الفصل الخامس عشر
منيل الروضة
جاء صوت المضيفة من داخل الكابينة، وليس عبر
الميكروفانات الهادئة الخفية، يحذر من اقتراب الطائرة من منطقة
مطبات هوائية، فى نفس الوقت الذى أضيئت فيه العلامات التى تطلب
من الركاب أن يربطوا الأحزمة. المرأة التى خرجت بعد ذلك
مباشرة من الكابينة لم تكن المضيفة، بل وجه شديد النضرة وقد
تلفع باللاسة الفلسطينية، تأكد الركاب الرجال، الذين لم يخافوا
كما كان منتظرا، من أن المرأة هى امرأة من جمال عينيها
الواسعتين، وأيضا من صدرها الناهد الذى عجز الرداء الملتبس أن
يخفى معالمه.
قالت رشا أمين للجالس بجوارها:
"ما جدوى أى شئ؟".
ولم تسمع الرد، لكنها استنتجت أن جارها نهرها قائلا
:
"هل
هذا وقته"؟.
-1-
جلال هو الذى طلبه، رد رجل الهاتف، فالسكرتير، فالسكرتيرة،
والموسيقى فى الخلفية تنتقل إلى المقدمة مع كل فترة صمت أو
انتظار،"دقيقة واحدة من فضلك"، "هل تترك
رقمك؟"."لا.. ثانية واحدة، لقد طلب أمين بك ألا
تترك السماعة حين عرف أنه أنت، حالا".
تعجب جلال من كل هذا الاهتمام، هو الذى طلب، هكذا
فقط، لم يكن يعرف ماذا يمكن أن يقوله له؟. هفة من هفاته
التى نجحت فى أن تفـلت قبل أن يمنعها. كل الحكاية أنه لم
يجرؤ على أن يطلب فاتيما، فكر أن يطلب رشا مباشرة لكنه
عدل. العجيب أنه كان ينتظر أن أيا منهم يطلبه، يطلبونه بشأن
ماذا؟. أين دوره بينهم؟. الوحيدة التى لا أهل لها مثله هى
منال، لا يا شيخ؟. ! طيب، وبسمة؟. وثريا؟. وحتى حصة؟. يبدو
أنه ليس لأحد أهل حتى لو كان يعيش وسط أهله عينى عينك.
قال لنفسه رادعا: أنت مالك أنت!؟. تشطر على خيبتك.
ـ نعم، أنا يا أستاذ جلال، أنا أمين، أنا كنت
أريدك.
ـ تحت أمرك (نسى جلال أنه هو الذى طلب).
ـ شكرا أنك طلبت، لقد ترددت كثيرا قبل أن أقرر
أننى أريدك، أريد أن ألقاك.
أمين عبد الحكيم يريدنى، لابد أنه لم يدرك أن
المشروع، سبب تعارفهما، قد انهار قبل أن يبدأ، مشغولياته أكبر
من أن يفكر فى التفاصيل.
ـ طبعا سيادتك تعرف أن مسألة الدروس هذه قد انتهت،
يبدو أنها كانت فكرة غير واقعية.
ـ يعنى، استنتجت هذا، وتأكدت منه بعد انقطاعك، لا
لا، هى مسألة شخصية، مسألة أخرى تماما.
كاد جلال يقول له كالعادة: كل المسائل شخصية.
ـ أنا تحت أمرك، أمر عليك فى أى وقت.
ـ لا لا، ليس هنا، فى أى مكان آخر، فى أى مكان
أنت تحدده.
كان صوت أمين عبد الحكيم حادا، بل دالا على الفزع،
وهو يرفض اللقاء فى المكتب، لماذا يا ترى؟. تساءل جلال. أى
مكان يحدده هو، جلال الذى يحدد. فى الأمر شئ، ثم إن معنى
ذلك أن بيت أمين مستبعد أيضا، كان يريد أن يرى فاتيما،
ويطمئن على رشا، ما هذا؟. ثم كيف يحدد هو مكان اللقاء مع
واحد متعدد الملايين مثل هذا؟. صحيح أنه يعرفه قبل أن يكون
هكذا، صحيح أنه مختلف عنهم، لكن أيضا.....
ـ أنا؟ تقصد ؟ أنا بيتى لا يليق، أهلا وسهلا،
ولكن، ليس بيتا بالمعنى العادى:
ـ أى مكان، أى مكان تختاره، يا أستاذ جلال مكان
يمكن أن أجدك أنت فيه؟.
ما الحكاية يا ناس؟. ما هذا؟. صوته غريب، هذا ليس
أمين عبد الحكيم: لا صاحب معرض السيارات، ولا الملياردير
المنطلق، ولا حتى زوج فاتيما ووالد رشا، ثم ما هذه اللهجة؟.
"مكان أجدك أنت فيه"، ما هو طبعا سيجده فى أى مكان
يلتقيان فيه، هل هناك احتمال آخر، أن يرسل له مندوبا
عنه؟..... ولم يبتسم.
