الفصل الأول
سوق السلاح
الأمور
تسير كيفما اتفق، وهو مازال يصاعد ولا يتعجب كيف يرق
السحاب حتى يكاد
يذوب فيثبت أنه بخار هش غير مابدا له وهو بعد على الأرض،
كان يخيــل إليه أنه جبل من الجليد الناصع، ومع ذلك لم
يتعجب وهو يخترقه بهذه النعومة الهادئة.
كانت يمامة تقف على سور الحديقة المتهدم، وكان ذكرها
يدور حول نفسه يستعرض.
رعدت السماء على غير توقع، اهتزت ورقة شجر تريد آن
تسقط، ثم تراجعت. تصايح ديك بالأذان برغم أننا اقتربنا من الظهيرة.
تراءت له بقعة رطبة فوق التراب الناعم. لا بد أنها
بفعل فاعل، لكن الحادث قيد ضد مجهول، ومع ذلك فإن الجميع
داخلهم سرور هامس من حيث أن مثل هذا الحدث إنما هو دليل
على أن الحياة مازالت أقوى، وأنها مستمرة، وأنها دائما تعاود
البدء من جديد.
بويضات متناهية الصغر لا ترى بالعين المجردة توشك
أن تفقس فى بقعة الأرض الرطبة ذات الرائحة المؤلفة من سوائل
الجسد مجتمعة، دون استثناء العرق.
تشمم جلال الرائحة جيدا فتيقن أنه مازال يعيش. هذه
السوائل هى عصير الحياة قبل أن تتشكل، لم يرفع جلال رأسه
مثلما يفعل الحمار بعد أن يشم آثار حمار يسبقه.
همستْ نملة لزميلتها وهى تصعد على جدار أملس جدا:
أسرعى قبل أن ينفد.
كأن جلال قد سمع ما قالته النملة، تأملهما، لم
يغلبه حب الاستطلاع ليعرف ما الذى سوف ينفد.
لم يعد يفكر فى مثل هذه الأمور بهذه الطريقة، ولا
بأى طريقة أخرى، لكنه متأكد أنه يفكر باستمرار فى هذه الأمور
وغيرها ، ليس فكرا فكرا، لكنه فكر حتما، وإلا فماذا يكون؟.
هذه ليست البداية، فحياته كلها بدايات لحوح ....
-1-
أدار جلال المفتاح فى قفل الباب، فتح بلفة واحدة،
تذكر أنه أغلقه بالمفتاح، لفتين، لم يكن يعرف متى يرجع، لم
يكن قد قدر أن يرجع أصلا، لم يكن قرر أن يقرر شيئا. هذا
النور الذى يأتى من تحت عقب الباب. لا يمكن أن يكون قد
أضاء النور صباحا حين خرج. لا توجد آثار عنف، الباب متين قديم.
هى ذات العمارة التى تربى فيها فى سوق السلاح. تزوج فى ذات
الشقة بعد وفاة أمه. مازالت رائحتهم ووقع خطواتهم وهمس حضورهم
تملأ أرجاء العمارة من بئر السلم حتى وراء التسريحة، ابتسم
دون أن يطمئن. ثم ابتسم ثانية.
فكر أن يتراجع وينفذ فكرة السفر. الساعة تخطت منتصف
الليل. رأسه ثقيل، كان قد عرج إلى ميدان التوفيقية منهكا من
كثرة المشى طول النهار، كان مـلح الترمس زيادة، وكان هو
جائعا ويريد أن ينام. مادام المفتاح قد دار فى قفل الباب
فهى شقته. آثار ما تبقى تكفى أن تساعده على اقتحام الشقة
ومخاوفه معا.
توكل، بطريقته الخاصة، دخل بسرعة وأغلق الباب خلفه
لاصقا ظهره إليه فى وضع استعداد، هذا ما يذكره تحديدا منذ
التدريبات على حرب العصابات أيام الحماسة والأمل. كاد يثنى
ذراعه ويشير بسبابته. ابتسم تلقائيا وكأنه يؤدى مشهدا فى
تمثيلية أطفال ليس لها مخرج. رائحة السجائر الطازجة تملأ
أنفه، لم يعد يدخن لكنه يحب هذه النكهة.
"من بالداخل؟". لم يقلها،
هذا ضد أول دروس الاقتحام.
جاءه صوتها وكأنها لم تغادر البيت قط.
ـ جئت أخيرا يا جلال؟.. أين كنت.
طول النهار؟..
ـ من؟..
ـ أنا.
ـ عارف.
ـ شاطر.
ـ يا خبر! متى عدت؟.
