الفصل السابع
شارع المبتديان
كانت الطيور التى يسمهيا الفلاح "أبو قردان"
ترفرف بأجنحتها على مسافة قريبة من الأرض المروية حديثا، وكان
بعضهيا يهبط فجأة بزاوية محسوبة وكأنه يقفز قفزة
الغطس التى تدرب عليها منذ كان فرخا فى سنة أولى
طيران.
لم تكن الرياح شديدة، لكنها كانت السبب فى أن يتطاير
شعر بسمة فى اتساق منتظم وكأنه يعزف - أو يؤلف - لحنا جديدا
لا يريد أن يكتمل برغم بداياته الواعدة جميعا.
مدت يدها إلى البضع شعرات اللاتى تراقصن أمام عينها
اليسرى، ثم نظرت إلى ساعة الحائط، وقررت أن تؤجل الحمام هذا
الصباح مع أنها لم تكن مرتبطة بأى موعد باكر، ثم إن عملها
لا يلزمها بمواعيد محددة.
عادة، لا يمكن لأحد أن يتبين ماذا التقط أبو قردان
من الأرض، لكن الذى تدلى من المنقار هذه المرة كان لا يخفى
على عين. كيف سيبتلع كل هذه الأفعى؟ ومع ذلك لم تلاحظ بسمة
أية غرابة إلا حين تلوى الطائر وهبط اضطراريا حتى غاص فى
الطين تماما هو وقاتلته أو فريسته.
ولم يعثروا على الصندوق الأسو د حتى الآن.
-1-
ثمانية عشر عاما على الأقل".
هتف جلال بينه وبين نفسه حين دخلت عليه رشا أمين
عبد الحكيم، ودخل معها، وراءها، أيمن، أخوها، اثنى عشر عاما،
معقول، بل ربما أقل، ثم لحقتهما هدى، أربعة أعوام !!!. أحلاهم
هدى، لكن رشا شئ آخر، تصور أن أمها كانت فى شبابها أجمل
وأشهي!!. أشهى ماذا وكلام فارغ ماذا؟ إنه بمثابة الأب، قفزت
إليه سهير البابلى، وهى تعترض على أحمد بدير. "قال زى
أخووكى"؟.
حرية مشاعره لا تتعارض مع قدسية مهمته، تمنى أن
تحضر الأم، لكنهم أخبروه أنها ذهبت لدرس الحياكة، درس ماذا؟
هذه السيدة تريد أن تتعلم كل شئ!. حياكة ماذا؟ أفهمته رشا
بكل حماسة أن أمها تتعلم الحياكة فى كرداسة، وأساسا هى تتعلم
التطريز التلقائى للجلباب النسائى البلدى. أفهمته أيضا أن لأمها
ملاحظات على البضاعة التى تعرض على السائحين. هى تريد أن تجعل
الجلباب المصرى أكثر بساطة، وأكثر دلالة، هذه السيدة الخوجاية
فى مخها "مصر" من صنعها هى، جاءت تنفـذها هنا فى
أتيليه وادى النيل. هى فنانة شاطحة. هى لم تحضر لتعيش فى مصر
كما هى، وإنما جاءت تنحت وجها جديدا لمصر التى حلمت بها أو
تخيلتها.
دخل أمين عبد الحكيم متعجلا وهو يستأذن فى الانصراف
ويشرح ظروفه، وارتباطاته، ويطمئن على أن المدرس الجديد تعرف على
الأولاد، وينبه الأولاد قبل أن ينصرف إلى أن يعتبروا الأستاذ
جلالا مثله تماما، ويسأل جلالا إن كان يريد شيئا قبل أن
ينصرف.
ـ تعرف ظروفى يا أستاذ جلال، هه. تعرفت عليهم؟.
هه؟.
التفت إلى أولاده مردفا: وأنتم
كذلك طبعا.
لم يكد جلال يهم بالكلام حتى التفت أمين عبد الحكيم
قبل أن يغادر.
