الفصل الثالث
ميدان التوفيفية
كان قرص الشمس يطرق حواف الأفق حين لاح سرب طائر
وكأنه مجموعة من النوارس.
تلون
الحد غير الفاصل بين البحر والسماء بلون الدم الجميل
المتناثر دون تخثر، فانغرس فيه قرص الشمس بسرعة أكبر من
خطواته المتثاقلة الأسبق.
حاولت منال أن تتأكد إن كان ما رأت هو سرب من
النوارس أم صوت موسيقى تجسد لوعيها بلااستئذان.
خلعت القطعة الباقية من ملابسها وألقت بنفسها من
الدور التاسع إلى الأمواج التى فتحت ذراعيها تستقبلها بحب
أحاطها بدفء لم تذق مثله من قبل.
ظلت منال تسبح تحت الماء لا يراها أحد، وهى ترى كل
أحد، وكل شىء. لم تستطع أن تصل إلى الحد الفاصل بين البحر
والأفق، لكنها لم تتراجع. هى لم تفكر فى التراجع أصلا.
أخذت شهيقا عميقا وهى تحت الماء فنبتت لها أجنحه،
أو هكذا أحست.
همت أن تطير ففشلت، فعلمت أنه إحساس كاذب.
عزفت عن معاودة محاولة الطيران: الآن وإلى الأبد.
-1-
"ما لهذا الرجل هكذا؟ ما كل
هذا الذوق المهذب؟ لماذا لا يبدو متعجرفا جشعا؟ لم يبدو
دمثا رقيقا هكذا؟.
كان جلال جاهزا لتصنيفه الناحية الأخرى. ولم لا يكون
كذلك؟.
ذهب الزمن الذى كان جلال يصنف
فيه كل ثرى على أنه متعجرف مستغل بشع. الأثرياء طيبون أيضا
أحيانا، والفقراء أنذال أحيانا، بل غالبا، مضطرون أو مختارون،
نحن نتكلم فى الحاصل.
كان جلال يتوقع ـ على الرغم مما قالته منال ـ أن
يجده تاجرا بدينا يضع كرشه أمامه لا هم له إلا المكسب
والمضاربات، وربما النصب على من يقع فى يده من الأثرياء
الجدد، أو أبنائهم المجددين سياراتهم من باب الضجر والمعاصرة.
"لا أبدا. أنا سوف أتصل بهم
شخصيا، سوف أسوى كل شئ، المهم، آخر فرصة بعد غد، سواء عن
طريق البنك أو عن طريقنا مباشرة".
وضع أمين عبد الحكيم السماعة، ومر بيده على رباط
عنقه برفق دون زهو، كان السواد حول عينيه يشير إما إلى
إرهاق مزمن، وإما إلى سهر مؤقت. كان لامعا رشيقا، تستطيع
ملامحه أن تبدو طيبة فى أى وقت بدرجة كافية. اعتذر لجلال
أنه جعله ينتظر.
ـ أهلا وسهلا، فعلا أنا أحتاج
إلى جهودك، و.. وعبقريتك كما أفهمتنى منال هانم، أولادى فى حاجة
إلى إنسان عصرى يربط بين خئولتهم وجذورهم..، يقولون إنه لابد
من عبور فجوة اختلاف الثقافات، أليس كذلك؟.
يتكلم عن اختلاف الثقافات وعن الجذور!!. ما هذا كله.
الرشاقة التى ميزت عوده ورباط عنقه ليست مختلفة عن رشاقة
ألفاظه.
ـ لا عبقرية ولا يحزنون، المسألة أن "منال"
ترى فى مشروعى أفكارا تفاؤلية عن المستقبل أكبر من توقعاتها،
أنا أتصور فعلا أنه إذا أخذ الأولاد فرصتهم فسوف يتغير
العالم.
ـ العالم مرة واحدة؟.
ـ وما العالم إلا مجموع ناس كانوا أطفالا.
ـ آه صحيح، تصور أن هذه البديهية تغيب عن أكثر
الناس. المهم: أنا لى بنت فى الرابعة عشرة وولد فى الثانية
عشرة وبنت أصغر فى الرابعة، جاءت خطأ هذه الأخيرة، كما يمكن
أن تستنتج. أمهم ألمانية، لابد أن منالا أخبرتك، وهم يقضون
شهرين من كل عام عند أهل أمهم، وعلى الرغم من اختيار أمهم
الواضح، فإنها لم تتخل لا عن أهلها، ولا عن أملها فى تحقيق
هذه المعادلة. .... هل تتابعنى؟.
أفاق مما يشبه السرحان. ضبط نفسه متابعا كل التفاصيل
بكل دقة، على الرغم من أنه لم يكن يدرك ذلك.
ـ أفهم، أفهم، ولا أتعجب، أفهم موقف أمهم تماما
لكن اسمح لى، ما هو موقف حضرتك؟.
ـ موقفى؟. موقفى ظاهر من قبولى مساعدتك لـلأولاد.
ـ ليست مساعدة تماما، هو مشروع.
ـ سمه كما تشاء، مشروع مشروع، أنا أحترم خبراتك
المتعددة التى ذكرتها منال، ومحتاج لها بشكل أو بآخر على
الرغم من تسميتك لما تنويه باسم "مشروع". بالمناسبة،
إذا كان الأمر كذلك، هل أعددت له ـ بصفته مشروعا ـ دراسة
جدوى؟.
