عودة إلى الفهرس

قاب قوسين،، أو أدنى[1]

ـ 1ـ

مواطن أنا من بلد بعيد.

بعيد فعلا... جدا فعلا،

 أحاول أن أبعد أكثر فأزداد اقترابا حتى يتداخل بعضى فى بعضى، فأجدنى مجتمعا بلا معالم وسط بؤرة ما، بؤرة عميقة بلا قرار، أنا لست نابعاً منها، ولا راغباً فيها.

 مالى أنا؟ لم أعد أحتمل.

ـ 2 ـ

هنا لندن،

خيرُ ما نستهل به إذاعتنا هو تلاوة مباركة من آى الذكرالحكيم،

..........، صدق الله العظيم.

السادسة والنصف وخمس دقائق، نشرة الأخبار الموجزة، السابعة، التاسعة، العاشرة إلا ربعا، العالم هذا الصباح، شريط الأخبار، العالم هذا المساء، أقوال الصحف البريطانية، عالم الظهيرة، أقوال الصحف العربية الصادرة فى لندن.

 ما الذى يجعلنى أتحمل كل هذا؟. لماذا أصر على أن أعاود الاستماع إلى ما أعرف حول ما يجرى مما أعرف.

 زوجتى تكاد تقفز من السيارة كلما سمعت هذا الفاصل الموسيقى اللندنى بين الأخبار.

 أشم رائحة التراب، وروحى لم تطلع بعد.

ذات مرّة، حين أوشكتُ على الغرق، كنت أحسب أنها أبشع ميتة، لكن هذا الغرق الآخر هو الأبشع قاطبة، غرقٌ فى تراب لزج يدفننى فيه مسخٌ بشرى لا يكلّف خاطره أن يرتدى قناعا ما. لا يخجل من بشاعته وجبروته، وأنا ـ الضحية ـ أخجل له نيابة عنه.

ما كل هذا التعذيب الذاتي؟.

أكتب مقالا يفرّج عني.

ـ 3 ـ

لا أريد أن أكتب حرفا،

أكتب مقالا ينشر فى الأهرام !!. أصبحوا يحترمون ما أخط.

لماذا؟.

 لمن؟ أكتب؟ ثم ماذا؟.

لا أستطيع أن أصمت، أكاد أنفجر.

عدت أتعجّب: لماذا أنا ـ وليس هو ـ الذى يشعر بالخجل مما يفعله هو بنا.

ـ 4 ـ

يبدو أن مجرد الاستمرار فى الحياة هو ذنب يستأهل الاستغفار.

ـ 5 ـ

أعاتبه وأنا أستغفر، فأشعر أننى كاذب فى استغفاري،

 فأعاتبه أكثر. أذهب للنوم.

أنا أنام مبكرا عادة، حتى هذه الليلة، أستطيع أن أنام مبكرا.

ـ 6 ـ

 الأطفال الخواجات المسلمون الشُّقــر يختبئون معى تحت الغطاء، أهدهدهم لكنّهم لا ينامون، لا أستطيع أن أكذب عليهم أو أطَمئِنُهُـم، يطلبون أن أحكى لهم حدّوتة، لا تحضرنى أية كلمة، يهربون منى فأفرح حيث لا أعرف كيف أعدّ لهم ما يأكلون، لم بهربوا بل ازدادوا اختباء تحت السرير خوفا من أن يعود القصف، ذهب النوم ولم أجرؤ أن أناديه.

حين ذهبتُ إلى دورة المياه وجدتــُـهم قد أحاطوا بى من جديد، ولم يترددوا أن يدخلوا خلفى إليها وهم يمسكون بطرف ثوبى فزعا وحيرة.

 أو عتابا ولوما. لست أنا، مع أننى أشعر بالذنب فعلا. ماذا أفعل

 هم لا يبكون، ولا هم يضحكون.

ـ 7ـ

 قصيدة فاروق جويدة عن البوسنة جميلة مؤلمة،

الشعر رائقٌ، مخترقٌ، حارقٌ. مزعجٌ. مفيقْ.

 ثم ماذا؟.

أقول لشيخى إن كتابة مثل هذه القصيدة وأجمل منها هى خيانة لهؤلاء الأطفال المشردين، وللنساء المغتصَبات، وللشباب تحت السادسة عشرة المدفونين أحياء بتهمة أنهم مجرمو حرب!!.

يدهش شيخى، ويصمت شفقة أو حرجا، لا أعرف. يربت على كتفى بيد حانية على الرغم من أنه لم يمد ساعده أصلا، فأفهم إشارته بما أحتاجه ولا أفهم ماذا يعنى، ولا ينفعنى شئ من كل هذا.

أى تسكين ـ مهما بدا رحيما ـ هو تغييب خطير.

ـ 8 ـ

أحاول أن أتعلّم من مرضاي.

مرضاى حين يسحقهم الألم يحتمون منه بفقد الشعور واللامبالاة.

أتذكر ما كتبتُه ونشر فى الأهرام بعد استشهاد سناء المحيدلى أو بعد ضرب جنوب لبنان، لا أستطيع أن أحدد، كتبت ما معناه: "لماذا يتألم الناس إذا كان الألم لا يقتلهم ولا يدفعهم إلى القتل (الآن ـ وليس بعد)؟ ".

 أتذكر ذلك خجلا من جديد وأنا أشعر أننى إنما أكرر نفسى، فأجدنى أكثر ألما وأشد عجزا؟.

عندى عادة كنت أفخر بها،(قال يعنى): باعتبارها دليلاً على أننى أهتم بالناس، ومع ذلك، مع فخرى بها، كنت أدعو الله أن يخلصنى منها، وهى: اختلاط الخاص بالعام.

الحدث العام يدخلـُنى حتى النخاع، أتقمص الظالم وكأننى هو، فأنا مسئول عمّا فعل، وأتقمص المظلوم فأشعر بالانسحاق والخزى أننى ما زلت أعيش !!.

ـ 9ـ

روبنشتاين، الحرم الإبراهيمي

نحن الذين قتلناهم وهم سجود فى الفجر، نخرب اقتصادنا، نتهاون، نقصّر، نخنع، نتنازل، نؤجل، نحن المجرمون فعلا.

فهل معنى ذلك أن روبنشتاين برئ؟.

خيبنى الله.

رادوفان كاراجيتشى، طبيب نفسى، أنا طبيب نفسى، إبن الكلب، كان محررا لمجلة علمية اسمها "طب نفس البحر المتوسط"، كنت أكتب لها الموجز باللغة العربية، إبن الكلب.

كل الذى أكتبُه الآن عن هذا الموضوع، وربما ما أكتبه عموما، قصة، مقال، بحث، كل هذا لا لزوم له فعلا، لا جدوى منه، ومع ذلك أكتب، وسأظل أكتب من يدري؟.

الأمم المتحدة، المؤتمر الإسلامى، منظمة العفو، حقوق الإنسان، الثعلب فات فات وفى ذيله سبع لفات.

ولاعزاء للسيدات.

هل هذا وقته؟ !!.

كل ما أرجوه من المجتمع العالمى الجدى، بل من محمة العدل الدولة، ألا يضيعوا وقتهم فى أمور حسومة بفضل القاتل والمقتول معا، كل ما أرجوه هو أن يوصوا القتلة أن يشحذوا سيوفهم أكثر حتى يسرعوا فى القتل بدلا من كل هذا الجزّ ـ هكذا ـ بسكين بارد.

أريحونا بالله عليكم، وسوف تجدون روبوتات أحدث تغنيكم عنا.

ـ 10 ـ

أهرب فى تذكّر مصائبنا المحلية، وأصرف انتباهى إلى معاناة أهلى وناسى الأقربين، أعمّق وعيى بالإهانة، الإهانات القريبة، أحاول أن أخدع نفسى بادعاء الاهتمام بمعاناة أهلى وناسى، هم أوْلى بمشاعرى وفعلى، الفلسطينيون، العراقيون، أهلى فى الصعيد أولى بي.

 لا يا شيخ؟!!!

وكأن قضية الظلم يمكن أن تتجزأ.

ـ 11 ـ

ياسيدى على عزت بيجوفتش:

 لم َتعجّلت الاستقلال ولم تلحظ مصيدة الإبادة؟.

متى يـُلغَى حق الفيتو فى الأمم المتحدة؟.

متى تُـلغى الأمم المتحدة؟.

أكره صدام حسين، جدا، جدا. ضبطت نفسى وأنا أدعو له بطول العمر، فعرفت مَن المسئول عن ذلك.

ـ 12 ـ

النظام العالمى الجديد..!!، "أ....." "إسكندراني".

إن من يعيش هذه الأيام، ويصله ما يصلنى، لو أنه يشعر، لو أنه يحس، و لم يجن أو يكفر فليس أمامه إلا القتل الآن وليس بعد.

ـ 13ـ

القيم العربية القديمة تبدو تاريخية هزلية سمجة إجارة المستجير!! كذا يا دكتور أحمد يا مستجير؟ "أقتل أسيرك إنى مانع جاري"!! لا يا شيخ ـ ميثاق قوق الغيلان: اقتل جارك وأسيرك وكل من يخالفك، هكذا أضمن.

محكمة العدل الدولية تحتاج إلى مافيا شرعية لتقوم بمهمتها المستحيلة.

أُرشق طفلك يا جبان فى رحم ابنتى، جنينا ليس له ذنب حتى لو كان صربيا.

لا أستطيع أن أنتظر. لا أريد أن أعيش.

ـ 14 ـ

على عزت بيجوفتش:

الإسلام يأخذ اسمه من: "...لحظة مفارقة تنقدح فيها شرارة وعى باطني.. من قوة النفس فى مواجهة محن الزمان، من التهيؤ لاحتمال كل ما يأتى به الوجود، من حقيقة التسليم لله ".

لا يا شيخ؟!.

أنا لا أظلمك يا عم على عزت، أنا لا أشك فيك، إن كلماتك هذه يستحيل أن تصدر من شخص لا يعنيها، فقط: أنا لست قدرها، أعرف أنك وقومك تتألمون أكثر من ادعائى مليون مرة، فمن أين لى بتلك اللحظة المفارقة؟. وكيف ينقدح وعيى الباطن لأسلّم لله، وأنا عاجز مقصّر مهزوم هكذا أمام هؤلاء القتلة الذين يدفنوننا أحياء، ويقتلوننا بالسلاح والكذب والشعر والديمقراطية والمنظمات؟.

قتلة اليوم يا عم على يا بيجوفتش، يا عم صلاح يا عبد الصبور، يا سيدنا محمداً صلى الله عليك وسلم، قتلة اليوم: مهذبون، سياسيون، ديمقراطيون، دبلوماسيون، كونجريسيون، و أحرار.

 جدا...جدا.

ـ 15 ـ

عزيزى القارئ:

إياكَ أن تأخذ ما كتبتـُه هذا مأخذ الجد. أخشى أن يحدث لك ما هو أنا فيه الآن. أنتَ مالك أنتَ حتى تحمل همّ كل هؤلاء؟.

مالكَ أنت وما لهؤلاء؟ مالكَ أنت وما لكل هذا؟.

ألا يكفيك ما أنت فيه هنا والآن حتى أحمّلك هم هؤلاء الخواجات الشقر المسلمين وغير المسلمين؟.حتى أحمّلك همّي.

ـ 16 ـ

أريد أن أسكت،

 "وليتكلم عنى صمتى المفعم".

لا أستطيع أن أسكت.

" لا أملك إلا أن أتكلم:

 يا أهل مدينتنا، يا أهل مدينتنا، هذا قولى: انفجروا أو موتوا".

المسألة ـ يا صلاح يابن عبد الصبور ـ تخطت أهل مدينتنا.

 لم نعد نملك ـ يا صلاح ـ حتى أن ننفجر.

 الذين ينفجرون يموتمون فى سياراتهم الملغومة دون ضحايا،

لا يترحم عليهم أحد منهم لأنهم يـُصنّفون إرهابيين.

ـ 17 ـ

نكفر؟.

شعرت أننى قاب قوسين أو أدني.

وحتى هذا، وجدتُ أنه لا معنى له، ولا فائدة منه.

لا أظن أن الكافر يتألّم أقل، ثم إن الكفر مستحيل لمن ما زال حيا

كل ما يمكننا هو أن ندعى الكفر، ثم نفشل فى الاستمرار فيه.

ـ 18 ـ

أنا مواطن من بلد بعيد.

نحن كلنا مواطنون من بلاد بعيدة.

بعيدة جدا.

بلادٍ سوف تنتصر حتما.

مائة

في

المائة.

ـ 19 ـ

ـ كيف؟.

ـ الذى حصل.

 



[1]- كتبت هذا المقال أثناء مأساة سيربرينسكا فى البوسنة من أربع سنوات، حيث جرى القتل الجماعى، ودفن الأحياء واغتصاب النساء بالجملة، ونشر الأصل باعتباره مقالا فى صفحة الرأى فى الأهرام، وحين فكّرت فى جمع ما هو "مقال فى قصّة" وجدت من المناسب أن أضمنه المجموعة بعد تعديلات متوسطة، لم أذكر فيها مأساة كوسوفو اللاحقة.