ـ حدد معهم المواعيد بنفسك يا أستاذ!.
ثم التفت إلى الأولاد.
ـ لكن اعملوا حساب تدريبات الإسكواش، ودروس البيانو،
ومسابقات العوم.
قال ذلك وانصرف مسرعا.
قال جلال فى سره: "انصرف لا يلوى على شئ"،
تعبير غريب، لكن لابد أن له أصلا خطيرا "لا يلوى على
شئ"، يا ترى يعنى ماذا؟ "لا يلوى على شئ". أما
جلال فهو "يلوى على شئ"، ثم ما هذا كله، الإسكواش،
البيانو، العوم، المدرسة الرسمية، ثم بعد ذلك سيضاف هو شخصيا
بلغاته وأحلامه وأحلام أمهم، وعلى الأولاد أن يوفـقوا بين كل
هذا، غير ما يستجد من واجبات. واجبات يشعر أنه شخصيا سيكلفهم
بها، أشفق عليهم قبل أن يبدأ، وأشفق على نفسه، هناك دور
غامض يريد أن يقوم به، دين عليه بشكل ما.
تذكر كيف عملها معه عمه سليمان،
عملها دون أن ينطق حرفا من هذا الذى يدور بخلده. أوصل إليه
رسائله الكلية من داخل عباءته، حين ألزمه بالصلاة صغيرا فى
رفق متناغم، وهو يحيطه بما هو، ويصر فى ذات الوقت على أمر
ما، أمر بسيط وضرورى، كيف حدث ذلك؟ كيف يمكنه هو أن يقوم
لهؤلاء الأطفال بما قام به عمه هذا؟ يتساءل: ماذا تبقى مما
وصل إليه؟ يبدو أن كل ما وصله منه لم ينفع، أو ربما هو
نفع من وراء ظهره، حتى الصلاة التى كانت تصنع "داخلا"
خاصا غصبا عنه، لم يتبق منها شئ، حلم غائر مازال ينبض وسط
كل ما حدث. يريد أن يستيقظ منه، وأن يحتفظ به فى ذات
الوقت، لكن الذى يخشاه فعلا هو أن يكون مشروعه هذا ليس إلا
محاولة تحقيق حلمه الغامض ذاك على حساب أطفال أبرياء.
الدنيا تتغير، والوسائل تختلف. ماذا يفعل؟.
"الله يخرب بيوتكم".
لم يعرف لمن يوجه هذا السباب الذى أصبح يقفز إليه
بمناسبة وبدون مناسبة.
- حضرتك سوف تعطينا ماذا؟.
بدأ أيمن بالسؤال، بعد أن طلب منهم الجلوس
ليتفاهموا، وبعد أن قرب كرسى هدى منه، وقال لها إن اسمه
جلال، وإنه يعرف اسمها من بابا، وإنه يريد أن يصاحبها، أن
تكون صديقته إن كانت سوف تكتشف فيه ما يستأهل صداقتها.
رد على أيمن بتردد.
ـ عربى وانجليزى وألمانى وكمبيوتر، و.. وقرآن.
قال الكلمة الأخيرة، وتلفت حوله وهو يرجح أن الأطفال
ربما يفهمونها كما يريد، وليس كما يريد الأهل. وابتسم.
رد أيمن دون احتجاج.
ـ لكننا نأخذ كل هذا فى المدرسة.
أحرج جلال، وفكر أن ينسحب فعلا، وأنه ربما يكون
ذلك أفضل ما يمكن عمله؛ ليحقق مشروعه، ولكنه واصل العناد.
ـ أعرف، ولكن المسألة فى "الطريقة"، وليس فى
ما تأخذونه.
واصل أيمن أسئلته بلهجة أشد يقظة
وإثارة، واصل دور المستفهم لا المحتج، مع أن جلالا كان يرجح
أن أيمن يحتج. فاستعد.
ـ هل هناك طريقة غير التى نتعلم بها فى المدرسة؟.