قال ذلك وهو يبتسم نصف ابتسامة، فاحتار جلال، أهى
سخرية أم استفهام جاد؟.
ـ طبعا، لا يوجد مشروع بدون دراسة جدوى حتى لو لم
نعلنها، حتى لو لم نذهب لبيت خبرة، حتى لو لم نملأ أوراق
القرض اللازمة لتقديمها للبنوك، لا يوجد مشروع بدون دراسة
جدوى.
سر جلال من نفسه وهو يرد بهذه الطلاقة. إن كان
تساؤل صاحبنا سخرية فقد سخر بالمقابل، وإن كان جدا فقد قال
كلاما جادا، واحدة بواحدة.
ـ وبماذا تـعـد دراسة جدوى مشروعك؟.
ـ أحيانا نستنتج الجدوى من انعدام البديل.
ـ لا أفهم!.
ـ حين لا يوجد حل آخر، تصبح إيجابيات الجدوى حتمية؛
أو علينا أن نجعلها كذلك.
مال أمين بكرسيه المتحرك قليلا إلى الوراء وحاول أن
يخفى ابتسامة إشفاق وراء وجهه الطيب. بدا كأنه يفكر جديا فى
الكلام برغم رفضه الواضح من حيث المبدأ، كما بدا لجلال أنه
فاهم، ومتعاطف، بل ومهتم.، هل كان إسقاطا من جلال؟.
ـ لا أريد أن أحبط أحلامك، لكن المسألة -باختصار- تعتمد
على ما سوف تقدمه للأولاد؟.
ـ سوف تكون الوسيلة هى اللغة، أتقن ثلاث لغات،
بالإضافة إلى مهارة خاصة فى لغات الكمبيوتر وقدراته، والمسألة فى
تقديرى أن هذا هو السبيل لتنظيم الدماغ.
(تعمد ألا يذكر القرآن. الاحتياط
واجب).
ـ تنظيم ماذا؟.
ـ المخ، التفكير السليم، المنطق البسيط، كل هذا تلوث
بتشوش اللغة.
ـ لا أكاد أربط جيدا، المهم، الأولاد سوف يتقنون
اللغات التى سوف تدرسها لهم.
ـ وأكثر.
ـ ماذا تعنى "وأكثر" هذه؟.
ـ يعنى ستتفتح آفاقهم لغويا، بما يترتب به الوعى،
فيصبحون قادرين على تجاوز ما أعرف شخصيا، المدرس الناجح هو
الذى يساعد تلميذه على تخطيه.
ـ يترتب به ماذا؟. لا تصعب الأمور على هكذا، أرجو
أن تساعدهم بالطريقة المناسبة، منال تثق فيك.
ثم أردف:
ـ لا تربكنى من فضلك بهذه الألفاظ الضخمة، درس
للأولاد كما تشاء، والنتائج سوف تقول الباقى.
ـ هذا هو، هذا هو تماما. لا بد أن نتفق على
محكات قياس النتائج.
ـ محكات؟. أية محكات ؟ المحكات هى درجاتهم فى
المدرسة طبعا.
ـ آه طبعا، هذه هى الواجهة، لكن أملى أبعد من
ذلك.
ـ ليكن، أنا سوف أكتفى بالواجهة، وأنت وأمهم لكما
كل ما هو أبعد من ذلك.
ـ عندك حق، هذا الكلام سابق لأوانه، لنبدأ، ثم
نرى.
ـ .. هذا كل ما أرجوه، فمتى تبدأ؟. ومع أى من
الأولاد؟.
ـ أبدأ حالا.. أعنى لقد بدأت فعلا، فإن كان لابد
من الاختيار فمع الأصغر. ما اسمها؟. أو مع الجميع إن شئت.
تعجب أمين وحاول أن يخفى دهشته، وذكره بأن الصغرى
عندها أربع سنوات، ولم يقل له جلال إن الأصعب أسهل، وأن
الأصغر أقرب، وأننا نحن الذين نصعبها بما نفعل بهم وفيهم،
وأنه بدأ مع عمه سليمان، داخل عباءته قبل هذه السن، ربما.
أردف أمين:
ـ بصراحة، أنا أفضل أن تبدأ مع الثلاثة، بالشكل
الذى تراه.
كان جلال مازال متعجبا من المفاجأة التى جعلته يقابل
هذا الرجل. ما كان يظن أن أى تاجر سيارات يمكن أن يكون
هكذا أصلا، أفاق من دهشته الممتدة وقد تحرك الكرسى المتحرك
برقة ربما إيذانا بانتهاء المقابلة، سارع بالاستئذان والشكر،
لكنه تذكر متعجبا وهو يفتح الباب.
- لم نتفق على موعد.
يبدو أن "أمين" قد فوجئ هو الآخر أنهما لم
يحددا الخطوة التالية على الرغم من كل هذه الحماسة والرغبة
المشتركة، ومساحة التفاهم البادية، والاحترام المتبادل، وبدلا من
أن يحدد ميعادا واضحا أجاب:
- سوف أتحدث مع منال وهى ستتصل
بك.
شكره جلال مغمغما وانصرف مسرعا.
