الفصل الثالث عشر
أرض الجولف
حسب المارة فى البداية أنها ألعاب نارية إعلانا عن افتتاح السوبر
ماركت الجديد فى العمارة الشاهقة، كانت الرياح أقل من سرعتها فى مثل هذه الظروف،
ثم اختبأ كل شئ فى سحابة من التراب لها رائحة الصدأ، ثم حدث الدوى الهائل وانهارت
العمارة على من فيها، لكن أحدا لم يتبين تفاصيل حقيقة ما حدث إلا بعد أن أفاق من
الذهول المعتاد.
كانت بهية عائدة من السوق بعد أن اشترت علبة سجائر مارلبورو للأستاذ
غالى، فاعتقدت أن ما كانت تسمعه أحيانا وهو يتكلم مع أصدقائه فى الهاتف عن حرب
النجوم، قد تحقق، قالت لنفسها: إن الأستاذ مع أمريكا فال خوف علينا. ومع ذلك فهى
لم تعد، وركبت الأتوبيس المتجه إلى باب الحديد دون أدنى تردد.
-1-
تململ سائق التاكسى وجلال يذكر له العنوان، هذا سفر
وليس مشوارا داخل البلد. الأمر يحتاج إلى اتفاق آخر، ليكن،
وتم الاتفاق الآخر.
جلال هو الذى رفض أن يرسل له أمين عبد الحكيم
سيارة لتوصله للمسكن الجديد، بعد أن انتقلوا- تقريبا فجأة- إلى
هذه القرية الإلكترونية الحالمة الخاصة. كيف يسمونها قرية وهى
هكذا؟. سرقوا حتى صفة قريته، ثم إن قريته الحقيقية: بلدتهم،
لم تعد قرية. امتلأت بالطوب الأحمر الهش، وأشجار التسليح
المترنحة نتيجة لطول ما نقعت فى أموال الخليج المختلطة بالطمع
والمذلة، لكن الناس لا بد أن تعيش، تسكن سجونا تدل على
حرية اختيارهم العبودية؟.
فزع جلال حين دخل ووجد الفيلات
متشابهة والشوارع خالية والكلاب كثيرة. كلما نبح كلب شعر بعدم
الأمان أكثر، وتساءل: كيف يشعر سكان هذه القصور بالأمان مع
نباح الكلاب هكذا، فى حين هو، والناس، يشعرون بالعكس؟.
"هذا هو المطلوب تماما".
"لماذا"؟.
"إيش فهمك أنت؟ ... هذه هى
قواعد المنتجع".
" منتجع؟ ماذا تعنى؟.
"سوف تعيش حمارا وتموت
حمارا".
مراسم الاستقبال مختلفة، حجرة الاستقبال متسعة، مثل
بهو الفنادق دخلت عليه بسرعة لم يتوقعها، لم تتغير، كان
يتصور أنها تغيرت مع تغيير المكان، الأماكن تغير قاطنيها، على
كل حال : إن لم تتغير بعد فهى سوف تتغير، لا شئ لا يتغير،
لا أحد، حيت. ورحبت، وجلست، وتساءلت، وضحكت، واطمأنت، ولم يبد
عليها أنها تتذكر شيئا بذاته، أو تحاول أن تنسى شيئا بذاته.
نسى كل مخاوفه وقال لنفسه: إنه سيحضر حتى لو لم
تكن لحضوره أية علاقة بمشروعه، سيخترع أى سبب ويحضر، سيحافظون على
العلاقة، وربما ضاقوا بالمكان مثله فعادوا إلى مصر الجديدة،
وعاد هو إلى أحلامه.
ـ ... ألا ترين أى تعارض بين انتقالكم إلى هنا وبين
ما نخططه، أعنى ما تخططونه، أقصد ما ترجونه، يعنى ما تأملينه
فى الأولاد ولهم، أقصد...، منذ قررت أن تحضرى إلى...، أن ترتبطى
بـ، بمصر... مصر يعنى.
كادت تكتم ضحكة طيبة وهى تقول له مقاطعة تقريبا:
ـ رجعت إلى عادتك يا جلال، حين ترفض شيئا يبدو
عليك الرفض كالكتاب المفتوح، فتتناثر كل كلمة فى ناحية.
لاتعرينى هكذا يا سيدتى، لست ناقصا، أنا ما زلت
ألملم نفسى بعد أن تبخرت موجتى فى دهب، هى من بنات عمومتك،
مازال رأسى يدور. أريد أن أحكى لك عنها، لا أقصد أن أثير
غيرتك. غيرة ماذا؟. وكلام فارغ ماذا؟. المسائل غير المسائل.