أخبرته ـ بسرعة ـ وقد تبينت ما
به، كيف أنهت عقدها وتركت كل شئ وعادت من يومين، وأنها
تذكرت ـ ليس فجأة ـ أن اليوم هو عيد ميلاده، ولأنها تعرف
أنه يحب أن يزعم أنه لا علاقة له بهذا اليوم، وأنه ليس
مسؤولا عنه، فقد فضلت أن تحضر دون مكالمة، حتى لا تتردد،
أويتسخف هو، تذكرت أن المفتاح مازال معها، فحضرت، "ما
أبسط ما نعتقد أنه لا يمكن أن يكون كذلك."
ـ هكذا؟.
ـ آين كنت طول النهار؟.
ـ لا. أبدا.
لم يقل لها كيف لف طول النهار، كيف أن المفروض
أنه كان فى طريقه الآن إلى آسيا الصغرى، هو الاسم الحركى الذى
يطلقه على جنوب سيناء، على "دهب" بالذات، بمجرد أن
يعبر نفق الشهيد أحمد حمدى يحل به وعى أسيوى خاص. يجعله شخصا
مهذبا يمكن أن ينحنى لمن يحييه وهو يضم يديه إلى بعضهما
أمام صدره، لم يقل أيا من ذلك. فقط.. قال بحب لا يخفى.
ـ حمدا لله على السلامة.
ـ الله يسلمك.
ـ أوحشتنى.
ـ وأنت.
ثم ماذا؟. هو يحبها بصحيح، يحبها أكثر بعد أن
افترقا، يود أن يريح رأسه على كتفها، يريد أن ينام على صدرها
ويتنفس بهدوء، لا أكثر. لماذا حضرت وهو فى هذه الحال، يشعر
بضعف طيب، يريد أن يبكى، يريد أن يعتذر لها عن أى شئ، وأى
حدث، إلا عن الطلاق، فهو ما زال ـ طبعا ـ يصر عليه، هل
قرأته حرفا حرفا؟. (كالعادة).
ـ ما عليك، الصباح رباح.
ـ صباح؟..
ـ سوف أبيت هنا.
ـ هه؟ أهلا وسهلا.
ـ مازلنا مطلقين.
ـ طبعا.
ـ وسوف نظل كذلك.
ـ أعرف، لا أنا ولا أنت نصلح للزواج.
ـ لا يصلح أحدنا للآخر على الأقل، لكن لعلى أصلح
لشخص أعقل.
قالتها وهى تملس على شعره برفق دافئ، أغمض عينيه
وكاد يغفو تحت جناحها، مع أنها كانت بعيدة.
ـ طبعا.
ـ كيف حالك يا جلال، تصور أنى مازلت أحبك.
ـ وبعد؟. " وأنا أيضا،.....، هه..
قال ذلك دون أن يرفع رأسه، فأكملت:
ـ ألهذا تم الطلاق؟..
ـ لنظل نحب "بعض"، أليس هذا أفضل؟.
ـ أفضل من ماذا؟..
ـ إن الواقع دائما أفضل.
ـ دائما أفضل؟. دائما؟. ياسلام !!!. هل أنت متأكد؟!
لــم لم تقل لى ذلك ونحن نوقع على أوراق الطلاق؟.
ـ ألم يكن هذا هو واقعنا؟..
ـ كنا متزوجين قبلها بدقيقة، وكان ذلك هو الواقع
أيضا.
ـ لكن الطلاق تم، فأصبح هو الواقع.
ـ أهكذا يكون الاستقبال يا جلال؟..
لا توجد امرأة تود، أو توافق أن تكون مطلقة من
رجل تحبه، لكنها أرادت أن يظل ما بينهما أغلى من أن يشوه
بضربات الزواج العشوائية.
ـ لا أنوى غوايتك، كل ما فى الأمر أننى قررت أن
أمارس فضيلة الجنون الاختيارى المؤقت، هذه بعض مناطقنا
المشتركة.
ـ هذا بيتك طول العمر، المفتاح معك، وسيظل معك،
أنا ضيفــك الليلة.
ـ سرقوا الصندوق يا جلال، لكن مفتاحه معى.
أحس أن رأسه تزداد ثقلا، ومع ذلك فكل من الإفاقة
والرغبة فى النوم يقتربان معا. ما هذا؟. ما الذى جاء بها من
جيزان؟.. كان يكلمها كل ليلة دون أن يعرف رقم هاتفها، لم
يسألها أبدا عن رقم هاتفها هناك. قرر أنها تعيش فى بلد ليس
بها هاتف، ومع ذلك ظل يكلمها يوميا، سمع أن جيزان هى جهنم
اليمن التى اقتطعتها السعودية من باب عشم القوى فى الضعيف. ليس
فى جهنم هاتف؟.. ذهبت ثريا إلى هناك هاربة، وعادت قبل أن
يصدر قرار العفو. عادت قبل أن تختبر. عادت كأنها كانت هنا
بالأمس.
ـ تصورى طول النهار وأنا أفكر فى السنين التى سرقوها
منى.
ـ مــن؟..
ـ أنا "الذين "سرقـتنى.
