعلا
وكم يكون المرض الجسمى لغة.. مجرد لغة..
إعادة
القراءة (1):
فوجدت أننى بعد ربع قرن من نشر هذا
الكلام، ومن الممارسة العنيدة الصعبة، وجدتنى أقر وأعترف أن
المرض لغة حقيقة وفعلا، لكن ذلك لا يعنى أن تكون وظيفة
الطبيب النفسى هو حسن الإستماع إلى المريض بالصورة السالفة
الذكر فحسب، حقيقة أن الاستماع هو من بين وظائفه، ولكنه
ربما كان من أقلها، بل إننى أتجه حاليا مع كثير من المرضى "النعابين"
إلى وقف "نزيف الشكوي" كما أسميه فى هذه الحالات، حيث
تصبح الشكوى بالكلمات هى بمثابة دق على رؤوس مسامير المرض
لتثبيته، وكأن المريض يخاف أن ينسى أعراضه فيروح يكررها وكأنه
يشكو للتنفيث فإذا بها تثبت أكثر.
والحكمة التى ذكرتها الأرجوزة لا تعني-
هكذا- حسن الاستماع بقدر ما تعنى: معرفة أفضل الأشياء بأفضل
العلوم، والمعرفة هنا هى فعل قادر أكثر منها نصائح رنانة، أو
تعاطف مستمع
مقتطف (2):
"وليس المرض النفسى
بدعا من الأمراض.
ويذكر لنا التاريخ أنه لا يوجد مرض طبى
أو جراحى لم يمر بامتحان الشعوذة والدجل، ولم يعالج بالتمائم
والرقي، حتى انتهت البشرية- بعد خسائر ليست يسيرة- إلى أن
الطبيب هوالمسئول الأول عن هذه المهمة الإنسانية الخطيرة.
ولم يختلف المرض النفسى عن سائر الأمراض.
فقد مر بنفس مراحل التخطيط بالتشوش. غير أنه تلكأ فى تلك
المراحل طويلا، ولم يكن ذلك إلا لطبيعته الإنسانية! وافتقاره
إلى الأدلة المادية الصارخة التى توقف هذا الهراء عند حد.
إعادة القراءة
(2):
قلت ذلك فى معرض التأكيد على دور الطبيب "العلمى
جدا" الباحث عن الأسباب المحددة حتما.
ولكن بعد خبرة ربع
قرن، لم أجد أن هذه التمائم والرقى مجرد هراء، كما لم أجد فى نفسى حاجة إلى انتظار الأدلة
المادية الصارخة لتوقف هذا الهراء، لكننى لمحت فى هذا المقتطف
الشارح للأرجوزة إشراقة باكرة وهى أن الطبيب هو المسئول الأول
عن "هذه المهمة الإنسانية الخطيرة" فحمدت الله أننى لم
أكتب "أنه المسئول الأوحد" وإنما المسئول الأول و ليس
الأخير.
مقتطف (3):
"وهدفه (هدف الطبيب)
هو أن يأخذ بيد الإنسان المريض، كائنة ما كانت شكواه، وأن
يقف بجواره حتى يجمع شتات نفسه، ويواصل رحلة الحياة كأحسن ما
يكون، وأصح ما يكون إلى أن يجيء الوقت حين تخطف رأسه
الحداية. والتى لا نملك إلا أن نقول لها:
حد يابد يا بوز القرد.
إعادة
القراءة (3):
وقد توقفت فرحا عند تعبير "يقف بجواره
حتى يجمع شتات نفسه" فاطمأننت إلى رؤيتى القديمة التى تبلورت
الآن، إذ أننى منذ كتبت هذا الكلام، توصلت إلى نظرية كاملة
شاملة تقول إن العلاج النفسي، والتطبيب النفسى ليسا تنفيثا أو
طبطبة أو ترفقا أو تسكينا، ولكنه "مواكبة"، "وجمع
شتات" و "مواصلة سعي" وأحسب أن هذا المقتطف
الأخير كان يشير إلى ذلك.
وكل ذلك زعم صادق ظاهره يؤكد أننى لم
أعش الأرجوزة كما ينبغي، وأننى ركزت فعلا على تعبير "أنت
حكيم ولاتمرجي" وأخذت أمدح فى الطبيب والطب النفسي، وأدافع
عن تخصصى وأعلى من شأنه وكأنه هو الحكمة الخالصة، وكأنه "أفضل
الطبوب بأفضل الترياق"، وكل هذا حماس يناسب المرحلة
الباكرة، لكنه لا يبرر إهمالى للأرجوزة بهذه الصورة التى كنتها
ولا يغفر لى تجاوزى عن معايشتها لاستيعاب إيحاءاتها.
