الجزء الأول
شهادةٌ فى قصة ليست قصيرة!!
الورطة
"قصة فى قطار"[1]
على المقهى الذى فى ميدان سيدى
جابر، بعد شريط الترام وأنت ذاهب نحو المحطة توجد قهوة كبيرة ماسكة ناصيتين، جلس
على الرصيف فى الظل ووجهته ناحية الترام، لا ناحية المحطة، مع أنه فى المرّة
السابقة كان يجلس ووجهه للمحطة، وراح ينظر إلى ناحية القطار كل قليل، وكأنه سيراه
وهو قادم فيجرى ليلحق به، بدا وكأنه لم يصله خبر أن الأمور تغيرت، وأن قطارات
هذه الأيام لا تحتاج إلى الحدْس ومباريات الجرى، كلّه تمام بالدقيقة، شئ فرنساوى،
وشئ توربينو، وشئ أسبانى، مصلحة السكك الحديد المتحدة، ثم إنه لمّا تجوّل المرة
التى فاتت اكتشف منطقة لم يكن قد تجوّل فيها من قبل، توجد هذه المنطقة على الناصية
المقابلة، الناحية الثانية من شريط الترام، مطعم صغير أمامه شوّاية الفراخ
بروائحها التى هى، هذه أيامها بعد حكاية جنون البقر، ثم فرن جميل نظيف تتصاعد منه
رائحة الطزاجة الدافئة. هو يحب الخبز هكذا دون غموس (الخبز الحاف)، فى جولة سريعة
المرة السابقة، تعرف على المكان وكأنه مسافر إلى الخارج يكتشف حوارى بلد متوسط على
الطريق ـ مثلا ـ من تركيا إلى اليونان، هذه المرّة لفّ نفس اللفّة وكأنه يتأكد أنه
قد أصبح له حق مواطَــنة وطن جديد اسمه "سيدى جابر" لا يحتاج الأمر إلى
دخوله أية إجراءات أو تأشيرات، شوارع ضيقة نسبيا، وعمارات متوسطة قديمة منتصبة فى
ثقة وهى تتحاور فى همس، ومحلات بسيطة ونظيفة وصغيرة، وانحناءات غير متوقعة، ثم إنه
عرف كيف يوحّد الاتجاه رغم الانحناءات التى تصل إلى الزاوية الحادّة، يسار فى يسار
فى يسار تجد نفسك ثانية على شريط الترام أمام بورصة كذا (لم يعد يهتم بالأسماء بعد
أن تكرر نسيانها) والبورصة ـ كما خيل إليه فى لغة الإسكندرانية ـ تعنى القهوة، ناس
يجلسون مع بعضهم البعض، ناس بحق وحقيق، لا ينتظرون القطار، أى قطار، فقط يجلسون
ويتصايحون ويلعبون ويتكلمون ويضحكون، والله زمان، هو ليس من رواد المقاهى أصلا،
وقته لا يسمح، ومع ذلك، والله زمان، كله من هذه السيارات، وخاصّة هذه السيارة
الأخيرة ذات المقعدين، فصلته عن الناس، كيف يمكن أن يتربى الأولاد بلا احتكاكات فى
الأتوبيس، وبلا بحث عن الفكّة فى جيوبهم ثم حوار مع المحصّل يعنى ("الكمسارى"؟!) وكان قد تعمّد،
بعد أن كبر الأولاد واستقلّوا، شراء هذه السيارة الشبابى لا ادعاءً للشباب وإنما
تجنّباً أن يركّب أحداً معه، سواء من أولاده أو من المارة الذين يشيرون بأيديهم
أحيانا فيخجل هو من المقاعد الخالية، ومع ذلك لا يقف لهم، وأيضا هو نجح أن يقاوم
إلحاح أولاده وزوجته أن يوظف سائقاً خاصّا يليق بدخله ويوفر وقته. نقوده القادرة
على تعيين سائق خاص كادت تحرمه حتى من الاختلاء بنفسه فى السيارة وهو يستمع إلى
إذاعات لندن والإذاعات الأخرى التى تكرهها زوجتة، فهى تعتقد أنها إذاعات متخصصة فى
نشرات الأخبار المليئة بالقتل والغم والحوادث، هذه السيارة، كل السيارات، أصبحت
حاجزاً فوق الحواجز بينه وبين الناس، ومع ذلك فهو يحب هذه السيارة حبا جما رغم كل
شئ، "اثنين صُحبة، ثلاثة زحمة"، قولٌ "خواجاتي" سخيف، أثناء
جولته هذه المرّة وقف أمام الدكان الصغير على ناصية أحد الانحناءات الحادة، أمام
الدكان ثلاجة بها "آيس كريم"، فتحها وتناول منها قمع البسكويت الذى
يحبّه رغم قشرة الشيكولاته التى لا يحبها، دولسيكا بالبسكويت، هو لا يحب البوظة أم
عصا، أصبح قمع الدولسيكا بجنيه، هذا هو الشئ الذى استطاع أن يتابع أسعاره فى
السنوات الأخيرة، 35 قرشا، ثم 50 قرشا، ثم 65 قرشا، ثم هُبْ قفزة إلى الجنيه
الصحيح، إنه لا يشترى ـ شخصياً ـ شيئاً بنفسه، وهو لا يحتاج إلى شئ، وبالتالى لا
يعرف إلى أين وصلت الأسعار هذه الأيام، ثم إنه لمح كراريس على الرف الداخلى للمحل،
هذه أيضا من الأشياء التى كان يشتريها من سنوات قبل حكاية الكومبيوتر،"أرخص
كرّاسة لو سمحت"، متوسطة، ورق أى كلام لو سمحت، غلاف عادى لو سمحت، ما
الحكاية؟. لو سمحت لو سمحت لو سمحت، المهم، اشترى الكراسة، لماذا اشترى الكراسة؟
هذا أمر فى علم الغيب حتى هذه اللحظة، اشتراها بجنيه أيضا؟ نفس ثمن الآيس كريم، ثم
إنه فرح فرحاً مناسباً، بغير سبب ظاهر، الكراسة بجنيه و الـ"جيلاتي"
بجنيه، مثل زمان، دومة بمليم، وعسلياية بمليم، وقرطاس لب بمليم، وتتبقى نكلة،
والكراسة (زمان) 32 صفحة كنظام وزارة المعارف العمومية بنكلة، أو تعريفة حسب
الورق، هو لا يحب تذكّر الماضى بحنين خاص، ولكنه لا يستطيع أن يحول دون الشعور
بهذا الحنين الخاص رغم اختلاطه بمشاعر متداخلة من المذلة والضعف والحيرة والوحدة،
نعم والوحدة، منذ هذه السن المبكرة، انقطعت علاقته بالتسوق تقريباً فيما عدا هذه
الـ" دولسيكا " وبعض الكشاكيل التى توقف عن شرائها بسبب صديقه الجديد،الحاسوب،
ما أسخف الاسم، هو الكمبيوتر وخلاص، فحتى أسعار الكراريس والكشاكيل توقف عن
تتبعها، وهو قد اكتفى بإعطاء زوجته مبالغ أكثر من المطلوب حتى يوفّر على نفسه
الشكوى من الأسعار، ومع ذلك فهى لا تكف عن تذكرته، وهو يزوغ، وهى لا تكف،"فيم
تـتكلم إذن إذا لم تتكلم فى الأسعار"، يا ستى خلّ الهم لأصحابه، نحن قادرون
والحمد لله، فتنبرى زوجته تحاول أن تـُفَهمه أنها تتكلم من أجل المهمومين، هكذا
مرة واحدة؟ طيب كيف؟"؛ إن كثرة الكلام عنهم تجعلنا ننساهم، أعنى قد تجعلنا
ننساهم. نعم؟ نعم؟ خلاص، لا أقصد، بل تقصد. أستغفر الله العظيم، آخر كشكول اشتراه
كان بعدّة جنيهات، أغلى من روايات نجيب محفوظ، كان كبيراً ومرسوماً عليه صورة ولد
من الأولاد المغنيين أو الراقصين (لم يعد هناك فرق)، وحين طلب غلافا سادة لم يجد،
فاكتفى بغلاف عليه ميكى ماوس، مع أنه يحب أكثر توم وجيرى، وزوجته تواصل الحديث عن
الأسعار، وهو لا يستطيع أن يجد ردودا مناسبة كل مرة، وهذه المرّة الأخيرة اكتفى
بأن يزوم وهو يهز رأسه، فتمادت ظانّة أنه فهم ويتابع، فيتمتم، فتتمادى، فيزوم مرة
أخرى بطريقة أخرى، فتتمادى وهى تحدثه عن الناس المساكين جدا، وتبدى من أنواع
الشفقة ما لا يجوز، وهى تؤكد أن الحديث عن الجوعى والمساكين هو مسئولية كل
متحدث،وذلك حتى لا ننساهم، يا حرام. كذا؟. وهكذا تلقى عن كاهلك كل شئ بمجرد أن
تحكيه، هذا رأيه. يا سبحان الله، نحن نخفّض الأسعار بالكلام، نبنى مساكن للشباب
بالكلام، ونروى لهم الأفدنة الصحراوية التى ضحكنا عليهم بها فتاجروا فيها ما دامت
بدون ماء، بالكلام، يبدو أن الكلام مهم جدا فعلاً !! ماشى، كلام الناس هو الرأى
العام؟ الرأى ماذا ولا مؤاخذة؟. الرأى العام: يعنى الرأى العام، ماذا فى هذا؟. ألم
نتفق على التوقف عن المعايرة، وفارس مالبورو ينظر إليه من الإعلان الكبير الموجود
على حائط العمارة المقابلة، والله هذا الفارس أرحم من تلك الراقصة على غلاف
الكشكول اياه، على الأقل هو فارس يذكرنا بشهامة موقف الفرسان الذين لا يطعنون فى
الخلف، ثم إن هذا الفارس بالذات يوصيك بالنكهة، حلوة النكهة هذه، وهو لم يعد يدخّن
من أصله، فلماذا اشترى الكراس؟ وما علاقة هذا بذاك؟. عجيبة. عموما هو طالع فى
مقدَّر جديد، منذ قرر أن يستقل القطار ذهاباً وإياباً إلى الإسكندرية التى يحبها
جداً، يحبّها أكثر مما يحبها إدوارد الخرّاط وطبعا أكثر من يوسف شاهين، من أين له
أن يعرف؟. من فرط حبه لها، لا يوجد أكثر من هذا، فراح يستعيد أشياء صغيرة رائعة
كان قد هجرها بسبب الثراء والعربات والجرى وراء الجرى، وراء الجرى، وراء الجرى،
وراء... (كفي. الله!!)، لكن هذه الكراس التى اشتراها بغير قصد تحل فى وقت غير
مناسب، وكأنها تريد أن تستفرد به بعيدا عن غريمها الكمبيوتر، ذلك الصديق الجديد العظيم
القادر النذل، قال اسمه الحاسوب قال!! يستأهل هذا الاسم بدلا من الكمبيوتر ما دام
هو بكل هذه النذالة، لكنه مع نذالته صديق، حين تصادق نذلا وأنت تعرف ذلك لا يحبطك
تخلّيه أو تصدمك أنانيته، فتطول الصداقة، وقد حال هذا الكمبيوتر بينه وبين أصحابه
القدامى مثل أقلام الحبر الجاف المتعددة الألوان الرفيعة السن جدا، وكافة أنواع
الكراريس، ولكنّه ظل محتفظا بصداقة الأقلام الرصاص والأساتيك (جمع أستيكة لأنى لم
أعرف جمع ممحاة، هل هو ممحايات أم مَمَاحٍ)، هذا الصديق النذل (الحاسوب) شفاهُ من
عشق القلم والورق معاً، واختصت الأقلام الرصاص بشخبطة الكتب التى يقرؤها،الكمبيوتر
صديقٌ حقيقى له حضور، يلقى عليه تحية الصباح، وأحيانا يضغط على زرّه وهو ذاهب إلى
دورة المياه ليسمع زنّة الفتح الرقيقة، ثم يغلقه دون أن يعمل عليه بعد أن ينظر فى
شاشته الفضية بحنان، ومع ذلك فهو صديق نذل أيضا، ولن أقول لكم لماذا! مقالبه
يحتملها بكل صبر، مع أنها أحيانا تكون باردة وغادرة، يعاتبه، أو يعاقبه، أحيانا
بأن يرفض أن يغطّيه بغطائه وهو خارج بعيدا عنه، كما أنه إذا غضب منه، أو عليه، لا
يمسح عنه التراب ولا يربت عليه حين يبدأ العمل، نفس الشكوى كانت تشكو منها زوجته،
فهو لم يملّس على شعرها إلا مرّات قليلة فى استجابة غير عفوية لمطلب غامض أشبه
بالشروط السرية فى معاهدة استسلام، أشياء كثيرة صغيرة شديدة الأهمية فى الأنس
والمداعبة، لم يتعلم منذ الصغر كيف يتقنها، مع أنه على يقين من أنها ضرورية، وأنها
أهم من الأشياء الكبيرة التى لا يتقنها أيضا، يعتذر لابن حزم بكل خجل لعجزه عن
الألفة والإيلاف، لماذا أسمى كتابه "طوق الحمامة؟. الرقة لا تباع ولا تشترى
يا أخى، يشفق على زوجته بقسوة ويتساءل: لم قبـِلَـتْه ما دام هو هكذا؟ ظلمت نفسها
هذه السيدة.
ـ تمسح يا بيه؟.
والله زمان.
زمان، كانت الكراريس وحدها
هى التى "كنظام"، وهو لم يعرف أبدا ما هو نظام وزارة المعارف العمومية
التى تحذو حذوها هذه الكراريس، وكان يتصوّر أنه إذا اشترى كراسة مكتوباً عليها
"وزارة المعارف العمومية" من غير "كنظام"، فإنها فى الأغلب
ستكون مغشوشة؛ فالأصل فى الكراريس أنها كنظام، أما تلك الكراريس
بدون"كنظام" فلا أحد يعرفها، تأكد من ذلك وهو يقرأ مُثُل أفلاطون يبدو
أنه كان عنده حق حين نبّه أنه حتى السرير ليس إلا "كنظام" السرير الذى
هو "فوق"، فى عالم مُثُـل سيدنا أفلاطون بالصلاة على النبي، حلوة حكاية
السرير هذه[2]،.