ـ التابعى الدمياطى:
ـ وهو كذلك. متى؟.
كيف قالها؟. وكيف اختار هذا
المكان بالذات لهذا الشخص بالذات؟. وكيف وافق أمين بهذه
السرعة؟. الذى حصل. شجعه ذلك على أن يتراجع، فهو يعرف ازدحام
وسط البلد.
ـ خلها فلفلة، فلفلة المنيل بجوار كوبرى الجامعة،
بدلا من التابعى:
- الليلة؟.
- ليكن، الليلة. نعم.
العامل المشترك فى المكانين هو الفول المدمس، ثم إنه
يبدو أن جلالا قد اختار المكانين لأنه قرر أنه هو الذى
سيدفع، أردف مؤكدا قبل أن تنتهى المكاملة:
ـ على أن تكون ضيفى:
ـ شكرا، شكرا، كماتشاء. أية ساعة؟.
ـ العاشرة، مناسب؟.
ـ جدا، سوف أعرف كيف أجدك، شكرا.
هو الذى طلب أمين عبد الحكيم، طلبه، وهو لا يعرف
ماذا سيقول له، كان يريد أن يسأله عن رشا، وعن فاتيما. لم
يسأله، وهل أعطاه أمين فرصة ليسأل؟. إن أمينا لم يستفسر
أصلا عن سبب طلبه إياه، ثم فجأة يجد نفسه مضيفا لصاحب كل
هذه الملايين! يعزمه على فول وطعمية وسلطة بلدى وبصارة؟. صحيح
أنها فلفلة وليست عربة عم برعى على الناصية السرية المختفية فى
الزقاق المتفرع من شارع محمد محمود بباب اللوق، ولكنهما فى
نهاية النهاية ليسا إلا الفول والطعمية. لا، لا، لا، ليست
مسألة تنازل أو تواضع أو كلام غـث من هذا، صحيح أنه أمين
عبد الحكيم الذى هو، لكن الأصح أنهما مازالا ينتميان إلى فلك
واحد، لم يعد هناك تصنيف ثابت، التصنيف الآن تصنيف كواكبي:
هناك المجموعة الشمسية الخفية فوق الدول والناس، ثم الأقمار
التابعة الدائرة فى فلكها. وبعد ذلك النيازك الساقطة، هو وأمين
مازالا يدوران حول كوكب لا يعرفانه، صحيح أن المدار مختلف،
لكنهما توابع والحمد لله.
بأية صفة يقابله؟. يطلب مقابلته؟. بصفته رجل أعمال؟.
أم زوج فاتيما؟. أم رفيق منال؟. أم والد رشا؟. وهو ـجلالـ
ما صفته فى هذه المقابلة، تحديدا؟. لقد استطاع أمين أن يحدد
نوع التواجد فى المقابله، لكنه لم يحدد طبيعة الموضوع:
"مكان أجدك أنت فيه"، من هو؟. يجد من؟.إذا كان هو
لم يجد نفسه بعد، لم يعد صحفيا، وهو ليس مترجما ثابتا، ما
هو إلا مشروع مجهض لمدرس خائب. من ذا الذى سيجده أمين عبد
الحكيم؟.!!
اللهم اجعله خيرا.
ثم خطر فى باله أنه سوف يقابله كصديق من نوع آخر،
ليست كلمة الصداقة التى تقال للمجاملة. هناك نوع من الصداقة
السرية تنمو بين البشر، هكذا فقط، دون مبرر ودون إعلان، هل
حدث هذا؟. منذ أول لحظة رآه فيها قال لنفسه: هذا ليس صاحب
معرض سيارات، صحيح أنه مازال بعد كل هذه الأشهر لا يعرف
كيف يصنفه، حتى بعد أن انطلق كالصاروخ فى عالم أعماله، لم
يستطع أن يصنفه على أنه رجل أعمال، أو أنه ملياردير،
"ملياردير" يعنى ماذا ـ باللغة البشرية ـ بعيدا عن لغة
البورصة؟. لعله صديق فعلا. هل يقابله كصديق من هذا النوع
المجهول المعالم.
كل صداقة هى من نوع مجهول المعالم.
-2-
تعمد جلال ألا يسبقه، يبدو أنه التقط قوله:
"سوف أعرف كيف أجدك"، باعتبار أنه مفهوم ضمنا أن
جلالا هو الذى سيسبق، سيهرول. لا، بعيدا عن شاربه، ليس شعورا
بالنقص، ولكن لا، سوف ينتظر بعيدا على الطوار الآخر حتى يلمحه
أو يلمح سيارته، هو لا يعرف سيارته، لكنه حتما سيلمحها، ثم
يتركه يبحث عنه ربما دقيقة أو أقل، ثم يدخل إليه، هذا
ترتيب مناسب.
فعلا ليس "هو"، ليس أمينا، أو يجوز أن
يكون "هو"، وأن يكون الآخر ـ رجل الأعمال ـ هو الذى
ليس "هو"، كل شئ جائز.