الإحراج يتزايد، وجلال غير مستعد، برغم أنه كان قد
حاول أن يستعد.
ـ يعنى...،سوف نرى معا.
تدخلت رشا بقدر أقل من الاعتراض.
ـ معا؟.
وجد فى سؤالها منقذا ما.
ـ نعم معا، وربما تكون هذه هى بداية الاختلاف عما
يجرى فى المدرسة.
أكملت رشا سؤالها بسماحة أكبر.
ـ حضرتك تعنى معا: أنا وأيمن وهدى، أم "معا"
من؟.
ـ معا يعنى "معا"، وأنا معكم.
ـ و "بابا" و "ماما" أيضا؟.
فوجئ بالسؤال. هل يشرك بابا وماما فى "معا"؟
بابا فى واد، وماما فى واد آخر، وربما يأمل كل منهما، على
حدة، أن يقوم جلال عنهما بدورهما الذى لا يعرفانه.
ـ بابا وماما هما اللذان استدعيانى لهذه المهمة،
فلابد أن يكونا معنا، أن يوافقا على الأقل. يعنى؟.
قالت هدى فجأة:
ـ حين توافق ماما، بابا لا يوافق، وحين يوافق
بابا، ماما لا توافق.
هدهد على هدى باسما.
ـ وماذا فى ذلك؟. لابد أن نتعلم أن الناس لابد أن
تختلف، حتى بابا وماما لابد أن يختلفا، لابد أن نتعلم جميعا
كيف نختلف.
واصل أيمن تعقيباته:
ـ لا دخل لبابا وماما فى....
قاطعه جلال بسخف دون ضجر، بدا متعجلا فقط:
ـ "بابا" "وماما" هما اللذان أتاحا
لنا هذه الفرصة.
سارع أيمن بالتراجع أو بالتقدم (لم يستطع جلال أن
يقرر).
ـ فرصة ماذا؟. فرصة أن نفعل ماذا؟.
أسقط فى يده أكثر "ندرس ماذا؟." ماشى، لكن
"نفعل ماذا؟." كيف يرد؟.
ـ نفعل ما يمكننا.
ـ يعنى نجرب؟. هل تتصور حضرتك أن عندنا وقتا؟.
ـ... ماذا؟.
همت رشا أن تقول شيئا؛ اعتراضا على أيمن؟ ربما.
تنبيها له أنه زودها؟ ربما. دفاعا؟ ربما. طلبا للتأجيل، لكنها
لم تفعل، وعلى الرغم من تعجب جلال لاستعمال فعل
"نجرب" تلك الكلمة التى لا يحبها لله فى لله، مع
أنه يمارسها على العمال على البطال.
ـ الحياة كلها تجارب يا أيمن، أليس كذلك؟.
- لست فاهما. ربما.
فجأة أحس جلال بأنه أمام عقول لم يعمل حسابها، شعر
بنفس الرغبة فى التراجع وود لو ينصرف بعد أن يقـبل رأس
أيمن بالذات اعتذارا مثلا، وبقدر ما فرح بكل هذا الحوار ـ
بصفة عامة ـ بدأ حجم الصعوبة يتبين من واقع الحال. هو لم
يكن يعرف ماذا يحمل عقل الطفل، أى طفل، فما بالك بهؤلاء
هكذا؟.
أنقذه رنين جرس الباب، ثم صوت مفتاح يدور فى قفله
لتدخل مشرقة وسط هالة السحاب الهفهافة. كانت ترتدى سروالا من
الجينز (ليس ملتصقا) أسود اللون وبلوزة لونها سمنى فاتح جدا،
أكمامها ثلاثة أرباع.
ـ أهلا أستاذ جلال.
خيل إليه أن التحية كان بها من الفرحة بقدر ما
كان بها من الترحيب المصرى، والذوق الأوربى، جرعة متوازنة. تمنى
أن يكون ظنه فى مسألة الفرحة فى محله، بل تمادى فى التمنى أن
تكون جرعة الفرحة أكثر، فهو ـ عن نفسه ـ امتلأ بالفرحة حتى
فاض بها وجهه. فرحة حقيقية ليس لها أى مبرر، لماذا نسيها
تماما (الفرحة) ثم إذا بها وهى تهل يعرف أنه لم ينسها
أبدا. ولا ثانية؟.