أى صنف من البشر هذا الانسان؟. هل تردد؟. هل
تراجع؟. هل اقتنع؟. هل اكتشف جنونه؟. كان واضحا وجاهزا ومرحبا
فلماذا التأجيل؟. ثم إن جلالا راح يحمد الله على التأجيل،
فهو ليست عنده أية معالم محددة لمشروعه. تنهد عميقا فرحا
بهذه الفرصة من الوقت لالتقاط الأنفاس، إذ ماذا لو أنه حدد
الميعاد"غدا" مثلا؟. إنه لا يعرف برنامجا محددا،
وليست عنده كتب للصغار، ولا فكرة عن المقررات، ولا كيف
يبدأ، ولا عن ترتيب الخطوات ولا سرعة إيقاع الجرعات، وليس
معقـولا أن يشترى عباءة سوداء يحتوى فيها البنت الصغرى ليرتل
لها القرآن مهتزا كما كان يفعل عمه سليمان، يرتل ماذا وهو
لم يمسكه منذ ربع قرن؟. ثم إنه..، يا خبر لو عرفوا؟. لابد
أن يبادر بشراء كتب فى التربية، فى مناهج التدريس. هل تساعده
ثريا؟. أى ورطة؟. لم يكن يتصور حين حادث منالا أن الأمر
سوف ينقلب جدا هكذا، وبهذه السرعة. 4 سنوات، 12 سنة، 14سنة،
إن قلب نظام الحكم، أهون كثيرا من قلب نظام عقل طفل، أو
قل : من الاحتفاظ للطفل بنظام عقله معدولا. فما بالك بطفل
أخواله فى ألمانيا، وأقدام أبويه منغرسة فى مصر الجديدة، مصر
الجديدة القديمة، ميدان الاسماعيلية، هكذا العنوان مبين فى بطاقة
أمين عبد الحكيم.
-2-
كادت منال تستلقى على قفاها ضاحكة وهو يعيد عليها
الحديث الذى دار بينه وبين أمين عبد الحكيم. أدرك جلال حقها
فى ذلك. كان مازال متعجبا أن يكون هذا الإنسان الوسيم الدمث
الرفيع هو تاجر سيارات.
ـ تصورى يا منال، لم يكلمنى عن عمله ونحن وسط
عشرات من السيارات الفاخرة، صغيرة وكبيرة، وأنا كما تعلمين لا
أعرف الفيات من الكاديلاك. تصورى أنه لم يلمح فى الكلام إلى
عمله إطلاقا، لا من باب التجارة، ولا من باب التباهى، ولا
من أى باب. صحيح أن منظرى لا يصلح زبونا لشراء دراجة، لكن
أيضا!!!.
ـ هل كنت تريد أن يعرض عليك "شبحا"
مثلا؟.
ـ لا تجرجرينى للنزال، يبدو أنه يفضل
"الخنزيرة".
ـ أنت وأبوك الخنازير.
ـ بدأنا!!؟. ماذا قال لك عنى، لابد أنه حدثك بشكل
ما.
ـ طبعا قال ما قال، وضحكنا كثيرا، لقد طلبنى من
فور خروجك من عنده.
ـ ضحكتم؟. ماذا قال لك؟.
ـ لن أقول لك.
ـ أنت تعرفيننى، لست لحوحا، ولكننى أريد أن أعرف.
أريد أن أعرف بجد؟.
ـ كان معجبا بآرائك جدا.
ـ معجبا بها أم متعجبا منها؟.
ـ اطمئن، لم يقل عنك إنك مجنون، أنا فقط التى
تعرف هذا السر.
ـ تمزٍحين؟ أريد فعلا أن أعرف انطباعه.
ـ لا أخفى عليك أنه ارتاح لك، بل ربما أحبك، ماذا
فيك يا جدع انت يخدع الناس هكذا؟.
ـ بالذمة أحبنى؟.
ـ مالك كالطفل الذى يسأل عن رأى "أبله
تماضر" فى أدائه الواجب، طيب سوف أغمك، لقد قال إنه
خائف أيضا.
ـ يخاف منى؟.
ـ يخاف منك، أو من نفسه، أو من أمهم، يخاف
والسلام. أى عاقل فى هذه الأيام لابد أن يخاف على أولاده،
أليس كذلك؟.
ـ ليست عندى فكرة، ليس عندى أولاد.
ـ لا ياشيخ!؟ أليس أولاد العالم كلهم أولادك؟.
ـ لا تعرينى هكذا يا منال، أنت لا تحتملين
التعرية.
ـ وهل أنت تستأذن وأنت تقتحمنى فى أى وقت؟.
كان قد نسى ـ ليس يدرى كيف ـ أن "منال"
هى "رفيقة" أمين بشكل أو بآخر، لم يتذكر ذلك أبدا،
لا وهو يتحدث معه، ولا وهو يتحدث معها الآن، كيف لم يخطر
على باله ذلك؟ ثم ما الذى جعله يخطر على باله الآن؟. هى التى
فتحت الباب، فانفتح على مصراعيه، ولم يستأذن مادام الأمر
كذلك.
ـ هل صحيح يا منال أنك تنامين معه؟.
ضحكت دون خجل، ودون وقاحة.
ـ هو الذى ينام معى.
ـ أعرف، أعرف.
ـ تعرف ماذا يا حمار؟.
ـ والله العظيم لا أقصد، أنت التى قلت.
ـ عظيم فى عينك، دعنا من هذا الآن ونتكلم فى
مشروعك.