سأله أمين، كما هو متوقع، عن الحال، والترجمة، و
لماذا يتخلى عن مشروع التدريس، وأنه يمكنه أن يواصل المحاولة
بعيدا عن أولاده أو أقاربه. ثم انتقل فجأة ـ كما يبدو ـ
إلى "الموضوع":
ـ أليس محمود عبد السلام قريبك؟.
ـ كان قريبى، كنت متزوجا أخته، هو صديق عجيب، هو
صديق جميل عجيب.
ـ تعرف أننى لم أره، حدثتنى عنه فاتيما.
ـ ... أتذكر أنك أشرت إلى مثل ذلك.
ـ ثم حدثتنى عنه بعد ذلك أكثر كثيرا، وخاصة بعد
حكاية رشا و ابنه فتحى:
ـ لم تكن لهما حكاية.
ـ دون دخول فى التفاصيل، يبدو أن ثمة علاقة ما،
أو....
قاطعه جلال:
ـ بين رشا وفتحى؟.
ـ رشا وفتحى من؟. بين محمود وفاتيما، حكاية حب أو
شئ من هذا القبيل.
إذن.. فجلال لم يكن متجنيا، ولا كانت مجرد غيرة
حين لمح ما يعد بهذا التطور السريع منذ البداية، منذ بداية
البداية.
أردف أمين عبد الحكيم:
ـ تعرف، أو لعلك تستنتج، أننى وفاتيما نتصارح بكل
شيء.
كل شئ؟. حتى موضوع منال؟. ترى هل عرجت إلى تلك
الليلة؟. لم يسأل جلال، ولم يصدق، ولم يكذب، وخاف.
لم يمهله أمين، واستمر يقول:
ـ هى تعرف كل شئ عن علاقاتى الخاصة.
ـ ولم ذاك؟. (لم يقل. وأنت إلى أى مدى تعرف أنت؟.)
ـ هذا ما اتفقنا عليه، حتى العلاقات العابرة التى
يتصادف أن أمارسها أثناء سفرى، هى تعرف عنها ما يكفى، حتى أنها
تطالبنى بتحليلات معينة عند عودتى من كل سفر، وإن كان ذلك
لم تعد لنا به حاجة منذ مدة.
ـ تعنى أنكما.....، لا تؤاخذنى:
ـ هو ذاك. عندك حق.
شعر جلال أنه الشخص غير المناسب، فى المكان غير المناسب،
ما له هو بكل هذا؟. صحيح أن عنده أسبابه الخاصة التى تجعله
"له"، لكن أمينا لا يعرف هذه الأسباب، ثم ما دوره
هو الآن؟. وما معنى هذه المقابلة؟ لم يجرؤ أن يسأل أمينا
لم اختاره، ولا ماذا ينتظر أن يقوم به. لم يعتن أمين
بتحديد هدفه أو مطالبه ابتداء، لكنه مضى يحكى كيف أنها
استطاعت بطريقتها أن تعرف كيف تعمل عمرة مؤخرا لم تخبــر
عنها أحدا، ثم إنها عادت أكثر تحجبا، وصلاة، وحرصا على
العلاقة مع محمود فى ذات الوقت.
ـ وهو؟.
ـ لا أعرفه، أنت تعرف أننى لا أعرفه.
ـ ألهذا دعوتنى؟. لتعرفه عن طريقى؟. لتعرف ـ لا
مؤاخذة ـ غريمك؟.
ـ غريم من؟. وأعرف من؟. المسألة أخطر من ذلك.
ـ هل هناك ما هو أخطر من ذلك؟.
ـ نعم، فاتيما مصابة بالسرطان، سرطان الدم، عرفت ذلك
مؤخرا من ورائها، وهى لم تعـلم بعد، لكنها سوف تعلم حتما،
هذا ما أعرفه عنها وعن أطبائهم هناك، قررنا أن تسافر دون
أن أطلعها على التحاليل، أعتقد أنهم أقدر على إبلاغها، ويبدو
أنها استشعرت خطورة الأمر بعد اقتراح سفرها مباشرة.
كان جلال يلاحق هذه الأخبار بما يشبه التسليم لوعى
آخر، كان من فرط المفاجأة قد كف عن التعليق، وعن التمادى فى
التساؤل، وعن التفسير، وعن التبرير، كان جلال كمن أصبح شريطا
يملأ على السرعة السريعة دون أن يعرف بماذا يملأ، فهو لـن
يستطيع أن يعرف محتواه إلا حين يأخذه فيما بعد ليعيد إذاعته
على جهازه الخاص بالسرعة العادية، كل ما استطاع أن يركز عليه
هو وجه أمين: ألم هذا؟. حزن؟. مراجعة؟. غيرة؟. شماتة؟. ليس
أيا من هذا... إذن ماذا؟. طيبة؟. هل هذه طيبة حقيقية، طيبة
من نوع آخر؟. صحيح؟. هل هذا صحيح؟. هل يمكن أن يقابل واحد
كل هذه المصائب والمفاجآت شاملة السرطان والخيانة بهذه الطيبة؟. هل هى حرية السماح
أم قـدر الخيبة والتسليم؟.. لا.. هى الطيبة؟. الطيبة الأخرى التى
يعرفها ويفتقدها مهما كان يشك فيها ويشكك فى تزييفها، هذه
التى أمامه هى الطيبة الأصلية، هذا المصرى المسمى أمين عبد
الحكيم: رجل طيب، وهو قد استدعاه هو بالذات لهذه المقابلة،
لأنه هو ـ أيضا ـ طيب، هو لم يستدعه، هو طلب لقاءه أثناء
مكالمة هاتفية، جلال هو الذى هاتفه، وحتى هذه اللحظة لم يسأله
أمين لم طلبه؟. لكن المقلب الحقيقى أنه ـ جلال ـ عاجز تماما
أمام كل هذا، فلماذا هذا اللقاء؟. هل هو ناقص؟. هل مطلوب
منه أن يفتى فى مسألة علاجها، أم يعرض عليها التوبة النصوح؟.
ما هذا هكذا؟. لماذا هو بالذات، وهو به ما به؟.
ومع ذلك فقد تصور أنه المسؤول الأول، عن ماذا؟. ليس يدرى:
استمر أمين:
ـ ليس سرطانا بمعنى ورم وكلام من هذا، هو سرطان
الدم، يسمونه "ليمفوما".
ـ ليمــ .... ماذا؟.
ـ... اسم طبى والسلام، لكننى فهمت أنه متى ذكر هذا
الاسم، مع اسم فرعى يشير إلى نوع معين منه لا أعرفه، فإن
سيلا من التفاؤل يسرى بين الأطباء حتى يكادوا يباركون لبعضهم
البعض وكأنه تم الشفاء، ومع ذلك يظل الاسم هو الاسم: سرطان.
ـ وهل فعلوا ذلك بالنسبة إلى مرض السيدة فاتيما؟.
ـ حصل.
أمسك جلال بالقشة، وانتظر الفرج.
ـ وهل علمت هى بذلك؟.
ـ قلت لك إنها لم تعلم أصلا أن عندها هذا المرض،
فكيف تعلم نوعه أو احتمال شفائه؟.
العجيب أن جلالا صدق من فوره، أنها ستشفى تماما.
ألم يبارك الأطباء لبعضهم البعض؟. لكن فى ذات الوقت قفزت
إليه حكاية علاقتها بمحمود، كان قد تلقى الخبرين معا، فأزاح
خبر السرطان خبر العلاقة، لكن ما إن أزيحت، حكاية السرطان.
بتباشير التفاؤل حتى قفزت إلى الواجهة حكاية محمود، طيب ماذا
يقول له، لأمين، وماذا لا يقول؟. وهو هنا لماذا؟. ما علاقة
هذا بذاك؟.
ـ تحديدا، لا أعرف، كان يمكن أن أذهب إلى طبيب
نفسى أستشيره فى موقفى وموقفها، لكن أنت تعلم علاقتى بهذه
المهنة، "أبى". ثم ماذا يمكن أن يقوله لى مثل هؤلاء
الأطباء؟. أنا أنام وأصحو وأعمل و.. و.. وما ترى، إيش عرف
هؤلاء الأطباء بما ترى؟.
حاول جلال أن يكون أكثر اقترابا، وأن يتحسس بدقة
أكثر هذا الذى يتصور أمين أنه يراه، لكنه لم يضف إلى ما
هو فيه أية تفصيلات يمكن أن تعين.
ـ هل ما زلتم تسكنون فى هذا الـ.. المكان، المدينة
الأخرى، المدينة السياحية يعنى:.
ـ سياحية ماذا، هل نحن سائحون؟.
ـ آسف، قد يبدو السؤال فى غير موضعه، ولكننى لم
أرتح أبدا لنقلتكم هذه من مصر الجديدة إلى ملعب الجولف هذا،
أعنى المنتجع يعنى، ليس لى الحق، ولكننى أكلمك كصديق.
خرجت منه كلمة صديق هكذا دون استئذان، ولم يشعر أن
به رغبة للتراجع.
ـ تصور أن حكاية الصداقة هذه خطرت لى وتحرجت أن
أسميها كذلك، لا بد من أن هناك اسما آخر أكثر دقة، و..
وربما أكثر عمقا.. أو أكثر.. لست أدرى ماذا؟.
لم يرد جلال ـ قصدا ـ حتى لا يتمادى فى النقاش حول
مثل هذه التنظيرات التى تمسخ كل شئ حقيقى، نعم هناك بين
البشر ما يستحسن أن يظل بغير اسم.
