الفصل الثامن
المريوطية
....
بدا اللون الأخضر متعددالدرجات حتى استحال رماديا فى بعض مواقعه،
ناهيك عن أنه كاد يختفى فى ثنيات الرائحة النتنة ، تبرقش
المنظر كله بما يشبه البقع المتناثرة بشكل قبيح وكأنها لا
تنتمى إلى ما يسمى ألوانا أصلا، لكن سوادا خبيثا يطل منها
أحيانا فيلمع، ليس لأنه يعكس أشعة الشمس، ولكن ليؤكد لـزوجته
برغم هشاشته.
كل بقعة منفصلة عما بجوارها حتى لو كانا من نفس
اللون. جميع البقع تدعوك إلى القاع، ولكنه ليس قاعا واحدا
معا على كل حال.
وصل حجم الذباب ذى الطنين النشاز إلى ما بين النحلة
والزنبور، يبلغ من ثقله وجسارته أنك تخشى أن تهشه من على
جسدك حتى لا يعضك.
اختلط الطنين النشاز، باللزوجة الهشة، بالرائحة النتنة،
باللون الكالح المتغير، فتكون من كل ذلك كيان غازى ثقيل جعل
العالم الفذ الدكتور جميل النشرتى يبذل جهدا فائقا وهو يسحب
الشهيق إلى صدره، ثم إنه يبذل نفس الجهد حين يحاول أن يزفر
ما شهق بعد أن تفاعل داخله بما لا يدرى، فيخرج فحيحا
مندفعا كأنه اللهيب الذى ينطلق من وابور اللحام يمسكه ابن عم
محمد حسن سمكرى السيارات.
على شجرة قريبة مورقة، ودون أن تهب الريح، تساقطت
قشات عش عصفورة ضئيلة الحجم، تناثر ما كان بالعش فانكسرت
البيضات المتناهية الصغر، مع أن الأرض كانت رخوة تماما.
-1-
كان يحاول أن يـفسح لها طريقا بين زحمة الخارجين،
وهى تكاد ترفض ذلك، لكنها تتبعه. كانت الندوة "شديدة
الثقافة" "صارخة الحرية"، "حادة العقل"
"حريفة المنطق"، يعنى ماذا؟. ما هذه الصفات التى خلقتها
لغته الخاصة التى اكتسبها وهو ينسحب من لغتهم؟. حين كان
يكتب ليبلغ رأيه للناس الذين لا يريدون أن يسمعوا آراء
أصلا، كان يضطر إلى التأدب والتحفظ والتبسط وادعاء الوضوح،
وحين كف، أو حيل بينه وبين الناس، وجد هذه اللغة تتخلق
لتختصر الوقت والجهد. المختصر المفيد، لا، المخترق الجديد، حلوة
هذه، لم يعد يستريح كثيرا حين يطلق على مثل هذه الندوات
صفة "ثقافية"، كان قد توقف نسبيا عن حضور الندوات
التى تتصف بتلك الصفة الملتـبـسـة (كلمة من معجمهم) كما توقف
نهائيا عن حضور الصالونات المنغمسه، (كلمة من معجمه) .
" المنغمسه فى ماذا؟".
"فى إيهام أنفسهم أن فى الإمكان
غير الذى كان. بمجرد الكتابة والكلام."
"ما هو لازم!!"
"يا الله،..."كله يصبر
نفسه"!!".
لولا أنها هى التى دعته، لما حضر. هو لا يعرف
موقفها من هذا النشاط وأمثاله، لابد أنها مازالت تأمل فيهم
خيرا، وإلا لما دعته، أو لعلها تكون مثله، اتخذتها حجة
لتدعوه، كما اتخذها مبررا ليستجيب.
ثم إنه، والحق يقال، لا يحضر مثل هذه اللقاءات التى
يحكم عليها بكل هذا السلب، إلا ويتجدد أمله فى شئ ما.
الأرجح أن هؤلاء الناس يتجمعون
-فعلا -على أمل ما. ليس مهما ما يقال فى هذه الاجتماعات والندوات
والصالونات، لكن المهم ما يشعر به المترددون عليها من أن
الناس مازالت تستطيع أن "تهتم". تهتم وخلاص.
شئ مختلف، شئ جديد فى هذه القاصة
المثيرة التى تجمع بين ما هو إباء متحفز، ودفء واعد." شئ
ما.
علاقته بالمثقفين شئ، وبمؤسسات
الثقافة شئ، وبالثقافة نفسها شئ.تعب من شرح وجهة نظره لعدد
من الأصدقاء والمعارف والأغراب. لا فائدة، عجز عن أن يوضح
نفسه لأحد، طبعا لم يجرؤ أن يكتب رأيه هذا فى مقال. من
الذى سوف يقبل نشره، هم لم يعودوا ينشرون له حتى الكلام
الماسخ تحصيل الحاصل، وهم يطلبون بدلا منه تحقيقات؟. فكيف
يأمل فى نشر ما يهز قيما أصبحت من الرسوخ بحيث لم تعد
تثير حفزا إلى مناقشتها أصلا؟.