التفتت للأولاد ونظرت فى الساعة، وأخبرتهم أن السائق
ينتظرهم، وأنها أسرعت بالمجئ ليلحقوا ميعاد دروس البيانو،
وأمرتهم أن يسلموا على الأستاذ، وأنها سوف ترتب معه المواعيد.
زام أيمن دون اعتراض، وقفزت هدى ومدت يدها وخدها إلى جلال،
وسلم أيمن سلام الرجال، وقبلته رشا بعينيها وهى تقول بأدب
جميل "عن إذنك".
أخذ جلال شهيقا رقيقا حاول أن يخفى عمقه حتى لا
يعلن ما بداخله، مازالت الفرحة تغمره، يا رب سترك.
ـ كيف حالك يا جلال؟.
هكذا بدون أستاذ !!.
ـ تسمح لى؟.
قال "طبعا" دون أن يعرف بماذا يسمح لها،
بالجلوس وهى فى بيتها؟ أم برفع الكلفة ومخاطبته هكذا بــ
"جلال" مجردة؟. يسمح لها ونصف. جلست على راحتها، لعلها
كانت تقصد السماح ببعض الوقت مثلا، المهم أنه سمح، هى ونيتها
يا رب وهو فى حالة السماح هذه تطلب ما لا يخطر على باله،
ولا على بال أحد.
ـ هه؟ كيف وجدت الأولاد؟.
ـ على خير ما يرام.
أحس بأنه ليس هو الذى يجيب بهذا الأسلوب، أسلوب رسمى
ماسخ مثل تقارير مدرس الفصل لمفتش المادة، تعبير غريب عليه،
لكنه التعبير الذى أسعفه.
ابتسمت وكأنها التقطت ما يدور بخلده.
ـ عفاريت؟. أليس كذلك؟.
ـ لا أبدا !!. أيمن فقط هو الذى يحب أن يستفسر عن
كل شئ.
ـ أعرف.. وهل أجبته عن تساؤلاته؟.
ـ من أين؟.
قالت عابثة فرحة:
ـ إياك أن تكون قد أربكت الأولاد؟.
ـ وهل هم ناقصون يا سيدتى؟. إنهم عفاريت أكثر مما
تحسبين.
ـ أقول لك: جلال، تقول: "سيدتى"؟.
ـ ماذا أقول إذن؟.
إن لم يكن لأنك زوجة آمين عبد
الحكيم؟ فكيف أنسى شتوتجارت؟. ماذا تريدين؟.
ـ فاتيما، أو فاطمة إن شئت.
ـ ألم تنبهينى إلى خطورة تغيير الأسماء؟.
ـ بلى.. بلى، كنت أعنى ألا نكتفى بتغيير الأسماء. مجرد
تغيير الأسماء بديلا عن التغيير الحقيقى عبث، وأحيانا يكون
خداعا أو خطرا.
ـ لقد قلت إن تغيير الأسماء هو تهديد للهوية،
أوهذا ما فهمته على الأقل.
ـ مازلت عند رأيى، الاسم علامة لا تتغير، نحن نغير
داخلنا إذا شئت، لكنى فى ذات الوقت أقبل تعدد الأسماء، لا
أعنى أسماء التدليل، ولكن من حق كل واحد أن يرانى بالاسم
الذى يشاء. مثلا: السائق هنا والشغالة والحارس كلهم ينادوننى
بفاطمة؛ لأن اسم فاتيما غير معتاد.
ـ أرجو أن أنضم إليهم، هذا يشرفنى إن كنت لا
تعلمين.