نظر جلال إلى وجه أمين طويلا، ليتأكد من شئ لا
يعرفه، ليست الطيبة، ولا الألم، ولا الحيرة، شئ أعمق كثيرا،
فقرر أن يتراجع، لكن كان الأوان قد فات.
ـ أقول منذ زيارتى لكم، فى البيت
الجديد، أعنى فى قصركم، أو ماشئتم من تسميات، وأنا غير مرتاح،
شئ أقرب إلى التشاؤم. قلت فى نفسى: هذا بيت شؤم.ـ كان لزاما
أن ننتقل إلى هناك، كل الناس أمثالى ينتقلون.
ـ لا أعتقد أن هناك كثيرين أمثالك،
هذا ليس مدحا، وليس ذما، لا أحد مثل أحد.
ـ فاهم، فاهم...
يحاول جلال أن يبتعد عن التركيز على دوره الذى لا
يعرف له أولا من آخر، يريد أن يكون قدر الموقف، لا يريد
أن يلح فى سؤاله عن دوره فى كل هذا، وفى ذات الوقت هو ـ
فعلا ـ لا يعرف له أى دور، ومع ذلك يتصور أنه يمكن أن
يعرف موقفه، هو ذاك، فليتكلم عن موقفه حتى يظهر له دور..
يجوز
أمين هو الذى تكلم:
ـ أظن أننى أراجع كل أوراقى، هذا
هو موقفى إن شئت الصراحة، لكننى لا أخفى عليك، هى مراجعة
خائبة على ما يبدو؛ لأننى أعود دائما إلى ذات النقطة، وهذا
عكس فاتيما، هى عادة تصل بالأمور إلى نهايتها حتى لو كانت
تجرب.. لكن..
أحس جلال أنه ربما كان يشير إلى تجربتها مع محمود،
ثم تبين ـ من نفسه ـ أن فاتيما هى هكذا، منذ البداية، وهل
زواجها من أمين إلا هكذا: التجربة إلى نهايتها، ثم إنها تبدو
من الذين يعلمون أنه لا نهاية إلا لبداية، ياه... !!
قرر جلال أن يقولها، ويحدث ما
يحدث، لكنه تراجع بعد أن خطف نظرة إلى وجه أمين الملئ بكل
شئ، وقال:
ـ هل هناك شئ عاجل؟. شئ أستطيع أن
أقوم به؟.
ـ نعم.
غمرت جلال فرحة هادئة، فهاهو يتقدم نحو أمر محدد.
ـ أنا تحت أمرك.
ـ تتصل بى أحيانا، أعنى كثيرا، أنا
أخجل أن أتصل بك فى هذه...
توقف أمين فجأة فى اللحظة المناسبة، فبادر جلال:
ـ سوف أفعل، دون وعود محددة، فقط
أريد أن تعيننى ـ إذا أمكن ـ أن أتعرف على ما يمكن أن
أقوم به؛ لأكون مفيدا بأية درجة.
لم يشكره أمين وهو ينصرف، لكن وجهه كان ممتنا،
وجميلا، ونبيلا، ومتألما.
ترك أمين جلالا وهو غير فاهم أى شئ، مع أنه بدا
فاهما ما لا يعرف.
ما علاقة كل هذا بكل ذاك؟.
أين الترابط بين علاقة فاتيما بمحمود والسرطان،
والعجز، ومشروع الصداقة، وخيبته البليغة؟. كاد جلال أن يبكى:
ولم يسمح لنفسه بذلك. لماذا قال له أمين، ما قاله له؟.
لماذا هو؟. هنا؟. هكذا؟.
إنه يشعر أنه قريب منه جدا،
ربما أقرب واحد. لكنه عاجز تماما.
- 3 -
لم يكن جلال قد زار محمودا منذ مدة، منذ عملة
فتحى ورشا. محمود- أيضا -لم يتصل به، وحين علم جلال بحكاية
محمود مع فاتيما، قرر أكثر أن يتمادى فى تجنبه، ليس نفورا
أو حكما أخلاقيا يتصورأنه تخطاه، لكنها حيرة وسماحة أكثر من
أى شئ. هكذا حاول أن يقنع نفسه.
فجأة، وجد نفسه مشغولا على وائل (أكثر من فتحى،
كالعادة). منذ الزيارة الأخيرة التى عرف محمودا فيها بفاتيما
وبسمة، تطورت الأمور وحدثت الاتصالات وتعرف الأولاد على بعضهم
البعض، وكان جلال كلما بلغته أخبار محمود الزراعية الجرزاوية
التربوية، ازداد بعدا عنه وتصور أنه قد أصبح مستغنيا عن
القاهرة وسيرتها وكل من فيها، وهو ـ جلالـ أولهم. ومع ذلك،
فجلال لم يستطع، بعد مقابلة أمين، أن يقاوم الدافع لزيارته.
لم يقل له محمود ـ مثل الناس، ومثل العادة ـ
"أين أنت يا رجل؟. "، ولا هو قال "أهلا
وسهلا"، ولا هو بدا رافضا زيارته، بل كان منظره كأنه
ينتظر هذه الزيارة تماما، هكذا، فى هذا الوقت بالذات.
ـ كنت أعلم أنك ستزورنى هذا
الأسبوع، هذين اليومين تحديدا، إما السبت وإما الأحد. وحين مر
السبت قلت ـإذنـ هو الغد، حتى أذن الظهر اليوم فكدت أشك فى
حدسى، لكننى وأنا راجع من المسجد، تصورت أنى سأجدك، هل تصدقنى
يا جلال؟.
ـ أصدق مثل هذا الكلام يا محمود
ولكننى لا أستسلم له.
ـ لست عارفا كيف رتب الله سبحانه
أدمغتنا، هل لابد أن نصدق قبل أن نستسلم، أم يمكن أن
نستسلم، ثم نصدق على مهلنا؟.
ـ هل مازلت تلعب ذات الألعاب يا
محمود؟.
ـ المسألة ليست لعبا يا جلال. تصور
أن الصلاة هنا، بعيداعن هناك، لها طعم آخر.
ـ ما حكاية هنا وهناك هذه؟ لا
أريد أن ترجعنا إلى حوار قديم آليت على نفسى ألا أفتحه. كنت
قد وصلت إلى أن الله لا يحتاج منا هذه الحركات. الذى عرفه
لم يعد يحتاج أن يصلى له، والذى لم يعرفه لن يعرفه بهذه
الصلاة.
ـ هو لا يحتاج منا لا صلاة ولا
حتى معرفة خائبة، نحن الذين نحتاج أن نصلى كى نلم بعضنا إلى
بعض. لا أقصد الناس إلى بعضها، ولكن بعضى إلى بعضى:
ـ ... يا أخى ".. يا أخى" هل
استقلت وهجرت أهلك لتضم بعضك إلى بعضك، ما هذا الكلام؟
ـ أصبر على، دعك من سوء تعبيرى،
كيف أفهمـك وأنت هكذا.
ـ هكذا ماذا؟
ـ إسمع يا جلال، المسألة هى أنه
يبدو أننا نعرفه بالحواس مباشرة، لا بالتفكير ولا بالإثبات،
نعرفه بالمشاهدة التى تفتح طبقاتنا على بعضها البعض، وهذا يحتاج
إلى شحذ حواسنا بانتظام حتى لا تصدأ أو تنغلق. حواسنا التى
نعرفها والتى لا نعرفها. مرة يا جلال وأنا أصلى الفجر وحدى
بجوار حظيرة عم اسماعيل، شعرت وكأنى أسلك "فونية"
إحساسى مثلما كانت أمى تسلك "فونية" الوابور. هذا
التسليك المنتظم لا بديل عنه حتى تظل الحواس متفتحة قادرة على
التواصل والتلقى:
ـ عليك نور يا كابتن، هذا هو آخر
المطاف، هجرت سموم البوتاجاز والسحابة السوداء إلى
"فونية"الحواس وخلطة بعوضك. أخشى يا محمود أن تنفتح
مسامك من كثرة التسليك حتى ينكشف عنك الحجاب. يا محمود، أنت
رجل مثقف ولا يصح أن تترك نفسك تتمادى فى مثل هذا الكلام،
صل يا أخى كما تشاء ما دمت قد تعودت ذلك، وخلاص.
ـ خلاص ماذا، وتعودت ماذا يا شيخ؟.
مرة أخرى حاول جلال أن يتهرب من التمادى فغير
المسار:
ـ وكيف حال وائل؟.
ـ ذهب إلى أمه، ألم تخبرك ثريا؟.
ـ أنا لا أرى ثريا.
ـ آه صحيح، لماذا لا تراها؟. هل
لابد أن ترجعا إلى بعضكما، تتزوجا من جديد، حتى تراها؟.
لم يقل له جلال : ولماذا لا ترى أنت أم الأولاد،
وأنتما ما زلتما زوجين، ولم يقل له ما انتهى إليه من رؤى
جديدة فى العلاقات البشرية، حيث يبدو أنه وصل إلى قناعة أن
الناس تبتعد عن بعضها البعض، بالطلاق، أو الفراق، أو اللازواج
حتى يروا بعضهم البعض، وحين يضمنون المسافة الأمان التى تسمح
أن يتفاهموا بكل الطرق المؤدية إلى مالا نعرف.
حمد الله أنه استطاع ألا يقول حرفا من ذلك.
حتى الآن هو مصر على أن يتجنب أى
تلميح أو تصريح بشأن موضوع فاتيما، برغم أنه بدأ يقترب أكثر
فأكثر. مزيد من المضى فى الاتجاه الآخر:
ـ وفتحى؟.
ـ لا لا، فتحى شئ آخر. فتحى صديق، هو الآن يقفز
فوق السنوات، ينمو بسرعة حتى يكاد يسبقنى، بعد أن اختار
العودة إلى جرزة بمحض إرادته، بدا لى أنه انطلق إلى ما وعد
به من قبل.