ـ تعلمت من صديقك ألا أسميه مشروعا، وأن نقصر
حديثنا على اللغات والكمبيوتر والدروس حتى لا يخاف هو، ولا
أشطح أنا.
ـ ليكن. ماذا نويت؟.
ـ النية محلها القلب.
ضحكا معا ووضع كل منهم سيف المبارزة فى غمده.
هل حقا هو يحب منال؟ وهل هى تحبه؟ إذن لماذا لا
يغار عليها؟ هل هذا هو آخر ما حاق بالمشاعر البشرية؟
أهكذا؟ إذن هو لا يحبها. وهى لا تحبه.
ليكن.
لكنه يحبها، وهى تحبه؟.
طيب ...، كيف؟.
-3-
"..كم كنت أرجو ألا أكون
ظالما مثله. "المنتقم الجبار"، أمه أخفت الأمر على حتى
صارت فى الشهر الرابع. هى لم تفهم الفرق بين ما يسمى الزواج
العرفى والزواج الحكومى. ربما أرادت أن توثق العقد بهذا الطفل
الذى رفضته ورفضتها بمجرد أن علمت بالخبر، قررت الانفصال فورا.
لا أنكر أننى يخطر على بالى أن أراه أحيانا، تقول أمه إنه
شبهى فعلا، أو شبهى جدا، خبر اسود لو صح ذلك، ما أشقاه، وما
أتعسنى به..، لو كان بيدى.. ولكن لا شئ بيدى، كل شئ بيده هو
على الرغم من ثبوت سوء تصرفه طول الوقت، لمن أكتب هذا
الكلام؟. لى؟. طبعا لا. لمن إذن؟ أصبحت الكتابة نوعا من
القهر المنتظم.. ليكن.
"... أريد أن أكف عن الكتابة.
من تقع فى يده هذه الكراريس سوف يظن أننى مدرس ابتدائى أصحح
كراريس الإنشاء والتعبير، جفت كل الينابيع وأنا أزداد بعدا
عنه وسخطا عليه، لا أريد الاستمرار، هذا هو الخطأ الوحيد فى
حياتى، هذا جناه ربنا علينا، ونحن ننتقم منه فينا،
ربما".
وقفت الجملة الأخيرة فى حلق عقل جلال وكأنها غصه
لاتريد أن تبتلع. كلما مد جلال يده إلى إحدى كراسات أبيه
تلك، كرهه أكثر، ثم أشفق عليه، وأحيانا عاد يتساءل عنه،
وكثيرا ما تحداه. سمع من أمه أن أباه لم يره إلا مرتين،
على الرغم من اعترافه به، وإعطائه اسمه، وأنه لم يتردد فى
المساعدة فى مصاريف تنشئته، إلا أنه لم يحاول رؤيته أبدا،
وحتى هاتين المرتين كانتا بسبب إجراء اضطرارى: الأولى وهو يستخرج
له شهادة ميلاد، والأخرى بعدها بسنوات حين ارتفعت حرارته
وأصابته تشنجات متلاحقة، ولم تجد أمه أحدا بجوارها، وظنت أنه
على وشك الموت فاستغاثت به، فحضر بعد منتصف الليل، وظل يعمل
له كمادات مثلجة حتى الصباح، وحين انصرف لم يسأل عنه بعد
ذلك أبدا.
لم يكن جلال يتصور أن ما حكته أمه يمكن أن يكون
حقيقة. ذلك أن أمه كانت تحكى له كل ذلك دون ضغينة، لم
تتهم أباه بالقسوة ولا مرة واحدة.
قال جلال : إن هذه الكراسة بالذات، فى هذا الوقت
بالذات، تتحدى كل تفاؤله.
وقال أيضا : "ولو". سوف يثبت لأبيه أن
الدنيا بخير، حتى وهى مليئة بكل هذه السموم.
يعنى ماذا؟.
-4-
تردد وهو يرفع السماعة ليطلبها، قاوم تردده، إذ من
يطلب إن لم يطلبها، كلهم أخذوا مواقف لا تسمح لهم أن
يطلبهم أصلا، اللهم إلا للتباريك، والتهريج، واجترار ذكريات لا
لزوم لها. أو للسخط، والسخرية، وبعض النميمة. ثريا ليست
مثلهم، ليس متأكدا. الأمر العجيب أنهم جميعا يقبلونه هكذا، بل
هو يكاد يشعر أنهم يحبونه، حتى من يلتقى بهم مصادفة يحبه،
حتى أمين عبد الحكيم صاحب معرض السيارات الذى لم يلقه من
قبل، بدا أنه قد ارتاح له، وقال لمنال إنه أحبه، ومع ذلك
فهو لا يريد أن يقترب أو يصدق أو يسعد، هذه الكلمة (يسعد)
سخيفة ولا لزوم لها فى قاموس الحياة المعاصرة، من أهم همومه
أن يغير قاموس الحياة المعاصرة، بل
بصراحة أن يغير قاموس الحياة كلها: معاصرة وغير معاصرة، أن
يلغى القواميس أصلا. لماذا نجمد اللغة بقاموس؟.