ـ اسمع يا جلال، أنا أعرف عنك أكثر مما تتصور،
صديقتنا منال، أعنى صديقة زوجى، صديقتنا يعنى، حكت لنا، لى أنا
وأمين تاريخك كله، فبدا لنا تاريخا جديرا بالتأمل والاحترام.
أنت تحاول أن تكون أنت باستمرار. هذا ما وصلنا من منال على
الأقل. ليس كذلك تماما لكن... لا أعرف ماذا أقول لك؟.
تعجب لحديثها عن منال، كما تعجب لحديث منال عنه.
ـ منال لا تعرفنى!.
ـ أعرف.
ـ من أين تعرفين أنها لا تعرفنى؟.
ـ لأنها لا تعرف نفسها.
ـ ومن أين عرفت، أنها لا تعرف نفسها؟.
ـ ماذا ياجلال؟ تحقيق هذا؟. نادنى كما تشاء حتى لو
قلت صاحبة العصمة أو صاحبة الجلالة، لكن دعك من هذا
التحقيق، نرجع للموضوع ما رأيك؟.
ـ فيم؟.
ـ فى الأولاد.
ـ يبدون كما لو كانوا أولادك جدا، أكثر مما هم
أولاد أبيهم.
ـ الله يجازيك، هل تتصور أن أباهم لم يلاحظ ذلك؟.
ـ طبعا، لاحظ، وربما غار.
ـ لا أبدا، هو بعيد، مطمئن، موافق، يعمل كثيرا
ويكسب كثيرا، ويشترى دماغه. ويوافق، وخلاص، هو يسلم نفسه
لطلبات الأولاد، وينسى.
كاد يقول، وهل يسرى هذا أيضا على منال، وعليك؟، لكنه
أحجم، ثم وجد داخله يقترب منها بلا دعوة، أو بدعوة سرية.
وجد قلبه يخفق مثل مراهق فى السنة الثانية فى مدرسة ثانوية،
يقف به المصعد فجأة بين الدور الثالث والرابع، وليس معه
داخل المصعد إلا جارتهم الحسناء جدا، الفائرة جدا، المتزوجة
حديثا، الجاهزة دوما، ما هذه الخواطر؟. لماذا يقفز منه داخله
نحوها هكذا؟. هو ليس مراهقا، ولا سائبا، ولا أى شئ.نهر نفسه
نهرا شديدا، وهو لا يكاد يصدق، فتضاعف خجله، وربما استغفر،
لكن الذى أعلنه أنه أغضى بصره حتى كاد يطأطئ رأسه، ويبدو أنها
لاحـظت.
ـ ماذا بك يا جلال؟.
أفاق فجأة، ورفع رأسه ولم تكن الحالة قد ذهبت.
ماذا به؟ احتواها شهية دون استئذان. كان يترجم لغة داخله
الزاحف. هز نفسه ناهرا بلا قهر.
ـ لا.. أبدا، تذكرت موعدا لابد أن ألحق به.
ـ آسفة،أخرتك.
ـ لا أبدا.
ـ تتصل بالأولاد لتحددوا الميعاد؟ إلى متى التأجيل؟.
ـ طبعا.
ـ بالهاتف إن لم يكن عندك وقت.
ـ.......
ـ 2ـ
ـ ممدوح يا موسى.
ـ جلال يا أناضولى.
ـ خالتك اسمها حنفى.
ـ الله الله!!! من أين أنت قادم بالله عليك؟.
فى حجرة سكرتير تحرير "مجلة المسار"، بشارع
المبتديان، كانت الساعة الحادية عشرة مساء والعدد الجديد من
الصحيفة الأسبوعية (ذات التصريح القبرصى) صدر أول أمس، وميعاده
الرسمى أمس، والدنيا رائقة نسبيا، وكان جلال قد حضر هكذا دون
استئذان، أخذها سيرا على الأقدام من ميدان التوفيقية حتى شارع
المبتديان؛ حيث مقر الصحيفة المؤقت. لم يحدد الدافع الذى جعله
يحضر هكذا دون إخطار، بل دون داع، لعل الدافع هو عم إدريس
الذى سأله عن بقية الثلة، وعن ممدوح موسى بالذات، مجرد سؤال
عن أحواله، وأنه لم يره من زمان، فحضر.