ثم راح محمود يحكى له كيف أنه حين عاد فتحى إلى
جرزة بعد تجربة هربه، تأكد هو من سلامة موقفه بقدر ما
تأكد فتحى من اختياره، فطاح يعمل كل شئ، كان محمود يحلم به
دون أية إشارة منه (من محمود)،
ـ فتحى، يا جلال، يحفظ القرآن، ويتفوق فى المدرسة،
ويعزق الأرض، ويقرأ كثيرا، ويغنى كثيرا. ثم ذكر له كيف أن
فتحى يذهب ـأحياناـ إلى الموالد القريبة ويشارك فى الذكر،
و"يفقر"، ويعرق، وينشد، ويذهب ـأحياناـ إلى الكنيسة فى
بنى سويف مع صديقه مينا ابن عم اسحق، ويعود وهو فى حال من
الوجد لا تسمح بسؤاله عن أى من ذلك.
يبدو أن محمود قد ازداد يقينا ـ من خلال ازدهار
فتحى هكذا ـ أنه على حق. ثم إنه راح يتابع تجربة ابنه
ويحافظ عليها بالموافقة الصامتة دون تدخل، وهو يزداد يوما بعد
يوم من اليقين بصحة اختيار ابنه: من واقع هذه الممارسة
الناجحة بكل المقاييس، فرح جلال - بالرغم منه - بكل هذا مع
أن شكوكا كثيرة ساورته.
ـ ألا يسأل فتحى عن أمه وأخيه
وأخته؟.
ـ يسأل، ويزورهما، ويرجع فرحا، وهم ـ
أيضا ـ بدآ يفرحون بزيارته. قل انشغالهم عليه، وكفت أمه عن
محاولة إقناعه بالبقاء معها، تبدو يا جلال مشغولا عليه أكثر
منها.
ـ صحيح أنا مشغول، لست أعرف إلى
أين سوف يذهب هؤلاء الأولاد. كل الأولاد.
ـ يا سيدى، ربنا موجود.
ـ صحيح ؟.
خرجت منه هكذا. ليس هذا وقته، ولا هى المناسبة، ولا
هو يقصدها. خجل، وتعجب من هدوء محمود، كما خشى أن يرجعا إلى
المناقشات اياها، رد محمود ببساطة:
ـ صحيح و نصف.
لم يقل له "يا بختك"
كان جلال قد لاحظ أن المنزل الصغير قد تمت العناية
به بطريقة جميلة، وأيضا كان مليئا بأثاث طبيعى وبسيط، لكن
يبدو أنه ليس أثاثا رخيصا، فهو يعلم أن لعبة البساطة
والعودة إلى البدائى هذه أصبحت مجالا لاستغلال الأثرياء المدعين،
حتى أصبح هذا النوع من الأثاث والملابس أغلى من الملابس
والأثاث الحديث، ولم يستبعد لمسات فاتيما فى هذه المسألة، لن
يسأله طبعا، تلفت حوله وقال:
ـ يبدو أن المزرعة مشى حالها.
ابتسم محمود ابتسامة غريبة وقال:
ـ فعلا، مشى حالها، وحالى أيضا، أعنى
حالنا والحمد الله، الناس هنا غير ماكنت أتصور، غير الانطباع
الأول، ناس "جدعان".
كان فى لهجته شئ مختلف، شم فيه
جلال رائحة وظيفته الرسمية القديمة بشكل أو بآخر، يا ترى
ماذا يجرى؟.
التفت إليه محمود دون مقدمات،
وقال:
ـ طبعا تعرف ماذا أصاب فاتيما،
السيدة فاتيما أمين؟.
صمت جلال بغير قصد، فهو لم يكن يستطيع أن يجيب
إلا بعد أن يتأكد إلى ماذا يشير محمود بـ"ما جرى"
هل هو المرض، أم الرفق، أم السفر القريب؟. أم ماذا؟.
أكمل محمود:
ـ تصور أنها تخفى على زوجها حقيقة
مرضها، لقد اعترضت على ذلك بكل وضوح، وقلت لها إننى لو
قابلته، لو كانت لى فرصة مقابلته، لأخبرته بصريح العبارة، هذه
المسائل لا ينبغى أن نلتف حولها كالأطفال.
كان جلال مازال مشدوها من بساطة حديث محمود، ووضوحه
هكذا، توقف عقله عن الفهم، لم يصرح بحرف واحد عن مقابلة
أمين الخصوصية الغريبة فى "فلفلة" المنيل، ولا عن تصور
أمين أنه هو الذى يعرف دونها، وقد فهم من بعض التفاصيل التى
ذكرت لاحقا أنهم بعد أن أخفوا عنها نتيجة التحاليل الأولى،
وبعد أن التقطت هى غير ذلك من نظراتهم، ذهبت بنفسها إلى
معمل آخر، واشترطت معرفة النتيجة شخصيا. قالت لهم إنها تعرف
أن المرض خطير، وأنه سرطان، وأنها ـ فقط ـ تريد المتابعة مع
أكثر من معمل، وأنها عرفت الحقيقة، ولم تقل لأحد، إلا
لمحمود.