فالأرجوزة إذ تقول:
"نفسى أزورك; يا نبي"
لا تسمح بأن أقرؤها أن أصل الحكاية "نبي"
وهى إذ تقول:
"ياللى بلادك بعيدة"
إنما ترسم سهما إلى الآتي، أكثر من أنها تصل الإنسان بأصل
الوجود... وهكذا،
فتأكدت أننى أخذت ما
يهمنى حينذاك (أنت حكيم ولاتمرجى) ورحت أكتب مقالا عن فوائد
الطب النفسى وكلام من هذا- فكانت النتيجة هى أننى ابتعدت قليلا
أو كثيرا عن الأرجوزة.
مراجعة:
على أننى عثرت لاحقا على مثل يؤكد الفرق بين
نوعين من المداواة، بين البيطرة والحكمة، يقول المثل:
"كنا فى البيطرة صرنا
فى الحكمة"
والبيطرة مداواة الحيوان، والحكمة مداواة
الإنسان، ورغم أن البيطرة عمل حاذق وعطوف وكريم إلا أنه ليس
مثل الحكمة التى تتضمن احتكاك عقل بعقل وحوار وجدان مع
وجدان، ثم مواكبة نحو التكامل الذى هو الصحة، وإذا كنا قد
أكدنا أنه لامساس بمهنة التمريض ونحن نقارنها بالحكمة، فلامساس
أيضا بمهنة البيطرة ونحن نقارنها بالحكمة..، لأن المقارنة لها
غرض التفرقة لا التفضيل وسوف أكتفى بأن أشير إلى بعض ما
تبين لى أنه ينبغى أن يثبت "هنا والآن"، بعد
المراجعة:
"نفسى أزورك يانبي"
ذلك الشوق الغامض المتكرر فى السير الشعبية، والمديح، والأراجيز،
الشوق للزيارة (زيارة النبي، زيارة الضريح البعيد): أهل طنطا
يزورون سيدى عبد الرحيم القناوي، وأهل قنا يزورون السيد
البدوي، هذا الحنين القوى "نفسى أزورك" هذه ظاهرة نفسية
تتعلق بالترحال والتغيير والسعى إلى الكشف رمزا وشوقا.
2- "ياللى بلادك بعيدة"
لا بد أن تكون بلد المزار بعيدة تحتاج شد الرحال، بل أظن
أنه يستحسن أن يكون المسار إليها بطيئا، ومازالت بعض رحلات
أهل الصعيد البسطاء إلى السيد البدوى تتم حتى الآن (1991) على
الجمال- "والشيخ البعيد له كرامة".
3- و "فيها أحمد
وحميدة" لا أظن أنها إشارة إلى أصل الإنسان كما جاء فى
قراءتى القديمة، بل إن أحمد وحميدة فى بلاد النبى البعيدة
يمثلون ود الحياة وحاجة الرجل للمرأة وبالعكس فى تكامل متناغم
يعلن حتما كسر الوحدة واستمرار الحياة،
4- ثم أوافق وأؤكد ما
جاء فى التفسير السابق للجزء الأخير، أن الحدأة هى الموت،
ومازالت روح الميت فى الوعى الشعبى هى تلك الذبابة الكبيرة
الخضراء، أو الحمامة التى تطير وحدها أو بصحبة البلبل، ومازالت
الأغنية الحزينة تعلن المفارقة:
حمامة
بيضا طارت يانينا
ماخدها
البلبل وطار وياها
قصده
يانينة يسمع لقاها
وبعد
فأظن أن كل هذه الرؤى والاحتمالات هى كشف
أشمل للنفس البشرية، بما يحقق لمن يقرأ التراث بحق أن يتعلم
فيضيف إلى ماهو تكامل نفسى حقيقى: سواء كان طبيبا أم تمورجيا
أم بيطريا أم بائع لبن.
على أن يكونوا كلهم حكماء.