لست فاهما أى شئ، انتزع نفسه ليقول:
ـ أقصد هل نحن، يعنى أنتم الآن؟. هنا؟. أنتم يعنى،
هل أنتم الآن يعنى فى هذا المكان أخيرا، هل أنت فى مصر التى
حضرت إليها، أم فى أوربا التى تركتها؟.
ـ لا فى هذه ولا فى تلك، أنا لا أعرف أين نحن
الآن.
ـ هذا ما لاحظته، هل أصارحك؟.
ـ طبعا.
ـ خطر لى أن هذه المدينة قد بنيت أساسا لكلاب
الحراسة التى استقبلتنى دون ترحيب، وأن البشر قد أحضروا هنا
خصيصا ليعطوا لهذا العدد العظيم من الكلاب المتوحشة معنى، و
أن ساكنى هذه القصور معتقلون باختيارهم، وأن أطفالهم معتقلون
مثل....
لم يكمل حتى لا يذكر محمودا، فيذكرها به.
ضحكت فاتيما ضحكة رائقة، ثم عالية.
ـ أنت كما أنت...، وهذا رائع.
ـ وأنت كما أنت برغم طريق الكباش.
ـ طريق ماذا؟.
ـ لا شئ، لا شئ.
كيف قال طريق الكباش؟. وماذا يعنى؟.
سأل عن الأولاد، وعن مدارسهم، وأخبرته أنها هى هى
ذات المدارس، لم تتغير، وأن والدهم خصص لهم سيارة وسائقا،
فلم تفرق المسألة إلا ربع ساعة فى الصباح ومثلها بعد الظهر،
وأن برنامجهم اليومى يسير كما هو، وأن ما اتفقوا عليه من
مواعيد لـن يتغير إلا بمقدار ربع الساعة هذا، لا أكثر.
وأنها متأسفة لأنها علمت بعد أن أعطته هذا الموعد أن
الأولاد كانوا قد ارتبطوا بموعد سابق ليتعرفوا على أصدقاء
النادى الجديد، وأنها لم تتصل به لتخبره بذلك لأنها أرادت ـ
شخصيا - أن تراه، وخافت إن عرف غياب الأولاد أن يعتذر.
ـ وأنا أيضا.
ـ أعرف.
سكت فرحا كأنما أنهى مهمته، وسكتت هى الأخرى، فقرر أن
تكون بقية المقابلة رسمية. خاف من شئ مجهول هو لم يردها
أكثر من هذه اللحظة، وهو لم يلغها أكثر من هذه اللحظة،
اقترح أن يؤجل بداية الدروس شهرين حتى يألفوا المكان، وينظـموا
حياتهم بعد الانتقال، وربما كانت فرصة مناسبة لإعادة النظر فى
المشروع برمته.
ـ أنا شخصيا ليست عندى أية فكرة عن احتمال المراجعة
أو التراجع.
ـ نعطى فرصة للأولاد. من حقهم التراجع.
(لم يقل: كما تراجعنا نحن. هل
تراجعا؟.).
ـ وهل الأولاد بدأوا حتى يتراجعوا، إن قدراتهم والحمد
لله تسمح لهم باستيعاب طموحاتنا، ثم إننى أشعر أحيانا أن
الأولاد يأخذوننا على قدر عقولنا.
ـ هذا ما شعرت به أيضا، معهم حق، أليس كذلك؟.
ـ ربما؟.
ـ والأستاذ أمين؟.
ـ ماله؟.
ـ يعنى؟ رأيه يعنى؟.
راحت تشرح له كيف تغير أمين، وكيف أصبح أكثر
غيابا، وأكثرصمتا، وأكثر تجهما، وأكثر كرما، وأنها كلما فاتحته
فى أمرالأولاد حدثها عن التوسع الراكض الذى وجد نفسه مضطرا
لمسايرته، وعن تضخم الديون، وتضخم الصفقات، والتوكيلات، وعن
ضرورة الانتباه إلى خبث الشركاء، وألاعيب الخواجات، وعن علاقاته
مع أعضاء مجلس الشعب الحقيقيين، والأعضاء الشبح. أضافت أنها
لم تفهم ماذا يعنى أمين بالأعضاء الشبح، وهى لم تسأله، وأنه ـ
بالتالى ـ ليست له دعوة بكل ما نفعل نحن والأولاد.