لم يقل له جلال، ولماذا أنت بالذات؟. أو " بصفة
ماذا؟. "، لكنه تساءل:
ـ ولماذا تخبرنى أنت الآن هكذا
ببساطة سرا هى ائتمنتك عليه؟.
ـ لم أعدها بكتمانه، وهى لم تطلب
ذلك، فقط هى اطمأنت إلى أننى لا أعرف زوجها، وأنا أعرف أنك
تعرفه.
ـ تريد منى أن أخبره؟. ما هذا؟.
سكت محمود، وأجاب "بالنفى"، ولولا أن العصر
أذن فى هذه اللحظة لطال الحوار.
ـ عن إذنك أنا ذاهب للصلاة.
ـ ماذا، ألم تكن هناك؟. ألم تقل
إنك راجع من المسجد.
ضحك محمود دون سخرية.
ـ الظهر غير العصر يا جلال.
ـ هل تصلى كل الأوقات فى المسجد؟.
ـ نعم. هل تأتى معى، أم ليس بعد.
قال جلال فى غيظ:
ـ كيف عرفت أنه "ليس بعد"؟ لماذا أنت
واثق هكذا؟.
ـ أنت حر، لكننى أتابع بحثك الجاد، وهذا يكفينى لأكون
واثقا.
استقبل جلال هذا الكلام الصعب بمثابة دعوة أخرى
للصلاة.
استعبط، وكأنه لم يسمع هذه الفذلكة. واعتذر برقة
مصطنعة.
- 4 -
راح جلال يجول بناظريه فى الحجرة، وهو يتذكر معظم
الأشياء اختلفت معالمها، أهكذا بسرعة؟. أين الرف الذى كانت
عليه الكتب؟. حلت محله مكتبة صغيرة، جميلة، ذات الطراز،
البسيط الباهظ الثمن، من أين لمحمود كل هذا؟. باب المكتبة
من الزجاج لكنه مغلق بالمفتاح، راح يحاول أن يقرأ أسماء
الكتب من خلف الزجاج، لم يتمكن إلا من كتاب أو اثنين لم
يحققا له ما أراد، يبدو أنه كان يريد أن يقارن الكتب التى
وجدها فى المرة السابقة بمقتنيات محمود الجديدة التى سمحت له أن
يقول كل هذا الكلام الصعب، أين يا ترى يتوجه فكره الآن؟.
فكر ماذا يا عم، ليس هذا محمودا، لا هو الذى تزوج أخته،
ولا هو الضابط الذى استقال وجاء إلى هنا، وربما-أيضا- ليس
هو الذى عاد من البوسنة. إن المطلوب الآن هو معرفة أشياء
أخري: وكيف وفق بينها: العلاقة مع فاتيما، مع الصلاة فى
المسجد كل وقت، مظاهر الثراء هذه مع ضيق ذات الأرض !!، وائل
مع أمه وفتحى بجواره؟. أين محمود فى كل هذا؟. وكيف فعلها؟.
هل فعلها؟
عاد محمود من الصلاة فوجد جلالا قد تمدد على أريكة،
ونام، أو هو كان على وشك ذلك، فـرد محمود عليه ملاءة
خفيفة، فردها برقة أم تخشى أن تقلق رضيعها، وعاد من حيث أتى:
لم يكن جلال قد استغرق فى النوم تماما، لكنه تمادى ورأى
حركات محمود، وتعجب وصدق، هو شقيق ثريا فعلا. تذكر يوم عيد
ميلاده حين وجدها بالمنزل، لم يكن ينوى أن يترك نفسه،
ويستغرق فى النوم.
الذى حدث هو أن النوم هو الذى احتواه، فنام.
- 5 -
لا يحب جلال، مثل كثير من الناس، أن ينام والدنيا
نهار، ثم يستيقظ ليجد الظلام قد حل هكذا، ساعتها يشعر أن
أحدا سرق منه يوما، بل عمرا. كيف نام كل هذا الوقت فى
هذا المكان الذى ليس هو مكانه، ولن يكون. هذه الغرفة، وهذه
الأريكة، أين محمود؟. يصلى المغرب فى المسجد، لا، نحن بعد
المغرب بكثير، قبل أن يضئ النور (كان محمود قد أدخل الكهرباء،
ربما بفضل اتصالاته بصفته الرسمية السابقة) جلس فى الظلام الذى
لم يكتمل تماما، من أين لك هذا ؟ أنا مالى !.
ثم ما لزوم أى شئ؟ وفيم تنفع أى إجابة .
وقال إن حيرته هذه هى قـدره، وأن تبسيط المسائل هو نفى للحياة ك