عودة إلى الفهرس

...ولـــو!![1]

ـ1ـ

قالها الرجل الواقف خلفه: "ولو...!"

تلفت السيد العظيم فى فزع كالموت ودار برأسه يمنةً ويسرةً حتى كاد يكمل دورة كاملة، فانزعج المهنئون الذين كانوا يملأون الغرفة الواسعة كالقاعة أو البهو، وتلفتوا يمنةً ويسرةً ـ أيضا ـ فى استغراب لم يجرؤ أن ينتقل إلى مرحلتى الدهشة فالتساؤل، ولكن سرعان ما عاد "العظيم" يلتقط ابتسامته الواسعة التى سقطت منه فى دورة الفزع، أحكم وضعها على وجهه وقذف بكل وجوده وسط موج الأحضان المتدفق، كان يتمنى ألا تفرغ الحجرة أبدا حتى لا ينفرد به ذلك الكلب الخفى، ذلك الحقود الذى لم يعد يملك إلا أن يعوى كالذئب الضال، ومن خلف ظهره، ذلك الجبان.

ـ 2 ـ

انطلق مندفعا من الحجرة البهو قبل أن تفرغ تماما ـ ومر سريعاً صائحاً مبتهجاً يلقى قبلةً هنا وأمراً هناك، غاص فى جوف عربته الفارهة، وحين انطلقت به تمنى لو كانت مكشوفة حتى يلقى التحية ذات اليمين وذات اليسار مثل الغزاة العائدين من قهر المدن المحاصرة، وحين سمع صوت "الكلاكس" متغيرا مخنوقا شخط فى السائق شخطة كبيرة متسائلا، فاعتذر له هذا بدوره بأن "فردة" "الكلاكس" قد فسدت وأنه لم يتمكن من إصلاحها بعد، فأمره بضجر مشوب بخوف مجهول ألا يضغط عليه أصلاً لأن الصوت الأعور يزعجه.

أطاع السائق حتى كاد يقتل طفلا مرق أمام السيارة فجأة.

ـ 3 ـ

نظر فى الساعة الرقمية فى "تابلوه" السيارة، ملعون أبوها، رقمية؟. لماذا رقمية؟ بدعة حقيرة!.. الأرقام تقفر بغير حياء، وحتى النقط البينيـّة تضئ وتنطفئ بسرعة مذهلة بين القفزة والقفزة. اختراعات سخيفة تضطر الواحد أن يحسب كل شئ، وإذا ما حسب الواحد كل شئ، فعليه أن يعمل حساب كل شئ.كل شئ دون استثناء، يعمل حساب كل شئ قبل أن ينتهى كل شئ: كل الخيوط فى يده، وأصوات الصفوة تدفئه، وأكف الأحبة والخائفين تملأ أذنيه دون تمييز، ولم يبق شئ ليس فى متناول تحكمه إلا الزمن: 11: 54، 11: 55، 11: 56، 11: 57.

صاح فى السائق:

 ـ والساعة؟.

أجاب السائق وقد أشاح بذراعه كلها بعيدا عن النفير "الكلاكس":

 ـ مالها يا سيدي؟.

تراجع السيد بسرعة قبل أن يحتج على أنها "تمشي"، وتمهــّل حتى يتمكن من تغيير لهجته وقال:

 ـ مُقَدِّمة.

والواقع أن الساعة لم تكن مقدمة، بل إن السائق كان يفخر بها حتى يزعم أنه يضبط عليها ساعة الجامعة، ومع ذلك لم ينبس حتى عاد السيد يصيح:

 ـ ألم تسمع؟. أصـَمٌّ أنت؟.

لكن ساعة الجامعة دقت فى المذياع الخافت بالصدفة فطابقت الساعة الرقمية بالثانية، فحاول السائق ألا تلتقى عيناه بعينى سيده فى المرآة، فإذا بالأخير يصيح وكأنه يكلم نفسه:

 ـ ولو..!!.

لم يرد السائق، ولم يفهم، وسقط الرجل فى داخله حين تذكر أنه سمع اللفظ ذاته هكذا بالضبط، اللهجة ذاتها، الصوت ذاته، قالها له الرجل المجهول فى البهو الفسيح، ذلك الرجل القابع فى الخلف والذى لم يره أحد.

 فامتقع وجهه.

ـ 4 ـ

دخل البيت متأخراً، وكانت الأسرة الصغيرة مجتمعة تشاهد آخر مشهد فى فيلم نادى السينما، كانوا يـُلْبسون الجندى "سلوفيك" الطاقية السوداء استعدادا لإعدامه بعد أن أصر على أن يقول الحقيقة البسيطة دائما أبداً، تلك الحقيقة التى جعلت سلوفيك يعترف بخوفه وإصراره على الهرب رغم كل التحذيرات التى نبـّهته إلى إمكان تجنب ذلك بقليل من الكذب المشروع والتظاهر العام، تذكر أنه شاهد هذا الفيلم من سنوات قبل أن يصبح عظيما يشغل منصبا عظيما، وأنه بكى ـ حينذاك ـ على إعدام هذا الجندى الطفل بكاء قويا غسل روحه فتهجد لربه، أخذ يبحث عن دموعه القديمة فلم يجدها ولم يجد بديلا عنها إلا مزيجاً من الغيظ والخوف والغرور، لمح ما يشبه دموعه القديمة فى عيون ابنته، وهو عاجز تماماً التام عن مجرد مشاركتها، فأغلق التليفزيون فى عنف فى اللحظة ذاتها التى أطلقوا فيها الرصاص على الجندى "سلوفيك"[2]

 



[1] - كان ذلك عقب نجاح عميد كليةٍ ما للمرة الثالثة وهو يحاول أن يظهر كل الفرح، وأن يخفى كل الخوف، لكننى لمحته دون استئذان، فأشفقتُ عليه فى قسوةٍ وحشيةٍ، بهذه القصة المقال التى نشرت فى الأهرام أيضا.

[2] - إشارة إلى فيلم الجندى سلوفيك الذى كان يمثل البراءة الأقصى لجندى شاب يرفض الحرب، فلا يطيع الأوامر، وحين يحاكم يحاول رؤساءه وزملاؤه أن يساعدوه بأن يحفزوه إلى إنكار التهمة، لكنه ـ بنفس البراءة ـ أصر على قول الحقيقة وأنه لا يفهم لماذا يحارب، من؟ وبالتالى فإنه رفض الأوامر، ثم يحكم عليه بالإعدام، وهو مازال محتفظا بنفس الدهشة والبراءة.