ما حدث هذا الصباح هو مفاجأة بكل المقاييس، مفاجأة
ربما تثبت أنه قد عثر أخيرا على الطريق الصحيح. يعنى. حين
فوجئ وهو يتصفح "الأهرام"، بمقاله ممهورا باسمه فى
صفحة الثقافة، فى الملحق، لم يكد يصدق، لا يدرى كيف نشروه
هكذا بسرعة، على الرغم من طول انقطاعه عن الكتابة، شعر بخليط
من الدهشة، والفرحٍة، والزهو، والحزن، وفى نفس الوقت قال إنه
لابد أن يشاركه أحدهم بشكل أو بآخر. عنوان المقال كان جديرا
أن يحجبه عن النشر" إلغاء المدارس: احتمال مستقبلى
وارد"، لكنه نشر، كيف تجرؤا على نشره، لابد من احترام
هذه الصحف المسماة بالقومية، أحيانا تنشر آراء إبداعية ومعارضة
أقوى من صحف المعارضة، وأكثر حدة من الصحف القبرصية الصفراء
والحمراء على حد سواء، كان ممدوح موسى قد عرض عليه أن يشترك
معهم فى إصدار صحيفة "المسار" ووافق من حيث المبدأ،
لكنهم لم يرجعوا إليه أبدا، فوجئ بصدور "المسار" بعد
ذلك بأشهر دون أن يخطره أحد. قيل رجال الأعمال، وقيل
القذافى، وقيل صدام، وقيل الحريرى، بل المخابرات المصرية، كل
هؤلاء مجتمعين أو من وراء بعضهم البعض يمولونها، يا سلام!
وإلا فكيف ظلت تصدر دون إعلانات طول هذه المدة؟. نشروا له
فيها عدة مقالات بأجر رمزى، وعندما أرسل لهم آخر مقال رفضوه
دون إبداء أسباب، وحين اتصل بهم طلبوا منه أن يعمل لهم
تحقيقات صحفية تصلح لإعادة النشر فى صحف الخليج، تحقيقات
مدفوعة الأجر. كان الأجر مجزيا، لم يشعر أنهم رفضوا مقاله
عن وراثة العروش الجمهورية، ولم يشعر أنهم يستهينون به أو
يحطون من قدره، وهم يشيرون إلى حاجاتهم للتحقيقات الصحفية أكثر
من المقالات السياسية، لكنه أيقن مبكرا أن هذا لم يعد
مكانه، وحين أرسل للأهرام هذا المقال عن مستقبل المدارس لم
يكن كتبه على أنه مقال، كان يفكر بحروف مكتوبة وهو يستعد
لمشروعه الجديد، ثم قرأ ما كتب فوجده متماسكا، وقد يصلح
للنشر، فأعاده ونقحه وأرسله ونسى الأمر حتى فوجئ به منشورا هذا
الصباح. راح يفصص كتلة مشاعره المزدحمة فاكتشف أنه دهش أكثر
منه فرح، دهشة مختلة بحزن
جميل، يفرح بماذا؟. عاد يرجح أنهم نشروه لغرابته، وربما
لغرابة عنوانه دون أن ينتبهوا إلى محتواه، أبعد سوء الظن.
عاد ينظر للهاتف، أدار القرص، رن جرس الهاتف عدة مرات، وقبل
أن يضع السماعة يأسا جاءه صوتها وكأنها مازالت نائمة، فوضع
السماعة خجلا بسرعة. فقد اكتشف أنه ليس عنده ما يقوله لها،
ثريا هى ثريا لا يريد أن يقلب أشجانهما فى هذه اللحظة
بالذات. ثم إنه لو سألها هل قرأت مقاله فى "الأهرام"
أم لا، وقالت لا، وهذا ما يتوقعه بعد عزوفها عن فتح صفحات
تحصيل الحاصل، كما تسميها، فسيحبط إحباطا لا مبرر له، الأحسن
أنه وضع السماعة. وهى سوف تسامح الطالب أيا كان.
إنه يعرفها.
طيب منال؟.
لا. منال لاتزال نائمة. هى لا تستيقظ إلا قرب
الظهر!.
ما باليد حيلة.
-5-
جلس على الدكة الخشبية القديمة وهو فرح بعودته إليها،
وطلب شايا فى خمسينة، أكد عليها ألا تعامله مثل أفنديات مصر،
لقد جاء خصيصا من أجل هذه الخمسينة، سأل عن عبد المعطى
عامل المزلقان، وردت عليه وردة بأنها ستناديه له؛ لأن القطار
قد مر لتوه والقطار القادم لن يأتى قبل الظهر، لكنه أثناها
عن عزمها، وذكرلها أنه يسأل عنه فقط، وأنه ليس متعجلا، وأنه
لم يستطع أن يعمل شيئا بالنسبة إلى طلب نقل عبد المعطى،
وعليه ألا يأمل فيه أكثر من ذلك حتى لا يعتمد عليه بشكل
يؤجل احتمال طلب المساعدة من مصدر آخر.
ـ هل هو يرغب فى النقل بجد يا سعادة البيه؟.
ـ هو قال ذلك.
ـ الله يخيبه، لقد تعودنا عليه، جدع ابن حلال، كله
شهامة ورجولة، وعيناه واسعتان وحاجباه ثقيلان.
لم يربط جلال بين تعود الحاجة وردة على وجود عبد
المعطى بجوارها، وبين عينيه الواسعتين وحاجبيه الكثيفين، ثم راح
يتذكر وجه عبد المعطى، فتأكد له أن هذه أهم ملامحه فعلا،
وتساءل: كيف لم ينتبه إلى ذلك وحده، ولم يسألها؟.