ـ.. أنا الذين.. ! والله زمان. أكمل القصيدة يا
رجل.
ـ أتكلم جد.
قال لها، أو لم يقل لها، لا يذكر، لابد أنه قال
لها إنه بعد أن ثقلت رأسه نصف نصف، وجد أنه قريب منه،
قاب قوسين أو أدنى، حلوة هذه، وأنه يمكن أن يراه إذا توقف
عن التفكير، إن التفكير هو الذى يحول دونهما.
ـ عندى لك مفاجأة.
قالت ذلك وهى تزداد قربا بعد أن كفت عن لمس
شعره.
ـ خير اللهم اجعله خيرا.
ـ لقد وجدتــه.
لماذا هكذا الآن؟ لماذا تزداد
قربا هكذا؟ كيف عرفت؟ إذن هو قال لها، لا لم يقل لها. هى
هى ثريا جدا، تقرؤه دون استئذان، تقرؤه حتى دون أن تفتح
الصفحة الأولى. وبعد؟. وبعد يا ثريا؟..
ـ مبروك.
ـ مبروك ماذا يا جلال؟.
ـ مبروك ما وجدت.
- تسخر يا جلال !؟.
- آسف.
ـ وتتأسف أيضا؟. لماذا تبتعد هكذا؟..
- أنا فرحان أنك هنا.
- وأنا. على فكرة: محمود رجع من البوسنة،
وهو يبلغك السلام.
ما علاقة هذا بذاك؟ لماذا ذهب
أخوها محمود إلى هناك؟ وما علاقة جيزان بسوق السلاح بالبوسنة؟
يقولون أنه فى كل مكان فلماذا كل هذا التنقل؟.
أنا أستطيع أن أقول- أيضا - إننى وجدتـه اليوم عند
مزلقان "أبو النمرس"، ثم قابلته فى قهوة عم صابر فى
عزبة البكباشى، وكدت أكلمه عند عم إدريس فى بار التوفيقية،
كيف عرفت يا ثريا.....؟.
ـ عرفت ماذا؟.
- أننى كنت هناك؟ وأنه كان هناك
كذلك؟.
سكتت وكأنه لم يقل شيئا، كانت
تريد أن تحتج على أمر غير ما قال، سكتت وهى تنظر إليه
بحنان جديد، يبدو أنه كان واضحا حنانها، حتى أنه خاف، فنسى
قرارها أنها سوف تمضى الـليلة عنده، فـقال بسخف لم يتبينه
إلا متأخرا:
ـ أوصــلـك، لا بد أن أوصلك....، يبدو أننى لن.....
ـ تطردنى أم ماذا يا جلال؟. أنت فى حال. أنت لا
تستطيع أن توصلنى إلى المطبخ، هيا اخلع ملابسك وتمدد وسأغطيك
مثل زمان، ولا تحمل همى، سوف أدبر أمورى.
لا توجد إلا حجرة واحدة. ألقى بنفسه على الأريكة دون
السرير وكأنه وقع من شاهق، لم يخلع ملابسه، استغرق فى النوم
للتو، راحت تخلع له حذاءه برفق، وكذلك جوربه، تأففت قليلا
من الرائحة، لم يمنعها ذلك من أن تملس على الشعر المتوسط
الكثافة أسفل ساقه التى ظهرت من تحت الغطاء بعدما تقلب وهو
يعدل نفسه. ودت لو تـقـبلها. لم تفعل، ذهبت ناحية جبينه ولثمته
لثما خفيفا، لن يستيقظ حتى لو عضته، أحكمت الغطاء.
تحسست السرير تتأكد من موضعها،
موضعهما القديم، لم تخلع ملابسها هى الأخرى. وضعت ركبتيها فى
ذقنها. جذبت الملاءة وغطت رأسها.
-2-
كانت الشمس قد ملأت الحجرة، وبدا
الوقت متأخرا، حاول أن يتذكر بعض معالم ليلة أمس، هلت عليه
الأحداث متلاحقة، التفت إلى السرير فوجده مرتبا تماما إلا
الغطاء الخفيف، كان الغطاء على الأريكة، استبعد أن يكون حلما.
تراجع الصداع بشكل متذبذب.
السرير مرتب بطريقتها. فرك عينيه مرة ثانية. فى
المطبخ وجد اللبن مغليا والأطباق التى كانت فى الحوض انتقلت
إلى الرشاقة، بعد غسلها، الحوض يلمع من النظافة. هى هى لم
تتغير، هى لا تريد بذلك ـ ولا بغيره ـ أن ترجع، ولا
هو...، ثريا رقيقة دائما، هى أرق من رقتها. خيل إليه أنه
ذهب إلى الحمام فى جوف الليل، لعله تقيأ أو ربما....، وجد
الحمام نظيفا تماما، حتى لو كان قد تقيأ فقد نظفت الحمام
مثلما نظفت المطبخ قبل أن تنصرف. أخذ يسترجع حديثهما أمس،
تذكر بصعوبة أنها حدثته عن أخيها محمود العائد من البوسنة،
"على عزت بيجوفتش"، شئ ما يبدو قريبا يبتعد، أو بعيدا
يقترب. كيف يبدأ؟.