ـ تصور يا ممدوح يا موسى أنا لم أفهم دلالة هذه
العبارة أبدا.
ـ أية عبارة؟.
ـ "خالتك اسمها حنفى".
ـ ولا أنا، أحسن شئ ألا تفهم، وأن ترضى بذلك.
ـ وقعت فى يدى نشرة أمس عن مؤتمر علمى مكتوب على
غلافها عبارة "الفضيلة تواكب العلم"، تصور!!.
ـ ماذا فى هذا؟ عبارة واضحة كالشمس.
ـ تعبير "خالتك اسمها حنفى" هو واضح أيضا.
ـ آه صحيح، واضح لكن فيه معايرة. ما ذنبك إذا
كانت خالتك اسمها حنفى؟.
ـ وما ذنب العلم إذا كانوا قد سرقوا منه
الفضيلة؟.
ـ صحيح !!. من الذى سرق العلم؟.
ـ أصحاب الفضيلة.
ـ أنا أحب أبلة فضيلة.
ـ أنت لست على بعضك يا جلال، من أين أنت قادم؟.
ـ لا صحيح. هل أنت الذى سميت خالتك؟.
ـ والله زمان يا جلال يا بن غريب، والله زمان.
ماذا بك هذا المساء؟.
ـ أين تذهب هذا المساء؟.
ـ والمصحف أنت شارب.
ـ والقرآن المجيد... (ولم يكمل).
نظر كل منهما للآخر، واحد يحلف بالمصحف، والآخر
بالقرآن المجيد. استطرد جلال، وهو يتحدي؛ ليثبت أنه فائق، وهو
ما أتى من ميدان التوفيقية سيرا على الأقدام إلا ليفيق، ثم
إنه وهو كذلك، هو أكثر فوقانا من ممدوح موسى. ما الذى جعل
عم إدريس يسأله عن ممدوح؟ كان قد قرر أن يقطع صلته
بالصحافة منذ فكر فى حكاية التدريس للأطفال هذه، لغات
وكمبيوتر، كمبيوتر ولغات (أضاف فى سره بصوت أكثر خفوتا، مع
أن كل الكلام كان فى سره: "و.. وقرآن"). حين راح
مخه ينغم الكلمات دون إرادة منه، أحس أن مسألة الفوقان هذه
بعيدة المنال فى الوقت الراهن، وأن مباحثاته مع ممدوح موسى فى
مسائل "العلم" و"أبلة فضيلة" و"خالته
حنفى" هى مباحثات "واعدة وبناءة".
يبدو أنه قال اللفظين الأخيرين بصوت مرتفع.
فرح ممدوح بأنه قفشه متلبسا، وأنه سـيرجع إليه
الاتهام.
ـ جلال يا غريب، ما هى التى "واعدة
وبناءة"؟.
ـ المحادثات؟.
ـ هأ أو...، محادثات من يا بطل؟.
ـ محادثات باراك وعرفات، ألستم هنا فى صحيفة المسار
ضد التطبيع؟. لقد جئت لكم بما يثبت أنكم أخطأتم، فها هى
المحادثات "واعدة وبناءة"، فما اعتراضكم؟.
ـ خلها فى سرك يا رجل، أنت ابتعدت عن الصحافة،
ولا تعلم إلى أين وصلنا؟.
ـ إلى سان فرنسيسكو.
ـ ألم أقل لك إنك طينة.
ـ هل عندك أريكة أتمدد عليها قليلا؟.
ـ هذه دار صحفية، وليست فندقا يا عم جلال.
ـ أعرف، ولكن لابد أن هناك أريكة، الأمر لا يسلم.
الشئ لزوم الشئ.
ـ لا، إسمح لى.
ـ السلام بالدماء.