الأرجوزة الثانية
ياطالع الشجرة
(من الذاكرة)
ياطالع الشجرة
هات لى معاك بقرة
تحلب وتسقيني
بالمعلقة الصيني
المعلقة انكسرت
يا مين يربيني
دخلت بيت الله
لقيت حمام اخضر
بيلقط السكر
يا ريتنى آكلته
هذا ما وعته
ذاكرتى من الأرجوزة
أما ما كتبته حينذاك ورفض الأهرام نشره فى
حينه (ولعل معهم الحق) فكان تفسيرا يتعلق برؤيتى لموقفنا نحن
العرب (ممثلين للعالم الثالث المتخلف) من استيراد الجاهز العصرى
الهش فى آن، الذى تشير إليه "المعلقة الصيني" حيث
تصورت أنها يمكن أن ترمز بشكل ما إلى التكنولوجيا، فقد خيل
لى أننا جالسون تحت شجرة الحياة (الحضارة المعاصرة) التى لم
نزرعها، أو التى لم نتعهدها بعد زرعها، جالسون نرسل المراسيل
وننتظر الفرج، إما فرج من قرض ميسر، (تسهيلات إئتمانية) أو أدوات رفاهية من ناتج صناعة
جاهزة، تؤكد الدعة والكسل.
هم يطلعون الشجرة ونحن ننتظرهم حتى يرجعون
إلينا بالسلامة، ومعهم طلباتنا جاهزة "مستوردة": "هات
لى معاك..." فلا نحن زرعنا الشجرة، ولا نحن ربينا البقرة،
نحن لا نفعل إلا أن نستورد ناتج التكنولوجيا وأدواتها دون
أن نستوعب متطلباتها وشروطها، دون أن نحاول أن نساهم فى تحديثها وتطويرها، فنصبح مستهلكين
لا مستعملين للتكنولوجيا، فإذا توقف استيرادها (كما تهدد أمريكا
روسيا والصين والعالم أجمع) توقفت عجلة الحياة، أو حتى إذا
أسيئت صيانتها (التكنولوجيا) -لأننا لسنا صانعوها - توقفت الحياة أيضا، فرددنا إلى نكوص
بشع، أطفالا بلا حول أو قوة، نبحث عن مرضعة أخرى (يامين
يربينى)
وحين نحرم من التكنولوجيا- بكسرها أوفشلنا
فى استيعابها-، ثم نروح نصرخ أطفالا بدلا من أن نجتهد على
طريق أشواك النضج، نتراجع إلى مزيد من النكوص.
فبيت الله هنا- فى هذا السياق - ليس مسعى
بعيدا أسعى إليه مثل الأرجوزة الأولى "نفسى أزورك يا نبي،
ياللى بلادك بعيدة" وإنما هو مرفأ يستجير به من لم يجد
من يحلب ويسقيه، ثم كسرت منه الملعقة الصيني، وهو مرفأ سهل
أيضا رغم وجاهته، لأن الصورة التى قدمتها الأرجوزة هى صورة
ناعمة ساكنة، لبيت جاهز ليس فيه ترحال وشوق، رغم ما يتبدى
فى داخله من جمال (حمام أخضر، بيلقط السكر)، وما يوحيه من سكينة
الطفولة التى غلبت على الصورة داخله، حتى أقلقتنى.
فأنا- إذن- لم أقرأ فى هذه الصورة أى سعى
حقيقى بديل عن استسلام وانتظارا للجالس تحت الشجرة "لطالع
الشجرة" ليأتى له بالبقرة التى تحلب وتسقيه هكذا، وهو مستلقى.
وقد تشوهت الصورة أكثر بالحمام الذى كان
يلتقط السكر ربما لأسباب شخصية: ذلك أن علاقتى بالسكر كرمز
للحلاوة أو الجمال (حلوة زى السكر) هى علاقة سيئة فعلا- كانت
أمي، وأحيانا خالتي- تدهن لنا
الرغيف الساخن بالسمن ثم تحشوه سكرا، ونجرى نغنى "ستى بتعمل
سمن وسكر، ونا باحب السمن بسكر" ولم تكن تلك هى
الحقيقة، ولكنهم كانو يفرضون علينا الأغنية لنستطعم الوجبة التى
تترك قدرا من الدهننة باقية فى فمى تنفرنى من هذا "السكر"
وحلاوته، واكتمل ذلك بالمصيبة المسماة "سد الحنك" التى هى أيضا عجين بسمن وسكر،
تذكرت كل ذلك وأنا أتصور الحمام الأخضر الجميل، يلتقط حبات
السكر هكذا فيحط على الأرض كسلا بجوار المنتظر الكسول
الأول، الذى ينتظر تحت الشجرة دون محاولة تسلقها شخصيا، على
أننى كنت قد تصالحت مع هذا المنظر حين رحت أرصد حمام
الكعبة الشريفة، وحمام ميدان سان ماركو فى فينيسيا، وميدان
الكنيسة الكبيرة فى ميلانو... الخ (لكننى أحسب أن الحمام هناك
لم يكن يلقط حب السكر وإنما فطر الطبيعة والحمد لله).