هى التى جاءت، بنفسها. هو مازال يحبها. أى حب هذا الذى يتأكد
بالانفصال ويختل بالقرب؟. هل يقول لها عن مشروعه؟.. هل تساعده؟.
هل تضحك منه؟.. إذا كان لأحد أن ينتبه إلى جنونه أو شطحه،
ويقبله، فهو ثريا.
-3-
مدرسة البدرشين الإعدادية للبنات.
سخيف أن يذهب إليها هناك، هم
يعرفون أنهما كانا متزوجين، وليس عيبا أن يذهب إليها فى
المدرسة، هو لا يعرف عنوان بيتها الجديد، لم يسألها.
ما الذى حدث بالضبط؟.. لماذا
جاءت؟.. ولماذا نامت عنده؟.. ولماذا ذهبت؟.. وماذا قالت؟.. الذى
حصل. سوف يذهب ويعرض فكرته. ماذا تقول عنه؟. لقد عادت، باتت
فى سريره، سريرهما، لم تطلب شيئا. هى لا تطلب شيئا، ولم
تلوح. هى لا تلوح. هل يذهب إليها الآن ليطلب زبائن لعمله
الجديد الذى لم يبدأ بعد؟.. طبعا لا. أى تلميذ هذا من البدرشين،
يمكن أن يسمح والده أن يسلمه لمدرس هاو، قطاع خاص، يريد
أن يعدل الكون عن طريق إحياء اللغة التى ينظم بها دماغ
العيال ليفكروا بالأصول، مدرس ليست له علاقة بالامتحانات؟.. ولا
بالغش، أى شطح خائب؟.. ومع ذلك سوف يذهب، وسوف يلقاها فى
المدرسة، وسوف يعرض عليها فكرته. لن يعرضها بصفتها مدرسة لغة
عربية، إن ما خطر بباله ليست له علاقة باللغة العربية، إنها
شئ أشبه باللغة الأم قبل أن تتشكل فيما أضاعها..، سوف يعرض
عليها الفكرة بصفتها ثريا، قارئة دماغه، ومالكة مفتاحه، إلا
قليلا.
إنه حين قرر أن يضئ شمعة واحدة أمس بدلا من أن
يطفئ 41، كان يعنى ما يفعل. شعر بقوة حقيقية تسمح له أن
يفعل كل ما كان يتردد فى فعله، يذهب، ويعرض، ويـرفض، ويذهب
ثانية، وهكذا. لن يهمد، ولن يرجع، ولن يكف لا عن السياسة،
ولا عن الأمل، سوف يغيــر الكون من القاعدة هذه المرة، الشئ
الذى يبدو بلا حل هو مسألة ثريا هذه. ليست ثريا نفسها
ولكن" مسألة ثريا". هو لا يعرف أبعاد المسألة
بالتفصيل، لكنه متأكد أنها مسألة أبعد حلا عن أى تصور جاهز،
إلا أن لها حلا حتما، لا يوجد "حل نهائى" قريب
واسألوا ياسر عرفات، حال الدنيا بأسرها تجسـد فى المسألة
الفلسطينية، كلنا هى، قال له:
"طيب والشيشان". رد عليه:" الله يخيبك. كله مثل
كله".
حين اقترب من الشارع الذى تقع فيه المدرسة، وهى ليست
فى وسط البلدة على أية حال، بحث عن الجـمـل التى أعدها ليشرح
بها فكرته لثريا قبل أن يطلب مساعدتها. يقفز إليه السؤال
إياه بلا مناسبة وبدلا من أن يكرره كما اعتاد أجاب عليه
مباشرة، "نعم موجود"، ثم أضاف "يعنى، يقينا فى
الأغلب". هذا صباح لن يمر: "يقينا فى
الأغلب"؟.!!! من أين يأتى اليقين إذا كان فى الأغلب؟. ثم
ما هذه الــ "يعنى"؟.
قال اسمه للبواب، وأنه جاء لمقابلة الأستاذة ثريا عبد
السلام المشد، فبدا من ابتسامة البواب وترحيبه أنه يعرفه، ومع
ذلك فضل جلال أن ينتظر على الأريكة بجوار الباب حتى يعطيها
خبرا. سمع جرس الحصة فاستبشر، حتى لو كانت عندها حصة فقد
انتهت. عاد البواب بسرعة وسمح له بالدخول إلى حجرة المدرسات،
كانت بها مدرستان، واحدة تذكـر أنه رآها مرة من قبل، لعل
اسمها خديجة مثلا، هى كذلك، هو الذى أسماها بمزاجه، بدينة
قصيرة، تبدو أمـا منذ كانت فى السابعة، والأخرى سمراء فارعة
محجبة، دمها خفيف (هو قرر ذلك)، انصرفتا فى سماح.