راح يرشف الشاى الأسود من الخمسينة وهو يفرد ملحق
"الأهرام" صفحة الثقافة أمام عينيه للمرة العشرين على
الأقل، أليس هو كاتب المقال؟. ألم يقرأه عدة مرات قبل أن
يرسله؟. ألم يقرأه هذا الصباح ثلاث مرات؟. إنه صحفى محترف،
أو هكذا كان يعتقد. هذا ليس أول مقال ينشر له حتى فى
الصحف القومية، كان مثل كاتب هاو مبتدئ يفاجأ بنشر اسمه فى
صحيفة ما لأول مرة، ولم يكن فى المقال جديد تماما، كل ما
هنالك أنه تمادى فى تصوير علاقات الناس بعضهم ببعض، بالذات
الأطفال حين يتلقون كل احتياجاتهم من معلومات من الكمبيوتر
وهم جالسون فى منازلهم حتى يوفروا المواصلات، والوقت، ويقللوا
من تلوث البيئة، فتمادى فى تصوير عواطف هذا النشء حين يكبر.
عصر التواصل أم عصر فصل الناس عن الناس؟. المذياع والمسجل
الصغير على الأذن حل محل الحوار فى المقاهى والشوارع معا،
ممارسة الجنس أصبحت أسهل بالهاتف أو بالإنترنت، تكتمل الصورة
بالاستغناء عن المدارس والمدرسين، كيف ستتكون مشاعر البشر دون
احتكاك البشر بالبشر لحما حيا؟. كيف تنمو أصواتهم؟. كيف
سيتشكل وعيهم؟. راح المقال يشطح ويتصور ويتساءل، لـم يبك على
الماضى، ولم يضع حلولا أكثر من التساؤلات، ومع ذلك نشرته
صفحة الثقافة، وفى ملحق "الأهرام"، وببنط كبير نسبيا،
حتى أنه لم يلاحظ مقال شيخ التربويين الأكبر والأشمل والأكثر
تخصصا، وهو المقال الرئيس المنشور بحروف أصغر وسط الصفحة
بجوار مقاله الذى يقع على جانب الصفحة، لكن حروفه، حروف مقاله
أكبر، يا حلاوة!!.
حضر عبد المعطى بعد أن نادته الحاجة وردة، كان جلال
قد قال لها خله فى حاله. فعلا عيناه واسعتان وحاجباه كثيفان،
حياه عبد المعطى فى أدب متردد، وظل واقفا حتى أقسم عليه جلال
أن يجلس وهو يعزمه على خمسينة، وافق عبد المعطى فى حياء
كريم.
ـ كثر الله خيرك يا سعادة البيه، لقد قالت لى
الحاجة كل شئ، ما عليك، لا تشغل بالك- كل شئ قسمة ونصيب.
لم يستطع أن يبقى وحيدا فى المنزل بعد أن قرأ
المقال وغازل الهاتف دون أن يكمل، خرج مندفعا دون أن يحدد
إلى أين، به شوق شديد أن يسمع رأى أحد فيما كتب، أى أحد،
ليس يدرى ما الذى دفعه للتفكير فى عبد المعطى والحاجة وردة
هكذا مرة واحدة. لا عبد المعطى يقرأ ولا الحاجة وردة لها
دعوة، لكنه وجد نفسه متوجها إليهما، وبه شوق لمناقشتهما فى
المقال. أى والله، والذى يحدث يحدث، المقال لم يفهمه هو
شخصيا، حين قرأه منشورا، إلا بالكاد. كان على يقين من أنه
يشطح فى تصوراته هذه. هذا لم يمنعه من الحضور والجلوس وشرب
الشاى فى الخمسينة، مع دافع خفى أن يناقش وردة أو عبد المعطى
فى المقال، ربما بعد أن يلخصه لهما.
ـ أنت لم تذهب للمدرسة طبعا يا عبد المعطى.
ـ لماذا؟ لقد ذهبت، ونصف.
هذه أول خيبة تلحق بظنونه، كان مرجحا أن عبد المعطى
لم يذهب للمدرسة أصلا، وأنه لا يقرأ، ومع ذلك تصور أنه
قرأ مقاله فى الأهرام. أليس عبد المعطى هذا هو الذى افترض
جلال أنه يمثل النموذج البدائى للدورة التى تبدأ باللامدرسة،
وتنتهى بالمعرفة الكلية، وهى تمر بخبرات طبيعية تنظيمية للدماغ
من خلال نقاء اللغة وتوحدها، هذا الكلام الفارغ الشديد
الأهمية، وهو كل شئ فى حياة جلال الآن، يحضره أحيانا كأنه
ألف باء الحياة. يغيب عنه أن أحدا لا يفهمه، بل هو لا
يعتنى أن يهتم به أحد أصلا. هاهو قد خاب ظنه، وهذا هو
عبد المعطى قد ذهب إلى المدرسة، فـلعله ذهب ولم يدرس مثل كل
عيال الفلاحين الذين يذهبون درءا للغرامة، وأحيانا للحصول على
الوجبة. مازال هناك أمل فى إثبات فروضه.
ـ أعنى يا عبد المعطى أنك لا تحسن القراءة.