ـ فلماذا انتقلتم إلى هنا إذن، مادام هو قد ترك
المسألة لكم؟.
ـ آه صحيح؟. لماذا؟.
ـ ألم يخطرعلى بالك هذاالسؤال؟.
ـ خطر، ولكن كثـرت النقود فكان لا بد من صرفها،
ثم إن أمينا يتصور أن مجرد الإقامة هنا هى جزء من قيمته
فى السوق، وهو ما يعنى أشياء مهمة بين رجال الأعمال أو
التوكيلات والبنوك.
ـ والأولاد؟.
ـ ما لهم؟.
أخذ يشرح وجهة نظره بلا داع، ولا فائدة، وقارن ـ
فى سره مرة أخرى ـ هذا الرحيل بما فعله محمود بأولاده هناك
فى الناحية الأخرى، مصيبة سوداء.
اكتشف أن طلاقه من ثريا، أو
طلاقها منه، هو الذى أعفاهما من مثل هذه التجربة، تجربة
الأولاد. أحسن. تساءل عن مدى أمانته وهو لم يتحمل مسئولية
الإنجاب، ومع ذلك يتصدى للعب والتجريب فى أولاد الناس، ماله
هو بالأولاد ما دام لم يستطع أن يحافظ على المؤسسة التى
ترعاهم؟. قفز إلى ذهنه احتمال من تلك الاحتمالات الشاذة التى لا
يعرف من أين تأتى مثل زواجه من "وردة"، أو زواج
الأستاذ غالى جوهر من بهية، علاقته بثريا كان يمكن أن تستمر
لو أنها وضعت الأطفال فى الحسبان، ربما كانت علاقة أرقى من
الانجاب، وربما كانت أعجز عن الانجاب، العلاقة لابد أن تكون
علاقة بعيدا عن كل ذلك، ربما كانت كذلك، وربما لهذا انتهت،
ما الذى أتى بهذا الكلام الآن؟.
انتبه إلى عينى فاتيما الزرقاوين وكأنها تتابع أفكاره
وهى صامتة تأكد من أنها تقرأه حين سألته:
ـ ثم ماذا؟.
أجاب من فوره:
ـ ثم أتصل بكم قريبا إن شاء الله.
قبل أن ينصرف، سألته عن محمود، فانزعج. صحيح أنه
فكر فيه معظم الوقت وهو يقارن بين هذا المكان وبين الخرابة
(على حد قول زوجة محمود) التى يعتقل فيها محمود أولاده، قال
لها إنه لم يره منذ مدة، وإنه لم يسمع من ثريا زوجته
(لم يجرؤ أن ينطق باللفظ الجديد "تريكته") ما يشغله
عليه، كان يقول ذلك وهو يتابع لهفة فاتيما، ويحاول أن يقرأ
أفكارها كما فعلت، ولا ينجح فى التخلص من هبوب ريح الغيرة
اللافحة على وعيه.
فوجئ بها تحكى له أنها اتصلت به، بمحمود، مباشرة دون
أن تخبره، وبتحديد أدق هو الذى اتصل بها، لا تدرى لماذا، و
لم يكن السبب وجيها على كل حال، وأن محمودا سألها عن
الدروس التى اقترح جلال أن يعطيها لأولادها، وأنها أخبرته أنها
لا تعرف عنها أية تفاصيل، كما اقترح اقتراحا غريبا بهذا
الشأن. كان الغيظ يتجمع داخل جلال فى اطراد متصاعد، بعد أن
تحول الكلام إلى محمود.
ـ ماذا اقترح ان شاء الله؟.
ـ اقترح أن أساعده فى أن أقنعك أن تكون هناك دروس
مشتركة، أو حتى لقاءات مشتركة.
ـ لقاءات؟. لقاءات بين من ومن؟.
ـ ماذا بك يا جلال؟. محمود يحبك، وهو يحترم موضوعك
ومشروعك، تكلمنا فى ذلك كثيرا.
ـ كثيرا؟. تتكلمان فى موضوعى، هل جعلتمانى موضوعا؟. أنا
لا أعرف لى موضوعا، ففيم تكلمتما؟. لكنها حجة لطيفة.
ـ حجة ماذا يا جلال؟. ماذا تقول؟.
ـ أقول إن الأولاد، أقصد..
قاطعته ضاحكة:
ـ خلاص، خلاص عرفت.