قرأ ما يدور بخلد خديجة.
"الصلح خير". ليكن. خيرا. اللهم اجعله خيرا. كل واحد
يفكر بطيبته كما يشاء، ربنا طيب، يحب الطيبين. فكر فى نفسه:
هل هو "طيب"؟.. يعنى ماذا؟.. يعنى مغلوب على أمره؟..
شعب مصر شعب طيب. "جاتنا خيبة" !. أنا لست متأكدا من
شئ. لم يبق إلاى وثريا.*
ـ خير يا جلال؟..
ـ خير إن شاء الله.
ـ أهلا بك.
ـ جئت أعتذر عما حدث بالأمس.
ـ وماذا حدث بالأمس؟.. يا شيخ !! كل سنة وأنت
طيب.
ـ هل أنا طيب صحيح يا ثريا؟..
ـ طبعا، هل تشك فى ذلك؟..
ـ طبعا.
ـ معك حق، هل تريد أى شئ آخر؟..
ـ لا أبدا، أذكرينى بين الحين والحين.
ـ ما هذا؟. ماذا تقول؟.. أنت تعرف. كيف تقول
ذلك؟..
ـ وتزوجى واحدا أطيب منى.
ـ أوامرك.
ـ آسف، بلغى سلامى إلى خديجة زميلتك التى خرجت الآن،
أليس هذا هو اسمها؟..
ـ مازلت أنت هو أنت، لا فائدة.
ـ بل إن الفائدة دائما بين أيدينا ونحن الذين لا
نمد لها يدنا.
ـ ستظل طول عمرك تحلم يا جلال.
ـ سوف أبدأ من جديد.
ـ أنت لا تكف عن البدايات.
ـ البداية هذه المرة مختلفة.
ـ كل بداياتك كانت مختلفة.
ـ سوف ترين، هذه المرة شئ آخر.
ـ أنا أراك دائما كما تريدنى أن أراك، وهذه مصيبة
فى حد ذاتها.
راح يدعى أنه لا يفهم، وأن عينيها تخترقان من يقترب
منها حتى ترعبه، وأنه لا يوجد من يتحمل ذلك، وقال لنفسه:
إن هذا هو الذى هرب منه تماما، على الرغم من أنه فى أشد
الحاجة إليه، وقال لها إنها هكذا ستعيش طول عمرها وحيدة
تتفرج.
ـ أنت مالك؟..
ـ أريد لك الخير.
ـ خل عنك.
ـ تحتاجين من يقف بجوارك، هذا يستلزم أن تغمضى
عينيك، ولو قليلا.
ـ ربنا موجود.
ـ صحيح؟..
ـ غصبا عنك.
قرر ألا يفتح موضوعا لا يغلق
أبدا، فانحرف بالحديث فجأة:
ـ متى عاد؟..
- من؟.
- محمود، أخوك؟.
ـ.... عاد يضرب كفا على كف وهو يحكى عن أطفال
المسلمين، وعن أطفال الصرب أيضا، تصور؟.. يقول إنه تغير
مرغما. ذهب وهو يتصور أنه لكى تكون مسلما، أو ابن مسلم
لابد أن تكون أسمر البشرة، فاغر الفم، ذابل العينين، متكلا
على ما تتصور أنه الله فى بـلـه، وحين ذهب لم يصدق أنهم
مسلمون، وحين تأكد، لم يصدق أنهم خواجات، دخل بيوتهم، وحمل
أطفالهم، ورأى بعضهم يصلى فى المنزل، وشيوخهم يصلون فى المسجد...،
ثم إنه، ماذا أقول، ثم إنه لم يكره كل الصرب، تصور.
ـ ماذا؟..
ـ أقول ما حدث.
ـ وبعد؟..
ـ أحب أطفال الصرب مثلما أحب أطفال المسلمين؟.
ـ محمود؟!!؟..
ـ محمود. عاد ينصحنى أن أفتح أبوابى كلها، وكأنه كان
معنا حين أغلقناها.
ـ نحن لم نغلق شيئا، هى كانت مغلقة خلقة، من
الناحيتين.
ـ ليس تماما. والله زمان، لم نتب بعد عن هذا الكلام
الذى يترجع مثل الصدى.
ـ كل شئ جائز.
ـ دمك ثقيل. ما علينا. أهلا بك، هل الأمر عاجل
إلى هذه الدرجة؟.
ـ أنت أيضا يا ثريا كما أنت، لا فائدة.