ـ لماذا يا سيدى "البيه"؟. أنا صحيح عامل
مزلقان، لكن أنا ختمت القرآن، والدى لم يرض بهذا التعليم
الخائب، فكان يرسلنا أنا وإخوتى إلى المدرسة بالنهار، وأذهب إلى
بيت الشيخ عبد ربه بعد الظهر، نحفظ القرآن.
ـ هل مازلت تقرأ حتى الآن؟.
ـ أنا كنت أختم المصحف كل شهر مرة، وبعد ذلك
اكتفيت بشهر رمضان، أنا أختمه ثلاث مرات فى رمضان.
ـ هل تقرأ شيئا غير المصحف يا عبد المعطى؟.
ـ يا سيدنا البك، من يقرأ المصحف، يقرأ كل شئ،
المصحف باب القراءة، أنا أقرأ كل ما يقع فى يدى، أنا أقرأ
أية ورقة تلف بها الحاجة وردة حزمة جرجير، أقرأ أية صحيفة
تطير من صاحبها من أى قطار مار، كنت زمان أتأمل صفحة
الوفيات وأحاول أن أربط بين العائلات. أحيانا أقرأ صفحة
الإعلانات، الآن: اختلطت على الوفيات بالإعلانات، ألا يجوز يا
سعادة البيه أن تشير هذه البراويز السوداء إلى أن قبور
أصحابها مكيفة الهواء. يعملونها. أليس كذلك؟. أهو حرام يا
سيدنا البك لو واحد غنى غنى، ولا غنى إلا الله، يوصى بأن
يندفن فى قبر مكيف مثل حجرات النوم فى قطار الصعيد؟. ما هو
أيضا لا يجوز أن يندفن واحد من الأكابر مثلما يدفن واحد
مثل حالاتى، هم من حقهم أن يتكيفوا حتى على ما يأتيهم ملائكة
الحساب. يا ترى هل حساب القبر صحيح مثلما يقولون وهو يسرى على
الكل؟. أم فيه تأجيل للناس الكبراء على ما يأتى يوم القيامة
يكونون قد شافوا لهم تصريفا؟.
ـ ماذا جرى يا عبد المعطى، أنت الذى ختمت القرآن
تسألنى أنا هذه الأسئلة، بصفة ماذا بالله عليك؟.
ـ لامؤاخذة، ما هو ربنا لم يقل ما يرعبنا به
مشايخ هذه الأيام يا سعادة الباشا.
ـ طيب يا أخى، نرجع للمسألة.
ـ هل هناك مسألة، ولامؤاخذة؟.
كانت الفكرة الغريبة مازالت تلح على جلال، وهو مستعد
أن يقسم لأى مخلوق باستحالة وجود أدنى علاقة بين عبد المعطى
وما كتبه ونشر هذا اليوم فى "الأهرام"، ومع ذلك لم
يستطع إلا أن يواصل التوجه نحو المستحيل الذى جاء من أجله.
ـ يعنى تقرأ الصحف التى تقع فى يدك يا عبد المعطى؟.
ـ على ما قسم.
ـ هل تلاحظ التاريخ؟.
ـ تاريخ ماذا؟. لماذا؟. هل هناك فرق؟. كله مثل
بعضه، لماذا أتعب نفسى وألاحظ التاريخ اسم الله على مقام
حضرتك.
ـ طيب سامحنى فى هذا السؤال يا عبد المعطى، لكنى
سأسأله برغم ذلك: هل قرأت "أهرام" اليوم؟.
ضحك عبد المعطى لأول مرة وهو يصفق بيديه، ثم فجأة
كـتم الضحكة، وتلفت حوله بسرعة، واكتسى وجهه برعب أصفر، وانطلق
بأقصى سرعة عدوا نحو المزلقان.
فوجئ جلال بهذا القطع المفاجئ حتى ظن أن قطارا قادما
فعلا، وأن الحاجة وردة لم تكن تدرى مواعيد القطارات حين أخبرته
أن القطار التالى لن يأتى قبل الظهر. هم من على الكرسى يتابع
عبد المعطى، ويحاول أن ينصت لأى صوت صفير أو حركة راتبة،
وهو يتطلع لأى احتمال قدوم قطار صامت حتى، لكن أبدا، فأفاق
على صوت الحاجة وردة.
ـ شفت الغلبان ... ؟؟.
ـ ماذا؟.
ـ الحالة جاءت له، ألم أقل لك إن القطار القادم
لن يأتى قبل الظهر، أين نحن والظهر؟. وحياة النبى عبد المعطى
هذا لن يأتى بها لبر، من يوم أن خيل إليه أن حادثا سيحدث
وهو بهذا المنظر، تصدق وتآمن بالله يا سيدنا الأفندى إنى أعز
الواد عبد المعطى معزة حاجة ثانية.
ـ بكم تكبرينه يا حاجة؟.
ـ أكبره؟. فشر!!. إياك فاكر أنى عجوز ماداموا ينادوننى
بالحاجة، أنا حجيت مع عمتى وأنا عندى 13 سنة، كانت وحيدة، ولا
مؤاخذة، لم تتزوج. ظلت تنتظر أن تتزوج حتى تجد كفيلا يصحبها
فى الحج، وقد سمعت أنها عرضت على جارنا، أبو الحاج لطفى،
الحاج عبد الغنى، عرضت عليه أن يتزوجها حتى تحج معه، ويطلقها
إذا مارجعوا، لا أدرى إن كان هذا صحيحا أم أنها مسخرة، ناس
بلدنا هؤلاء ملاعين، قالوا إنها عملتها حجة وحاجة، ناس
أبالسة، لا يتركون أحدا فى حاله.