اضطر إلى أن يبدو وكأنه يضحك رغما عنه. تظاهر أنه
كان يمزح ولم يجز عليها التظاهر، فأكملت أنها عرضت على
الأولاد للتسخين ـ على سبيل المزاح ـ أن يتعرفوا على أولاد
محمود، مادام هناك احتمال أن يضمهم درسك، وضحك الأولاد مثلما
ضحكنا الآن (مع أنها ضحكت وحدها) والغريب أنهم تحمسوا لزيارة
الصعيد، حين شرحت لهم أين يقع منزل محمود، حكيت لهم عن
ولديه فتحى ووائل، وقد كانوا فى اشتياق إلى أن يسمعوا اللهجة
الصعيدية من أهلها، وإلى أى مدى هى تشبه ما يتابعونه أحيانا فى
التليفزيون.
كان جلال يتابع كل هذا وهو يترجح بين الغيظ
والدهشة حتى اقترب من انفجار لم تظهر عليه أى من بوادره.
كيف لم يعلم بأى من ذلك؟. قال فى هدوء يتناقض مع داخله.
ـ وذهبتم؟.
ـ وذهبنا.
ـ ورجعتم؟.
ـ هل كنا سنقيم هناك؟ ماهذا؟.
ـ ولم تخبرونى من أصله.
ـ فكرت أن أخبرك، ولكننى لم أجد داعيا، ونحن لم
نبدأ بعد، كان تسخينا كما قلت.
كاد يقول: تسخين والمدرب غائب يا خونة!، لكنه تراجع
وقال:
ـ لم نبدأ ماذا؟.
ـ لم نبدأ أى شئ؟.
هكذا يكون الكلام، هى لم تقل له، ولم يقل له
محمود، صحيح أنه لم ير أيا منهما فى هذه المدة، لكن أيضا.
ثم لماذا يقولان له؟. بأية صفة؟.
ـ حكاية لطيفة.
ـ فعلا، لطيفة، تصور أن أولاده فرحوا بأولادى جدا.
ـ طبعا، من رائحة المدينة.
ـ أعتقد أن الأولاد يتكلمون مع بعضهم البعض على طول
موجات لا نعرفها.
"وأنا أعتقد أن كل البشر يخيل
إليهم أنهم يتراسلون، مع أن الموجات مختلفة أصلا".
ليس متأكدا إن كان قد قال ذلك، أم أنه أسرها فى
نفسه.
استأذن، ووعد بالاتصال، وشكر، وحاول أن ينسى، أو أن
يهدأ، فنسى، وهدأ، وقال: "كل شئ بأمره".
وابتسم.
ولم يشعر بأية رائحة سخرية فى ابتسامته.
ولا هو فهم، أو قبل، أو وافق مع أن أحدا لم
يطلب منه الموافقة.
ـ2ـ
تعجـب حين عـرف الطالب نفسه على الطرف الآخر من
الهاتف، هو أمين عبد الحكيم شخصيا، كان صوته متغيرا، هو لم
يطلبه من قبل حتى يعرف صوته، ويقرر أنه متغير أم هو هو،
لكنه كان متغيرا فعلا. خلاصة المكالمة الموجزة جدا هو أنه
يسأله عن رشا، يسأله بصفة ماذا؟. لا شيء؛ هو يسأل كل الناس
عنها لأنه يبحث عنها. رشا غادرت المنزل منذ يوم ونصف، لم
تترك رسالة، ولم تتصل بالهاتف، ولا يعرفون عنها شيئا. إن ما
اعترى جلالا كان شيئا يصعب وصفه لأنه أكبر من الدهشة، وأقل
من الرفض، وهو غير الانزعاج، وغير الخوف، ربما الذى جعله
بهذا الغموض هو وعيه بما غمره من تلك المشاعر السافلة (هو
الذى أسماها كذلك). شئ أشبه بالشماتة والفرجة والانتظار والتأجيل،
وليس أى منها على حدة، لم تكن هذه المشاعر (السافلة) وحدها،
بل صاحبها خليط من القلق والشهامة التى ظهرت فى استعداده لأية
خدمة، قال ذلك وهو يفكر فى فاتيما لأول مرة كأم منزعجة،
كان دائما يتصورها سائحة اقتنت أفراد هذه الأسرة أثناء
جولاتها السياحية التى طالت فى مصر، لكنه فى هذه اللحظة، شعر
بها أما مصرية ملهوفة منزعجة أشدالانزعاج وآلمه، لا أكثر، ولا
أقل.