غيرت ثريا الحديث فهى تعلم أنه
لن ينتهى، وأنه إذا انتهى لن يوصل إلى شئ، راحت تستفسر منه:
هل قرر أن يقبل السفر إلى الخليج أخيرا؟.. وهل هو يريد
رأيها؟..مع أن رأيها لن يقدم ولن يؤخر، وأن الذى فى مخه فى
مخه، وحين لم يجب أية إجابة نافعة إلا تأكيده القاطع أنه
لن يترك مصر حتى لو شحذ من كل بيت لقمة. قرر فجأة ألا
يفتح الموضوع الذى جاء من أجله، وأن عليه أن ينصرف لأن
الوقت طال وهما وحدهما فى حجرة المدرسين، وعاد يواصل ادعاءه
أنه إنما جاء للاعتذار لا أكثر.
ـ لا عليك، يتصورون أنك تعرض مشروعا للصلح.
ـ قلت لك إننا شعب طيب.
ـ إننا شعب جبان.
-4-
ميراث فريد - صف طويل من الكراسات ذات الـ 64 صفحة، مليئة
بالكلام السام. ما ذنبى أنا إن كنت ابن غريب الأناضولى، وما
ذنبى أننى لم أر أبى إلا من كراسات بالية كلها إنكار وسب
ونفى؟ كتابة مجسمة، كتابة مثل مشتل شوك يسقى من مياه الصرف،
هل توجد حروف شائكة بكل هذه القسوة، أشعر بها تخزق عينى،
أشعر بلذع الصبار فى حلقى، أشم رائحتها النتنة وأنا أقرأها،
لماذا قرأت منها ما قرأت، مازال تأثيرها نافذا يتجدد. لم
أتبين إلا مؤخرا أن هذه الكراريس هى أبى الذى ولدت من ظهره،
لم أحدثك عما وصلنى منها يا ثريا ولا عنه، ومن أين لى أن
أحدثك عنه؟ أنت تعرفينه أكثر منى، كان جاركم. يخيل إلى أننى
لم أره أبدا. كنت فى الثالثة؟ لست أدرى؟ لا أذكر.
ـ خزنتها بعيدا عنى فى صندوق قديم، أرجع إليها
أحيانا وأنا كاره غضبان، لا أستطيع أن أحرقها، ولا أستطيع
أن أقرأ منها كل مرة سوى صفحة أو بعض صفحة. هى تصدك أولا
بأول. تصدك قبل أن تمزقها.
ـ كان يمكن أن تخرج منها بشئ.
ـ خرجت من بعضها، بما تيسر، وكان كافيا لتعاسة
خمسين معى.
هى لم تسأله. وهو لم يخبرها كيف كانت حروفها
كالشظايا الملتهبة، لكلماتها مرارة رخوة تثير الغثيان بقدر ما
تدعوك للمنازلة. لم كل هذه القسوة؟. الكراسة الوحيدة المختلفة
التى احتفظت بها خارج الصندوق كانت تلك التى سجل فيها علاقته
بأمى، وهى هى التى سجل فيها موت صديقة له اسمها صفية، على ما
أذكر. كان يعتقد أنها انتحرت. فى هذه الكراسة، كدت ألمح
محاولات تراجعه، لكن أبدا. مات أو اختفى أو انتحر، لست
متأكدا. لا أعرف متى مات، إن كان قد مات. أمى كانت تحبه؟..
لا أعلم، كانت لا ترد على أسئلتى عنه إلا بالدعاء له -
ولنا- بالمغفرة، زوج أمى، عم سليمان، هو أبى الحقيقى، هو أكثر من أبى، هو غير أبى. لابد أن هناك
لفظا أرقى وأنظف من هذا اللفظ "أبى" بعد أن شوهه
غريب الأناضولى. عم سليمان هذا هو الذى كان دائما يمنعنى أن
أتمادى فى السخط عليه، أو السخط عامة، كان يدعو لأبى بالرحمة.
كان رائعا هذا الرجل، أبدا أنا لم أستوعب كل ما كانه عمى
سليمان.
-5-
سوف ينشر إعلانا فى الصحف يقول: "مدرس لغات
وكمبيوتر"، وقرآن،!! خصوصى جدا، ليست له علاقة بالامتحانات،
أو بالآخرة، ومع ذلك يضمن التفوق فيهما، يعلم الصبيان والبنات
الحياة واللغات والتواصل، فيجدون الطريق معا إليه، كل واحد
وشطارته".
ابتسم وهو يتصور أنهم سوف يقبضون عليه. سوف يكتب
رقم الهاتف خطأ حتى لا يعثروا عليه ليحاكموه بتهمة مزاولة
التبشير بدون ترخيص. بسيطة، سوف يحاكمونه بتهمة "الجرأة على
المجهول"، أو تهمة "حسن النية" أو حتى تهمة
"المحاولة فى الممنوع"، وقد يحكمون عليه بالتفريق، لكنهم
حين يفاجأون أنه افترق عن ثريا منذ زمن، سوف يلفقون له
تهمة جديدة لا يعرف صياغتها، ربما تهمة "البلاغ
الكاذب"، ألم يتجرأ ويلمح ضمنا - فى الإعلان- أنه يمكن
إصلاح أدمغة البشرعن طريق تعلم نبض اللغة بطريقة أخرى. يحتاج
الأمر إلى آلاف الفرص وعشرات القرون حتى يثبت لهم أن ما
نشره فى الإعلان ليس بلاغا كاذبا، وأن الدنيا بخير، وأن الأطفال
هم كما خلقهم الله، وأنه لا يريد أن يعلمهم إلا ما هـم.
ربما حين يكتشفون عجزهم عن الحكم عليه بالتفريق، يحكمون عليه
بالتزويج، هذا حكم أقسى. جريمته الأشنع هى "الحفاظ على
التفكير السليم" ولمن؟ للأطفال؟ أى خطر يمكن أن يهدد كل
الأنظمة الجبارة لو ظل الأطفال يفكرون كما خلقوا؟.
أثناء مرور الميكروباص مقابل مزلقان "أبو
النمرس" أطل من الشباك باحثا عن عبد المعطى، فلم يلمح
إلا الحاجة وردة أم البنت، كانت تجلس أمام عشتها المتهالكة
توزع فتوتها الأنثوية على عمال طيبين. مر الميكروباص سريعا لكن
الصورة بقيت أطول.
يكتشف فى نفسه هذه الأيام تحولا ما. كان قديما كلما
قرأ خبرا فى الصحف، كذبة حكومية، ظلما سلطويا، حادث تصادم،
امتلأ غما وغيظا وثورة وإصرارا على التحريض والإعداد للتغيير،
يشعر الآن أنه أكثر ثقة بنفسه بقدر ما هو أكثر عجزا، هو
عاجز الآن لكنه قادر على المدى الطويل، هكذا أراح نفسه، لقد
أخذ الزمن فى جانبه فى محاولة التجاوز العبثية، فابتسم.
أصبح يتابع المصائب والآلام، بثقة الواثق فى النصر، فى
النهاية. يبتسم ثانية، ليست فرحة، لكنه ابتسام ملئ بنبض الألم
الحى، والثقة فى أمر ما. ما الذى حدث له بالضبط؟. لو رآه
أحدهم وهو يبتسم هكذا لظن به الظنون، كيف يثبت لهم أنه
يبتسم؛ لأنه "لم يستسلم، ولن يستسلم"،لأنه "متألم
ومحتمل معا"، هذا كل ما فى الأمر.
"ابق قابلنى".
تتدفق علاقته بالحياة كلما وعى ألمه أكثر، هو يعيش
هذا الألم كلما بلغته آلام الناس. أحيانا يتصور أنه يتألم
مع الناس، للناس، أكثر منهم، فيخجل من كذبه على نفسه، من
وصاية عواطفه على مشاعر الناس يقينا بدوره الغامض الجديد. هل
له دور أصلا، مهما كان غامضا؟. لا أحد يعلم. أخشى ما يخشاه
هو ألا يكون إلا والده بخدعة أكبر وأخفى، لماذا غلبت كراسات
أبيه على حنان أمه، وحكمة زوج أمه؟. عم سليمان هو والده
الذى لم يلده، لماذا أصرت أمه منذ البداية على أن يناديه
"عمى" وليس والدى؟. هذا أطيب، هذا أصدق، أفاده هذا
الموقف بلا حدود، ليس يدرى كيف. لماذا احتفظت أمه بكراسات
والده هذه؟. إنها لا تقرأ ولا تكتب، لم تكن تعرف السموم
التى تحتويها؟. الكراسة التى أزعجته أكثر جنبها. يعود إليها بين
الحين والحين. يبدو أن أمه أحبت أباه، لسبب ما، بشكل ما.
هل تزوجته شفقة أم حبا؟. هى قريبته من بعيد، لم تعلن تلك
القرابة أبدا. كانت تذهب مرة كل أسبوع تنظف الشقة، وتأخذ
الغيارات المتسخة للغسيل، وتطبخ بعض النواشف التى تكفى أسبوعا،
ليست شغالة، ثم تمضى، حكت له مرة، وهى نادرا ما تحكى، أنها
قابلت عنده واحدة اسمها صفية، قالت إنها كانت فتاة طيبة، ثم
قابلتها بعد ذلك، شكـت، ثم فهمت. لم تعلق. اختفت صفية عاما
إلا قليلا. ثم عادت. أمه لم تكرهها، ثم إنها علمت بموتها
مصادفة واستنتاجا، كان حزنه شديدا، وحين طلب منها الزواج بعد
موت صفية لم تتردد فى القبول، عملها سرا، وفضها سرا من
جانب واحد دون استئذان، لم يتردد وأنا بعد فى أحشائها. لم
تلمه أبدا ولم تندم على زواجها منه. رفضت طول عمرها أن تحكى
عنه إلا النذر اليسير، مثل حكاية صفية. كانت تجيب على أسئلة
جلال بكلام غامض، ثم بالصمت، ثم بالابتسام، ثم بالدعاء له
بالرحمة ولجلال بالسلامة، وأن يوقف الله لجلال أولاد الحلال.