لكن هذه الأرجوزة قالت لى شيئا آخر يتعلق
بموضوعنا هنا وهو "علم بالنفس" من وعى الناس:
1- أشارت إلى علاقة الوجود
البشرى بالشوق إلى أعلى (ياطالع الشجرة)
2- وإلى علاقة الإنسان
بالطبيعة نباتا وحيوانا (الشجرة- البقرة)
3- وإلى ضرورة الوسيلة حتى لا
تكون العلاقة بالطبيعة هى البديل الفج البدائى (بالملعقة الصينى).
4- وإلى ضرورة الحرص على
هذه العلاقة (حتى لا تنكسر) وإلا انقطع الخيط بيننا وبين
النهل من منابع الفطرة وانفصلنا عن الطبيعة وأصبحنا "جسما
غريبا"
5- وإلى أنه (كما يقول
مولانا جلال الدين الرومى) كل من انفصل عن أصله، يطلب أيام
وصله، أى أنه كل من كسرت علاقته بالطبيعة، فهو يعاود السعى
إلى رحاب الكون رحاب الله صعودا ما أمكن، أو دخولا سلسا
آمنا (دخلت بيت الله).
6- وإلى عودة الحياة إلى
تناسقها بمنظر هذا الحمام
الأخضر (طبيعة أخرى) فى بيت الله تلتقط الحلو (رغم
تحفظاتى الشخصية).
7- وإلى الحفاظ على الشوق
والأمل طول الوقت... حتى بعد الإنفصال
والنكوص.
وأكتفى هنا بذكر رؤوس مواضيع هذه المراجعة
على ما تم نقله من الذاكرة لأنتقل إلى الموضوع الأخير عن
الحيل النفسية للأمثال العامية.
الحيل
النفسية فى الأمثال العامية
(هذا أصل كامل تعدل
ؤأضيف إليه إضافات
طفيفة فى أضيق نطاق)
شعر الإنسان أثناء تطوره بالحاجة الملحة إلى
التكيف مع بيئته والدفاع عن نفسه، وكذا إلى تجنب الألم والسعى
إلى تحقيق أهدافه..
ونعنى بالبيئة فى مجال التكيف كلا من
البيئة الداخلية (محتوى اللاشعور) والبيئة الخارجية (المجتمع
الكبير) على حد سواء.
وليس التكيف بمعناه الواسع قاصرا على
الإنسان، فإن بعض أنواع الحيوانات قد تلجا إلى وسائل للتعمية
مستعملة أساليب الخداع حتى تحمى نفسها من عدوها فى البيئة
الخارجية، ومثال ذلك ما تلجأ إليه الفراشة أو الحرباء من
تغيير لونها، فتماثل الأولى ما حولها من أزهار وتماثل الأخيرة
ما حولها من أحجار، وبالتالى تتجنبان الخطر.
والحيل النفسية ما هى إلا أساليب دفاعية
تهدف أساسا إلى التخلص من التوتر وتساعد الإنسان على التغلب
على ما يلاقيه من صعوبات فى بيئته، تلك الصعوبات التى قد
تكون شعورية يعلم الإنسان ماهيتها ويقدر خطورتها كما قد تكون
لاشعورية تهدد كيانه دون وعى منه .. وفى كلا الحالين يكون
دفاعا مباشرا أو غير مباشر بوعيه أو بدون وعيه.
ولنا أن نتساءل مطالبين بتفصيل أكثر; ما
هو المثير الحقيقى لهذه الأساليب وما هو الهدف الأساسى من
ورائها؟. والجواب هو "إن القلق الشديد الذى لا يستطيع
الإنسان احتماله هو المثير لكل هذا السلوك، وإن الهدف الأساسى
من وراء تلك الأساليب هو "خفض التوتر".
وينشأ التوتر من حدة الصراع الدائر فى
النفس الإنسانية; ومتى اشتد الصراع زاد التوتر والقلق، وعانى
الإنسان بالتالى من حالة تهدد سعادته وتشقى نفسه المطمئنة ..