ـ لا شكرا.
هكذا رد أمين باقتضاب على عرض جلال المساعدة.
وانتهت المكالمة.
ـ3ـ
لماذا؟. لماذا؟. ويا ترى أين؟ ماذا....؟.
تسحبت الأسئلة المزعجة بشكل يتضاعف حتى صارت مرعبة.
أهكذا؟. أربعة عشر عاما؟. جريمة خطف؟. اغتصاب؟..
طبعا لا.
لم لا؟.
السائق يذهب بهم، ويرجع، لا يوجد ثقب إبرة يسمح
بورود مثل هذه الاحتمالات. تلك مخاطر الذين يتحركون بلا كلاب
حراسة. ثورة؟. احتجاج!!؟. لم يلحظ على رشا بالذات أى معالم
ثورة، بالعكس كانت تبدو أكبر من سنها، ليس فقط فيما هو
أنوثة فائرة. أبدا لم تبد له رشا ثائرة رافضة أبدا. كل
أولاد هذا الرجل من هذه السيدة يتصفون بالهدوء، والتفاهم، كان
تعبير أمهم أنهم "يأخذوننا على قدر عقولنا" هو الأقرب
إلى الصحيح. فلماذا؟.
ياه!! بدأ ينزعج، ثم ينزعج جدا،
ثم يرعب من أسوأ الاحتمالات. لماذا لم يتفاعل هكذا من فور
المكالمة؟.
لم يستطع أن ينام، أمسك بسماعة
التليفون ووجد نفسه ينوى أن يهاتف كل من يعرف، يسألهم عنها،
لم يقبل استغناء والدهم عن خدماته، راح يسأل أشخاصا لم
يكونوا يعرفونها أصلا، طلب محمود عبد السلام وهو على يقين أن
أمها أو أباها قد طلباه قبله، وخاصة بعد أن عرف تلك
الزيارات السرية (هو اعتبرها سرية) التى قامت بها فاتيما مع
الأولاد لتفرجهم على"سيرك الصعايدة" (هو أسماه كذلك).
لم يرد هاتف محمود، ولا حتى جاءه صوت ينبهه أن التليفون
مرفوع من الخدمة. هل طلبه أمين مثلما فعل هو الآن فلم يرد
أيضا؟. محمود ضابط سابق، له معارفه، وربما مازال له باع فى
مثل هذه المسائل، صحيح أن أمينا لا يعرفه، لكن فاتيما تعرفه
ونصف. نظر فى الساعة فوجدها الواحدة. قال مستحيل. وقال الصباح
رباح. وقال ربنا يستر.
ولم ينم.
وحين نام: حلم أحلاما مزعجة لم يتذكر منها شيئا
لما استيقظ.
ـ 4 ـ
فتح عينيه بصعوبة، ثم قفز فجأة من على الأريكة، وجد
نفسه بكامل ملابسه، لم ينظر فى الساعة، وإنما اندفع إلى
النافذة ففتحها، وحين اطمأن إلى أن وعدا بنهار قادم قد تبدى،
رجع، وجلس ووضع رأسه بين كفيه وهو ينظر إلى فردتى حذائه
المتراصتين. يذهب إلى محمود من فوره لعل وعسى، أخيرا نظر فى
الساعة، لا، لا يصح أن يذهب من فوره الآن هكذا، يريد أن
يطمئن أنه يمكن أن يجد مواصلة، ثم وقت لشرب كوب من الشاى
برغم كل شئ.
فكـر أن يكلم ثريا، لا ليسألها عن رشا، ولكن
ليسألها عن نفسه. ماذا؟. يقصد ليطمئن أنها مازالت تذكره:
مازالت تحتفظ له بمكان ما، فى مساحة ما من وعيها. ما أحوجه
فى هذه اللحظة إلى أحد يذكره، مجرد يذكره.
رفع السماعة، ثم نظر إلى النافذة، ووضعها ثانية.
نزل بسرعة وهو ينظرفى ساعته.
ـ خيرا يا محمود، ما لهاتفك؟.
ـ ابن حلال، كنت سأحضر إليك الآن.
ـ خيرا.
ـ ليس خيرا أصلا، ..... فتحى.
ـ ما له؟.
ـ اختفى منذ أول أمس، تركنا دون كلمة، دون ورقة،
مع أنه ـ كما يشهد وائل وكل الناس هنا ـ كان سعيدا
بالفكرة. وكان يشاركنى فى كل شيء.فتحى تقبل الانتقال بإبداع
حقيقى حتى طمأننى فعلا على خطواتى هذه. أصدقك القول، لولا أنه
تحمس كل هذا الحماس، وشارك كل هذه المشاركة لحزمت أمتعتى
والأولاد، ورجعت.
ـ ثم ماذا؟.
ـ اختفى.
ـ ذهب عند أمه؟.
ـ لا أعرف، ولا أظن، لو كان قد ذهب لأمه احتجاجا
مثلا لأخذ وائلا معه، وائل هو الذى أعلن سخطه ورفضه منذ
البداية، لم يذهب وائل. تصور! فتحى هو الذى ذهب.
سأله جلال إن كان قد أخطر أمه أو حتى سأل عنه
هناك، فأقر أنه لم يفعل؛ ذلك أنه قدر أنه إن وجده هناك،
فهو دليل هزيمته، ولا يستبعد شعورا بالشماتة، أو بالنصر أو
بأى شئ من هذا القبيل، برغم طيبة وبؤس أمهم، وإن لم يكن
قد ذهب فهو سيشغل أمه بما لا تطيق، ويكفيها ما بها، (قال
يعنى).
ثم إنه لو ذهب إليها فإنها كانت سوف تخبره من
فورها، فهو يعلم رقتها وطبعها.
قال جلال وقد بدت عليه بوادر
راحة خفيفة:
ـ اطمئن يا محمود.
ـ كيف أطمئن؟. صحيح هو ليس صغيرا، 16 سنة، لكن أنت
تعرف ظروف الشباب هذه الأيام.
بسرعة، أخبره جلال أنه إنما جاء
ليسأله إن كانت رشا قد حضرت عنده أو اتصلت به، وحين سأله
محمود "من رشا؟"، تعجب جلال، فقد كان يحسب أن تعلقه
بأمها، أن علاقتهما، أن تعطفهم عليه بالزيارة، سوف يترك أثرا
يجعلهم غير قابلين للنسيان، لا لحظة ولا دهرا، لا إسما ولا
شخوصا. أكمل الخبر بعد أن ذكـره بها، فانتبه محمود خجلا
منزعجا معا.
ـ طبعا طبعا رشا، ياه تلك الرائعة كأمها.
قال جلال فى سره: إظهر عليك الأمان يا أبا حنفى.
ما الذى جاء بسيرة أمها الآن؟.
المهم. طمأنه جلال أن اختفاء الشابين معا فى ذات
التوقيت هو أدعى إلى الطمأنينة من غير ذلك، ووضع احتمالا أن
يكونا حين تعرفا على بعضهما فى الزيارة (السرية) التى حكت عنها
فاتيما، وجدا ما يتفقان عليه، فقاما بهذه المغامرة الصغيرة ليقولا
لكم، لنا، بها، شيئا ما.
ـ تسمى هذا كله "المغامرة الصغيرة" يا
جلال؟.
لم يدخل معه جلال فى نقاش إن كانت صغيرة أم
كبيرة، لكنه لاحظ أن الطمأنينة التى صاحبت وضع هذا الفرض
المنطقى المحتمل سرعان ما اختفت رويدا ثم متسارعة. إذ ماذا
تكون الحال لو أن اختفاءهما هذا لم يكن مقصورا عليهما،
وأنهما انضما إلى ثلة من ثلل هذه الأيام، وهات يا مخدرات،
وهات يا خبص، وكلام من هذا؟. ولم يعلن لمحمود عن هذه
الخواطر.
تعجب جلال من نفسه وهو يطمئن ـ
بهذه الصورة ـ حين يفترض أن المصيبة أصبحت أهون؛ إذ يختفى
اثنان معا بدلا من واحد أو واحدة، وابتسم حتى ضحك.
ـ ماذا يضحكك بالله عليك، هل هذا وقته يا جلال؟.
ـ لعلهما تزوجا على سنة الله ورسوله.
ـ فى هذه السن؟. هذا ممنوع قانونا.
ـ قانون ماذا؟. وممنوع ماذا، وهل الشباب الآن
يحتاجون إلى القانون أو إلى المأذون ليتزوجوا
ـ تعنى...
ـ لا أعنى، ولاحاجة، المهم أن تكلم أمين عبد الحكيم
الآن لعله يطمئن على ازدواجية المصيبة مثلنا، ثم ينزعج على
أمور أخرى، مثلنا أيضا. وضحك مرة أخرى دون أن يستطيع أن
يحول دون ذلك.