ليست عنده أية أوهام بالاضطهاد أو حتى بسوء الحظ،
هو على يقين أن أحدا لا يرفضه، ولا يقلل من شأنه، فشأنه
لم يصل إلى درجة يستأهل معها الرفض أو التهوين. هم فقط
أزاحوه، فانزاح.
كان يقلقهم قليلا (أو كثيرا،ليس متأكدا) حين يكتب
كلاما مختلفا، حين يعلن موقفا يعتبرونه نشازا، نشازا عن ماذا؟.
هل ثم لحن أصلا؟ فاستغنوا عن خدماته بأن شطبوه من ذاكرتهم
من الأساس، لكنهم حين يلتقون فبالأحضان والقبل و"أين أنت
يا رجل"؟. و "والله زمان"، والله زمان ماذا؟.
"الآن" هو الزمان الوحيد. لمـا دعته بسمة، إلى تلك
الندوة، تحرك فيه هذا الشئ، هذا الشئ الغامض الذى هو فى أشد
الحاجة إليه، شئ ليست له علاقة بالثقافة والمثقفين، ولكن بها
شخصيا، برغبته ـ التى لم يتبينها بوضوح ـ فى التعرف على
"ماذا هى"، على موطنها الأصلى، على موقعها فى الثقافة أو
فى الحياة، أو فى الوعى. كان قد رسم لها صورة ما، استلهمها
من نبض قصصها القصيرة التى أبلغته رسائل متنوعة متجددة
باستمرار، وكان قد تصور من خلال هذه الصورة، أن مثل هذه
الندوة ليست هى موطنها الأصلى، ولا هى حتى موطن هجرتها المؤقت
أو الدائم.
من أين أتت؟. وإلى أين تذهب؟.، هذا السؤال وذاك
يلحان عليه هذه الأيام. ليست المسألة تسلية، أو تفلسفا. هو
السؤال الذى لا يكون الإنسان إنسانا إلا بمحاولة الإجابة عليه،
ليس مهما أن يجد الإجابة ولكن المهم المحاولة "إلى أين؟.
"إليه يصعد الكلم الطيب"، يعنى ماذا؟. عباءتك يا عمى
فضفاضة وظلامها مضئ، لكنك تركتنى معهم دون أن ترسم لى سورة
"الناس"، أريد ناسا يا عمى ربما هم الذين يوصلونى إلى،
إليه. لا أعرف كيف تزوجتكَ أنت بالذات بعد أبى، أو كيف
تزوجتها؟. لا بد أن الله أراد أن يكافئها، ويغفر لها ذنب
أنها أنجبتنى من هذه الكراريس، أبى هو الكراريس نفسها وليس الذى
كتبها. أمى لم تخدعنى. لم توهمنى أنك أبى، أنا أتقدم إليك مرة
أخرى أطلب منك أن تتبنانى من جديد. تتبنانى دون شروط. أعرف
سماحك.
يا ترى يقبلنى ربك بجوارك حتى لو لم أتعرف عليه قبل
أن نلتقى؟. من يدرى؟.
هل تشفع لى عنده؟.
بائخة هذه، أنا لا أحب الشفاعة.
قل لربك يا عمى إننى أجتهد نحوه طول الوقت، وأنت
شاهد، حتى لو لم أصل إليه، فأنت شاهد. ليس ربك وحدك، هو
رب حتى من لم يجده. لوصح ما وصلنى منك يا عمى من عدله
فسوف يكافأ كل بحسب اجتهاده، لا بحسب ما وصل إليه، حتى لو
أدى اجتهاده للبعد عنه. هو أعلم بالصادقين.
" هذا صحيح".
"كنت أعلم أنك ستوافقنى حتى لو
لم تقلها".
ـ2ـ
كانت تنقر بأصابعها على الطاولة
ذات المفرش الجميل فى المطعم الطليانى الصغير، صاحبه مصرى وزوجته
طليانية، يقومان بخدمة الزبائن بأنفسهم. توجد على بعد مناسب
مائدتان مشغولتان بأجنبى وصاحبته، بل هى مائدة واحدة، ثم
صورتهما فى المرآة العريضة التى تعطى المكان الصغير اتساعا يسمح
للخيال أن يمتد، وللمتخيل أن يتابع نفسه، جلال يرتاح للتواجد
مع الخواجات فى مثل هذه الأماكن، ومع أولاد البلد فى خص
الحاجة وردة، أو مقهى صابر فى عزبة البكباشى، وليس ما بينهما
(لا خمسة نجوم ولا مهابر الكباب والفراخ المخلية). المطعم
الطليانى تحت مستوى الشارع بثلاث درجات. الزرع بجوارهما كثيف
قصير، لا يحول دون رؤية بعض المارة النادر مرورهم من خلف
الزجاج راجلين، هو الذى اختار هذا المكان لأنه صغير، وجميل،
ويعرف أسعاره عن ظهر قلب، ويقدر عليها، وهى قبلت دعوته بعد
الندوة وأصرت على أن تكون"دعوة إنجليزى" كل واحد يدفع
لنفسه، أو بالنصف، لكنه حين ركب سيارتها قال لها إنها إذا
أصرت فلسوف يدفع هو نصف البنزين ونصف استهلاك العربة، ضحكا
بحق حين عجزا عن حساب قيمة استهلاك العربة، فتنازلت، وتمت
الصفقة: "التوصيلة مقابل العشاء".