الأمر الذى يدفعه إلى التخلص منها بكل وسيلة .. ومن أهم هذه
الوسائل: "الحيل النفسية". وهى الأساليب التى لا دخل
للتفكير الشعورى فيها.. فهى تحدث تلقائيا دون إدراك الإنسان، أى
بعيدا عن دائرة إرادته الواعية.. وهى تحدث آليا بقصد خفض
التوتر عند الأسوياء من الناس. ولكنها قد تتكرر حتى تصبح
عادة سلوكية تكون معوقة أحيانا لا سيما فى الأشخاص ناقصى
النضج أو المهيئين للأمراض النفسية - أما إذا زاد اللجوء
إليها زيادة أعمت الفرد عن إدراك نقصه ودراسة عيوبه فخدعته
عن حقيقته، وألجأته إلى تجنب الألم مهما صغر أو كان ضروريا
لمعرفة مجريات الأمور والوصول إلى أهداف الحياة فى إطار
الواقع.. وإذا بلغت زيادتها حدا أبعده عن الحياة الإجتماعية
والمشاركة فى معترك الحياة المتلاطم بالأهواء والأنواء، إذا حدث
هذا أصبحت هذه الأساليب أساليب مرضية تعوق التوافق السوى رغم
أنها فى البداية كانت تهدف للتوافق وخفض التوتر.
وهذه الحيل النفسية قديمة قدم الإنسان
ذاته، وهى متأصلة فى عاداته وسلوكه من قديم الأزل، وقد أدرك
الأقدمون هذه الحقيقة وصاغوها فى تعقيبات متداولة مما تمثل فى
الأمثال العامية والأغانى الشعبية العريقة فى مجتمعنا، وهذه ظاهرة
تدل على عمق جذور الاستبصار عند الإنسان على مر العصور ومع
اختلاف مراحل التطور، كما تدل كذلك على قدرته الفائقة على
التعمق فيما وراء السلوك الظاهرى من دوافع خفية ملتوية.
وتبدأ كل الحيل النفسية بعملية أساسية، وهى "الكبت".
فالكبت حيلة دفاعية أساسية تحدث وحدها أو تسبق حيلة أخرى
تكميلية أو ثانوية، وهى العملية اللا إرادية اللا شعورية التى
تحدث بصفة آلية فتنقل الأفكار والخبرات من دائرة الشعور والوعى
إلى دائرة اللاشعور حيث لا يمكن
فى الأحوال العادية استرجاعها أو تذكرها، ويمكن بهذا أن
يعتبر الكبت "عملية نسيان آلى الأفكار والنزعات ..."وهذا
النسيان يصاحبه إنكار للحدث أصلا، وشتان بين الكبت والقمع، فإذا
أحسست مثلا برغبة فى مصاحبة إحدى الفتيات وامتنعت عن ذلك
لظروف اجتماعية فهذا ليس كبتا لأنك أدركت رغبتك واحترمتها ثم
تحكمت فيها، أما إذا أنكرت أصلا أنك ترغب فى مصاحبتها فإن
إلغاء الإعتراف بهذه الرغبة - رغم وجودها فى اللاشعور - هو
الكبت بعينه وفيه ما فيه من خداع النفس ... وعادة ما تكون
النزعات والأفكار المكبوتة مشحونة بالانفعال الذى عجز الإنسان عن
أن يتحمله فى حياته الشعورية فآثر أن يخفيه فى داخل نفسه
ظانا منه أنه تخلص منه، فى حين أنه يدخل اللاشعور بكل
شحناته.
إذن فالكبت هو العملية التى تمحو من
الشعور والتعبير الحركى المباشر إندفاعات وأفكار لو أدركها
وعاشها الإنسان لكانت مؤلمة أو مخزية أو مخيفة، أو باختصار
هو عملية نفى فكرة أو اتجاه بما يصاحبهما من انفعال - من
حظيرة الشعور إلى غياهب اللاشعور.
و عملية الكبت
لا تكفى وحدها لخفض التوتر، لذلك فهى تحتاج لأن تدعم
بحيل دفاعية كثيرة أخري، ثم إن
الإنفعال الذى يصاحب الفكرة المكبوته يبحث له عن تصريف
مناسب، محور، ويتم هذا جزئيا عن طريق بقية الحيل النفسية.