ـ الله..الله!! والله أنا فرحان أن أراك هكذا،
والله زمان، فى غير هذه الأحوال دمك يلطش، اسمها الجلاء
بالدماء، وليس السلام بالدماء!
ـ آه صحيح!!. ما أنا قلت الجلاء بالدماء.
ـ لا، أنت قلت السلام بالدماء.
ـ طيب يا سيدى نصلحها، أو بالتعبير الجديد، نحدِّتها:
"السلام بالكلام"، "والجلاء بالدماء" حلوة هذه؟.
ـ قديمة.
ـ... سوف أجعلها تنفع: "السلام بالدماء"، إنهم
يذبحوننا، ويكسرون عظامنا، ويقتلون أطفالنا، كل ذلك سعيا حثيثا
فى سبيل "السلام"، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
ـ والله فكرة، سوف آتى معك المرة القادمة مادام
الصنف بهذه الجودة.
ـ عم إدريس يسلم عليك.
ـ إظهر وبان، كيفه.
ـ هل تعرف أن السبعينيين قد أخطأوا الطريق؟.
ـ كيف؟.
ـ كنتم تتعاطون السياسة صرف (سك)، أما الآن فقد
تعلمنا نحن أن نخلطها بقليل من الجنس والبورصة والثقافة و..
وحقوق الإنسان.
ـ لا لا، أنت مائة فل وأربعة عشر يا جلال.
ـ3 ـ
فرك عينيه وهو يتلفت حوله، ويرفع جفنيه بتثاقل ثم
بسرعة، قفز ليتأكد أنه لا يحلم وهو يتحسس جسمه وساقيه
بيديه، ما الذى أتى به إلى هنا؟. أين هو؟. نظر إلى المكتب
الكبير وحاول أن يتذكر بعد أن عاد وألقى نفسه فى الكرسى
الكبير، متى؟. كيف؟. نظر فى الساعة، السادسة؟. يا خبر!!، نور
النهار يتسحب إلى الحجرة، بدأ يتذكر تدريجيا وهو حزين، اختلط
الحزن، بالخجل، بالصداع، وأخذ كل واحد منهم يحاول أن يحتل
مساحة أكبر مع تراجع الدهشة وزحف التذكر. أف على كل هذا،
أين ممدوح؟. تركه النذل. أما كان أولى به أن يصحبه إلى منزله،
يتركه هكذا؟. وعلى الكرسى؟. ألا توجد أريكة فى حجرة مجاورة؟.
دق جرس التليفون فتردد فى رفع السماعة، ماله هو؟.
ماذا لو شك أحدهم فيه، أو حضر من لا يعرفه؟. ولا يعرف
علاقته بممدوح، لن يرد، سكت الرنين بعد فترة فتنهد أحس
بمثانته ممتلئة، يا خبر! أين دورة المياه؟. تلفت حوله لعل
ثم بابا يؤدى إليها، لكنها حجرة سكرتير التحرير، ويستحيل أن
يكون بها مثل هذه الرفاهية، فما العمل؟. يخرج إلى الصالة
يبحث عن دورة المياه؟. ماذا لو يقابله أحد لا يعرفه؟ ماذا
يقول له؟. وحتى لو لم يخرج لابد أن الساعى سيحضر عاجلا، أو
حتى آجلا، سيحضر سيحضر. رن جرس التليفون من جديد، كان شعوره
المتزايد بامتلاء المثانة مبررا كافيا للرد على التليفون.
ـ آسف ماذا يا ممدوح؟. أهكذا؟. أهكذا أيضا؟.
حاول بجهد متوسط ألا يقفل المكالمة، يريد أن يعرف
مكان دورة المياه أولا وقبل كل شئ، ثم يحدث ما يحدث بعد
ذلك، قبل أسف ممدوح بعد أن شرح له الموقف بسرعة، وأنه حين
وجده متعبا، نزل يقرب السيارة أمام مدخل العمارة ليصحبه إلى
المنزل، كان قد ركنها بعيدا فى الشارع الموازى وقت حضوره، ثم
حكى له عن الحادثة الصغيرة التى كبرت وتمادت وتضاعفت حتى وصلت
إلى القسم، وبلغت حد الاشتباه، وكيف أن السيارة الأخرى كانت
بها ممنوعات، وهو لا يعرف أى نوع من الممنوعات، ويبدو أن
قائدها تخلص من بعضها بإلقائها داخل سيارته، وكلام كثير من
هذا وتفاصيل لازمة، وغير لازمة، والمثانة تزداد إلحاحا، وجلال
يقتنع بسرعة بيولوجية.
ـ خلاص خلاص يا ممدوح حصل خير، شكرا، أين دورة
المياه هنا؟ جاءت سليمة، أين دورة المياه فى شقتكم المظلمة
هذه؟.
تعجب جلال من الجواب، طبعا، لابد أنها عبر الصالة،
وسيجدها على اليمين أو على الشمال، اطمأن إلى أن ممدوحا قد
اتصل بالحارس والبواب وأخبرهما بوجوده.
ـ ماشى.. سأنتظرك على كل حال، لا تتأخر.
قرر أن ينتظره لسببين: الأول حتى يعرف منه ماذا قال
أمس بالضبط؟. والثانى حتى يمكن أن يختلق مبررا لمجيئه غير ما
قاله له مما لا يعرف.
ودعا الله فى سره أن يستره.
ـ4 ـ
كان جلال يتصفح أعدادا قديمة، من الصحيفة الأسبوعية
المسار، أى مسار؟. كلام مجانى، لو كان هو المسؤول، لسمى
الصحيفة "إلى أين؟" قرأ مرة فى تاريخ الثورة أن مقالا
بعنوان "إلى أين" فى بداية الثورة قد أغلق صحيفة
عريقة كان اسمها "المصرى"، لعل كاتبه كان أحمد أبو
الفتح. نعم، إلى أين؟. صحيح إلى أين؟. قال المسار قال !!.
رفع رأسه بعد سماعه فتح الباب ليجد الرجل الطيب
فوق الستين وهو يبتسم ابتسامة مصرية من ابـتسامات ما قبل
الثورة (حسب ما تؤكده الأفلام: أبيض واسود)، حتى الابتسامات
تأتى على السيرة، وبعد تبادل تحية الصباح سريعا سريعا بادره
الرجل الطيب:
ـ ألا تذكرنى يا أستاذ جلال؟.
ـ طبعا أذكرك.
لم يكن يذكره ولا حاجة، لكنه اعتاد هذه الإجابة،
مثل معظم الناس، وقد التقط عم بيومى المجاملة فلم يواصل
بسؤاله "إذن من يكون؟".
ـ كانت أيام يا أستاذ جلال، لم تكن منهم بعد،
أنا أحسست بذلك، شقة الأستاذ رامى فرغلى، والمنشورات، والأستاذة
منال، ووالدك الله يرحمه حين جاء يبحث عنك.
ـ عم بيومى !!؟!!!؟.
قفز من على كرسيه فرحا، ولم يلاحظ أن هذا يعنى أنه
لم يتذكره أولا، شعر بأبوة سهلة، ما الذى جعل عم بيومى
يذكره الآن بهذا الحادث؟ فاستطرد، مصححا (دون داع):
ـ لم يكن والدى يا عم بيومى.
ـ كان يحبك بشكل.
ـ كان عمى.... عمى سليمان.
ـ كيف حاله؟.
ـ تعيش انت، العمر الطويل لك.
ـ الله يرحمه، بصراحة لا أنسى لهفته، كيف لم يكن
والدك؟ لقد كان والدك ونصف.
ـ طبعا، قالوا: والدك من؟ قالوا: من رباك؟.
ـ عليك نور، مثل هذا يا أستاذ جلال؟ أنا لم أسمع
به.
ـ ولا أنا.
ـ مثل زمان يا أستاذ جلال، ابن حظ. أين الأستاذ
رامى فرغلى الآن؟. هل تراه؟.