كانت تنقر بأصابعها، على الطاولة الصغيرة ذات المفرش
الجميل، لم يكن لحنا بذاته، ولكنه كان نقرا منغما رقيقا،
ربما أصابعها الطويلة الناعمة هى التى كانت رقيقة فجعلت النقر
رقيقا، وفى ذات الوقت كانت ممتلئة، كيف تمتد أنامل بهذا
الطول بلا عروق ظاهرة (أو خفية ـ ربما)، ولا نتوءات عظام
ظاهرة (أو خفية !!) لابد أن تكون ممتلئة بالحساب الأنثوى
الدقيق. قرب أطراف أصابعه من أطراف أصابعها دون أن يلمسها،
أفاد هذا الاستغراق فى التفاصيل فى تجنب التقاء عيونهما قبل
الأوان، رفع عينيه، فإذا هى تبتسم وكأنها كانت تتابع إنصاته
لحوار الأنامل دون تلامس، ابتسم بدوره، أصابعها كلها خالية من
أية خواتم أو حلقات خانقة.
ترددت هى قبل أن تقاطع شطح خياله، ربما لتسمح له
بمزيد من الوهم، لكنها لم تستطع إطالة الصمت:
ـ هل قالت لك أصابعى شيئا؟.
ـ قالت لأصابعى، وليس لى.
ـ لا أظن.
ـ ولا أنا، رجعت فى كلامى.
ـ قل أنت.
ـ ماذا أقول؟.
ـ أى شئ غير ما فى بالك؟.
نظر إلى العشرين إصبعا وانتبه مرة أخرى إلى ما انتبه
إليه بالنسبة إلى أصابعها: لا خواتم ولا حلقات، لا عروق ولا
عظام.
ـ إذا كنا قد نجحنا فى أن نتخلص مما يخنق الأصابع
فنحن لم نستطع أن نتخلص مما يخنق وجودنا، هذه فرصة أكبر
لمزيد من الحرية.
ـ . . . . الحرية؟. هل أنت ممن يعيشون وهم الحرية؟.
ـ يعنى.
ـ ألا تعتقد أن الحرية أصبحت من الكلمات المتحفية
هى الأخرى، مثل الديمقراطية والعدل؟.
ـ أعتقد، لكننى لا أجرؤ أن أفتح هذه السيرة مع
أحد.
ـ ولا أنا.
ـ أنت التى فتحتيها.
ـ مغامرة.
ـ جاءت سليمة.
ـ لست متأكدة.
خطر بباله فجأة، دون أى مبرر ظاهر، ودون ذوق أيضا،
أن يسألها عن سنها، ما أقل ذوقه، ما هذا السخف؟. تراجع من
فوره، هذه الأنوثة الطاغية من حقها أن تشكل عمرها كما شاءت،
أنى شاءت.
ـ أنا متأكد أنك تبحثين مثلى، على الأقل من خلال
قصصك.
ـ أبحث عن ماذا؟.
ـ عما أبحث عنه، عما يبحث عنه أى واحد يريد شيئا
آخر.
ـ شيئا آخر، أم شيئا أول؟.
ـ ألم أقل لك إننا نبحث عن نفس الشئ.
ـ يعنى. ماذا يهم الناس فيما نبحث فيه أو عنه،
المهم الناس.
ـ قد نجد أن ما يصلح لنا هو هو ما يحتاجه
الناس.
ـ لقد توقفت عن تعاطى هذا الكلام بعد ما جرى لى
ما جرى فى عيادة طبيب مجنون، اكتشفت أننا لا بد أن نعيش
بجوار كل هذه التساؤلات التى ليست لها إجابة، لا أن نحاول
أن نحقق ما نظنه إجاباتها فنجن مثله. من ثم وجب الفن فهو
الذى يجاور التساؤلات لا يجيب عليها ولا ينفيها.
ـ لست فاهما تماما، قلت "طبيب مجنون". أليس
كذلك؟.
ـ .. طبيب نفسى كان يحلم مثل مرضاه الشاطحين تماما،
لكنه يرتدى سماعة ويكتب وصفات، هو أخطر. يا ساتر، أية ذكرى،
وأية شهرة، وأية خدعة، كان يريد أن يعدل الكون من خلال
مرضاه، كان يتصور أن ما عجز عنه الأصحاء سوف يحققه المرضى،
وهذه هى النتيجة. تلك التى تجلس أمامك.
ـ، نتيجة مثل الفل، لو أعرف أنك شخصيا نتيجة
شطحاته وأحلامه تلك لما تردت فى الذهاب إليه.
ـ أحلام ماذا وشطحات ماذا ؟ قلت لك إنه مجنون،
طبيب مجنون.
ـ وأنت؟.
ـ كما ترى، أنا لا أنسى فضله، لا أنكره، مستحيل،
لكن حياتى توقفت عند ما كان يطمعنا فيه، كان يتصور أن
الإنسان يمكن أن يكون إنسانا، وأن الله موجود فى علاقاتنا
وامتداداتنا، وليس فى عقولنا ولا فى السماء، وكلام من هذا.
ـ أهذا هو ما تثبتين به جنونه؟.
ـ لست أدرى ماذا أقول لك بالضبط، الذى خرجت به هو
أننى مازلت أبحث عما كان يقوله لنا، عما كنا نمارسه فى
صحبته، كان عبثا أن تبحث عن كل الأصول والجذور والمعنى وأنت
تجلس مع أمثالك الحائرين المخدوعين فى حجرة مغلقة، إن كنت
تريد أن تبحث: ليس أمامك إلا أن تفعلها أنت بما هو أنت،
وسط الناس وبهم، ثم لا تتوقف، حتى لوتركوك.
ـ يا ليت .. كيف؟. مشاريعى فى هذا الاتجاه كلها
مضحكة، لا تريد أن تبدأ أصلا.
ـ حين أكتب ما أكتب لا أتصور أننى أكتب، أنا
أتحرك مع الحروف والصور، فعـل الكتابة شئ، ورسم الكتابة شئ
آخر،.،.،.،.
ـ واحدة واحدة على من فضلك.
ـ ومع ذلك فأنا لا أنكر فضله، كلما كتبت قصة،
مفاجئة لى، شعرت أننى أقترب منه.
ـ ممن؟. من الطبيب أم من الجنون؟.
ـ منه وخلاص يا أخى، ألا تفهم؟.
ـ يا بسمة، واحدة واحدة على، تشغلنى هذه الأمور
وأهرب منها بانتظام، كيف تتكلمين عنها بهذه البساطة؟. أنا لا
أعرف كيف حلها هؤلاء المثقفون، أوعلى الأقل كيف تخلصوا منها،
نحن فعلا نمتد، إلى أين؟. هل لابد أن نعرف أم نواصل
الامتداد، وخلاص؟.
ـ كانت تجربة فظيعة حالت دون أن أعيش مثل الناس،
حالت دون أن يكون لى بيت وأولاد. هذه التجربة نفسها هى التى
جعلت منى تلك التى تجلس معك الآن. قصصية أنا أم ماذا؟. لست
أدرى. حين أكتب، أحس أننى أخترق الحواجز إليه، فجأة يلتحم كل
شئ بكل شئ، ثم يضيؤك فتقول. ربما يرجع الفضل إلى هذه التجربة
التى أشكو لك منها الآن، أحيانا أشعر أن ما تضيفه الكتابة
إليهم، إلى، هو بفضل هذا الدكتور نورالدين. لكن الثمن غال.
لست متأكدة إن كان هو قد دفعه شخصيا أم أنه أحال فاتورته
على حساب مرضاه؟. على حسابنا.
ـ تقولين الدكتور نور الدين؟.
ـ نعم، لم أكن أريد أن أذكر اسمه.
- الدكتور عبد الحكيم نور الدين؟.
- نعم هل تعرفه؟.
ـ أعرفه؟. أظن أنه..، أننى.....
ـ كان معنا واحد اسمه يشبه اسم والدك غريب
الأناضولى، ظل يمشى فى الاتجاه المضاد طول الوقت حتى اختفى.
شعر أنه يحتاج، ضد مقاومة شديدة، أن يقول ما يعرف،
أغلب ما يعرف، تذكر أنه قد لاحظ انتباهها لاسمه من البداية،
وأنه لم يتماد فى النفى أو الإثبات، وأنه لا يريد أن يفتح
هذا الموضوع الذى يحيطه من كل جانب بمصادفات لا يمكن أن
تكون مصادفات، من هذا الطبيب الذى يظهر له مثل الشبح، فى
هؤلاء الذين يلقاهم بهذا الشكل؟. لم يجد مفرا من أن يقر
أنه ابن أبيه ذى الاسم المذكور، وأن يشير إلى بعض محتويات
الكراسات اياها. لم تصدق بسمة مع أنها كانت تومئ برأسها طول
الوقت. سألته بحدة ليست مناسبة وهى تريد ألا تصدق.
ـ هل أنت متأكد أنك ابن غريب الأناضولى.
أجاب ساهما فى رفض غامض:
- بصراحة لست متأكدا تماما. كم
تمنيت ألا يكون هذا صحيحا، أنا لم أر أبى هذا أبدا، ومع ذلك
أكاد أعرف كل من كان يعرفه، والعجيب أكثر هو ذلك الطبيب
الذى يدور حوله حديث كل من يعرف، أو يسمع عن، أبى، حتى
ابنه، تعرفت عليه أيضا.
ـ ابن من؟.
ـ ابن طبيبك هذا.
ـ هل أنت متأكد؟.
ـ شككت فى البداية لكننى تأكدت بعد ذلك.
ـ ابن الدكتور عبد الحكيم نور الدين؟.
ـ نعم: أمين عبد الحكيم نور الدين. عرفتنى عليه
صديقة كفاح قديم، والدها كان يعرفه أيضا. صمتت بسمة فجأة،
وبدا عليها استغراب لايريد أن يدعها تصدق.
ـ حذار أن تذهب إليه، قد يكون مثل أبيه، لابد أن
يكون طبيبا مهفوفا مثل أبيه.
ـ أذهب ماذا؟. ومهفوف ماذا؟. لا أنا مريض ولا هو
طبيب.
ـ ألم تكن تتحدث عن ابن الدكتور عبد الحكيم نور
الدين؟.