ـ تحبينه ياوردة؟.
ـ يا ماذا؟. يسلم فمك، والله زمان، يا وردة، قال
حاجة قال !، هكذا تمام التمام، ماذا قلت؟.
ـ قلت ما سمعتيه.
ـ ألا انت من أين يا سيدنا الافندى؟.
ـ من مصر، يعنى لم تردى. تحبين عبد المعطى.......؟.
ـ أعزه طبعا، أعزه مثل عينى، رجل ولا كل الرجال،
وعيناه "تقولان"، وحياة النبى عيناه تقولان، من غير أن
ينطق ولا كلمة.
ـ يا عينى!!.
ـ عبد المعطى ليس مثله فى الرجال، طيب، وشهم، ويعرف
ربنا.
ـ وهو؟.
ـ ماله؟.
ـ يعزك مثلما تعزينه.
ـ ..، يا سيدى، يا سيدنا الأفندى، ما هو عندك،
ماتسأله، الله!!.
لم يحضر القطار، لا صفير، ولا صوت أصلا، ولم يغلق
المزلقان ولم يعد عبد المعطى، قام جلال، ودفع الحساب، ودفع
ضعف ما طلبت الحاجة وردة، لكنها أبت وأصرت ألا تأخذ إلا
ما طلبت، وأن هذا الكلام عندكم فى مصر، إنما هنا الحق
والمستحق، ومن أراد أن يحسن فبالمعقول، أحسن الناس تظن كذا
أو كذا، وأضافت أنهم ناس أحرار، ودمهم حام، وكادت تصبح
مشكلة.
دفع الحساب والوهبة الضئيلة، وانصرف.
-6-
اليوم الجمعة، والندوة الأسبوعية
تعقد فى ميدان التحرير، والرجل الكبير منتظم كالساعة، وكل من
يحضرها يقرأ "الأهرام" طبعا، وجلال غير منتظم فى هذه
الندوة ولا فى غيرها، بل إنه لم يذهب هناك إلا عددا من
المرات لا يزيد عن أصابع اليدين، صحيح أنه صحفى، وأنه يحب
الرجل، وأن أغلب الحضور هم من معارفه، لكنه حين ذهب مرة
ومرة أحس ـ دون أى اعتراض على أى تفصيل - أن المسألة ليست
هكذا، أى مسألة وأى هكذا؟. ليس مهما، ولكن هذا ما أحس به،
فما الذى جعل هذا الخاطر يخطر بباله هذا اليوم بالذات؟. ليس
خافيا أنه يطمع أنه إذا ما ذهب، فقد يعلق أحدهم على المقال
بكلمة تؤنسه وتشعره بجدوى، أو حتى لاجدوى، ما يكتب، هذا هو
ما يحتاجه تحديدا، فى هذا اليوم بالذات.
قرر أن يذهب إليهم.
استيقظ من قيلولته فى الميعاد المناسب، الساعة السابعة،
والرجل منضبط، والحضور يحضرون فى أى وقت، وينصرفون فى أى وقت،
وسوف يجد تعليقا من هذا أوذاك يطمئنه.
يطمئنه على ماذا؟.
نزل بسرعة وهو ليس على موعد، لا يستطيع أن يخفى
لهفته لسماع رأى أى واحد فيما كتب. كرر: "أى رأى"، أى
واحد". مازال عنده وقت. لم يجد تاكسيا، ولكنه سوف يذهب.
هو لا يعرف مواصلة محددة تنقله إلى هناك، أو إلى القرب من
هناك. كان قد اعتاد أن يقطع أغلب مثل هذه المسافات راجلا،
والميكروباصات عددها زاد، وهو لا يعرف لها خطوطا معروفة، أو
أرقاما تحفظ، المهم، ركب أحدها وسأل السائق واطمأن أنه سيذهب
إلى الإسعاف، ثم يأخذها سيرا من الإسعاف إلى شارع سليمان، ثم
يقابلهم، نزل أمام سينما ريفولى، وهو على شوق أن يذهب إليهم
ويسمع آراءهم، وبدلا من أن ينحرف إلى شارع سليمان فى اتجاه
سينما مترو ثم إلى هناك، وجد نفسه يتجه فى الاتجاه المعاكس
نحو ميدان التوفيقية، لم يكن مخدرا، ولا مقررا، ولا رافضا،
ولا ضجرا ولا شيئا من هذا كله، لكن هذا ما حدث، فاستجاب.
الساعة السابعة والزبائن" الذين
هم" لم يحضروا بعد، وعم إدريس الذى رجع من إجازته يبتسم
فتشرق أسنانه البيضاء، كالعادة، جلس على مائدة خالية فى ركن
قصـى وحيا عم إدريس الذى أحضر له الجعة دون طلب، فطلب منه
ألا يفتحها.
ـ خير يا أستاذ جلال!!.
ـ خير إن شاء الله.
ـ صائم أم ماذا؟. بدرى على رمضان.
لم يقبل الدعابة، وإن كان لم يرفضها، وحاول أن يثنى
عم إدريس عن التمادى. سأله فجأة: