عين و صابت[1]
ـ 1 ـ
كان المؤتمر العلمى عالمياً
جداً، الراقصة تتلوي،والحفل هائص، والمناقشات تجرى على الموائد بمنتهى الجدية والحماس،
جدية أقوى وأصدق مما كان يجرى فى قاعات المحاضرات حيث تُلقى الأبحاث، والمشاريب
تحرك الجمود فيزداد التقارب بين القارات الخمس، دون اعتبار لاحتمال اكتشاف أى
قارات مجهولة أخري.
كان قد نجح أخيرا فى عمل ما
يكفى من التربيطات والترتيبات والضغوط والوعود، عشر سنوات وهو يسعى إلى ذلك،
يسافر، ويتعب، ويضحى، وينفق، ويكتب، وينشر، ويراسل، كل ذلك ليرفع رأس مصر عاليا
جدا، ونجح هذه المرّة بعد أن كان قد فشل مرّتين، ورفع رأس مصر وأفريقيا والعرب
عاليا جدا، جدا، والنجاح بعد الفشل غير النجاح من أول مرّة، له طعم رائع، ريح الفوز
ترتفع به إلى حيث الزهو حتى الخفة، ساعده الشراب على ذلك، لم يسرف، فاستطاع أن
يتخيل بوضوح حقد زملائه وفرحهم، ومجاملتهم، وتهنئتهم، وتهوينهم من الذى كان،
ونفخهم فى الذى كان، وسعادتهم به، وحسرتهم على أنهم ليسوا هو، وقال من موقع الزهو
بالواقع أنه قد حذق كل أبجدية الحياة العلـمية المعاصرة، وهو يقرّ تماما أن كل من
ينتقد هذه المناصب والمؤتمرات هو إما حاقد أو خائب أو متخلف أو جبان أو كل هذا.
قالت له فى رقة حانية..
"أو ماذا"؟.
فانتفض يسألها هل كان صوته
مسموعا وهو يفكر.
فلم تفهم وإنما أشارت إلى
الشراب، وأنه كان قد أشار إليها بيده إلى نوع معـّين ثم قال: "
أو.." وسكـَتَ، فسألتـْه: " أو ماذا؟"، فاعتذر، واختار شرابا بذاته
له لون ملتبس، وتبادل الحديث، وردّ على التهنئة، ولوّح بالوعود إن شاء الله. إن
شاء الله، كله بالمشيئة، ربنا يسهل.
ـ 2 ـ
ليلتها انطلق أثناء عودته
إلى الطريق الصحراوى يستنشق هواء نقيا قبل العودة، فانفجر إطار السيارة ليس بعيدا
من موقع انطلاقه، انفجر مع أنه جديد جداً، ولم يقف له أى عابر راكب أو راجل،
يساعده فيما هو فيه، وكان قد صرف سائقه ليتمتع بوحدته وقيادة سيارته بنفسه مثل
زمان، أتم تبديل الإطار بكل مشقة.
حين رفع يديه إلى أعلى ليرى
مدى تلوثهما تخلل أصابعه هلال آفـل يتوارى، فراح يؤكد لنفسه أنه على صواب دائما،
دائما على صواب، وأنه سوف يهب حياته لخدمة العلم والوطن والتخصص و أصحاب الحاجات،
وكل الناس.
فخيل إليه أنه لا يصدّق
نفسه، فاغتم غمّا غير مألوف، ومسح يديه الملوثتين فى جانبى سرواله (لم يفعلها ـ
هكذا ـ طوال عمره) وأدار محرك السيارة فلم يدُر.
وقرأ قل أعوذ برب الفلق،
والغم يزداد تصعيداً بلا مبرر ظاهر.
دار المحرك أخيراً.
ولم يتنفس الصعداء
[1] - كان ذلك قبيل حصوله على ذلك التكريم العالمى الذى يستأهله، بلغته،
والذى بدا أنه لم يؤدَّ ما انتـُظر منه، أو أنه لم يـُشـْبعه، وفى نفس الوقت ظل
صاحبى لا يستطع أن يخفى طيبته، وربما خيبة أمله.