ـ نعم، لكنه ليس طبيبا؟. أصلا.
ـ ماذا يعمل إن لم يكن طبيبا، كان أبوه يصر أن
نكون جميعا أطباء، هواة أو محترفين، لم يكن يفرق، كان يقول
إن المجتمع يحتاج إلى أطباء من كل الأشكال، وكنت أحس أنه
يمكن أن يتصور أن أطباء المجتمع هؤلاء هم بمثابة أنبياء أول
الزمان، تصور؟.
ـ أتصور.
ـ كيف تتصور وأنت لم تعش التجربة معنا، ياه، كان
يقول إن الساسة يخطبون، وأن المثقفين يكتبون، وأن الاقتصاديين
يسرقون، أما هؤلاء الأنبياء الأطباء فهم الذين سوف ينقذون
البشرية.
ـ الله الله، فهمت الآن وصفك له بالجنون، العقبى
لنا.
ـ إياك، لا أحد يخرج سليما من هذه المحاولة.
ـ ولكن يبدو أن ابنه خرج سليما معافى، لقد نجح
نجاحا يتحدى كل الأنبياء المزعومين .
- تقول إنه ليس طبيبا مثل أبيه،
أذكر أنه دخل كلية الطب، ماذا هو إذن؟.
ـ هو صاحب معرض سيارات.
ـ معرض ماذا؟.
ـ معرض سيارات.
ـ ابن عبد الحكيم نور الدين صاحب معرض سيارات؟؟!!!.
ـ نعم، ألم أقل لك إن الله فتح عليه الناحية
الثانية.
أصرت بحسم أن تتوقف عن التمادى فى الأسئلة، على الرغم
من رغبتها الفائقة أن تعرف أكثر، قررت أن تدير الحوار إلى
اتجاه آخر، وليكن حديثهم فى موضوع الندوة.
ـ ما رأيك فيما دار فى الندوة؟.
ـ أية ندوة؟.
ـ ندوة الليلة، ماذا جرى لك؟.
ـ شكرا للفرصة على أية حال، لولا هذا اللقاء بعدها
لطالبتك بالتعويض.
ـ أسألك عن رأيك، لا أطلب شكرك، ولا مسخرتك.
ـ هى ندوة، وهم منتدون، انتدى ينتدى فهو منتد، والجمع
منتدون، ونحن كذلك.
ـ نحن... نحن ماذا..؟.
ـ منتدون.
ـ إسمع، أنا جادة فى السؤال، لا تسخر، أريد أن
أعرف رأيك بجد.
ـ عيب أن أقوله. طال سكوتهما حتى قطعته.
ـ إذن فيم نتكلم وقد دعوتنى للعشاء بعد الندوة
لنتحدث، نتحدث فى ماذا؟.
ـ كان لابد من حجة، أما هؤلاء القوم، فهم فى
واد، والناس فى واد.
ـ أى ناس يا جلال؟.
ـ الناس الذين هم ناس بحق، كنا زمان نتكلم عن
الشعب، عن تكامل القوى.. عن الكادحين، وعن تحالف لا أدرى
ماذا؟ مع ما لا أدرى من؟.
ـ وماذا تغير؟.
ـ أشعر أنك تعرفين الإجابات، فلماذا تسألين؟.
ـ فلماذا دعوتنى بعد الندوة ما دمت أعرف ما تعرف،
وأنت تعرف ما أعرف. هل نظل صامتين؟.
ـ هناك شئ مشترك. ندعه يتولد.
ـ دائما هناك شئ مشترك. لكن كيف يتولد بدوننا؟.
ـ إن ما أبحث عنه فيما يمكن أن يكون مشتركا
بيننا هو...، لست أدرى بالضبط.
ـ ظريف أنت والله العظيم، نبحث معا عما لا نعرف،
أفهمك تماما، وأوافق. بل لعل هذا ما يحضرنى وأنا أكتب
أحيانا، أبحث عن ذات الشئ الذى لا أعرفه مع القارئ، فتخرج
القصة.
ـ شعرت أننا يمكن أن نتعرف على ذلك الشئ أكثر،
وربما أعمق، إذا تعرفنا على الناس الناس، وليس الناس المثقفين
أو المنتدين، إذا تعرفنا على بعضنا البعض. إن ما لحق باللغة
التى نستعملها ونحن نحاول أن نعرف بعضنا البعض أصبح هو هو
الحاجز الذى يحول دون أن نعرف بعضنا البعض.
ـ ألغازك أصبحت أكثر جذبا، إنه مثل الذى يتجلى لى
وأنا أكتب، أو هو قريب الشبه جدا، هذا الشئ !! هو موجود فى
الناس البسطاء، موجود فى الناس الحقيقيين. عرفت أنه مؤكد وقريب
ومشترك، لكنه غير محدد، لا يمكن فصله، وإن كان لا يتكرر،
هو هو يتجدد ولا يتكرر، لست أدرى كيف، آسفة، لا أقصد..، قل
لى يا جلال : لماذا لم تحاول أن تكتب قصة؟.
- يا ساتر !! تريديننى أن أبتعد
أكثر من هذا، أنا ما صدقت.
- ما صدقت ماذا؟.
- لا أعرف.
- لا أتصور كيف ستعثر على ضالتك
دون أن تكتب، ترسم، أى شئ، لست أعرف..، كيف ستجدها إذن؟.
ـ عند مزلقان "أبو النمرس".
ـ مزلقان ماذا؟.
ـ لا شئ لا شئ، أحكى لك فيما بعد.
ـ3ـ
كان ممتلئا ببسمة تماما وهو عائد، امتلأ بها وبه
معا، كانا واحدا أخذاه كله حتى كاد يرتفع من على الأرض.
لكن وحدته زادت أكثر.
قال: إنها ليست مسألة بسطاء ومثقفين، وقال إنها
مسألة أكبر من ذلك، وإن كانت تبدأ من ذلك، وقال: إن هناك
عملية برمجة معلنة وخفية أشبه بالجريمة المنظمة، وقال أيضا إن
الذين يسرقوننا إنما يسرقون أنفسهم أولا، أو أنفسهم أساسا،
يحرمون أنفسهم من يقينهم، فيحتمون بيقين من خارجهم، مرة
يسمونه العلم، ومرة يسمونه العقل، ومرة يسمونه التنوير، ومرة
يسمونه الدين، وكانت بسمة قد أخبرته أنه يخطر لها مثل ذلك،
وأنها توهم نفسها أنها تصدق هؤلاء الناس المثقفين جدا، تصدقهم
لترتاح، مع أنهم ليسوا هنا. هى لا تعرف كيف حلها هؤلاء
الناس، يبدون فى حالة من الطمأنينة الرخوة، أكثر ممن تسلموا
صكوك الغفران.
أخذ يسترجع ما ذكرته بسمة عفوا من أنها تعانى أكثر
حين تزحف هذه الرؤية من إبداعها إلى حياتها العادية. كيف
تمتلئ إيمانا به وهى تكتب، لكنها لاتدرى ماذا تفعل لو أنها
آمنت نفس الإيمان ذاته وهى تمارس يومها المعتاد. ثم كيف أنها
حين تفكر فى هذا الأمر، تكاد تتوقف عن الإبداع وعن الإيمان
معا، وأنها أحيانا تذهب إلى الناحية الثانية. لتنقذ نفسها مما
لا تعرف.كان قد سألها عن هذه الناحية الثانية.
قالت له إنه حين يهاجمها هذا اليقين الغامض تلجأ
إلى عالم صديق رائع يمتاز بفكر مصقول، ليس له هم إلا أن
ينفى كل هذه الأوهام الخرافية بمنطق ووثائق شديدة الإحكام. هو
باحث عالم مؤرخ مفكر، دكتور بحق، يقدس العلم والمنهج العلمى.
بدأ حياته عالم كيمياء حيوية، ثم استهوته قراءة التاريخ،
فتحول إليه وحصل على ذات المراتب والدرجات والشهادات الأعلى،
نعم. هو الذى أخذ اسمه يتردد مؤخرا فى معارك التفكير
والتكفير، هو أكاديمى متعدد المواهب، حتى حقق أعلى المراتب
الأكاديمية فى الجامعة، فى كل من العلوم الطبيعية والإنسانية
معا، هو عالم حاد الذكاء، لامع المنطق، يمسك بمكواة التاريخ
الملتهبة جمرا يكوى بها أى نتوء يمكن أن ينحرف بنا نحو
الخرافة، هكذا يسمى الإيمان فى جلساته الخاصة. كانت بسمة قد
قالت له -أيضا- إنها حين ترجع من عند هذا الأستاذ الألمع
ترجع مأخوذة معجبة، وما أكثر معجباته، ترجع منشقة مطمئنة إلى
استحالة التسليم للخرافة، فليظهر من تبحث عنه كيفما شاء فى
إبداعها، لكنها تكون قد تحصنت ضد ظهوره فى حياتها اليومية،
لا فى وعيها ولا فى علاقاتها ولا فى عقلها، هى لا تسمح له
بالظهور إلا فى قصصها وبشكل عفوى تشعد بنبضه دون أن تحدد
نعته أو اسمه.
اعترفت بسمة - لجلال - أنها لا تلبث أن تعانى من
تداخلات رؤيتها الإبداعية فى وعيها العادى، تخاف أن تدخل منطقة
مجهولة، أكبر من قدراتها التى تعرفها، فتعاود اللجوء إلى الكى
بمكواة ذلك العالم الكيميائى، الممنهج، المؤرخ أيضا. ثم إنها
اعترفت له أنها قللت من زياراتها للأستاذ الدكتور جميل
النشرتى، هذا هو اسمه، بعد أن تضاءل مفعوله شيئا فشيئا، ليست
تدرى لماذا.
قاطعها جلال:
ـ وهل تصلح لمثلى مكواة هذا الأستاذ أو مشرطه حتى
لو لم أكن مبدعا أكتب القصة؟. هل تصلح تلك المكواة الفكرية
لمن لا يملك إلا حيرته وسعيه، حتى هذا السعى أنا لست متأكدا
من توجهه.
ـ أعتقد أن علمه أو معلوماته يمكن أن يخلصك من
كل ما هو "ليس كذلك".
ـ أخاف أن أكون أنا شخصيا مما "ليس كذلك"،
هل يخلصنى من نفسى؟. المهم، هل يمكن أن تعرفينى به؟. أشعر
أنى محتاج إلى مشرطه، أليس آخر الدواء الكى؟.
تواعدا أن يذهبا إلى الأستاذ الدكتور جميل النشرتى فى
محاولة استئصال أورام الخرافة بالمجان، فى محاولة التخلص من
إدمان تعاطى السحر والدين والبله.
لظروف لم تسمح لها أن تصحبه إليه شخصيا فى الموعد
الذى اتفقوا عليه، أعطته العنوان، ووصفت الطريق، واتفقا على أن
يذهبا متلاحقين كل على حدة، ليلتقيا هناك.
ـ4 ـ
الطريق لم يرصف بعد، على الرغم من أن العمارات
حديثة. مازالت بضع عشرات الأمتار المربعة مزروعة بالأذرة، كوز
الأذرة هنا يساوى كم مائة جنيه؟. كم سنتيمترا يشغل عود
الأذرة؟. كم يبلغ السنتيمتر الآن فى هذه الأرض التى يأكلها
النمو الخرسانى من كل جانب؟. المنطقة بجوار ترعة المريوطية
أرحم من غيرها، يبدو أن الحكومة لحقتها فى آخر لحظة فخططتها
وسمحت ببعض التنظيم الذى يمكن أن يـستكمل تدريجيا.
هى لا ترفض التراب المثار تحت أقدامها وهى فى طريقها
إلى منزل الدكتور جميل النشرتى، بل لعلها تشعر أن هذا التراب
المثار هو أكثر حنانا من قسوة الأسفلت وسواده. يوجد
"سوبر ماركت" فيه كل شئ فى هذه المنطقة التى لم
تكتمل، تعتبره بسمة علامة على الناصية التى ينبغى أن تنحرف
إليها يمينا، على الجانب المقابل ناحية حقل الأذرة البضعة
أمتار، يوجد زير مغطى، ملئ بالماء كما يدل عليه رشح جداره،
وفوقه كوز. من ذا الذى يجرؤ هذه الأيام أن يشرب من كوز
فوق زير لا يعرف من الذى شرب منه قبله؟. احتمال تلوث معلن
يمكن التحكم فيه، التلوث العصرى الآن بالغ الخفاء. على الأم
أن ترضع رضيعها لبنها الطبيعى لتمنحه الحنان مع كل اللازم،
حاضر. ماذا تفعل الأمهات فى الخبر الذى نشر أول أمس يقول إن
ثلاثمائة مادة سمية تتعاطاها الأم من البيئة المعاصرة تفرز فى
لبن الأم؟. ثم ما هى سموم المعلومات التى نتعاطاها جميعا طول
الوقت؟. أورام الفكر، وسرطانات الوعى ليس لها علاج. ماذا يفعل
الدكتور النشرتى الغارق فى التاريخ؟. وهل عنده خبر كيف نصاغ
الآن؟. لماذا يركز على استئصال أمراض الخرف الأصولى دون بقية
الأورام الأحدث؟.
كانت بسمة كلما قطعت هذه المسافة الترابية تجد نفسها
فى هذه المتاهة من الفكر الملبد بالغيوم والغموض. أفاقت بسمة
على تزايد سحابة التراب المتصاعد فى دلال لزج عنيد، لم يبق
أمامها إلا بضعة أمتار، بعدها سوف تصعد إلى بيت الدكتور.
لولا الموعد الذى ضربته لجلال حتى يتعرف على الأستاذ الدكتور
لرجعت مثلما فعلتها قبل ذلك مرارا. كم مرة وصلت إلى هذا
الموقع تحديدا، ثم عدلت عن الزيارة؟. لقد شبعت من هذا
الكلام، ومن ضده أيضا. لكنها واصلت المسير.
بيت مفتوح لكل مريد ومنبهر، وبالذات لكل مريدة
ومنبهرة، وهى لا تعرف أين تضع نفسها، مريدة أم منبهرة، هى
مستكشفة متحدية هاربة مما تستكشفه أثناء إبداعها دون قصد، هذا
كل ما فى الأمر. إلى متى ستظل تستكشف وتنبهر وتتحدى ثم تنكر،
وتدفع الثمن؟. ولماذا هى التى تدفع الثمن دون غيرها؟.لكن من
أدراها أن غيرها لا يدفع الثمن؟.
هذه المرة لم تأت لتتداوى بالكى، لتتخلص من إيمانها
الذى يظهر فى إبداعها ويهدد حياتها اليومية. هى أحيانا تأتى
لتراه فحسب. كلامه المندفع الساخن يثير أشياء أخرى، ربما هذا
هو ما يجذب المعجبات إليه. هى تأتى هذه المرة لتعرف جلالا
عليه، هو الذى طلب، ربما تتعرف هى بدورها عليه من خلال جلال
هذا. تنبهت إلى أن جلالا يبدو عكس أبيه تماما، ربما عكس ما
وصله من أبيه مثل أمين عبد الحكيم، لكنه يقول إنه لم ير
أباه؟. كيف ذلك؟. ربما. قررت ألا تحدث جلالا أبدا عن أبيه
الذى تعرفه أكثر مما يعرفه ابنه، لا داعى، لا مبرر.
ـ5ـ
لم يفتح الدكتور النشرتى لها الباب بنفسه، كان هو
الذى يفتح الباب عادة، يقبل وجنتيها، ويكاد يقبل شفتيها، لكنه
لا يفعل، فلا هى تمانع، ولا هو يـقدم، الذى فتح لها الباب
هذه المرة كانت سيدة (أو آنسة)، حول الثلاثين، شديدة سواد
الشعر واسعة العينين، سمراء، قالت بسمة لنفسها: إنها منهن،
المعجبات الخليجيات اللاتى لا يخلو بيت الدكتور من إحداهن،
امتعضت قليلا ولكنها أسرعت بإخفاء ذلك، ابتسمت ظاهرا، فكثيرا،
وسألت عنه. قالت الفاتحة (التى فتحت لها) إن الدكتور انصرف
مستأذنا فجأة بعد مكالمة هاتفية، وإنه قال إنه سيعود بعد
دقائق، عرفت نفسها، فعرفت الخليجية بنفسها بدورها(حصة)، وقالت
إنها تعرف الاسم، اسم بسمة، وإنها قرأت
لها، تبادلت معها بسمة المجاملة، ومن ستر الله، هكذا قالت
بسمة لنفسها، أنها تذكرت أنها قرأت لها شعرا متوسطا فى مجلة
خليجية، ثم عرفت المرأة الثانية نفسها بلهجة شامية (ميادة)،
لا تستطيع بسمة أن تفرق بين اللهجات اللبنانية والسورية
والفلسطينية أضافت ميادة أنها باحثة تحضر دكتوراة، أما الثالثة
فلهجتها مصرية (إحسان)، ذكرت اسمها ولم تلحق به أية صفة، هى
حرة، لا داعى للإحراج.
كما هو متوقع، دار الحوار بسهولة بين بسمة وبين
الشاعرة الخليجية حصة، وفرحت بسمة فرحا هادئا حين علمت أن
حصة قد قرأت مجموعتها القصصية الجديدة، وتدخلت ميادة برأى
متوازن، فقد قرأت بعض قصص المجموعة وليس كلها، ولم يبد فى
الحديث أى نقد حقيقى، أو عمق مناسب، كانت مثلما يفعل أغلب
الناس حين يجدون أنفسهم أمام كاتب قرأوا له وكونوا عنه فكرة
ما، ثم إذا بهم يفاجأون به لحما ودما مختلفا عما تصوروا،
أو مطابقا لما تصوروا!، لم يخرج الحوار عن المديح المعتاد.
انتقل الحديث إلى قضايا إشكالات الأدب النسائى، واتفقت الاثنتان
على رفض هذا المفهوم، جاءت سليمة وإلا ما كان للنقاش أن
ينتهى، ثم انتهزتا الفرصة لتتكلما فى
اهتمامات الدكتور ومنهجه.
ـ إن الدكتور يصحح التاريخ من البداية، وبمنهج محكم
طول الوقت.
ـ من البداية؟. أية بداية؟. هل أحد يعرف البداية؟.
ـ بداية التاريخ، إنه يكاد يكتبه من جديد، يكتب
التاريخ.
ـ كانت
إحسان تتابع الحديث بهزات من رأسها موافقة كل جانب أولا
بأول.
ـ أحيانا أتساءل: لماذا التاريخ بالذات؟.
ـ إن لكل تخصصه، وهذا هو تخصصه.
ـ ليس هذا تخصصه الأصلى، هو عالم كيمياء أساسا.
ـ مسألة التخصص هذه تأتى فى كثير من الأحيان بمحض
الصدفة، لكن التاريخ أصبح تخصصه، وقد تفوق فيه أكثر من
أهله.
قالت بسمة:
ـ يخيل إلى أحيانا، أو لعلى خشيت، أن يكون الدكتور
متورطا فى ما لم يختر.
ـ وماذا فى ذلك؟. إنه مستمر، كل واحد من حقه أن
يعيد الاختيار كما شاء، مادام قد استعد لذلك.
ـ إنها منطقة تكلف من يدخلها ثمنا باهظا لا ينبغى
أن يدفعه إلا من يختارها.
قالت ميادة بلهجة لم تخل من غيرة ما، أو هكذا
حسبت بسمة:
ـ تشفقين عليه إلى هذه الدرجة؟.
ـ ليست شفقة. مجرد فكرة.
ـ اطمئنى، حتى لو كان متورطا فى البداية، فإن
استمراره يجعله هو المسؤول عن ذلك، بل إنه يجعل نفسه مسؤولا
ليس فقط عما يكتبه هو، وإنما عن كل من يتصور أنه يكتب
مثله، أو يستعمل منهجه.
قالت بسمة:
ـ أحيانا يخيل إلى أنه لا يكتب التاريخ، وإنما هو
يمارس نوعا من الكتابة البوليسية، كأنه يجمع قرائن لتدين
متهما ما.
ـ هذا نوع من كتابة التاريخ على كل حال.
ـ لكنه يجره إلى تحيز واضح.
ـ كل من يكتب فى التاريخ، مهما كان منهجه، هو متحيز بالضرورة، عرف أم لم يعرف، اعتـرف أم لم يعترف.