كان جلال قد عثر على الكراسات وهو فى سنة ثانية اعدادى،
امتقع وجهها وهى توافق على تسليمها له، ثم راحت تدعو أن
يحفظه الله من كل شر، لم تكن تقصد أن ما بالكراسات
شر، لم تكن تعرف. وجهها امتقع على أية حال.
أربعة عقود وهو يستمع إلى صوت أبيه الذى لم يره
أبدا. وهو يحاول أن يتعرف على من وهب أبوه عمره لينفيه.
هذه الكراسات كلها، أغلبها، كانت تلف وتدور حول نفى كل
الوجود إلا أبيه الذى اختفى بدوره كأنه ينفذ حكما صدر عليه
بالإعدام أو الموت عطشا. هو الذى أصدره على نفسه من وراء
ظهره. اختفى وهو يأبى إلا أن يبقى داخل ابنه هكذا.
ليس متأكدا.
-6-
بعد ظهر ذلك اليوم الخريفى المعتدل، الساعة السادسة
إلا ربعا، طرق بابها، طالت فترة الانتظار أطول مما توقع. هل
يكون عندها أحد منهم؟. تمنى أن لا، هو يريدها وحدها الآن.
منال مازالت تمثل له الشخص المناسب الذى يمكن أن ينقذه من
نوبة التفاؤل التى أصابته هكذا فى عز ما يبدد عكسها. يشعر
أن هذا التفاؤل أصبح عبئا عليه. عرفها أيام الكفاح والأمل،
لم يقتربا كثيرا. هما أقرب دائما مما يحسبان.
اليأس والسخط والإنكار نـعم من عند الله يرسلها
إلى عباده الأشقياء ليعبدوه حتى من خلال إنكارهم له. حضر إلى
منال يتزود ببعض الهواء الحار الملتهب الذى تزفره مع كل كلمة
ورأى وتعليق وتعقيب، يحبها ويأتنس بها، يحترم عقلها ويرفض
حريتها. يتصور أحيانا - ربما حتى يظل بعيدا - أنها تنازلت عن
أنوثتها لمن لا يهمه الأمر. هل تنازلت عنها فعلا؟ لماذا إذن
تتمسك بظاهر أهدابها بكل عنف. تبدو وكأنها حلـت مشكلتها
الظاهرة بتغيير اللافتة مثل الكثيرين والكثيرات، اللافتات الرائجة
هذه الأيام هى حقوق الإنسان وختان البنات. هى شخصيا لم تختن.
ليست هذه هى القضية. الختان الحقيقى، بل الخصاء الحقيقى هو ما وجده فى كراسات أبيه. حين يقطع
الإنسان نفسه عنهم، عنه، تتم عملية خصاء بشعة، عمليات بتر
سرى، استئصال، يتم بها فض الاشتباك بين الناس وبين الكون:
إما بالتسليم لـلذين نصبوا أنفسهم وكلاء عنه دون إذن منه،
وإما بالإنكار، يادى المصيبة العمومية!!. هل هذا وقته؟. قرر أن
يجدها فى الداخل. هو فى أشد الحاجة أن يجدها، سوف تفتح له
مهما تأخرت. فتحت منال الباب وهى تفرك عينيها. ألم يرجح أنها
قد طالت منها قيلولتها، أو لعلها زودتها أمس. فوجئت به،
كانت الاختلافات بينهما قد تمادت حتى بات أى لقاء بينهما لا
يعد بأى شئ، أى أنه يعد بكل شئ: لهذا هو جاء إليها
بالذات؟.
فكرت منال بالأمس أن تهاتفه بمناسبة عيد ميلاده،
لكنها لم تفعل، اعتادت منه فى هذه المناسبة أن يقول كلاما
سخيفا، معادا، لم تعتقد أبدا أنه يعنيه.
هى تعرف أنه يريد منهم أن يروه، وأن يعلنوا ذلك
له؛ ليدعى الاستغناء عنهم.....، ألعاب غبية لا يهمد من
تكرارها.
ـ ادخل يا جلال، مالك واقف مثل التائه هكذا.
ـ..... بلا أهلا ولا سهلا؟.
ـ أهلا وسهلا.
ـ لا تسألينى لماذا جئت.
ـ لماذا جئت؟.
ـ قلت لك لا تسألينى.
ـ سمعت، وهاأنذا لا أسألك، ولأنى أعرف أنك لن تجيب،
فاعتبرنى لم أسألك.
ـ شعرت أننى فى حاجة إلى من يلملمنى، ومن ذا يستطيع
ذلك إلا واحدة مثلك، أحتاج لسخريتك الجارحة لأفيق.