كل شئ الآن أصبح "كنظام" وخصوصا الكمبيوتر ولكنهم قلبوا كلمة كنظام إلى
"كومباتِيبُل"، السبق الذى حققته جمهورية مصر العربية هى أنها نجحت أن
تعيش بدون نظام أصلا، وهذا شئ مصرى شديد الخصوصية، فكل شئ يسير بنجاح غامض الأسباب
فى هذا البلد العجيب، لا أحد يجوع فعلاً، ولا أحد يثور، ولا أحد يتعلّم، ولا أحد
يأخذها جدا، وكلّه ماشي؛ فالقطارات تأتى فى مواعيدها، والمجارى تجرى فى مجاريها،
والجسور تمتد إلى غايتها فتزداد البلد ازدحاما من باب البركة، معجزة هذه والله
العظيم، قوانين هذا الشعب لم تُكتشف بعد.
ـ شكراً يا ابنى شكراً، لا، شكراً.
قدّر أنه لو وافقه فإن
القطار قد يفوته مع أنه مازالت أمامه عشرون دقيقة، والمسافة بين مقعده فى القهوة ـ
كما قاسها المرة الماضية ـ وعتبة القطار هى دقيقتان وعشرون ثانية، ياسلام!. ما كل
هذه الدقّة؟. ثم من أدراه؟ ـ ثارت هواجسه وهذا جزء من طبعه السرى ـ من أدراه أن
هذا الفتى سيأخذ الحذاء وُيرجعه، تبقى فضيحة أن يذهب إلى القطار بالجورب. زمان
(تاني؟!) كان ماسح الأحذية يمسح الحذاء وأنت لابسه، وهات يا كلام ودود من هنا
وهناك، كان له دور مسامر لطيف، أخف دما من الحلاق، لماذا يتقن ماسح الأحذية الحديث
ويتفننَّ فيه أكثر من أى حلاق؛ ربما لأنه يجلس مستريحا على الأرض وهو يحكى، رأيتَ
كيف يؤثر وضع الجسد فى السلوك و التفكير، يا أخى، سبحان الله، الآن ماسح الأحذية
يخلع عنك حذاءك، يضع تحت قدميك ورقة كارتون مليئة بالألوان المختلفة لكنّها جافّة
لا تصبغ جوربك، اطمئن، ومن لم يعتد مثل هذا التخلى عن حذائه ولو بشروط معلنة
مسبقا، لا يمكن أن يطمئن إن كان حذاؤه سيرجع له أم لا، طبعا هذا كلام فارغ، فلا بد
أن صاحب القهوة والعمّال بها يعرفون هذا الفتى ماسح الأحذية، وإلا لما سمحوا له.
ـ لا يا ابنى، قلت شكرا، أكثر الله خيرك.
نظر إلى الكرّاس الجديد وهو قابع
على المنضدة، لم يكن قد وضعه بعد فى الحقيبة الوحيدة الخفيفة التى يحملها، لماذا
اشتراه؟ وماذا يمكن أن يفعل به؟ اشترى معه قلماً جافاً، رينولدز الفرنسى الصنع،
حتى الأقلام نستوردها، راح الكراس يقول شيئا همسا، حنين قديم، أشبه بالعتاب، لا
مشاكل (تعبير مستورد جديد لن أقوله لك بالإنجليزية)جلد الكراس خشن، وله رائحة مثل
رائحة ورق اللحم، ترى هل مازالوا يبيعون اللحم فى ورق أثقل من وزن اللحم؟. جلدة الكراس عليها نقوش غامضة كان
لونها ينوى أن يكون "بمبياً!" ثم عدَل، كان الغلاف زمان (كل حاجة زمان
زمان؟. هذا الأسلوب هو من علامات الكهولة، وهو ليس كهلا بعد،والمصحف ليس كهلا)،
ظهر الغلاف كان مدرسة نصائحية متحركة، دمّها خفيف، ولا أحد يطالبك بتنفيذها على
أرض الواقع، قارَنَ ما كان يكتب على ظهر الكراس مثل: "اغسل يديك قبل الأكل
وبعده" أو "لا تؤخر عمل اليوم إلى الغد"، بتلك الفتاوى التى يطلقها
هذا الطبيب النفسى جدا فى التليفزيون إثر سؤال مشكل، تذكر وهو يبتسم كيف كان يقول
لا فضّ فوه، دون أى تردد أو تفكير أصلا: إن الأبحاث الأحدث أثبتت أنه على
"الأم أن تحب ابنها"، أما الأبحاث الأكثر حداثة فهى تؤكد أن
"الطالب وهو يذاكر لابد أن يركز؛ لأن هذا من أهم الوظائف النفسية للعقل
البشري"!!!، الله يخرب بيوتكم، لم يسارع إلى الاستجابة للنصيحة غير المكتوبة
على ظهر هذا الكراس الحديث الذى لم يصادقه بعد، راح ينظر فى حقيبته فلمح ما كان
مصدرا آخر للغيظ، ذلك أنه كان قد أخذ معه رواية جديدة اسمها عطلة رضوان، ومؤلفها
اسمه عبده جبير، مؤلف يسمع عنه كل خير واجتهاد، وقد قرأ هو هذه الرواية بإصرار لا
مثيل له،ثم قال لنفسه بالعافية، إنها رواية رائعة وتغيظ، أقولها بملء فمى حتى لا
يزعل، ولكننى متأكد أن المؤلف حين يبلغه ذلك، إذا بلغه، سوف يتذكر كلمة تغيظ ولن
يتذكر كلمة رائعة، كان ما يغيظه زمان أن يحل محل النصائح خفيفة الظل على ظهر بعض
الكراسات جدول الضرب الصغير والكبير بأرقامهما المزدحمة وبينهما خط مائل لا يفض
الاشتباك، أما جدول الضرب الصغير فنحن نحفظه عن ظهر قلب فما لزومه، أما جدول الضرب
الكبير فهذا هو التحدّى الرائع الذى يغيظ غيظا أقل من غيظه من عطلة رضوان 21*21
=441، 21*31=651، لا لا لا، إلا هذا، وهم يعرفون تماما أن أحدا لن يتخطّى هذين
الرقمين، فلماذا يشغلون نصف ظهر الكراس بهذه الأرقام مثل أرقام الميزانية فى مجلس
الشعب، قال ماذا؟. زيادة الدخل القومى، والألعن أن الولايات المتحدة الأمريكية
مدينة لا أدرى بكم تريليون دولار، يا صلاة النبى، مدينة لمن؟ لا تدري.كلام، رغم
حبكته، يضحكون به على الناس ويغيظونهم فى نفس الوقت مثل عطلة رضوان، ومثل جدول
الضرب الكبير ثم يكمّلون عليهم بقصيدة النثر، والذى يشتم إنما يشتم نفسه، هكذا كنا
نوقف مباراة التراشق بالسباب أطفالا،" كل ما تقوله على الآن هو عليك يا سعيد
يونس يا غراب الآن، هيه !! "، فيتوقف سعيد يونس غراب خوفا من التورط فى سب
نفسه، المفروض أن الأدباء ناس طيبون، وعليهم أن يرحموا الناس من جدول الضرب
الكبير، ومن ديون أمريكا ولا مؤاخذة، أما أن يأتوا بكل قسوة وإخلاص ليكملوا على ما
تبقى لنا من منطق وأمل بقصيدة النثر هذه، فالله يسامحهم، أنا مازلت أرجح طيبتهم،
لذلك فأنا واثق كل الثقة (أقول كل الثقة) من أنهم سوف يرحموننا فى يوم من الأيام،
الله يخلّيهم، استعراض عضلات هو؟ تناصّ طبعا، هو يعلم مدى تواضع معلوماته وفقر
أبجديته الخاصة بهذا التخصص، موقفه محدد ومتواضع من البداية، مثل موقفه قديما من
جدول الضرب الكبير، كان منظر هذا الجدول قيمة، لكن هو ماله هو؟ للمليك اهتفوا، يا
نسور الحمى، للمليك اهتفوا، دائماً دائماً، زه، فه، ته، يه، زفتى زفتى زفتى، لا لم
تكن أياماً سعيدة كما تحاول أن تثبت لنا سامية الإتربى ويحيى تادرس، كانت أياما
فقط، حكايات المقاهى هذه (فصّّحتها بالقصد)، ليست هى، رغم أنها مليئة بالحكايات
التى هى، ملآنة آهات، ودموع وأنين، الله يرحمِك يا ست، يعنى، بلا زمان بلا كلام
فارغ، من يـُرد أن يعيش يـَعش الآن، ومن لا يعجبه يذهب إلى زمان ويريحنا، حتى
الآثار، سواء فى مصر أو أثناء الترحال، لا يحب أن يزورها، إنه لم يزر المتحف
المصرى حتى الآن، أى والله العظيم، يخشى ألا يستطيع أن يتحمّل مسئولية تاريخه إذا
رآه رأى العين، يخشى أن تقوم المومياء التى كانت أم نجيب محفوظ لا تكل من زيارتها
وهى تصحبه معها طفلاً، يخشى إن زار هو هذه المومياء إذا زارها ووقف قبالتها أن
تلتقط عدم احترامه لمن حنّطها، فتخرج له لسانها، أو قد يكتشف ـ ليس يدرى كيف ـ أن
توت عنخ آمون كان شاذاً جنسياً، أو أن يرصّهُمْ له رمسيس الثانى أربعة أربعة، يعايره،
وقد يحاكمه، مع أنه غير مسئول عن هزيمة 1967 إلا بقدر فرحته وهو فى سنة
تانية جامعة بالحركة المباركة، لو كان يعرف أنهم سوف يجرسونا هكذا بعد 15 عاما لمنع نفسه من ذلك
الفرح حتما، هل يستطيع الآن بعد كل هذا العمر، وما جرى، وما يجرى أن يتراجع عن
فرحته تلك حتى يعفى نفسه من مسئولية الهزيمة، لا عامر ولا الغول، عبد الناصر
المسئول، بيان 30 مارس، وحسنين هيكل فجأة يكف عن ذكر عبد الناصر
ونشر صوره فى الأهرام استعدادا للقادم الجديد، خيبك الله يا زكريا يا بن محيى الدين،،
لماذا لم تلقِ بيانك من فورك وتأمر بالقبض عليه لمحاكمته، وقد تثبـُت براءته، وقد
تحدد مسئوليته بحجمها لا أكثر، وقد يكون فى ذلك بداية كلام آخر، وتاريخ آخر، كل شئ
ينسى بعد حين. لا أبدا، كلام فارغ، مازال طعم مرارة الهزيمة، وقبضة القلب تعاوده
بعد ثلاثين عاما بالتمام كلما ذكر صوت أحمد سعيد. ثم إنه يرفض نغمة
"العديد" هذه بكل ما أوتى من عقل وحزم، ولكن بلا فائدة، مسئول غير مسئول
هو ماله، ما جرى جرى يا أخى، المصيبة أن ما جرى يجرى، ما زال يجرى، لم يمح نصر 73 مرارة الهزيمة، مع أنه كان
نصرا بجد، إلا قليلا، ملعون أبو الثغرة، فيها ماذا؟ العبرة بالخاتمة، وهى زين
والحمد لله على الرغم من قول الحاقدين أنه باع النصر، قال يعنى هم الذين اشتروه
!!! كيف اجتمع طعم النشوة المنعشة بالنصر مع طعم المرارة الخبيث دون أن يمحو الأول
الآخر؟ هذا شئ، وهذا شئ،. الذاكرة المصرية لها قوانينها الخاصة مثل اقتصاد الشعب
المصرى وتاريخه.
ـ قرِفة من فضلك، سكّر كثير لو سمحت.
هو يشرب القهوة سادة، مزاج،
ليس بسبب مرض السكرى المصاب به كل أفراد عائلته، إلا هو، إيش عرّفه؟ لطعم البن
مرارة جميلة فكيف يلغيها بمذاق السكر، ثم إنه يرفض أن يحلل، نعم: كل عائلته عندهم
هذا المرض، لكنه لن يحلل، هو حر، الله !!. من عاش بالحكمة مات بالمرض، مثلٌ سخيف
وكاذب، كثير من الأمثال تقوم بعمليات تبرير ألطف وأتفه من بيانات الحكومة كل عام،
لقد توقف عن شرب القهوة مؤخراً بدون أى سبب، هكذا والسلام، مرّت عليه تجارب
كثيرة من هذا النوع لم يجد لها تفسيراً، شئ يعمله لمدة سنوات طويلة، وفجأة ينظر
إليه من بعيد، ويسأل نفسه، ماذا لو كففت عنه؟. ويكف، وهو الكـففان، المنضدة أمامه
تغريه، والكراس تناديه فى همس به دلال كان قد نسيه حتى أنكره، والقلم جاهز. وهو لم
يقرر أبدا أن يكف عن كتابة القصة، لكنه كفّ، كفّ دون قرار.
والله فكرة.
لماذا لا يكتب قصة قصيرة
ممطوطة؟. يجرّب فيها نفسه، قصة ممطوطة بطول الطريق بالضبط؟ يعنى على شرط أن تنتهى
قبل وصوله إلى القاهرة، هو لم يكتب إلا الرواية الوحيدة إياها، ثم راح يرسم قصصاً
فى صفحة أو صفحتين هى أقرب إلى الصور الذاتية المحسومة (لا يعرف لماذا استعمل كلمة
محسومة هنا بالذات، ثم إنه أبى أن يشطبها فى المراجعة كما تلاحظ). فليكتب هذه
القصة الجديدة احتفاءً بالكراس الجديد، ونكاية بالصديق الحاسوب الطيب النذل القابع
فى حجرته ينتظره فى لهفة، وابتسم وكأنه يبتسم لأحد، ثم اتسعت ابتسامته، هل هو أقل
من هذا المسئول الكبير الذى ينشرون له هذه الأيام قصصا كتبها فى سن التاسعة عشرة
(هو الذى يقول) فى صحيفة واسعة الانتشار لها طبعة دولية، لقد ظلّوا يلاحقونا بها
أسابيع متتالية دون حياء. اتسعت ابتسامته رغم الملاحقة حتى كاد يضحك، نظر حوله
خوفاً من أن يكون قد ضحك فعلاً بصوت عال، ولكن ما الذى أضحكه، أقول لكم:
فقد حاول أن يلخّص ثلاث قصص
من قصص أوراق هذا المسئول الكبير، مع أنه لم يستطع أن يقرأ إلا قصّتين وربع قصّة
بالعافية، ومع ذلك فقد صرّح مصدر مسئول (مصدر ثقافى إعلامى متحدث شبه رسمى مجهول
الإسم) أن هذه الصحيفة الكبرى سوف تجمع هذه القصص فى كتاب يصدر قريباً، أى والله.
وفيها ماذا؟ بطلوا حقد، سوف أوجز لكم ثلاث قصص ولتحكموا بأنفسكم.
أما القصة الأولى فهى أن
"واحدا أحب واحدة، ثم تقدم لأهلها ليتزوجها، فلم يرضوا به، فزعل".
انتهت القصة الأولي.
أما القصة الثانية فهى أن
"الواحدة هذه المرّة هى التى أحبت الواحد، ولم تتزوجه أيضا فزعلت جداً جداً
جداً".
انتهت القصة الثانية.
وابتسم ابتسامة أخرى غير
الابتسامة الأولى التى زرّ عليه فيها الضحك؛ ذلك أن الابتسامة الثانية كانت مثل
ابتسامة النقاد الذين يريدون أن يجاملوا بعض الأصدقاء، ولا مانع، لأن المجاملة هذه
من أساسيات التليين..، حسب كلام د. حسن وجيه[3]، من باب التليين
الاجتماعي والنقد معا، ترجم ابتسامته النقديه الثانية إلى ما يلى:
إن القصة الأولى ليست
تكراراً بحال (شفت بحال هذه؟) للقصة الثانية، صحيح أن تبادل الأدوار لم يفرق
كثيراً حيث توحّدت النهاية (خل بالك أيضا من توحّدت)، ذلك لأن الواحدة التى أحبت
الواحد فى القصة الثانية لم تتزوج هذا الواحد لأن أهله رفضوا (مقابل رفض أهل
الواحدة التى فى القصة الأولى) ولا لأن أهلها هى هم الذين رفضوا، ولكنّها لم
تتزوجه لأنه ببساطة ـ لم يتقدم لأهلها أصلا، ولم يكن من المعقول فى تلك الأيام
(أيام أن كان المسئول الكبير عنده 91 سنة) أن تتقدم هى لخطبته، وهذا هو سبب عدم
الزواج، ثم لاحظ ـ سيدى ـ أن الواحد فى القصة الأولى زعل فقط، أما فى القصة
الثانية فالواحدة زعلت جداً جداً جدا (ثلاث مرّات لا مرتين ولا واحدة ولا بدون،
مثل الـ"بدون" فى الكويت)[4]،
وهذه إضافة نوعية؛ لأن المسألة ليست مسألة "كم" فقط، وإن كانت لفظ
"جدًّا" تفيد الكم، ولكن المؤلف أراد أن يريك كيف ينقلب الكم كيفا دون
تغيير فى البنية الأساسية (أى والله)، ثم إنه، من منطلق التعمق فى اللمحات الفنية
غير المقصودة علنا، ترك لخيال القارئ الفرصة لاستنتاج كل ذلك،
يا نهاراً أسودَ من أوّله،
لقد وعد بتلخيص (ونقد بالمرّة) ثلاث قصص، ولم يقدّم إلا قصتين، ماذا سيقول عليه
القارئ، نَضِبَ معينه؟. أو رُفع قلمه، أو رُبِطَ والعياذ بالله مثلما يربط العريس
فى ليلة الدخلة فى بلدنا. لا لا هذا لا يصح، خذ عندك: (تذكر أنه لم يقرأ إلا
قصتين، "طيب شوف الثالثة"[5]،
عظمة يا ست وردة الله).
تقول القصة الثالثة (فى
الأغلب)، وضع يده على فمه يخفى ابتسامة ثالثة من النوع العادى وليست من نوع
ابتسامات النقاد، ثم أردف: أما القصة الثالثة فتقول: إن واحدا لم يحب واحده.. وكان
يتمنى أن يحبها، لكنّها تزوجت غيره، مع أنها أيضا لم تحبّه أصلاً (لم تحب الواحد
وليس زوجها)، وخلاص.
وقبل أن ترتفع الضحكة وتبقى
فضيحة، وماسح الأحذية لا ييأس من
تكرار المحاولة، وربنا يستر، أحلّ ابتسامة الناقد محل ابتسامة الحاقد (هذه الكلمة
ـ الحقد ـ وردت من قبيل الاحتياط، من يدرى ماذا يحمل اللاشعور من بلاوٍ، وخاصة
أننا لم ندخل بعد فى منطقة تيار الوعى العميق الذى يمكن أن يكشف عن خفايا هذا
الحقد وغيره من دناءات النفس البشرية، وربنا يستر على الوَلاَيا من تأويلات
سيجموند فرويد البهلوانية التى كان يخفى بها جوعه الذى لا ينتهى للتقدير والحريم
الأقرب[6].
نجح فعلا أن يُحل ابتسامة الناقد محل ابتسامة الحاقد، وهو لم يقل حلّت ابتسامة كذا
محل كيت، فانتبِهْ، لأن "ثَمَّ" فرقاً بين أحلّ، وحلّتْ، ثم إنه راح
ينقد وينقد:
إن هذه القصة (الثالثة) أكثر
تعقيدا من سابقتيها، وهى أكبر من قدرات المسئول الكبير فى سن 91 سنة لأنها تثير فى
المتلقى قدرا من الدهشة وإعمال (الهمزة تحت الألف) الفكر، وهذا مما لا يتناسب مع
ما يتميز به قلم الكاتب الشاب الموهوب من بساطة ومباشرة، هذه القصة الثالثة لا بد
أنها تنتمى إلى الموجة الجديدة التى أصبحت قديمة، والتى يسمّونها الحداثة، وهى
ليست مجرد ماهو "قبل" ما "بعد الحداثة"، لأن بعد هنا لا تفيد
التتابع وإنما التعديل والتجاوز، ما بعد الحداثة هو تجاوز الحداثة، الحداثة
معدّلة، مثل العربات التى هى، وأيضا التى ليست هى، إيش عرّفه هو فى هذه الأمور
الخاصة بأصحابها جدا، لا الحداثة ولا ما بعد الحداثة من الأمور التى يسمح للعامة
أمثاله أن يخوضوا فيها، ليست أى منهما بدعة، ولا ضلالة، لكننا نحن الذين لا نستأهل
الخير، ليس إلى هذه الدرجة، فنحن لا ندوس الطعام الذى يوضع لنا بدل أن نأكله كما تقول
آية الكتاب المقدس، نحن فقط لا نقدّر الحداثة حق قدرها، لأننا ـ ببساطة ـ لا نعرف
قدرها، هذه هى الحكاية، ألم تلاحظ المؤلف وهو يستعمل تعبير "وكان يتمنى أن
يحبها" والتمنى هنا غير الترجى لأنه ـ عادة وليس دائما ـ يطلق على ما يستحيل
تحقيقه، ولم يقل الكاتب الشاب الذى أصبح مسئولاً كبيراً، إنه كان يتمنى أن يتزوجها
كما نسمع فى القصص الأخرى التقليدية، التمنى هنا للحب وليس للزواج؛ لأنه يبدو أن
هذا الفتى لا يستطيع أن يحب من أصله، وهذا تكتيك حديث لا يخرج من شاب عمره 19 سنة فى ذلك العهد البعيد
الذى لم يعرف مثل هذه التقنيات(!!). فالحداثة ـ سيدى ـ لا تتطلب فقط أن تجعل
المألوف معروفا، وإنما هى تستدعى أن تجعل المعروف مسفوحا (حلوة مسفوحاً هذه، خلّ
اللغة "تقول") ـ وسعل سعلة عالية لتخفى ضحكة كان يمكن أن تخرج هذه
المرّة بصورة صريحة تفضحه بحق.
ـ لا شكراً، كفاية، شكراً.
تيار الوعي؟ هذا هو، إنه
يكتب الآن بتكنيك تيار الوعى، وهذا سيسمح له أن يتداعى، دون مشاكل، حتى يصل إلى
القاهرة شخصياً، كل ذلك بجنيه وربع، الكراس بجنيه والقلم الجاف بربع جنيه، وليسرِ
تيار الوعى ما شاء له السريان، بل ليفض علينا مثل النيل العظيم، قبل السد وبعده،
مازال عظيما، وليذهب إلى الجحيم من لا يفهم فى هذه المسائل، ثم إن الجميع
لايجُمعون على اسم هذا النوع من الكتابة. هل هو تيار الوعى، أم تيار اللاوعي؛ لأن
الأسلاك قد ضَربت كلها فى بعضها، ولم يعد أحد يعنيه أن يسلـّكها من بعضها البعض
(وليس من بعضها فقط)، وكل الإبر التى كان من المفروض أن نلضم فيها الأسلاك أصبحت
دون ثقوب، فلماذا نسلـّك الأسلاك أصلاً ما دام ليس ثمة ثقوب للإبر نلضمها فيها، ثم
إن الإبر بدون ثقوب ليس لها رؤوس جميلة مهذبة، فلا يمكن أن نطلق عليها اسم دبابيس
أو أن نستعملها فى الأغراض التى نستعمل فيها الدبابيس، ثم إن الجميع لا يجمعون على
شئ، ثم يبدو، (مازال يتحدث نيابة عنهم) أن "هذا" ـ هذا تعود على
"أن الجميع لا يجْمعون" ـ قد أراح الحكومة جداً جداً، (غير جدا جدا التى
فى القصة الثانية) هذا قد جعل الغالبية العظمى من أهل الموجة الجديدة لا يجمعَّون هم
أيضا، مع أن الذين لا يجمعون هؤلاء من أهل الحداثة يعتقدون أنهم بعدم إجماعهم إنما
يغيظون الحكومة، ولكنهم لا يقولونها صراحة، وإنما هم يتكلمون عن السلطة (بضم السين
مع تشديدها وتسكين اللام هكذا " السُّــلْطة"، وليس الكلمة الأخرى التى
هى السلاطة، والتى هى غير سلاطة اللسان)، وهم يعتبرون الحكومة سُلطة، مع أن الشائع
فى الثقافة المصرية لأولاد البلد أننا نسمّى السُّلطة حكومة، أفلا تسمعهم يتندرون
على الذى يعود مبكرا من المقهى تاركا بقية الثلة مجتمعة: إنه خائف من
"الحكومة" (التى تنتظره فى البيت)، لكن فى الأغلب هذا تعبير مجازى، أما
تعبير أهل الحداثة فهو مجازى أيضاً (اكتشفت هذا فى آخر لحظة، ربنا ستر) ولكنه
مجازى من الناحية الثانية، ما علينا، أهل الحداثة لا يـُجمـعون، أو هكذا يشاع عنهم
مع أنهم يصرون على أنهم يجمعون فى السر من وراء الحكومة ومن وراء اللغة أيضا،
والمسئول الكبير يكتب قصصاً (أسماها أوراقا من باب التواضع) وتنشرها له الصحيفة
الكبيرة الواسعة الانتشار، فلماذا هو "لا"، ولَِم لا؟ (حلوة هذه)، ولم
لا يكتب هو أيضا قصّة ما بين المباشرة والحداثة، شيئاً أشبه بالتدوير: دَارَ الصف
لفـّّوا لــفّوا، لفّ القيد، قيدى وافى، وافى العهد....، لا يذكر ماذا (تُقْرأ
منغّمه من فضلك على وزن: فَعِلٌ فعِلُ، فعلٌ فعلو، أو أى وزن تراه مناسباً أنت
بمعرفتك).
ـ خلّ الباقى، شكرا.
هذه هى فائدة الكراريس أم
جنيه، ملعون أبو الولايات المتحدة الأمريكية، والعربات الفارهة أم مقعدين (مثل
عربته الأخيرة) وأم سبعة مقاعد، وجميع صنف سائق خصوصى ليس له لازمة، وجميع صنف قرش
يحول بينك وبين الناس، يا كذاب، عيب كذا، لم يبق إلا أن تهتف بحياة الفقر، بطّل
تهريج، تنظر من أعلى مرتدياً منظار الحكمة وكأنك تعظ، وكلما قرأتَ نعى أحد
الزملاء، وخاصة إذا كان أصغر منك سناً، قلتَ خطبة عصماء فى الناس الذين لا يتعظون،
وهات يا جرى، تدّعى أنك عامل حساب الموت فى كل لحظة، ولا عامل حسابه ولا حاجة،
وتزعم أنك علّقت نتيجة العدّ التنازلى، تنازلى ماذا وأنت طالع تنهج، تذكر أنك لم
تستطع أن تتذكر أنت وصديقك المخرج اسم جمال حمدان، نسيتماه وكأنكما تتذكران اسم
قائد معركة ووترلو، أخذتما خمس دقائق لتتذكرا اسمه رغم أن اسمه لايوجد ما هو أسهل
منه، جمال حمدان، جمال من جمال عبد الناصر، وحمدان من الحمد لله، وما سمّى الإنسان
إلا لنسيه، وما القلب إلا أنه يتقلّب، يا حلاوة، داخلين على التناصّ، يا عم سيبك،
الشيخ عبد العزيز فى زفتى، كان اسمه شيخ لمجرد أنه كان مصابا بمرض عصبى يجعل جسمه
يترنح (علمتُ بعد ذلك أن اسم المرض هو الرقص الزنجى وأنه روماتيزم فى الجهاز
العصبى) ومع ذلك كان يمسك الحديدة التى يدق بها حب البن المحمص فى الحَجَر دون أن
تفلت منه الحديدة أبداً، وفى كل مرة يرفع الحديدة، أتصور أنها ستأخذه وتغوص به، وه
و يترنح، داخل الحجر، أو أنه سيطوح بها بعيداً وتأتى فى أحد، سألتُه مرّة عن سبب
حركاته هذه الملتوية التى لا تتوقف فقال وهو يمسك بيدى ويشدها إلى مقدمة جلبابه،
لست أدرى لماذا، كنت فى سنة تانية ابتدائى، قال مجيبا إن السبب هو أن «المخ ساح
على العقل»، إذن يبدو أن هذا ـ ولكن بإيجابية، أى الناحية الثانية ـ هو الذى يفسر
مسألة الحداثة، (لاحظ الحذر الذى اتخذتُه باستعمال الجملة الاعتراضية التى تقول:
ولكن بإيجابية، الاحتياط واجب)، ليس المخ فحسب الذى ساح على العقل، وإنما يبدو أن
كله ساح على كله، ليس هكذا بالضبط، يا خبر!! ماذا جري؟ كل ذلك بسبب كراسة بجنيه،
فلأدخل على القصه، وكفى نقداً، فالقاص لا يحاسَب إلا على قصّة، أمّا الناقد فحدّث
ولا حرج (لن أقول لك أكثر من هذا)، فإلى القصّة:
الكراسة تنتظر، والوعد قائم،
والوسواس يعمل، إذا لم ينفذ هذه القصة، بالشكل الذى حدده فى الوقت الذى قرره، سوف
يخسر أهم قضية ينتظر الحكم فيها هذه الأيام، طيب ما علاقة هذا بذاك؟. ألم أقل لك
إنه وسواس يا أخي؟. الله! خلّ بالك معى، نعم لا بد من ضبط المسألة تحديداً، لأنه
إذا كان الثواب على قدر المشقة، فلا بد أن تكون القصة على قدر المشوار، وبالضبط،
انتبه:
البداية: تن تن تن، أغش هذه
التيمة الصوتية ـ حلوة التيمة دى ولو إنها غلط ـ من رواية عطلة رضوان التى كانت
حافزا لكتابة هذا العمل، وهى رواية رائعة بلا شك فى الأغلب، تن ترن تن، علامة
البداية وليس سخرية بالرواية، مرة أخرى: البداية، هُبْ:
..... (نقط ـ هى كذا بدأت القصة بنقط، بمعنى أن البداية ليست بداية، ولكنها
استمرار لحكاية بلا بداية ولا نهاية يا عم محفوظ، ثم أنت مالك؟)
..... ومرّت الفتاة الملظلظة
(سأبحث عن هذه الكلمة فى القاموس حين أصل إلى مكتبتى بالقاهرة) وهى تمشى الهوينى،
يانهار أسود، هُوَينَى مرّة واحدة، يا لغرابة النطق، يبدو أننى تقمّصت المعتدى وهو
المسئول الكبير إياه، الهوينى كلمة بسيطة لكنّها لم تعد مألوفة، لذلك يبدو أنهم
حرّفوها فأصبحت الهويدا، وبما أن هويدا اسم عَلَم ولا ينبغى أن يعرّف العلم بألف
لام التعريف (إلا من باب السب والتحقير) فقد حُذفت كل من الألف واللام فأصبحت
"هويدا"، لكن هذا بالنسبة إلى ما يتبعه الناس فى تسمية بناتهم هذه
الأيام، وهم أحرار فيما يفعلون، أما أنت فلا تستطيع أن تقول إن الفتاة الملظلظة
تمشى الهويدا مثلا، لا تستطيع أن تقولها وأنت تكتب قصّة، أو تزعم ذلك (هناك حلّ
أسوة بالمسئول الكبير، إذا لم تنفع قصّة، فلتسمّها "أوراق" أو شيئاً
كهذا، ماشي؟ خذ راحتك) نقول لا تستطيع أن تقول تمشى الهويدا وأنت تكتب قصّة، لكن
ربما تستطيع ذلك وأنت تكتب قصيدة نثر، من أين تأتى هذه الاستطاعة؟. لا تؤاخذنى، من
قال لا أدرى فقد أفتى (من الفتوى وليس من الفتّة) ثم، مرة أخرى: إلى القصّة، ومضت
الفتاة الملظلظة (بدون علامتى تنصيص)، تمشى "الهويني" اسمع، ما رأيك أن
نـترك الكلمة هكذا كما هى دون حرج ودون محاولة تفسير، وسيخرّجها النقاد على أنها
تناص من مقامات الحريرى مثلاً، دعها تمر، ولعل أصل التناص من النص نص (بضم النونين
فى كل نص) فينطقان على بعضهما هكذا: من النُّص نُصّ، وليس من النص (بفتح النون،
يعنى النَّص) نون نون نون، إلا حكاية مجلة نون أو الجمعية النسائية لصحابتها
ومديرتها نون، نون والقلم وما يسطرون، إنك بنعمة ربك لمجنون، والمصحف الشريف هذا
ليس استهزاء ولاحاجة، بل إن الكاتب يستعير التعبير الجميل مخاطباً نفسه منبّهاً
إياها أن هذا الذى يفعله الآن يمكن أن يعتبروه جنونا بالتمام والكمال، ذلك لأنه
يخرج من موضوع إلى موضوع ـ من غير تيار وعى ولا حاجة ـ لكن والله هو يفعل ذلك
قاصدا جداً وهو فى كامل قواه الحداثية ومسئول، ويعول، وأنت وذمّتك، ثم على من يشك
أن ينتظر للنهاية ليرى أن المسائل ماسكة بعضها، أما كيف يكون الإنسان الذى هو
الكاتب الذى يصير، بنعمة ربّه مجنوناً، فهذا وارد من باب الرحمة. من حيث إنه من لم
يحتمل، ولم يجدْ، ولم يـفهم، ولم يسمَع، فقد يطلب من الله الرحمة ولو بالجنون، هذا
إذا عجز عن قرض قصيدة نثر تنقذه من كل ما سبق، ومن الجنون فى آن، كيف؟. لا أعرف،
ثم هو وشطارته، كنا قد وصلنا إلى أين؟. إلى تفسير الشيخ عبد العزيز لمرضه المسمى
رقصة الزنجى بأن "المخ ساح على العقل"، وبتكثيف المسألة مع حكايه نُص
على نُص، تجد أنك إذا وضعت نُصّا على نص، أصبحت المسألة "نص نص" (وهذا
ما ألفه العامة فى القاهرة المحروسة حين يعنون نص على نص أى نص نص، يعنى
بالإنجليزية. فيفْتى فيفْتى)، وهذا التفسير يناسب مسيرة السلام على كل حَال، ونحن
الآن نتكلم عن ثقافة السلام، يعنى ثقافة نص على نص، شوية إسرائيل على شوية أردن،
على شوية أسبانيا، على شوية برتغال. لا يا عم البرتغال الناحية التانية ليست شرق
أوسطية، ولا حتى أسبانيا، فهى غرب أوسطية، ويمكن فرنسا تطلع وسط أوسطية، ما علينا،
إلى القصة أو ما قبل القصة، والله الظاهر إنها كلها سوف ترسى على ما قبل القصّة،
ولكننا نستدرك فنقول: إن نَصّ على نَص له معنى إيجابى آخر غير نُص على نُص، فقولك
نَصّ على نصّ هو أشبه بقولهم: قول على قول[7]، أو أشبه بـ
"قهر على قهر هوَّا العمر فيه كام شهر"، يا للغة العربية ويا لقدرتها
على احتواء العامية دون استئذان، (شفت ذي؟، الدال عليها نقطة من فضلك، ولو أنى
سأحذفها فيما بعد تجديداً للغة)، ولكن إذا أردنا الأمانة فسوف نكتشف أن اللغة
العربية ـ هكذا ـ غيرت المعنى، لأنها قلبت أَهْر (بالهمزة) إلى قهر (بالقاف)، مع
أنك حين قرأتَها ـ عزيزى القارئ ـ قرأتَها بالهمزة، وهى مكتوبة بالقاف، فلا احتوت
العربية العامية، ولا حاجة، فالقهر باللغة العربية يعنى التسلط والقمع وأشياء من
هذه، أما "أهر" بالعامية، فالمثل يقصد الحزن، والزعل، والهم، فإذا أردت
أن تكتبها بالعربية فلا بد من القول "حزن على حزن"، وهنا سوف تختلف
البقية حتى تلتزم بالقافية، وسوف تضطر إلى أن تكمل "هوّا الشعر فيه كام
وزن"، فتصبح على بعضها هكذا: حُزن على حُزن، هو الشعر فيه كام وزن"؛ ذلك
لأنه إذا كان النقاد قد سمحوا بالتجاوز عن الالتزام بالقافية، فلم يسمح إلا ندرة
منهم بالتنازل عن الوزن، والوزن هو الموسيقى والشكل هو المضمون، ومن لا يعجبه هو
حر، وجهات نظر، نحن لا نريد أن نحرج أحدا، الواحد من هؤلاء (ابحث أنت عن من تعود
"هؤلاء") يظل يكتب ويكتب ويكتب حتى تأتى لحظة الصهللة (أى صهيل بشرى)
وهات يا إبداع.
ـ لا شكرا، أنا أصْلى منتظر
صديقا.
ـ.....
ـ أشكرك، ممكن أدفع من غير ما أطلب.
ـ....
ـ يا خبر، لا أقصد، أشكرك، ذا كرم شديد، أشكرك.
ولا منتظرٌ
صديقا ولا حاجة، كل الحكاية أنه من باب مراسيم استعادته لحريته، (لاحظ العودة إلى
الحديث "عنه" بضمير الغائب، مع أنه ينسى كثيرا ويتحدث بضمير المتكلم،
وهى ليست عودة مقصودة، بقدر ما هى فنية ملعوبة، أكمِلْ) أقول: منذ أن قرر أن
يستعيد حريته ما أمكن ذلك، قرر ألا يشرب حاجة ثانية، ما دام هو لا يريد أن يشرب
فعلا، وكله بحسابه، الإحراج تدخُّل فى الحرية على كل حال، يا خبر، لماذا لم يمر عليه ولا واحد يبيع اليانصيب،
وما الذى ذكّره باليانصيب الآن؟. المهم أنه كلما حاول أن يذكّر نفسه أنه يكتب قصّة
لا مذكرات، قفزت إلى ذهنه أوراق هذا المسئول الكبير وجعلت مخّه مثل الصفحة
البيضاء، ولا بد الآن أن يعترف أنه أرسل إحدى قصصه القصيرة إلى هذه الصحيفة بالذات
التى ينشر فيها المسئول الكبير أوراقه الباكرة، وأنه بطول لسانه (أى بسلاطة قلمه)
قدّم فى الخطاب المرفق نقدا لمستوى القصص التى تنشر فى هذه الصفحة، وكان ذلك قبل
حكاية المسئول الكبير وأوراقه، والنتيجة أنهم لم ينشروا قصته التى أرسلها، فكتمها فى نفسه، حتى تذكرها الآن، مع أنه لم ينسها أبدا، وقد أثبت هذه
الحادثة عملا بالأمانة المطلوبة من واحد مثله، وأيضا لأنه مطمئن أن أحداً لن يعرف
سبب حقده وإحباطه، لأنه لا ينوى أن ينشر هذا الكلام (كذا، وكذا) اللهم إلا لو
ضغطوا عليه جداً جداً، وساعتها يمكن أن يشطب هذه الفقرة خجلاً أو منظرة، ثم هاهو
الآن يقع فى إشكالية جدلية (حلوة هذه): فبينما الدافع الأدبى لمحاولة كتابة القصة
ـ المزعومة الآن هو أوراق هذا المسئول المنشورة، كما أن المثير المادى هو شراء
كراسة بمحض الصدفة، فإن المانع الآن الذى يمنعه من الدخول إلى القصة هو نفس أوراق
المسئول الكبير (على فكرة سرت إشاعهً تقول إن المسئول الكبير كتب هذه القصص هذه
الأيام وليس لمّا كان عنده 91 سنة، ولم يعرف إن كانت هذه الإشاعة مدحاً أو ذمّاً،
كذلك لم يعرف إن كان المدح أو الذم هذان موجهيْن إليه شخصيا أم إلى القصص، وأيضا
هو لم يرفع قضية على صاحب هذا الكاريكاتير، فلا بد أنه لم يفهم اللمز، أحسن. لا،
هكذا زادت جرعة النقد بادّعاء نقل إشاعة مغرضة، فإلى القصة، من الأول:
علامتا تنصيص ونقط فى الأول:
"...ومرت البنت الملظلظة، مازال مصرا على أن يترك هذه الكلمة هكذا حتى لو لم
يجد لها معنى فى القاموس[8].
إنه يعتقد بحدس إبداعى مشكوك فيه أنه لا توجد كلمة فى الفصحى تفيد مضمون هذه
الكلمة ذات الإيقاع الممتلئ الرخو، وبالتالى فلا يمكن الاستغناء عنها أو
استبدالها، قل بضّة، أو سمينة، أو بدينة، أو مليئة، أو ممتلئة، لكنّك لا تستطيع أن
توصل ما توصله إليك ليلى علوى بلظلظتها المتوسطة، قبل مسرحية الجميلة والوحشين
(بفتح الواو)، "مضت البنت الملظلظة، وهى لا تدرى أن والد خطيبها استشهد فى
حرب الاستنزاف، ولذلك فإن خطيبها لم يره، كان فى الثالثة من عمره، فربّته أمه من
معاش محترم، ومكافأة سخية، ولكن ارتفاع الأسعار وبرودة ليالى الشتاء معاً، جعلاها
تقبل الزواج عرفيا، وحين شبَّ الفتى (حلوة شبَّ الفتى هذه لكنّها ليست من التناص
مثلما ذهبنا إليه بشأن الهوينى ومقامات الحريري؛ إذ لا يوجد نص واحد معروف اختص
بتعبير شبَّ الفتى، بل نصوص كثيرة متفرقة) حين شب الفتى وأصر على دخول الكلية
الحربية ليكرر أمجاد أبيه، هكذا يقول التليفزيون عند الاحتفال بأعياد النصر
والجلاء، ويمكن بمناسبة الهجرة الشريفة أو التهجير الاضطراري. الحقيقة أن أمّه لم
تحكِ له شيئا عن أمجاد أبيه تلك، ليس تنكرا لذكرى أبيه، ولا حرصا على مشاعر زوجها
العرفى، ولكن هذا هو الذى حصل، وقد عارضت أمّه رغبته فى دخول الكلية الحربية
معارضة شديدة، وأقسمت برأس أبيها وتربته معا ـ وليس بذكرى زوجها الشهيد ـ أنه لو
دخل الكلية الحربية فسوف تعمل وتسوى، ولكن الولد أصرّ وقدّم أوراقه من ورائها فى
السر، ولولا ستر الله ورسوبه فى اختبار الثقة، لما مرّت المسألة على خير، كان
يوماً أسودَا. إقفز، إقفز يا أستاذ، الحمد لله ما زال أستاذاً لم يجنّد بعد، ودّ
لو تنشق الأرض وتبتلعه، واحترم بُعد نظر أمّه، ولم يقفز،فَــلَمّته كلية الحقوق
على خير (قطع) ما هذا؟ إن القصة بدأت بالبنت، والمفروض أن نـقدمها إلى القارئ حتى
يتعرف عليها أولاً؛ فهى البطلة، لكن القصة الحديثة ليس فيها بطل ولا بطلة، الشعب
هو البطل، الشعب هو القائد. بيان 30 مارس[9]،
عندك، كما كنت، إلى القصة، القصة هى البطل. أرجع إلى القصة من فضلك فقد وصلنا
دمنهور، هدّأ القطار من سرعته، الهزة زادت، والقلم لا يستقر على ورق الكراسة، من
أغرب الخبرات أن تكتب قصة مهزوزة بغير قصد، لمجرد أن القطار يهتز، ولا بد أن
الكلام سيتفكك من بعضه البعض ويعاد تنظيمه وحده فتصبح القصة من نوع جديد لم يقصد
إليه الكاتب، ولعل صلاح جاهين كان أسبق إلى اكتشاف هذا النوع من الإبداع حين يقول
" لمّا تهشّكها حبّة تلاقيها مفلفلة"[10]. آه لو ينشرون
فوازيره فى كتاب مستقل، إذن لتعلّموا معنى الإبداع، مَنْ ذا الذى يتصوّر أن
المعزة، حين أكلت البيت، أن البيت كان معمولا من خشب مُصاصة القصب[11]،
الله يرحمك يا صلاح ولو أنى زعلان منك، مستعجل لماذا يا رجل فها نحن جالسون، يا الَّلــه،،
لكل أجلٍ كتاب، القطار يهتز، والقلم يهتز، واللظلظة تهتز فى غير رجرجرة، لأن هذه
مسألة محسومة بفضل النقد الحديث، فإنما يتحقق التوازن الموضوعى فى السياق المتنامى
للأحداث بمثل هذا الهارمونى الخفى الكامن وراء أية هزة أو هزهزة، الله!!!. ولمّا
كان الكلام عن خطيب البنت قد أخذ أكثر من حقه، فهل ينفع أن نجعل أبا البنت هو الذى
استشهد فى حرب الاستنزاف، وبالتالى ننقل كل الكلام الذى وصفنا به أبو الخطيب لصالح
البنت فيتحقق التوازن الموضوعى إياه؟. طبعا، لا، لا ينفع؛ ذلك لأن الشعور الذى
يتكون عند الشاب وهو لا يرى زوج أمه العرفى إلا وهو خارج من عند أمه فى الضحى
العالى قُرب الظهر، هذا الشعور لا يجوز أن تمرّ به البنت، فهو خاص بشاب له مواصفات
هذا الشاب بالضبط، وإلا لما أمكن أن يصل إلى القراء بنبضه الحقيقى، حالة كون الشاب
يعيشه أو يعايشه، إن المسألة تحتاج فعلا إلى شاب من الذين يقال عنهم "وشبَّ
الفتي"، أما البنت، الملظلظة فهى قد تحب أمها وتتقمصها، فتحب زوج أمّها
وبالتالى تفرح بمبيته العملى وخروجه المتأخر، وتستفيد من ذلك فى إثراء خيالها، ثم
قد يتمادى الأمر فتعتبره بديلاً طيباً للأب، حتى لو لم يعرض عليها أبوته لضيق
الوقت الذى يقضيه بعيداً عن حجرة النوم، ثم إنه، والشهادة لله، عمره ما نظر لها
نظرة كذا أو كذا. (قطع) ماذا حدث؟. هل نسيتَ أن التى تزوجت عرفيا هى أم خطيب
البنت، الذى لم يخطبها بعد، وليست أم البنت، وأن والد البنت لم يستشهد، بل هو
مازال حياً يرزق فى السعودية، طنطا هذه أم ماذا؟. لا ليس بعد، القطار هدّأ من
سرعته فقط، منطقة إصلاح، ما رأيك لو قلبناها غما ونكتفى بهذا القدر، ونقتدى
بالمسئول الكبير حالة كونه عنده 19 سنة، وننهى القصة بأن تأتى عربة مسرعة يقودها شاب
متهور، ويصدم البنت وتروح فيها، وخلاص، وسوف يطلع لى فى طنطا بائع الحمص أشترى منه
كيساً نظيفاً بجنيه، (نفس ثمن الكراس أو الدولسيكا) وأظل أمضغ كل واحدة على حدة
(لاحظ الموسيقى: كل واحدة، على حدة) عشرين مضغة قبل أن أبلعها حتى نصل إلى
القاهرة، وأكون بذلك قد أبدلتُ وسواساً بوسواس، «خالصين»، بَلا قصة بلا كلام فارغ.
لم يكن جنيهاً اشتريت به كراسة، كل حاجة بجنيه، الحمص والآيس كريم زائلان
بطبيعتهما إلا هذه الكراسة التى أحرجته كل هذا الإحراج (رجع يحكى بضمير الغائب.
خلّ بالك) فعلا هى منطقة إصلاح، سوف يتأخر القطار عن موعد الوصول، حَسَدَ انضباطه
كما حَسَدَ من قبل المسئول الكبير على نشره أوراقه التى أثبت فيها تاريخ التصنيع
منذ 91 سنة لكنه ولم يثبت مدة الصلاحية، المصيبة فى
التأخير هو أن القصة سوف تطول وهو لا يدرى ماذا يفعل، ثم إن النهاية المقترحة كانت
تحتاج أن تكون البنت أقل وزنا، بل إنها كانت تشترط أن تكون البنت نحيفة، ولا مانع
من أن تكون مصابة بداء النحافة العصبية[12]، أو رُهاب
السمنة، مثل الأميرة ديانا التى تأكل وتتقيأ، تأكل وتتقيأ لتأكل وهكذا، ثم إن
القصة هكذا ستصبح قصة قصيرة جداً، وهو (أى أنا) كان قد قرر أن ينتهزها فرصة ويجرّب
نفسه فى هذا النوع من القصص التى هى ليست قصصاً قصيرة ولا طويلة، ثم إن المسألة
ليست بالطول ولا بالقصر، المهم الفكرة، وهو كان قد سمع فى إذاعة لندن مؤخرا أن
مؤلف فكرة لفيلم أمريكى كتبها فى أربع صفحات فقط وقبض مقابل ذلك مليون دولار أو
أكثر، لا يذكر كم بالضبط، المسألة إبداع أو لا إبداع، فإذا كان إبداعا فأى شئ
يكفى، وإذا كان لا إبداع، خلاص بقى، ما الداعى لأى شئ من أصله، ثم إن العربة التى
يقودها الشاب المتهور إذا ما صدمت البنت سوف تشوهها دون أن تدشدشها؛ ذلك لأنها
(البنت لا العربة) تبدو مخلية من العظام مثل الفراخ المخلية التى أصبح ثمنها ناراً
بعد حكاية جنون البقر، فإذا ما حدثت الحادثة بهذه الصورة المفجعة فلن ينفعها لا
المسئول الكبير ولا الكراسة أم جنيه ولا خطيبها ابن شهيد الاستنزاف، وستتحول إلى
كتلة من الشحم واللحم مغطاة بـ، أو معجونة فى، قطعة جلد هنا، وقطعة قماش هناك،
منظر مرعب وقبيح قد ينفع مصورا صحفيا مبتدئا لكنه لا يصلح لقصّة كهذه، والألعن لو
تركوها يوماً أو بعض يوم. ناهيك(!!) عن عدة أيام مثلما يتركون الكلاب فى الطريق
الزراعية، فقد تنتفخ لتصبح مثل جيفة بودلير[13] (يا ترى هل هذا
تناص أم تشبيه تمثيل أم مجاز مرسل؟. ولا يهمك سوف يجدون لها حلاًّ). قال يعنى قرأ
جيفة بودلير، وهو لم يعرفه إلا أول أمس، وبفضل واحدة اسمها سلمى الخضراء الجيوشى،
وحتى هو لم يلاحظ أن الذى ترجم قصيدة بودلير هذه هو أدونيس وليس سلمى الخضراء [14].
لا، هذا اقتراح سخيف حتى لو كان سينهى القصة نهاية من نوع قصص المسئول الكبير، لا
بد من قصة وإن طال السفر، قصة حقيقية بالرغم من أنها لن ترى القارئ أبداً مثل قصصه
السابقة التى لم تـُنشر، هى لم تنشر لسبب بسيط هو أنه لم يتقدم بأغلبها للنشر،
تماما مثل فتاة القصة الثانية للمسئول الكبير التى لم تتزوج الواحد الذى كانت
تحبّه لأنه لم يتقدّم لها أصلا،ً بل ربما لم يعرف عنها أى شى كان، لكن يبدو أن
المسألة متعثرة، والملعوب مكشوف، فلم تكن ثمّة قصة ولا يحزنون، وإنما المسألة أنه
كان يريد أن يتحدث عن نفسه بزعم أنه يكتب قصة، فكل قصصه القصيرة ـ التى لم تنشر ـ
هى هكذا، لا يجرؤ أن يكتب سيرة ذاتية بشجاعة، فماذا يفعل؟. يكتب، أى يرسم، صوراً لاهثة،
يطل من خلالها بذاته الحقيقية أو المتصّورة، ثم يختبئ ويدّعى، أنها قصصا، قال
يعنى، ثم إن كل ما ذكره فى موضوع القصة الحالية هذه حتى الآن هو أن ثمة بنتاً
ملظلظة، وأن والد خطيبها استشهد فى حرب الاستنزاف، وأن حماتها، التى لم تصبح
حماتها بعُد، تزوجت زواجاً عرفياً من رجل لا يراه ابنها (مشروع خطيب الملظلظة) إلا
خارجاً فى الضحى العالى من حجرة النوم، وكل ما عدا ذلك كانت أفكاراً سخيفة
ومرفوضة، حتى النهاية المقترحة كانت تتعارض مع الأرجوزة اللطيفة التى كانوا ينهون
بها مسلسلاً لا يذكره وهم يغنّون "تامّت، بحمد الله، تامّت، بحمد الله"
صحيح الحمد لله على كل شئ ولكن كيف نستطيع أن نحمده ونحن نشم رائحة هذه الجيـفة
النتنة جيفة بودلير، لا يا عم، الإبداع لابد أن يكون جميلا ولتذهب جيفة بودلير إلى
الجحيم يا يوسف وهبى، ليس من الضرورى أن تكون النهاية سعيدة، ولكن لابد أن تكون
ثمة نهاية، هكذا قالها الشيخ درويش فى نهاية زقاق المدق[15]، وهو يوحوح
متنهدا: أليس لكل شئ نهاية؟ بلى، لكل شئ نهاية ومعناها بالإنجليزية end وتهجيتها e,n,d...
ولكن نهاية ماذا ونحن لم نبدأ، إن النهاية هنا تكاد تجئ قبل البداية، وسيقول
النقاد، "لم تكد القصة تبدأ حتى انتهت" ـ حلوة هذه ـ غادر القطار طنطا
دون أن يمر فى العربة بائع الحمص، درجة أولى ياعم، هل يأكل هؤلاء الباشاوات حمصاً
مثلهم مثل صعاليك الموالد، لا يا سيدى، لابد أن مروره كان خطأ الأسبوع الماضى، ثم
هو، يركب الدرجة الأولى مثلهم ويتصوّر أنه لا ينتمى إليهم، يضحك على نفسه أم على
من؟ قالت له ابنته: لا تركب القطار الفرنساوى سوف يقف بك فى كل المحطات، ورد
عليها: إن هذا أحسن لأنه يريد أن يقرأ وقتاً أطول، وأن يرى الناس وهم ينزلون
ويصعدون فى كل محطة؛ فقد اشتاق إليهم ولم يكن فى حسابه أن هذا القطار الفرنساوى
"هكذا" سوف يكلّـفه أن تصبح القصة القصيرة رواية "هكذا"
والعياذ بالله. كيف تكون الكتابة قهرية ثم يخرج منها أى عمل إبداعى صادق؟. لقد
لاحظ أنه كرر كلمة "هكذا" ثلاث مرات فى سطرين؟. هذه ركاكة سخيفة، ولكن
دعها فقد يجد النقاد لها حلا، قد يسمونها "تيمة مُمَيـِّزَة" مثلا، هم
أحرار، فى التكرار جمال خاص، (!) هذا التكرار بالذات، وحتى هذا الأسلوب الذى
ينتهجه الآن هو تكرار لمنهج مسبوق، فهو ليس فيه جديد، لقد قرأ قصصاً من قبل مكتوبة
بهذا التكنيك (أى الأسلوب، أو المنهج أو التقنية!!) حيث يبتدع الكاتب الشخوص
والأحداث أمام سمع القارئ وبصره، ثم يخرج له (للقارئ) لسانه، وهو يغيظه حين يضبطه
وقد عايش الأشخاص كأنهم حقيقيون، شفت المهارة؟!. شئ أشبه بالذى يلعب بورق مكشوف
ومع ذلك يكسب، زينب والعرش؟يجوز. ولكن فتحى غانم لعب بورق مكشوف وكسب، والتقليد
غير الأصل، فمن أضمنه أن القارئ سيتحمله مثلما تحمل هو عبده جبير، ولو أن عطلة
رضوان ليست "كذلك"، ولا هى "ذلك" إذن هى ماذا؟. "لست
أدري" يا إيليا أبو ماضى، تناصّ هذا أم تداعٍ؟. هذا شغل النقاد، مالى أنا؟.
(كانت فى الأصل أنا مالى، ثم قلبتُها فصحى قال باعتبار أنها لما كانت معدولة لم تكن
فصحى) فهو (أنا) لم يستحدث هذا النمط من الكتابة (عزيزى القارئ، ليس كل مرة سوف
أنبهك أن تلاحظ كلمات وتعبيرات مثل "هذا النمط" أو "يستحدث"
أو فنية استعمال العامية أو ما يبدو عامية بالفصحي؛ لأن المسألة زادت، والجمل
والقصص الاعتراضية لا تنتهى، وهذه الطريقة ـ عزيزى القارئ ـ تحمل معنى ضمنياً لا
يسرك، ما هو المعني. ألم تجده بنفسك؟ تستأهل. يا سيدى معنى هذه الشروح المعترضة أن
الكاتب يشك فى قدراتك (ولا مؤاخذة)!. فإذا كنت قد زعلت، فسوف أكف عن أن أنبهك هكذا
على العمّال على البطال، ولكن دعنا نتفق على أن التعبير الذى هو، والذى أريد أن
ألفت نظرك إليه، سوف ألحق به علامتى تعجّب بين قوسين هكذا:(!!)، لتأخذ بالك مما
أريدك أن تأخذ بالك منه، وأنت وشطارتك، خلاص؟. يالله يا سيدى إلى القصّة، وربنا
سوف يسهل إن شاء الله. ولكن ما رأيك ـ عزيزى القارئ ـ أن أتركك أنت تكمل القصة كما
تشاء، لقد ذهب النقد الحديث إلى التأكيد على أن القراءة مثل التدخين هى مسئولية كل
قارئ، وأن على المتلقى أن ينشئ القصة إن شاءً (!!) (بدأنا فى علامات التعجب، خلّ
بالك من هنا ورائح) على القارى أن ينشئ القصة وأن يشارك فى تأليفها، لا لأن الكاتب
حداثى، أو لأنه عجز عن تأليفها، ولكن لأن المسألة مسئولية مشتركة، فلم يعد ثَمَّ
مكان للصوت الواحد، ولا للبطل الواحد، ولا للتسلسل الواحد، ولا للقصة أصلاً، وكل
واحد وشطارته، فهل ستفشل أنت ـ عزيزى القارئ ـ أن تلتقط دلالات علامات التعجب، حتى
لو لم أضعها أصلا مثلما فشلت أنا فى فهم علامات التعجب التى توضع على الطرق السريعة
الطالعة نازلة، والتى عرفت بعد مدّة أنها تعنى "إحذر"، وكنت أحسبها تقول
مثلما هو مكتوب على العربات نصف النقل " لا تتعجب فتلك إرادة الله"، و
يبدو أنه كان عندى حق، فقد كنت ألاحظ أنه بالقرب من هذه العلامات توجد عربات
محطمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله،..إلخ، نرجع إلى قصتنا، وما دمت يا عزيزى القارئ
لا تبدو عليك أية حماسة للتكملة فسوف أكملها أنا وأمرى إلى الله.
تذكرت للتو أننى لم أذكر من
شخصيات القصة إلا البنت وخطيبها المزعوم، وحتى اسْمَاهما لم أذكرهما، وهذا نقص
شديد ولعله هو السبب فى هذا التوقف، ولو أنه، بينى وبينك، القصة لم تبدأ أصلا حتى
تتوقف، ولمّا كان الباقى من الزمن أكثر من ساعة يا عمّنا نجيب[16]، فلا بد من
تعداد بقية الشخصيات، ولكن كل حى باسمه، فخذ عندك: البنت الملظلظة لها أخ اسمه
أحمد، وأختها اسمها عواطف، وأبوها اسمه عبد الغفار حسن عبد الغفار، وبالتالى فهى
من عائلة عبد الغفار من الغربية أصلا، بلد صغيرة بين زفتى وبركة السبع اسمها"
دمنهور الوحش" اسمها كذا!!، اسمها مديحة، وأمها عندها حَوَل خفيف من الذى
يعطى للعينين جمالا خاصا مثل عنبر إلى الأبد، أعنى مثل لندا دارنل،(!!)، أما
خطيبها (خطيب البنت لا الأم) فله أخ اسمه عبده (قد يكون عبد الفتاح أو عبد الغفار
أو عبد الله..إلخ)، ومع ذلك فقد اكتشف أنه مكتوب هكذا فى شهادة الميلاد
"عبده" لأنه بالإنجليزية Abdu وهو لم يعرف أنه ليس اسم دلع
إلا وهو يستخرج الأوراق للهجرة إلى كندا، إذ يبدو أن حكاية زوج أمّه العرفى لم تمر
عليه بالساهل، فسافر، الطيب أحسن، وهو (تعود على الخطيب أو على أخيه عبده أيهما
أقرب) كانت له أخت اسمها سلوى، وعندها شلل أطفال، ولكنها تزوجت زواجة معقولة، وهذا
أمر يتكرر لكثير ممن عندهن شلل أطفال، إذ يبدو أن المسألة فيها أمور جذب وحيوية لا
نعرفها نحن الذين ليس عندنا شلل أطفال ولم نتزوج واحدة عندها شلل أطفال، وهكذا
يتجمّع عدد من الشخصيات فجأة. يمكن بقليل من التوافيق والتباديل والمصادفات السارة
والسيئة، ثم بعض الحذف وكثير من الإضافة يمكن أن يتم نوع من الصياغة المشتبكية
(!!) توصلك إلى شرم الشيخ وليس إلى القاهرة فحسب، بل إننى أستطيع أن أتحفك بالمزيد
لأنها تبدو عملية أسهل من الحكى الطولى، فعندك مثلا جمهرة من أولاد العم [أولاد عم
البنت لا الخطيب] يمكن تسميتهم الواحد تلو الآخر إذا احتاج الأمر، بعضهم يعمل فى
العراق ويرسل خطابات ولكن بخط غير خطه، يمكن مات وزملاؤه يصّبرون أمه، وبعضهم فى
إيطاليا، وبعضهم كان يعمل فى لندن شخصياً عدداً من السنين حتى أخذ الجنسية
الإنجليزية، ثم توقف عن العمل بسبب مرض نفسى، ثم تمادى فى التوقف بحركات مصرية
أصيلة، وهو يأخذ الآن بدل بطالة ويكتفى به ليتفرغ للأعمال "الأخري"، مع
أن البنت لا يبدو عليها إطلاقا أن لها أقارب من هذا النوع، ويمكن لأى واحد من هذه
المجموعة غير المتجانسة أن يرسل خطابا يقلب به الدنيا، فتحلو القصة وتمتد بلا
صعوبات، أو يمكن واحد منهم يطب فجأة عائدا إلى مصر، ويحاول أن يخطب البنت شخصيا،
لا من أجل لظلظتها ولكن لأسباب دينية تتعلق ببناته اللاتى سينجبهن منها فى الغربة
واللاتى قد يرافقن "الصديق الولد" (Boy-Friend) إذا
كانت أمهن إنجليزية (لاحظ أننى اخترت الجدع الذى يعمل فى لندن ويأخذ بدل بطالة
بالذات دون غيره لأسباب لا تخفى عليك، مثل أنه لو امتدت القصة إلى لندن فسوف تجد
هناك جالية عربية لا حصر لها تنفع فى حَبــْـك الأحداث)، وصاحبنا هذا ـ ابن العم ـ
الذى يمكن أن يطب فجأة ليخطب البنت، يعلم علم اليقين أن زواجه منها لن يمنع بناته
مستقبلاً أن يتمتعن بحرّية البنات الإنجليزيات حتى لو كانت أمهن السيدة زينب
نفسها، أقول إن هذه "الفرشة" من الأشخاص هنا وهناك قادرة على عمل ما لا
يعمل، فلماذا حبس نفسه من الأول فى هذه الشخوص، هذين الشخصين، اللذين لم يقدرا أن
يعملا أى شئ يوصله إلى القاهرة، بل إنه على الناحية الأخرى، ناحية الخطيب، يوجد
عدد آخر من الشخصيات الجاهزة للدخول إلى بؤرة الأحداث(!!) وسأضرب لك مثلاً واحداً
لأن الدنيا ازدحمت بالشخصيات، فزوجة خال الخطيب اسمها إحسان، وقد راودته عن نفسه
وهو بعد فى سنة ثانية ثانوى حتى صار فى كلية الحقوق، كان جسمه فائراً من يومه،
وهذا مرتبط ـ بشكل ما ـ بالدور المشابه الذى قامت به معه الغسَّالة التى اسمها
أمينة، والتى تناديها أمه بأم فهمى مع أن ابنها الكبير اسمه لطفى (معلومة ناقصة
تستكمل: لعله ابنها الأكبر من زوجها السابق. من يدرى) وهو بعد فى سنة ثانية
إعدادى، شئ أشبه بالبروفة للأحداث التى ستحدث فيما بعد، وبالذات مع زوجة خاله
وليست مع البنت، فقد كانت أم فهمى تجرجر الولد فى الكلام عن ما يحدث فى الحجرة بين
أمّه وزوجها العرفى (يسمّونه هذه الأيام "البيات") وكانت بذلك تضرب
عصفورين بحجر(!)، فمن ناحية كانت توغر صدره نحو أمّه وزوجها وهو ليس ناقصاً، ومن
ناحية أخرى كانت تثير فيه مشاعر دافئة ولذيذة وسلِسة وأشياء حلوة جدا جداً لايعرف
لها اسماً، وهو إذا وصفها باخَتْ؛ ذلك لأنه لا يعرف كنهها(!!). فلما جاءت حكاية
زوجة خاله هذه لم يستغرب الأمر، لكنه أبدا لم يغفر لزوج أمه ما يفعله مع أمه داخل
الحجرة، مع أنه زوجها فعلا، ولو عرفيا.
أظن ـ عزيزى القارئ ـ أنا
عملت ماعلى، ويمكنك بأية درجة من الموهبة، وبدون موهبة حتى، أن تعمل ما تريد من كل
هؤلاء، ثم لا حظ أن هذه قصّة داخل قصة داخل قصة، مثل حركات ديستويفسكى الذى كان
يكتب بالشبر لزوم القمار والذى منه[17].
الآن فهمت كيف تتولد القصص من بعضها البعض لمجرد أنك مضطر، سواء كان هذا الاضطرار
وعداً لمجلة أسبوعية أو بطء القطار الفرنساوى بين القاهرة والاسكندرية، وكاتبنا
هنا لن يقبض شيئاً من أى أحد، هو فقط يحاول أن يفى بنذر خفى، فهو مضطر أن يكمل ما
بدأه، هكذا، بسبب الارتباط الوسواسى الذى أخذه على نفسه، والبركة فيك بقى ـ عزيزى (بدون "القارئً، هذه المرّة)، خاصّة وأن
المسألة انكشفت بعد أن اعترف الكاتب الأول أنه هو الكاتب الثانى، والآن جاء دورك
لتصبح الكاتب الثالث والأخير بإذن الله، وإذا كان الكاتب قد نوّه صراحة (!) على
أنه هو الذى يتحدث بضمير المتكلم ثم بضمير الغائب، فإنه لم يفعل ذلك نتيجة لضعف
الثقة بذكائك، ولكن ـ ربما ـ من باب الحداثة، دون قصد طبعاً، ودون أن نسمّيها
حداثة، فكما أنَّ قمّة درجات التصوف أنْ تنزع عنك رداء التصوّف فلا تستحق اسم
متصوف، فإن قمة درجات الحداثة هى ألا تكون حداثة، باختصار: إن الحداثة لا تصبح
حداثة إذا سُـمّيت كذلك،، فأرجوك ـ عزيزى ـ ألا تدق على مسألة الضمائر هذه وحدها،
فالحكاية مهببة من أصله، المهم أن تتمسك بأية فكرة تصل إليك وتقبض عليها بيد، لا
أقول من حديد، حتى تستطيع أن تكمل، ولكن تقبض عليها جداً والسلام حتى لا تفلت منّا
نحن الاثنين، وأنا ما شرحت نفسى ونفسه فى مسألة الضمائر هذه إلا لأترك لك مساحة للاختيار،
ضمير غائب ماشى، ضمير متكلم ماشى، ساعة كذا، وساعة كذا: ماشى، لا أحد يعرف أين
الخير، الاختيار وإعادة الاختيار وإعادة صياغة النص، ونص صياغة الاستعادة هى أصل
التجاوز الغائى بالصلاة على النبي.
نرجع إلى القصة
التى هى فى داخل القصّة (أى القصة الوسطى) فقد آن الأوان أن أذكر اسمَى البنت
وخطيبها الذى لم يخطبها بعد؛ لأنه ليس من اللائق أن أذكر أسماء كل هؤلاء حتى اسم
الغسالة واسم ابنها الحقيقى وابنها المفترض، ثم لا أذكر اسم الشخصيات الأصلية ـ
ولا أقول البطل والبطلة ـ أما اسمها فحميدة، صحيح أنه اسم لم تكن تنتظره ـ عزيزى ـ
بعد كل هذا الوصف، كنت تنتظر ـ أنا عارف ـ أن يكون اسمها ليلى، أو لُبنى، أو حتى
يمني؛ لأن لظلظتها من النوع الحديث الذى تليق عليه هذه الأسماء. أما اسم حميدة
فيوحى لك بنوع آخر من اللظلظة. حميدة اسم قديم بعض الشئ ولكن له حكاية
لأن خالتها هى التى أسمت البنت "حميدة"، ليس على اسم أمها (أم خالتها أى
أم أمها أيضا) وإنما على اسم المرحومة الزوجة الأولى للوالد، والتى انتقلت إلى
رحمة الله قبل زواج والد البنت من أمها، ماتت دون أن تنجب والحمد لله بفضل مرض
مجهول، وهذا أحسن، لأنها لو كانت قد أنجبت لتعددت الشخوص فى القصة التى كادت تصبح
رواية، ونحن عندنا شخوص كفاية الآن، ينفعون لعمل مسرحية زحمة، وساعتها، لو كانت قد
تركت ذرية يسمونهم أولاد البلد من "أم ثانية"، كنت لن تستطيع أن تمنع
نفسك من الاستطراد إلى مسائل الغيرة القديمة، والشجار، والدسائس ثم الصلح، وأشياء
لا تنتهى، والأب غائب فى السعودية، والعم (اسمه مختار، تصور!!!) ولا هو سائل،
ناهيك عن النظرات التى ينظرها الأسطى مختار لزوجة أخيه وهو يعطيها النقود التى
يرسلها أخوه بالحوالة كل كم شهر، هكذا أفضل، ماتت حميدة الأولى ولم تنجب، وخلاص،
مثل قصص المسئول الكبير، ونحن لا ندرى ماذا كانت تقصد الخالة حين أصرّت على تسمية
حميدة حميدة على اسم المرحومة، فمن المستبعد بداهةً(!!) أنها كانت تهدف إلى أن
يتذكر الزوج المرحومة باستمرار كلما نادى على ابنته مثلا، فلربما (لست متأكدا أن
اللام الزائدة فى "ربما" هذه عربية لكن شكلها جميل هكذا) فلربما كانت
الخالة تقصد أن تقوم بعملية إحلال تدريجى دون أن يشعر الزوج، بمعنى أنه كلما جاء
ذكر حميدة قفز إلى ذهنه اسم ابنته لا صورة المرحومة، يا ولد!!، ولا أجدع علاج
سلوكي[18]،
هكذا بالسليقة. إذن البنت اسمها حميدة، وعلى فكرة أنا لم أذكر لك أن الست إحسان ـ
زوجة خال الخطيب المزعوم التى راودته عن نفسه ـ لم تفعل ذلك إلا بعد أن توفى خاله
بأربع سنوات، وبالتالى فتسميتها بزوجة الخال ظلم لها وللأحداث (كيف للأحداث لا
أدرى)، لأنها حين راودت الخطيب المزعوم (أنا متعمّد ألا أذكر اسمه إلا بعد فترة؛
تنشيطاً لخيال القارئ)، أقول حين فعلتها كان المرحوم خاله قد قضى نحبه منذ مدّة،
أربع سنوات ليست قليلة فى عُـرف البيولوجيا الحيوية، وخصوصاً بيولوجيا الست إحسان،
الأصح إذن أن نقول أرملة خاله، هناك فرق. هذه مُحصْنة (زوجة الخال) وتلك غير
مُحصْنة (أرملة الخال)، هذه تُرجم حتى الموت، وتلك تـعَــذّر بكم جلدة شريطة حضور
أربعة شهود بالتمام يكونون قد رأوا كل شئ رأى العين، وتأكدوا، كيف؟. لا أدري. ياما
أنت حليم ستّار يارب، وبقية الظروف تعتبر فى عرف أى واحد يفهم فى الطبيعة البشرية
البيولوجية من الظروف المخفّـفة، وخاصّة إذا كانت الطبيعة البيولوجية من نوع
الطبيعة التى تطل من كل فتحات ملابس الست إحسان، وحتى من وراء الفتحات، فإذا أضفت
إلى ذلك أن الخطيب المزعوم كان شاباً طويلاً أسمر سابقاً سنّه، خجولاً رياضياً
ممتلئاً إلا قليلاً، له حاجبان كثيفان وعيناه الواسعتان تـُظهران حاجبيه بشكل
معين، وبالعكس، (يعنى حاجباه الكثيفان يظهران أيضا سعة عينيه. ليس أسهل من هذا)
إذا أضفت هذا إلى ذاك، وإلى استحالة التأكد من أى شئ بحضور أربعة شهود، لابد أن
تعرف أن رحمة ربنا أكبر من كل تصوّر يا أخى، وأنا لست متأكداً مما حدث بالضبط من
هذه الناحية، ولا أريد أن أدخل فى التفاصيل، لأنها تحصيل حاصل، مع أننى أعرف أنك
تريدنى أن أحكى لك التفاصيل، لكننى سأغيظك، وفى الوقت ذاته أحاول أن أستثير خيالك،
فماذا يعنى يمكن أن يحدث بين الست إحسان التى هى كما ذكرنا إجمالا، وبين شاب بمثل
تلك المواصفات السالفة الذكر، وعليكَ، ولكَ، أنت أن تتخيل ما تشاء، ولكن كل ما
يتخيله خيالك هو مسئوليتك بالتمام، بما فى ذلك إذا تجرأ خيالك ورمى المحصنات، أو
غير المحصنات، المسألة كلها تتوقف على نوع وسعة خيالك، أما عن
"أنواع"الأخيلة فثَمَّ (!!) خيال خبيث، وخيال ملتو، وخيال نصف نصف، وخيال
كسول، وخيال جامح (حلوة جامح هذه) وخيال متعثر فى طوب وزلط الواقع، أما عن
"سعة" الأخيلة، فهناك الخيال بالطول والخيال بالعرض، والخيال الأسطوانى،
والخيال القوْسقزحى، وما دام الأمر كذلك فما الحاجة بالله عليك إلى التصريح الذى
نلقاه فى هذا النوع من الأدب الذى يقال له الأدب الصريح، أو أدب الجنس، لماذا
يصرون فى هذا الأدب المكشوف على تسمية الأشياء بأسمائها، لا بد أنهم (أدباء الجنس
الصريح) يظنون أنك عاجز جنسياً، أو أنك طفل فاتتك فرصة تعلّم التربية الجنسية، أو
أنك تربيت مكبوتاً فى كُـتــَّاب القرية؛ وهذا لأن أغلبهم أفندية يتعاطون الأدب فى
مقاهى المثقفين، ويتصورون أن القراءة عن الجنس هى بمثابة ممارسته، مع أن العكس
يمكن أن يكون أصح، لأن معظم الذين تعلّموا فى كتاب القرية، على ما أذكر، ولستُ
منهم بالضرورة، كانوا يتعلّمون الجنس من الحيوانات مباشرة، وكانت المباشرة عملية متاحة
على مستويات متعددة، وقد رأوا التلقيح الطبيعى لمعظم أبقار البلدة، بمساعدة الكلاف
الذى لا بد أنه كان يجد لذة من تقمّص هذا الثور السنافيرى، كان ثوراً أشقر فحلاً
ليس عندك فكرة، وكان اسمه هكذا السنافيرى، حتى حسبتُ أنه اسم الدلع لرمسيس الثانى،
إلاّ ولمّا كانت خالتك فاطمة تمسك بالبطة لدكر البط حتى " يكسّرها"،
وإلاّ لمّا ذكر الحمام يدور حول نفسه والحمامة تطأطئ رأسها وهو لا يقترب منها
وإنما يواصل دوراته الاستعراضية، الآن فهمتُ لماذا سمّى ابن حزم كتابه "طوق
الحمامة"، يا خبر هذه كلها من نعم الله الطبيعية على مخلوقاته وإلا انقرضت،
فلماذا يستهينون بخيالك هكذا لمجرد تصورهم أنك خرجت من كتاب القرية أو أنك لم
تتعلم التربية الجنسية فى المرحلة الثانوية، أما أنا فأنا أثق فى خيالك الخصب،
وأتصوّر أنك تستطيع أن تنسج(!!) قصصاً لا تنتهى من مسألة "راودته عن
نفسه"، بأمارة أن كل عمّاتك كنّ يطلبنَ منكَ أن تقرأ لهن سورة سيدنا يوسف
للاتعاظ المرّة تلو المرّة، وبالتالى، فلن أدخل فى تفاصيل من إياها.
نرجع مرجوعنا إلى الخطيب،
وقد آن الأوان أن نسميه، وفى هذا الأمر أسألك المشورة؛ لأن الأسماء التى خطرت
ببالى بالنسبة إليه كانت من النوع الرمزى السخيف الذى يوائم بين الدور الذى يقوم
به الشخص فى القصّة، و بين اسمه، وذلك مثل الكتاب الذين يتعمّدون هذه المقابلات
كالتالى: عادل: قاض، همّام: ضابط، ونبيه: خبير كمبيوتر، ماهر: لاعب كرة، ورفيق:
مرشد سياحى، ما هذا؟. تبت إلى الله بعد أن أخطأت مرّة بل مرّات أخطاء من هذا
النوع، ما رأيك فى اسم سلامة، أو أشرف، أو باسِم، أو مختار؟ بصراحة، كنت قد اخترت
له اسم "يوسف" بمحض الصدفة، ليس صدفة تماما ولكننى أعرف محامياً طيباً
شاباً وذكياً اسمه يوسف، وكنت أريد أن أكرمه بأن أستعمل اسمه لشخص مناسب، لكننى
حين تذكرت مسألة "راودته عن نفسه" هذه قلت: بـناقص يوسف، خلّها: سامى،
ماشى سامي؟ لا مانع، هو اسم يصلح لكل العصور، وليس فى دوره أى سمو أو تسام،
وبالتالى، لا حرج، فليكن، سامى سامى، خلّنا نخلص.
بعد إذنك، عزيزى، القطار
مازال يسير ببطء وهناك تأخير قد يقلب هذه القصة إلى رواية، وقد تـُـنـشر على
حلقات، وقد يطلب من الكاتب أن يكتب موجز ما نشر، ومن باب الاحتياط سوف أحاول الآن
أن أجرب حكاية "موجز ما نشر" هذه، وقفة قصيرة ثم نستطرد، شكرا.
(موجز ما نشر)
جلس الرجل (الذى هو أنا فى
الأغلب) على المقهى بعد أن اشترى كراسة بجنيه، وطلب واحد قرفة، وادعى أنه ينتظر
واحدا، وقرر أن يكتب قصة أسوة بالمسئول الكبير الذى نشر قصصه عينى عينك فى صحيفة
يومية آخر تمام، وذلك من فرط غيظ الرجل الجالس فى المقهى من عبده جبير، ومن
المسئول الكبير معاً، وكانت الكراسة التى اشتراها بجنيه، قابعة تنتظر، وكان معه
قلم حبر جاف مصادفة، فراح يكتب، وكل ما فتح الله عليه به حتى هذه اللحظة هو أن
هناك بنتاً ملظلظة، لها خطيب لم يخطبها، ولم يصدمها شاب متهور يركب عربة مسرعة،
وخلاص. أما الفتاة فأبوها يعمل فى السعودية. أما الخطيب المزعوم فأبوه مات فى حرب
الاستنزاف، وأمه تزوجت زواجاً عرفياً، وزوجة خاله، أعنى أرملة خاله راودته عن نفسه
زمان (بعد الغسالة ما علّمته اللازم)، هذا كل ما كان حتى الآن.
وكان الكاتب قد قرر أن ينهى
القصة لا قبل ولا بعد أن يدخل القطار محطة القاهرة، وقد أعطاه القطار مقلباً إذ
أنه راح يسير ببطء ولا قطار الدلتا بسبب إصلاحات فى الطريق فى الأغلب، وهو الآن لا
يعرف كيف يكمل، فها هو يحاول، قال:
ولمّا تأخر سامى فى التقدم
لخطبة حميدة، لست أعرف لماذا (قَطْع) خطر ببالى خاطر الآن تخلّصا من الوسواس
الذى ألزمنى بكتابة هذه القصة، وهو أن أحسب التحدّى بالساعات لا بعدد الكيلومترات،
مضت حتى الآن ثلاث ساعات وربع، وكان المفروض أن يصل القطار فى ثلاث ساعات إلا ربع،
فالنذر (الوسواسى) قد تم الوفاء به، وهو لم يكف عن الكتابة من ساعتها، فماذا تريد
أكثر من ذلك؟ عليك أن تكمل الحكاية أنت بشهامة المبدعين، ويكفى هذا، ثم إن هناك سبباً آخر وهو
أننى أشعر باقتراب حزن خفى، وأننى لو أكملتُ بعد ذلك فسوف أقلبها غمّاً، فما رأيك؟.
نعم؟ نعم؟. أنتَ مالك؟.
أمّا قارئ أى كلام، ألستَ يا
سيدى أنت هو نفس القارئ الذى يتحمّل كلام الحداثة حين يقولون له: إنك تقوم بدور
لست أدرى ماذا، وإنك كذا، وإنك مبدع، وإنك وإنك....،فإذا جئتُ أنا أستسمحك بكل
طيبة أن تساعدنى، تقوم تهز لى أكتافك هكذا، طيب أنت المسئول عن الغم الذى أشم
رائحته قادماً، ثم إن والدتى كانت تكرر أنه "من عمل جميلا يتمّه، وإلا تموت
أمه"، فهل معنى أن أمى ماتت فعلا وأنى لا أخاف أن تموت ثانية إذا لم أتم القصة، هل معنى ذلك أن أتحرر
فلا أتم العمل الذى أقوم به؟. بالعكس، إكراما لها ولحكمتها سوف أتم هذا العمل،
وسوف أعتبر أنها لم تمت، وسوف أحرص على ذلك خوفا على حياتها. ربنا يخلّيها ويطول
عمرها لنا جميعا!!
خذ عندك يا سيدى:
البنت حميدة، تعمل فى شركة
كمبيوتر، وسامى يعمل محاميا تحت التمرين، رغم أن أمّه كانت تصر على ألا يطلع ضابطا
مثل أبيه، كانت تريده أن يكون مهندسا ضاربة عرض الحائط بأنه قسم أدبى، المهم أنه
بعُد عن الجيش، وأنهى كلية الحقوق بعد تخلف سنتين ثلاثة، ومرتبه شديد التواضع،
ومعاشه انقطع ولم يبق إلا معاش أمّه التى تصرفه على زوجها العرفى الثانى (=الزوج
البيولوجى المُعلَن: الثالث) وهو زوج بيات أيضا لكن بياتة مرتاحة وليست خطفاً مثل
الأول، ثم إنه يختلف عن الزوج البيات الأول فى أنه أصغر عشر سنين (أصغر من الأم
وليس من الزوج الأول) ثم هو يأتى مبكراً، ويبقى فى المنزل أحيانا إلى ما بعد الظهر
ورغم أمانة سامى مع حميدة إذ أنه لم يعدها أبدا أنه سوف يتقدم إليها. إلا أنها
كانت ولا على بالها، والذى فى مخها فى مخها، وهذا هو الذى جعلها تخرج معه مراراً
وتكراراً (!!). المشكلة فى المكان، وقد فكّر سامى ذات يوم أن يستعير عربة
"الأستاذ" الذى يتمرّن عنده بعد أن قامت صداقة ـ ليست معتادة ـ بينهما،
محام تحت التمرين، وصاحب مكتب مشهور فى التعاقدات، لكن المسألة صدَف، وثقة متنامية
(!!). والثقة التى تولّدت بينهما لم تكن بسبب إتقان كتابة المذكرات القانونية أو
حسن لقاء الزبون، وإنما حدثت بمحض الصدفة؛ ذلك أن المحامى الكبير (سأسميه:
"الأستاذ") قد أرسل سامى ذات يوم ليحضر له لفافةً ما من أحد المعلمين
الممتازين، وكان هذا المعلم الممتاز يعيش ـ ليس بمحض الصدفة ـ فى مكان يحتاج إلى
خريطة تفصيلية للوصول إليه، فإذا بسامى يذهب ويرجع بالأمانة (اللفافة) فى لمح
البصر(!!). [أظنك مازلت تذكر يا عزيزى مغزى علامات التعجب]. نعم رجع سامى فى لمح
البصر وعرف المكان مائة فى المائة حتى لم يعد يستعمل الخريطة بعد ذلك، ومع تكرار
ذهابه راحت ثقة الأستاذ فيه تتنامي(!)، بل إن دليلاً آخر قد بدأ فى الظهور وهو أن
الأستاذ شخصيا هو الذى أخذ يرفع الكلفة تدريجياً بينه وبين سامى، فبعد أن كان لا
يناديه إلا بـ "الأستاذ سامي" أصبح يناديه بـ "سامي"، فقط،
طبعا هذا دليل على علاقة أوثق بلا شك، ولكنّ سامى لم يستطب الاسم هكذا
"حاف" خاصة أمام الزبائن، خشية أن يحسبوه فرّاشاً مثلاً، لكن حين وصل الأمر
إلى "يابو السّام " تأكد من رفع الكلفة بينه وبين الأستاذ، وهذا ما جعل
سامى يفكر أن يستعير سيارة الأستاذ حتى يفسِّح فيها " لا ـ خطيبته" (شئ
أشبه بـ "اللا رواية"، أو كما قال) وكان يتمنى أن يوافق الأستاذ لأنه فى
الأغلب سيكسب ثوابا كبيرا، لا لأن ذلك سيسهل عملية التقدم للخطبة، فالزواج، ويا
بخت من وفّق.رأسين.. إلخ، ولكن لأن مثل هذه الفسحة فى تلك السيارة الفسيحة يمكن أن
يساعد سامى فى الهبوط بـ "لا خطيبته" إلى أرض الواقع، أو قل إلى
"لحـم الواقع"، وهذا لا يعنى أن سامى كان يفكر أى تفكير كذا أو كذا،
فالالتحام بالواقع فى الأغلب هو اشتقاق من حكاية "لحم الواقع" التى خطرت
ببال سامى بديلا عن "أرض الواقع"، كله من مادة لحم يلحم، ثم ـ من وفرة
إخلاص سامى ـ أنه لم يستبعد أن يهبط هو كذلك إلى أرض الواقع، أو لحم الواقع، أو
لظلظة الواقع، وقد يكون هذا دافعاً أن يجعل الذى فى مخ حميدة ليس فى مخها فقط، من
يدرى، من ذاق عرف، هذا قول الصوفية ولكن من أين يا حسرة، من أين يمكن له أن يتم هو
الآخر ما بدأه خياله؟ أقول لك من أين: (مازال سامى يحدّث نفسه)، فقد فكر يوما أن
يعرض على المعلم أن يقوم بنفس المهمة التى يقوم بها للأستاذ، يقوم بها ـ فى غير
أوقات العمل الرسمية ـ لأساتيذ غير الأستاذ؛ وذلك مقابل حسنة محسوبة، وهو محام،
صحيح تحت التمرين، ولكنه فاهم كل حاجة، ويا بخت من نفع واستنفع، وهو لن يحتاج ـ
حسب حساباته إلى أكثر من عشرة مشاوير، بعدها، يمكن أن يتقدم إليها، وما قدّر يكون،
ولكن هذا السيناريو لا يمكن أن يبدأ إلا بعد أن يكون الأستاذ قد وافق على إعارته
عربته حتى يحقق قول الصوفية الأفاضل أن من ذاق عرف، وهنا فقط تذكر أنه لا يعرف
قيادة السيارات أصلاً، وهو يستعمل التاكسى حين يذهب إلى هذا المشوار بالذات، مشوار
المعلم واللفافة، وعلى التاكسى أن يتغير باستمرار، هكذا وصّاه الأستاذ، وقد عمل
بوصيته ردحاً من الزمن(!!) ولكن تاكسياً بذاته عرف مواعيده، وأخذ ينتظره وكأن
المسألة صدفة، ثم هب أن كل ما تصوّره بشأن الحلول المادية بالجهود الذاتية قد
تحقق، فللأمانة هو غير متأكد إن كان سيقدم على خطبة حميدة أم لا. فالمانع ليس فقط
المادّة التى يعبّر عنها هذه الأيام الشباب بتعبير " يكوّن نفسه"، ولا
هو عدم وجود عاطفة كافية، ولا هو أمّه وزوجها البيات، ولعلّ القارئ بذكائه يحاول
أن يجتهد معى لنبحث عن المانع لأنه (القارئ) فى الأغلب أصغر منى سناً، وهو أدرى
بشباب هذه الأيام وموانعهم، ثم إن القطار، رغم الإصلاحات المعوّقة، ورغم تأخره عن
الميعاد أكثر من ساعة، ورغم بطئه، قد اقترب من باب الحديد، ولو أننى تركت نفسى
أحاول تفسير كل مانع ودافع لكان لزاما على أن أقضى الليل فى القطار، وذكريات فيلم
باب الحديد ليوسف شاهين لا تسر (فيما عدا هذا الذى فعلته هند رستم بكل الرجال الذين
شاهدوا الفيلم) ورواية السكة الحديد لإدوارد الخراط تخيفك دون أن تكون فيها عفاريت
محددة "الهوية"(!!). أنا قلت أكتب قصّة وليس أمثّل قصة، ثم إن الخطأ خطأ
حميدة لأنها تعتبر سامى خطيبها فعلا دون أى دليل أو قرينة، كلام هكذا والسلام دون
بينة، والبينة على من ادّعى، واليمين على من أنكر، ومع أن سامى لم ينكر، إلا أنه
قد أقسم ألف يمين ويمين، وحتى دون أن يقسم فالقارئ عارف، وأنا قلت له إنه لم يلمّح
ولم يصرّح بأى شئ، وأنا شاهد حتى بعيداً عن هذه القصة تماما، شاهد أن هذا لم يحدث
بأية صورة من الصور، ولا بد أن يصدقنى القارئ، فليس معنى أننى تركته يشاركنى
الإبداع والبحث عن الحلول أن يشك فى كلامى وفى قدراتى على الخلق، فليفعل هو ما بدا
له فى حدود ما سمح له النقد الحديث (وأنا شخصياً لا أعرف هذه الحدود ولست مهتماً
بمعرفتها)، كل ما أعرفه هو أننى ينبغى ألا أعامله (القارئ) وكأنه مثل الإناء
الأملس من الداخل، ألقى به ما يعِنّ لى (ملعوبة !!) وما عليه إلا أن يحتويه. لا،
هذا كلام قديم، إن النقد الحديث يلزم القارئ أن يكون مثل الفخار المسامى، يمتص ما
يلقى إليه، ثم يسيبه الناحية الثانية بلا أى مانع، والاسم استيعاب، وتمثّل، وكلام
من هذا الكلام الجيد الذى يحترم القارئ لدرجة الاستغفال، أما أنا، فلا بد أن أعترف
أننى، حتى هذه اللحظة، لم أجد مبررا كافيا يبرر أن يرتبط سامى بحميدة، ومسألة الحب
التى كانت تبنى عليها قصص زمان أصبحت بعد الفيديو كلوب مسألة فيها نظر، فأنت كنت
تستطيع أن تجلس أمام شادية تتملى فيها وهى تسهر طول الليل، "وسهرنا سهرنا
سهرنا لحاد الفجر"، وبالتالى تصبح لديك فرصة أن تحبّها، وبالتالى تحب غيرها،
مثلها أو نقيضها، المهم تتعلم الحب بإيقاعه البطئ اللذيذ وأنت سهران لحادّ الفجر،
ثم بعد ذلك أنت حرّ، أما الآن بعد الفيديو كلوب، فأنت لا تكاد تبدأ فى حب أية
واحدة تليفزيونية تغنى، أو تتصور أنها تغنى، حتى تظهر لك عجلة، أو واحد يكتب، أو
حمار بجوار ترعة، ثم تظهر ثانية هذه الواحدة، وتحتار هل هى لطيفة أم سحر رامى أم
على الحجار، فكيف بالله عليك يتعلّم شبابنا الحب، وكيف أطالب سامى وهو رائح غاد
يجلب اللفافة للأستاذ ويحضّر المذكرات القانونية، كيف أطالبه أو أتوقع منه أن
يتقدّم لحميدة بسبب الحب، وهو لا يعرفه أصلاً، كانت أيام. أيام مصطفى لطفى
المنفلوطى كان يمكن أن تفسّر أشياء كثيرة بهذه العواطف النبيلة (هم الذين كانوا
يسمونها كذلك)، أما الآن فالنبل موجود طول الوقت دون أى عواطف ولا تعب ولا خطبة
ولا حاجة، هل يمكن أن يكون العائق ـ الذى يؤخّر الخطبة أو يمنعها ـ فى حميدة وليس
فى سامي؛ لأننا إذا كنّا افتقدنا الدافع للخطبة، فلعل الأمر يفَسّر بفتور الشّدّ
الجاذب نحو العلاقة، المسألة جهاز إرسال وجهاز استقبال، فلعل جهاز استقبال حميدة،
على الرغم من لظلظتها، هو الذى به خلل، وهذا يلزمنا أن نعرف أكثر عن حميدة، وبطء
سرعة القطار يسمح بذلك:
حميدة ـ كما قلنا ـ تعمل فى شركة كمبيوتر، وهى مخلصة إخلاصاً فائقاً فى عملها لأنه عمل خاص جدا، ومهم جداً جداً، فهى لا تعمل على الكمبيوتر جامعة حروف مثل كاتبة الآلة الكاتبة، لكنّها مصمِّمة برامج، وهذا عمل لا يقوم به إلا شباب أذكياء جداً، وهم عادة من الذكور، وهو إبداع حقيقى، وفيه قدر كبير من السرقة الذكية، وهى سرقة تنهَى عنها اتفاقات الجات فى حين تشجّعها الأمم النامية، ويرضى عنها رب العالمين (فى الأغلب)، وقد استطاعت حميدة ـ بفضل الله ـ أن تفك شفرة برنامج جديد شديد التعقيد، ثم إن هذا البرنامج فى صورته الأصلية ثمنه ألف ومائتان وخمسون دولاراً أمريكياً(!!)، أى أربعة آلاف وثمانية وستون جنيهاً مصرياً وكسوراً (قبل أزمة الدولار الأخيرة)، فكافأها رئيسها بمائتى جنيه مصرى(!!)، وباع نسخاً من البرنامج المفتوح شفرته كما يريد، باعها هكذا عينى عينك، كل نسخة بمبلغ ثلاثمائة وسبعين جنيهاً، وبهذا ردّ بعض ما أخذه منا الاحتلال، وحميدة لا تنظر إلى هذه المسائل، بل كل ما يهمها هو أن تسأل عن برنامج جديد مُلْغـِز، ومـُؤمـَّن، لتواجهه متحدية عنيدة، مثابـِـرة حتى تفك شفرته، وهكذا، وهى تحب الشاى بلبن، وتضع فيه خمس قطع سكر مرة واحدة، وربما كان هذا ومثله من أسباب اكتسابها وصف ملظلظة، فهو لفظ مكتسب، فلظلظتها ليس لها أى جذور وراثية، بل إنهم كانوا يعايرون أمها بأن لها عرقوباً يذبح الطير، وليس معنى انشغال حميدة كل هذا الانشغال بفك شفرة البرامج، وإعداد برامج جديدة، وشرب الشاى "أبو لبن" فائق الحلاوة، أنها كانت مهملة لأنوثتها أو مستهترة بمستقبلها أو كلاماً من هذا؛ ذلك أن جاذبيتها الإنسانية والأنثوية كانتا بعيدتيْن عن أى تشكيك، وفى يوم من الأيام اقترب منها زميل أثناء انهماكها المطلق فى تحدّى مشكلة لو حلّتها ستقفز بها إلى المعادلة النهائية التى سوف تفك شفرة هذا البرنامج العنيد، وهو ليس زميلها بالضبط، لكنّها تعتبرهم كلهم زملاء، ساعياً، فراشاً، كاتباً، سكرتيرة، كلهم زملاء، المكتب مكون من زملاء ورؤساء، وخلاص، وبما أن هذا الشاب الذى حضر ليس رئيسا فهو زميل، ساع لكن زميل، وهو قد حضر كالعادة ليطلب منها شيئاً طلبه منه رئيسه، وهو لم يعلن ما جاء من أجله؛ لأنه بمجرد أن دخل الحجرة، وكانت حميدة منهمكة أشد الانهماك فيما بين يديها، و هو يتراوح فى الوقت ذاته ذهابا وجيئة بين جانبى دماغها[19]، وربما لذلك لم يفقدها انهماكها فى فك الشفرات والبرمجة أى ذرة من جاذيتها الإنسانية أو الأنثوية، ويبدو أن زميلها هذا انبهر بكل هذا، فاقترب منها وأخذ يبحلق فى شاشة الكومبيوتر وكأنه يرى صندوق الدنيا، وهو طويل وعريض وأسمر أيضا، لكنه ـ لسبب ما ـ أخذ يبحلق دون أن يثنى جذعه، وإنما اقترب وكأنه يفهم رويداً رويداً، وزاد اقترابه رويداً رويداً أيضا، على قدر فهمه، وكلما اقترب رويداً، فَهِمَ رويدا هكذا، وهى منهمكة إلا قليلاً، ثم إلا قليلين، ثم إلا قلائل كثيرة، وكأن هناك تناسباً عكسياً بين رويداً، وقليلاً، أو قل بدقة أكبر إنه تناسب طردى بين "رويدا"، و"إلا قليلاً"، حتى أصبح الزميل قريباً جداً وهو مازال واقفا لم يمل برأسه نحو الشاشة، فأحسَّــتْ، واندهشتْ، واستلذتْ، واَستمرتْ، وأنكرتْ، وربما تمنّتْ أن يبقى هكذا فى محله من غير "إلا قليلاً"، كل هذا وهى لا تعرف عن هذا الذى ذكره الكاتب الآن، كاتب هذه القصة، شيئا بالمرّة، كل الذى تعرفه هو أنها فجأة بعد أن كادت تعترف باستسلامها، ماعت نفسها، نعم فجأة، وشعرت بغثيان كأنه نزل صعقا من حالق، فقامت تعدو كالملسوعة خوفا من أن تنقلب معدتها على الكومبيوتر، ولم تنسَ وهى تنصرف إلى دورة المياه مسرعة أن تعتذر لزميلها هذا، بل تستأذنه أيضا، وهناك وضعت إصبعها فى حلقها، ولم تتقيأ، ولم يكن فى بطنها غير هذا الشاى بلبن الزائد السكر السالف الذكر، وحين عادت لم تجده فى الحجرة، فكادت أن تذهب تسأل عنه، أعنى تسأل عن الذى كان يريده ولم