كاد جلال لا يصدق، وهو يسمع محمودا يقول:
ـ ومن أمين عبد الحكيم هذا؟.
ـ ألا تعرف مـن أمين عبد الحكيم أيضا؟.
ـ لا.
ـ أبو رشا، يا سيدى، زوج فاتيما.
- يا خبر، هل هذا هو اسمه؟.
- هل نسيت؟ أنا ذكرت لك اسمه
حين عرفتك على زوجته. ألم تسألها؟.
لم يقل له محمود: ولماذا يسأل؟. وهل الأمور ستختلف
لو كان اسمه أمين عبد الحكيم أو أمين عبد التواب؟. وخاف
جلال على محمود لو أنه كان قد وصل إلى درجة يسقط معها من
وعيه أولا بأول أى أحد آخر، وقال إن هذا ليس وقته، فالمهم
الآن هو أن يشتركوا جميعا فى البحث عنهما، مع أن أحدا غير
متأكد أنهما معا.
ـ 5ـ
أبعد مكان كان ينتظر أن يظهرا فيه كان منزل بسمة
قنديل.
لم تذكر له فاتيما أنها اصطحبتها
معها فى الزيارة الثانية إلى جرزة فى صحبة الأولاد، وأن بسمة
صادقت الأولاد بشكل مذهل، وطيب، وبسيط، ومباشر، وأنهم تواعدوا
على التحادث واستكمال ما بدأوا من حوارات مثيرة وخطيرة
(الأولاد هم الذين وصفوها هكذا).
ـ هل هذا يصح يا بسمة؟.
ـ ما هذا؟. وما هو الذى يصح أو لا يصح؟.
شرحت بسمة لجلال كيف أن الأولاد هم الذين اتصلوا
بها بعد يوم طويل من التجوال، وقرب منتصف الليل، وأنها
أيقنت أنها لو لم تعد بعدم إبلاغ أهلهما فلن يحضرا لها أو
يبيتا عندها كما اقترحا، وأنها لم تستطع أن تخلف وعدها ـ
طبعا ـ وكان لزاما عليها أن تستوعب الموقف مهما كانت آلام
الأهل، "إذا كانوا يعرفون كيف يتألمون".
ـ هل تتصورين مشاعر أم اختفت ابنتها، وعندها 14
عاما، وهى بهذا.. بهذا...
- بهذا ماذا؟.
تجاهل التساؤل وقال:
ـ أنت لا تعرفين مشاعر الأمومة يا بسمة.
ماذا قال؟. تمنى لو عاد فبلع جملته الأخيرة، كيف
قالها و بسمة قد قامت بعملها الرائع هذا؟. ثم هو - بالذات -
ليس من حقه أن "يعايرها" بعدم الأمومة، بعدم الإنجاب،
بل ـ ضمنا ـ بعدم الزواج، هو الذى جبن أن يكون أبا، وأن
تكون ثريا أما بعد أن أتيحت لهما الفرصة، ثم يأتى الآن
يخطب، ويعظ، ويلوم، وربما يعاير. ما هذا؟. حاول أن يبدو طيبا
وعاقلا وعونا مهذبا (ما أمكن)، ونجح إلا قليلا.
فرح أنها فوتت فلم تعقب، ولم يحاول أن ينظر فى
وجهها.
ـ وهل عرفت سبب هروبهما؟.
ـ لا.
ـ لماذا؟.
ـ لأنهما لا يعرفانه.
شرحت بسمة ـ بإيجاز ـ كيف أن هذا، هو هكذا، فقط،
ذلك أنه حين تقابل فتحى ورشا فى جرزة اتفقا ببساطة على أن
يتهاتفا، ثم مرة فى مرة، قررا أن هذا "هكذا" لا
ينفع، والتقيا دون تخطيط طويل المدى، فكان ما كان.
ـ قصة حب مراهقة.
ـ ليس تماما.
ـ بداية حب؟.
ـ اسمع يا جلال، نحن لا نعرف هذا الجيل، هم
يفكرون بطريقة أخرى، ويحبون بطريقة أخرى، ويهربون بطريقة أخرى،
لا تسألنى هكذا وكأنى أعرف، هل تصدقنى إذا قلت لك إنهم أعقل
من أهلهم، ممن عرفت من أهلهم، من محمود قريبك، ومن فاتيما
هذه.