والحيل النفسية قد تكون حيلا إعتدائية مثل "العدوان"
Aggression ويتجه العدوان هنا - كحيلة
نفسية - إلى غير هدفه الأصلى ... أى أنه يتجه إلى هدف غير ذلك
السبب المسئول عن التوتر الذى كان يستوجب الإزاحة والعدوان،
فإذا كان التوتر ناشئا من الحيلولة بين الإنسان وغايته مثل
إشباع دافع ما، وليكن دافع الجوع فإن العدوان قد يأخذ سبيلا
آخر للتنفيس عن هذا التوتر، وقد عبر ذلك المثل القائل:
"مالقوش عيش يتعشوا
بيه جابوا عبد يلطشوا فيه"
وقد يتجه العدوان إلى الجماد وهو غير مسئول عن الإعاقة، فنرى
أن دافع العطش مثلا إذا لم يشبع أنشأ حالة من التوتر
لاقبل للمرء باحتمالها فقد يكسر الإناء عدوانا عليه ... وفى
هذا قيل:
"العطشان يكسر الحوض"
ولكن قد يكون لهذا المثل تفسير آخر مثل
أن يكون وصفا مباشرا للهفة العطشان على الشرب لدرجة أنه
يندفع حتى ليكسر الحوض، أو أنه يكسره إذا فرغ باحثا عما
يمكن أن يحتويه جدرانه إن كان قد خلى محتواه، وهكذا.
وقد يكون العدوان على أشياء تافهة لا
علاقة لها بمصدر التوتر. وقد عبر عن ذلك المثل الذى قيل
فيمن يطارد ذبابة ويتابعها فى غيظ يحاول قتلها بأنه لا يعدو
أن يكون مليئا بالتوتر وأن هذا التصرف ما هو إلا تنفيث عن
عدوانه .. فالمثل يقول:
"دى مش دبانة ... دى
قلوب مليانة".
وقد يكون الإعتداء عن طريق إسقاط المشاعر
الضارة على الآخرين، فالإسقاط Projection حيلة
لاشعورية نلقى بها اللوم عن أنفسنا وننسبه إلى الآخرين فنتحرر
من المسئولية التى نشعر بها بأن ننسبها لغيرنا، ولهذا يلصق
الإنسان بغيره ما يعتمل فى نفسه ولايرضى عنه .. فالزوج الذى
تنطوى نفسه على رغبة فى خيانة زوجته يرميها هى بالعزم على
الخيانة.. وفى المثل:
"زانى ما يآمن لمراته"
رغم أن المثل قد يعبر أيضا عن حيلتى
التعميم والتقمص.
ومثل آخر أكثر مباشرة فى الإسقاط، وأكثر
علاقة بالعدوان لأنه رد مباشر على عدوان عابر.
لاتشتم
القحبة تلهيك
وكل
اللى فيها تجيبه فيك
والشطر الثانى هو الذى يعنينا فى الإشارة إلى
الإسقاط، ولكى يسمى حيلة فهو لابد أن يحدث، مثل كل الحيل
الأخري، دون أن يعى صاحبه بحقيقته، أى لا شعوريا، فالقحبة هنا
وهى تعاير خصمها بأنه "مشيه بطال، وعلى غير خلق..."
إلخ، تعتقد ذلك فعلا ... وتندفع فى إثباته دون أن تدرى أنها
هى التى تتصف بكل ذلك قبلا وأساسا.
وعكس الإسقاط تماما "الاحتواء"
Introjection وهو يحدث غالبا فى
الأشياء الحبيبة إلى النفس، فالطفل يحتوى "شكل" أمه...
والأغانى الشعبية فى الحب والغزل فيها من معانى الإحتواء أكثر
من أى مظهر آخر.. فالأغنية الشعبية تقول "احطك فى عينى
واتكحل عليك" أو "أحطك فى شعرى واتضفر عليك .. وإن جم
يسألونى ماقولشى عليك" وهذا هو الاحتواء بعينه.
وقد تكون الحيل فى كثير من الأحيان
إنسحابية، وفى هذه الحال يهرب المرء بعيدا عن مصدر التوتر
والقلق .. فينسحب عنه إلى ذاته أو إلى أحلامه يحقق بها ما
عجز عن الوصول إليه فى عالم الواقع.
وأوضح هذه الحيل هى حيلة الإنطواء
Introversion
حيث يكون الإنسحاب ماديا ومعنويا فيعزف الإنسان عن
مشاركة الناس ويهرب منهم ثم يأخذ فى تبرير موقفه وكأنه
القائل:
"اللى يخرج من داره
ينقل مقداره"
أو المثل القائل:
"أقعد فى عشك
لما
الدبور ينشك"
وهناك حيلة أخرى فيها قدر أكبر من العمى
بالإنسحاب والتراجع وهى "الإنكار" Denial فهى
تعتبر حيلة هروبية كذلك وفيها ينكر الإنسان وجود أحد شقى
القوى المتصارعة فى داخل نفسه، وبالتالى ينهى الصراع القائم; وقد
ينكر وجود الخطر الخارجى الذى يحتمل أن يسبب قلقا وتوترا فى
النفس وكأن ذلك ما يعبرون عنه فى قولهم
"ودن من طين .. وودن
من عجين"
وقد يلحق الإنكار أو ينوب عنه حيلة أخرى
تسمي، "الإبطال" Undoing ويعنى إبطال مفعول عمل
ما، أو شعور يشعر به الإنسان بتغطيته بفعل آخر، وهذا الذى
قيل فيه:
"زى اللى الصابونة فى
ايد ..
والنجاسة
فى ايد ... يطرطش ويغسل"
وهذا الموقف هو ما يحدث أيضا فى حيلتى
التكفير والإصلاح Reparation حيث يقوم الفعل الأخير بإصلاح ما حدث من
أذى فعلا - أو تخيلا - وبذلك يتخلص من شعوره بالذنب عن طريق
محاولة تعويض الخسارة أو إصلاح الفساد.
أما التبرير Rationalisation فهو
الحيلة التى تمثل اللمسة الأخيرة فى معظم الحيل الأخري،
فالتبرير هو محاولة من جانب الشعور لتفسير وتسويغ فعل أو رأى
ليس له فعلا ما يبرره .. إلا دوافع خفية لا يقبلها الإنسان
على نفسه ويأبى الإعتراف بها - أى أنه تقديم أعذار مقبولة
للنفس تبدو مقنعة لكنها ليست الأسباب الحقيقية.
وإن دراستنا للتراث الشعبى لتوضح كيف تعمل
الأمثلة العامية بصورة ملحة فى هذا الغرض، وكأنها ذخيرة لا
تنضب لتبرير الأعمال غير المقبولة حتى قيل، إفعل أى شيء تقرره
... وستجد مثلا يبرره" والتبرير يعمل لتغطية الشعور بالنقص
فى الخبرة أو العجز فى القدرات وهذا ما يعبر عنه المثل
القائل:
"اللى ما تعرفش ترقص
.. تقول الأرض عوجة" أو:
"إيش حايشك عن الرقص
يا اعرج.. قال قصر الأكمام"
وحيلة التبرير موجودة فى قصص شائعة
ومتداولة، ولا أظن أن أحدا لا يعرف قصة الثعلب والعنب المر
فى كل اللغات، فى العربية مثلا نظمت شعرا يقول:
وثب
الثعلب يوما وثبة شغفا منه
بعنقود العنب
لم
ينله، قال هذا حصرم حامض
ليس لنا فيه أرب
وصلاح جاهين ينظمها بالعامية المصرية قائلا:
"العنب دا طعمه مر
قال
كده التعلب فى مرة
والدليل
على إنه مر
إنه
جوه وأنا بره"
أما الحيل الإبدالية فهى الحيل التى تعنى
إبدال هدف مكان هدف أو إزاحة شعور مكان شعور غير مقبول من
النفس ومثال ذلك أن تتحول مشاعر الكره التى قد تراود الطفل
تجاه والده إلى هدف أكثر إحتمالا لهذا الكره دون أن يلحق
بالطفل شعور بالذنب، فإن بغض الطفل لمدرسه-مثلا - لا يثير
عنده شعورا بالذنب، فى حين أن كرهه لوالده يثير عنده خليطا
من المشاعر مما قد يسبب له التوتر والألم، وكذلك المدرس الذى
يقسو على طلبته قد يكون هدفه هو القسوة على المجتمع الكبير
الذى حرمه حظه من التقدير والرعاية ثم أزيح هذا الشعور
العدوانى وانصب على الطلبة الأبرياء وهذا ما يعبر عنه المثل
القائل:
"ما قدرشى على الحمار
اتشطر على البردعة".
وقد يكون الإبدال هو إبدال شعور خفى بعكسه: فيظهر على الإنسان عكس
ما يبطن دون وعى منه أو إرادة، وهذا ما يسمى "تكوين رد
الفعل" Reaction Formation فإذا ما أظـهر طفل مثلا
حنوا بالغا نحو أخيه الأصغر فإنه يخفى عادة دافعا عدوانيا
وكأن حنوه هو حنو القط على الفأر ولهذا قالوا فى ذلك:
"الفار وقع من
السقف. القط قال له اسم الله .. قاله ابعد عنى وخلى العفاريت
تركبنى."
ويضرب هذا المثل فى التحذير من العواطف
الزائدة التى ليس لها ما يبررها.
وقد تمتد دائرة الإبدال حتى تشمل كل
المثيرات المشابهة للمثير الأصلى بلا استثناء، وهذه الحيلة هى
حية التعميم Generalization
وإن كان التعميم ليس دائما حيلة، فهو جزء لا
يتجزأ من مراحل التعلم الشرطي، والمثل الذى يعلنه بوضوح يقول:
اللى
يتلسع ما الشربة، ينفخ فى الزبادى
أو اللى
اتقرص من التعبان يخاف ما الحبل
أما التقمص Identifieation فهو
أن يدمج الفرد شخصيته فـى شخصية آخر وذلك بشعوره وسلوكه
جميعا - فالطفل يتقمص شخصية أبيه وقاريء القصة يتقمص شخصية
بطلها ... وهكذا، وقد يتقمص الآباء شخصية أبنائهم سواء بسواء -
وهنا يحس الوالد - مثلا - بشعور ابنه فى الفرح والألم وغيرهما،
ولعله يحس حتى بإشباع حاجاته العضوية مصداقا للمثل السائر
"من اطعم صغيرى بلحة
.. نزلت حلاوتها بطني"
وكأن
الوالد شعر بالشبع واللذة الذين شعر بهما الصغير.
أما التقديس Idealisation فهو أن يبالغ الشخص فى
تقدير من يحب وتنزيهه بشكل زائد عن الحد حتى يصفه بكل
المحاسن التى فيه فعلا والتى ليست فيه كذلك، بل ويخلع عليه
أفضل أفكاره وغاية أمانيه وبهذا يجد مبررا للتعلق العاطفى به
ويحس أن عواطفه قد اتجهت اتجاها تستحقه، فالوقوع فى الحب مثل
واضح من أمثلة المبالغة فى صفات المحبوب والتغاضى عن عيوبه،
أو بتعبير أصح التعامى عنها، وهنا نحب أن نشير إلى ما
يتواتر فى هذا الصدد من آثار وأقوال، فحين قال عمر بن أبى
ربيعة "حسن فى كل عين
ما تود" كان يعنى إغفال المحبوب عيوب المحب وإبراز
الحسن دون غيره إرضاء لنزعة الحب ... وقد تصل المبالغة ما
وصل إليه قيس بن الملوح (مجنون ليلى) فى قوله "محب لا
يرى حسنا سواها".. ففى الحالة الأولى أضفى الحب الصفات
الحسنة على المحبوب أما فى الحالة الأخرى فقد نفى صفات الحسن
عن أى أحد إلا محبوبته، وهذا هو مصداق المثل القائل:
"عين الحب عميا".
وفى هذا أيضا ما فيه من إلغاء رؤية
الجانب السييء من المحبوب، وهو نوع من "الكبت"
باعتباره الحيلة الأساسية التى بدأنا بها الحديث، وهذا العمى لا
يقتصر على الغرام الشائع ولكنه هو المسئول أيضا عن أنه
"القرد ف عين أمه
غزال"
أو "خنفسة شافـت بنتها عالحيط
قالت دى لوليـة فى خيط"
وبعــد.
فلعل ما ذكرنا يشير أصدق إشارة إلى أن
مفهوم النفس الإنسانية وأبعادها لم تغب عن الأذهان لحظة من
زمان، وأن ما حدث مؤخرا أثناء تطور العلوم هو النظرة
العلمية للمظاهر النفسية أما ديناميات النفس، وإدراك القوى
المتصارعة فيها، فهى حقيقة موجودة منذ وجد الإنسان، لذلك لنا
أن نعجب كل العجب من هؤلاء الذين ينكرون اليوم ما أقره
الشخص العادى منذ آلاف السنين!
وأحسب أن المثل العامى لا يصف الحيلة
النفسية بقدر ما يعريها، وهو إذ يفعل ذلك، لا يسعى إلى
إلغائها بقدر ما يسعى إلى تقريبها من الشعور، بحيث تصبح أقل
ضغطا، وبالتالى أقل تشويها للنفس وللعالم الخارجى.
لذلك فإن استعمال الأمثال العامية قد ينبهنا إلى الحيلة
ليؤكد ضرورتها، وفى نفس الوقت يعترف بها، ثم يخفف من ضغطها،
كل ذلك على مستوى مناسب من الوعى البشرى الفردى والعام.