ـ فاتيما هذه!! ألا تحبينها؟.
ـ أحبها ماذا، وهباب ماذا. هذه امرأة حالمة، طيبة
"خواجاتى"، تمارس حياتها وكأنها تكتب رواية.
ـ وأنت يا بسمة تكتبين قصصك، وكأنك تمارسين حياتك.
ذهلت بسمة وكأن جلالا قد
"فقع دملا" لم ينضج. سارعت بالهجوم حتى لا تعلن
إعجابها برأيه أو برؤيته.
ـ وأنت يا جلال ماذا تفعل؟.
ـ أنا أعيش.
ـ لا يا شيخ؟. أنت تهرب وتحلم، وتحلم وتهرب، ثم
تأتى الآن لتلعب دور الواعظ الرشيد.
ما هذا؟. هم فى ماذا أم ماذا؟. هل تركا موضوع
الأولاد وراحا يتبارزان بالكلمات، عندها حق، هو لا يعرفها
لمدة طويلة، ولكنه يتصور أنه يعرفها بدرجة كافية.
مازالت آثار بصمات حضورها فى المطعم الطليانى منطبعة فى
وعيه، هذه امرأة جمالها فى موقفها، فى أمومتها التى لم تختبر،
لا هذا ولا ذاك قلل من أنوثتها الجاهزة، ثم إنها ليست
ملتهمة، ولا هى تريد أن تمتلك أحدا. لم يجد صفة دينية، ولا
حتى إلهية يصف بها هذا الوعى الجميل المبدع، المتوهج. يسمة
تبدو وكأنها تحمل قدرا من الأمومة تحتوى به كل الناس دون
استحواذ، ليس فقط فتحى ورشا، ولكنها تحتويه هو أيضا، أمومة هى
الأنوثة فى عنفوانها، تمنى لو تتبناه معهما، معهم، يا خيبته
القوية، أهكذا يرتد إلى نفسه باستمرار. بسمة التى لم تنجب،
تتبنى كل هؤلاء البشر؟. تذكر بعض قصصها بشكل غائم، هى تتبدى فيها هكذا تماما، وقال:
ـ والعمل الآن؟.
ـ كانا طيبين جدا، بعد يومين اثنين، وافقا على أن
أكلم أهلهما بشروط.
ـ أية شروط؟.
ـ لا توجد شروط بالمعنى الحقيقى، حاولت أن أفهم
شروطهما، لم أستطع، حين قالا لى معا (ربما بعد أن اتفقا)،
ثم كل على حدة، : إن شرطهما الوحيد هو أن "يعيشا مثل
الناس"، وافقت من فورى:
ـ .. شرطهما بسيط جدا.
ـ لا يا شيخ؟.!!.
ـ شرطهما أن يعيشا مثل الناس. ماذا فى هذا؟. هل
يوجد أبسط من ذلك؟.
ـ عليك نور يا ملك الأحلام والمشاريع والهرب. وكيف
يعيش الناس؟.
ـ هه؟.؟.!!.
اكتشف أنه لا يعرف فعلا كيف يعيش الناس.
ـ 6ـ
ـ تصورى يا منال؟.!!!
ـ أتصور ونصف، ولكن دعك من كل هذا، قل لى أولا
ماذا تريد أنت؟. ماذا تفعل؟. من تحب؟. فاتيما، أم ثريا، أم
بهية، أم بسمة، أم موجة دهب السويسرية مجهولة الاسم، أم
مـن؟.
كان جلال قد حكى لها ـ على فترات ـ عن كل ما
كان أو أغلبه، ماعدا ليلة المطعم الطليانى وفاتيما؛ ذلك أن
صبرها وسخريتها، وحريتها، وتاريخهما معا، كل ذلك يسمح له أن
يمر عليها بين الحين والحين ليقول ما يشاء، ويتبادلا الهجوم
الساخر الطيب؛ فيمضى مؤتنسا وهو آمن من خلال الحفاظ على
المسافة الثابتة بينهما.
ـ أحبك أنت يا منال.
ـ كملت، ما أنا عارفة، حبك لى هو آمن حب، حب مع
وقف التنفيذ.
ـ يبدو أن كل حبى هو مع وقف التنفيذ، أو هو
صالح للاستعمال مرة واحدة، "ديسبوزابل"، مثل حقن
البلاستيك أو المناديل الورقية.
ـ يالتشبيهاتك المقرفة!!! بل يالقسوتك يا أخى: