الفصل الثانى عشر
العصلة
حين انقطعت قطعة الحبل المتهالكة التى كانت تربط فردة
المجداف اليمنى من قرب منتصفه، طار المجداف من موقعه وكان
أنور ابراهيم مازال يمسك به، فاندفع بظهره فجأة إلى الخلف،
ولولا أن سندته يد خفية لكان الأمر تطور إلى ما لا يمكن
إصلاحه. تشبث أنور أكثر بالمجداف لكن مسمارا قديما-بلا رأس-
شكه فى بطن يده، فقذف بالمجداف بعيدا واستطاع أن يستعيد
توازنه.
طفا المجداف الطائر فوق الماء وبدا قريبا، وكأنه من
الممكن الامساك به لمعاودة السير نحو الشاطئ. تحمس أنور وراح
يجدف بالفردة الباقية، فراح القارب يلف حول نفسه والمجداف
الطافى لا يقترب ولا يبتعد.
-1-
جميل لبس البدو على الصغيرات السمراوات، الفتاة الأولى
حول التاسعة، والثانية كذلك، تشبهان بعضهما البعض، أختان؟. الله
أعلم. وراءهما بمسافة متوسطة فتاة أصغر فى السادسة مثلا، تتقدم
الأولى، أو لعلها الثانية، تعرض عليه أساور وعقودا من خرز،
تمسك مجموعة بيدها وتشير إلى مجموعة أخرى فى كيس تدلى من كتفها.
التقاطيع رائعة، لكن الصحة ليست صحة طفلية طازجة، الابتسامة
وديعة وسلسة. تتكلم البنت (الأولى أو الثانية) بلغة لا يفهمها،
لكنه سرعان ما ينتبه إلى أنها عبرية (فى الأغلب)، يستعبط ويرد
عليها بالإنجليزية بأنه لا يريد الآن، فترد عليه بالإنجليزية:
إنها سوف تعود مرة ثانية، لم يكن يتصور أنها ستفهم وترد.
كيف ينشأ الأطفال هنا؟. كيف يتكون وعيهم؟. لابد أن
اختلاطهم بهذه الأجناس المتعددة، واستعمالهم هذه اللغات الكثيرة
سوف يجعلهم أكثر سماحة، أقل تعصبا، لابد أن يضع فى اعتبار
مشروعه التربوى (فوت هذه) أن يزورالأطفال الذين سوف يعلمهم
اللغات ليعيد تنظيم أدمغتهم، أن يزوروا هذه المناطق ليتعرى
وعيهم أمام هذا التنوع البشرى الخلاق. استحضر جمهوره من كل
أنحاء العالم ليعلن على الملأ أنه:
"إن من ينشأ، هنا لا يمكن
أن ينشأ متعصبا".
كان يخطب فى جمهوره كله؛ فابتسم
الجميع. بعض الابتسامات فقط هى التى أمكنها أن تخفى ما وراءها
من سخرية. ما علاقة هؤلاء الأطفال بذويهم المشغولين عنهم طول
الوقت بهؤلاء الأغراب من كل فج عميق. هل هم أغراب حقا؟.
المصريون هم الأغراب هنا يا رجل.
ماذا لو عملوا استفتاء هنا فى العصلة لتقرير مصيرها؟
هى ليست العصلة تماما، هم ينطقونها العسلة وليس العصلة. وسواء
كانت العسلة أو العصلة، فلا بد أن تأخذ حذرك وأنت تركب فى
صندوق العربة "الربع نقل"، وتقول له: "المصبط"،
وإلا ذهب بك إلى قرية العصلة، التى ليست هى هذا المكان
الجاهز لإعلان استقلاله، ليس فقط عن جمهورية مصر العربية،
ولكن عن محافظة جنوب سيناء، وعن شرم الشيخ بالتحديد، وعن
أمريكا بوجه خاص.
صاحب المكان الذى يجلس فيه يجدده بشكل مستفز، ربنا
يستر، كلما رجع إلى "دهب" وضع يده على قلبه، خشية
ألا يجد المكان، أى مكان، كما اعتاده. أحيانا يضبط نفسه وهو
يدعو على أصحاب الكافتريات بالرزق المتوسط حتى لا يجددوا
كافترياتهم جدا، فيشوهونها جدا. هو يفضل ألا يذهب إلى كافتريا
صديقه الشاب أنور إبراهيم، على الرغم من أن أنور يحاسبه مثل
الأغراب، الصداقة شئ، والحساب شئ، ثم إنه يصادق -أيضا- هؤلاء
الشباب الذين يخدمونه فى المطعم الطليانى، هكذا يزعم صاحبه الذى
على جبهته زبيبة الصلاة، وهو يكلم بناته بالإنجليزية أحيانا،
بل كثيرا. زوجته نيوزيلندية وهو رجل طموح فى منتصف العمر،
وربنا فاتحها عليه، ومتسامح، هكذا يبدو. متى وكيف عمل هذا
الرجل كل هذه التوليفة؟.
للمكان قوانينه الخاصة.
كان القادم هذه المرة صبيا حول الثامنة، عرض ـ أيضا ـ
عقودا مجدولة باليد، وكذا حلقات مصنوعة محليا، يمكن أن تستخدم
للمفاتيح، بدأ بالرطان بهذه اللغة التى هى عبرية فى الأغلب، فى
"الدش" يبدأ العد بالمحطات الإسرائيلية، وفى المصبط
(العسلة) يبدأ التخاطب بالعبرية، ما الحكاية؟. الله يخرب
بيوتهم. المهم لم يجد فى نفسه رغبة هذه المرة فى الاستعباط.
ـ صباح الخير يا حبيبى.
فهم الصبى دون دهشة.
ـ ماذا؟. أنت مصرى؟.
تجنب أن يسأل الصبى بدوره: وأنت؟. لم يسأله وداعبه
قائلا :
ـ كما ترى.
لم يواصل الصبى عرض أشيائه؛ إذ يبدو أن المصريين
ليسوا من زبائنه الواعدين، أو على الأقل ليسوا من زبائنه
المريحين. كرر الصبى السؤال فأكد له جلال أنه مصرى ابن مصرى.
قبل أن ينصرف الصبى بنصف ابتسامة، ونصف استهانة، التفت إلى
الزجاجة والكوب الموضوعين على المائدة، وقال دون اشمئزاز:
ـ فلم تشرب هذا؟.
لا...، لم يتوقع جلال هذا السؤال بالذات، هكذا
بالذات، هنا بالذات، من هذا الصبى بالذات، بعد كل هذه الخطبة
العصماء التى خطبها لنفسه وفى جمهوره الخفى. كان يتصور أن
الانفتاح والسماح اللذين يفرضهما الجو والتنوع فى هذا المكان
سوف يجعل مثل هذه الأسئلة لا ترد أصلا على وعى مثل هذا الصبى
الذى نشأ هنا وسط ممثلى الدنيا الواسعة هكذا. مالذى جعل هذا
الاعتراض الحـكمى على هذا المشروب الشائع هنا كالماء يصدر من
هذا الصبى؟ رد على تساؤل الصبى:
ـ وفيها ماذا؟.
ـ ....، مسلم أنت، ولا كافر.
قبل أن يتمعن فى السؤال وجد أن الأسلم هو أن
يختصر الطريق، أجاب الصبى بهدوء باسم حذر؛ ربما ليختبر الصبى
ويستدرجه، وربما لينهى الموقف المحرج:
ـ كافر.
انصرف الصبى دون اعتراض أو امتعاض.
تذكر مرة أخرى ما خطر بباله حتى
صدقه حين رأى البدويات الصغيرات، وهن يتكلمن العبرية
فالإنجليزية، فما لا يدرى من لغات، كان قد وصل إلى استنتاج
خائب يقول: "إن من ينشأ هنا، لا يمكن أن ينشأ متعصبا".
جره هذا الصبى إلى الناحية الأخرى بتساؤله، من الذى علم هذا
الطفل هذا التصنيف الحاسم: "مسلم - كافر" هكذا؟. أيهما
يصدق؟. شطحه الأول، وهو يسقط آماله على الطفلات الثلاث أم
موقف هذا الصبى هكذا؟ ربما لأن أهل المنطقة يشعرون أنهم
ينتمون إلى الثقافة الأضعف، يبالغون فى محاولة حماية أطفالهم من
هذه الإغارة الخوجاتية بتعميق التعصب، مثلما فعل اليهود
الأقليات مع أطفالهم أربعين قرنا؛ حتى تجمعوا من جديد على حساب
أصحاب الأرض، لا.. ليس الأمر كذلك، إذن ماذا؟.
هو يضبط نفسه عادة متلبسا بمثل
هذا التمادى فى اتجاه ما، ثم يفاجأ بما ينبهه إلى غلوائه،
وها هو صبى بدوى يقرصه من أذنه ويقول له: بطل تأويلا
وتعميما. صحيح أن الصبى لم يعترض على زعم اعترافه أنه كافر،
وبالتالى فهذا الصبى لا يصح التمادى فى اتهامه وأهله بالتعصب،
ثم يا أخى ربما كان مجرد سؤال، ثم ماذا يمكن أن يقصد هذا
الصبى بالذات بكلمة "كافر"؟. هو مجرد تصنيف لا
تكفير. إن وجه الصبى لم يرفض، ولم يغضب، ولم يحتج لما سمع
إجابته.
ود لو يلحق بالصبى ليسأله ماذا يعنى بالكلمة ؟.
وماذاتعنى نفس الكلمة عنده هو؟ ياه !!!
عادت إحدى البنات الثلاث، ربما الوسطى، التى هى فى سن
الكبري! عادت وهى مازالت تبتسم، وتعيد عرض مجموعة أخرى، وهى
تكاد تجزم أنه لن يشترى منها شيئا. يلتقط هو خاطرها فيقرر
أن يفسده بأن يشترى منها عقدا من الخرز الجميل المختلفة
ألوانه. وجه الطفلة يؤكد له أنه لم يكن مخطئا فيما خطر
بباله باكرا عن نفى التعصب. إنه يحضر إلى هذا المكان ـ وبرغم
ما قاله الصبى ـ ليتزود بجرعة من ترياق ضد التقوقع فالعزلة فإصدار
الأحكام على الآخرين من بعيد.
بمجرد أن يحضر هنا يقفز إلى مقدمة جهاز إدراكه
الجزء الخاص بالقدرة على "التمتع بالتنوع"، (يا اللغة
الجديدة!!) من أول تنوع الخرز حتى تنوع السمك المختلف ألوانه،
حتى تنويعات الزلط، أشكالا وأحجاما، مارا بالأجناس واللغات
واللهجات والملابس. هذا الجهاز الخاص بالتقاط كل تشكيلات التنوع
معا، هو من أهم ما يجعله ينفتح على نفسه: فيقترب منه،
نعم؟. ماذا فيها هذه؟. نعم.. هو يسبح الله حتى لو كان
كافرا بلغة الصبى. إنه فى القاهرة قد وظـف الطبق التليفزيونى
ليقوم له بهذه المهمة، وقد أداها الطبق بكفاية إلكترونية
محدودة، هناك أمام التليفزيون لا يستطيع أن يأتى له الطبق
بلغتين معا. ولا بجنسين معا، أما هنا فهو يجلس وسط هذا
التنوع البشرى، ليتجدد بعد أن يكون قد مر بالتحضير التمهيدى
وسط التنوع الطبيعى الممتد، طول الطريق، خلال ساعات طويلة، هو
لا يكف عن تحدى أن يجد جبلا مثل الآخر، أو حجرا مثل
الآخر، أو نخلة مثل الأخرى. هنا أيضا: لا توجد سمكة مثل
الأخرى، ولا حصوة مثل الأخرى، بل ولا موجة مثل الأخرى. لم
يتعجب كيف كان يحاول أن يرصد حتى اختلاف الموجات عن بعضها،
كل موجة على حدة، ليست مثل الأخرى، يراهن.
اشترى العقد، ولم يساوم فى ثمنه، فانصرفت البنت وهى
لاتكاد تصدق.
هؤلاء الإسرائيليون، إسرائيليو دهب، يقصد إسرائيليى
العصلة، يعنى إسرائيليى المصبط، هل هم إسرائيليو إسرائيل؟. هو
لايستطيع أن يكرههم، فهل استدرجوه ـ هكذا ـ إلى التطبيع؟. هل
سمحوا لهم بالحضور هنا دون تأشيرات وبالمئات هكذا، أو
بالألوف، ليمرروا التطبيع إلى وعى ناسنا دون أن ندرى؟.
هؤلاء الناس الإسرائيليون عملوا عملة من أغرب ما
يمكن، عملوا دولة مشكلة من كل جنس، ومن كل لون، ومن كل
لغة ثم، قال ماذا؟. يجمعهم دين واحد، وهل يوجد دين واحد ـ
أيا كان هذا الدين ـ يمكنه أن يجمع كل هذا الخليط؟. التناقض
فى قيام هذه الدولة يزعجه جدا، هو لا يترك نفسه أبدا
يستسلم لما يسمى التفكير التآمرى. هو يحترم جدا إنجازات أولاد
الكلب هؤلاء، وخاصة فيما يسمونه ديمقراطية، ديمقراطيتهم ليست
ديمقراطية بصحيح ولو حتى كانت مقصورة عليهم، إنها تبهره من
بعيد، ماشى، ربما؛ لأنه محروم جدا من مثل ذلك. هذا التنوع فى
التكوين العرقى كان المفروض أن يجعلهم أقل تعصبا وأكثر
إنسانية، فلماذا ظلوا أولاد كلب هكذا؟. لا يقصد هؤلاء الجلوس
حوله، ولكن أولئك الذين يوقعون فى شرم الشيخ مذكرة المذكرة
التى سوف يمكن أن تكون تمهيدا لمذكرة احتمال تطبيق مذكرة
مزرعة الواى يا كلاب (لم تكن خريطة الطريق قد ظهرت بعد!).
لا ليس هؤلاء هم أولئك، حتى لو كانوا يحملون ذات الجنسية.
هو يجزم أنه سمع طقطقة عظام ذلك الرئيس الشيخ الكهل أثناء
محاولة الضغط عليه لتوقيع الاتفاقية، لا بد أنه تم لى ذراعه
حتى الكسر، وأنه لم يعد يحس بالألم؛ فوقع وشفته ترتعش، فسمع
جلال الطرقعة. هل وقع أم امتنع فى آخر لحظة؟. امتنع، أو
لعله عجز عن التوقيع بسبب ما كسر من عظامه. أحسن؟ لا أعرف
.
لماذا نشأت إسرائيل أصلا، والعالم
فى سبيله إلى توحد كما يقولون؟. كيف نصفق، أو يجعلونا نصفق
للنظام العالمى الجديد الذى يزعم أنه يهدف إلى توحيد العالم،
ثم يبنون دولة ناتئة ناشزة على أساس النظام العهدى الأسطورى
القديم؟.
نظر حوله وحاول أن يصنف وجوه الثلة الشقراء التى
تتحوط مائدة أرضية مستديرة (طبلية) بالقرب منه. راح يسترق
السمع لحواراتهم، ويحاول تصنيفهم. نادرا ما تجد إسرائيليين
يتكلمون فيما بينهم بلغة وطنهم الأصلى الذى نزحوا منه، هم لا
يتكلمون مع بعضهم إلا بالعبرية. المصريون لم تعد لهم لغة،
كيف يتصور هو أن اللغة العربية هى بداية طريقنا نحونا ونحوه،
فى الوقت الذى يجرى فيه كل هذا التنازل والتشويه بالجملة؟.
العرب تنازلوا عن كل شئ حتى عن لغتهم العربية. طيب. نطالبهم
بالرجوع إلى حدود 4 يونيو 67، هل نستطيع نحن- أيضا- أن نرجع
إلى حدود 67 حتى فى اللغة، هل يمكن أن يبنى نظام أدمغة أطفال
بتنمية لغتهم، فى حين أن أهلـهم قد تنازلوا عن لغتهم،
هويتهم،... من أقصاها إلى أقصاها؟.
المهم. وجد نفسه مرة أخرى يصنف الجميلات والتقاطيع
بتصنيفات دينية عرقية: هذا جمال مسلم، تذكر بهية، وهذا أنف
يهودى، وهذا عود فارع ألمانى، وهذا غنج طليانى، وهذه فحولة
نيجيرية، أى كلام....
خطر بباله أيضا أن يكون العالم ليس إلا إسرائيل
الكبرى جدا. إسرائيل هى النموذج المصغر (الماكيت) الذى يجربونه
ليطبقوه على المستوى الأوسع بطول الدنيا وعرضها، هذا تفسير
أفضل، فيه إعلان خيبة، وتسليم نهائى بأن الانقراض حتمى لهذا
الجنس الذى خاصم الطبيعة ثم خاصم نفسه. الغالب والمغلوب يسهمان
فى تسارع الكارثة بالتساوى. إسرائيل هى النظام العالمى المصغر!!!
تمثيلا للنظام العالمى المنقرض، توجها للنظام العدمى المجيد.
إنذارا بالانقراض البشرى الغبى.
"إذن ماذا يا أبا الجل؟".
" الحكاية كبرت على جدا"
"هارب طول الوقت"
"حقى"
"طيب بطل حكاية الانقراض هذه
واعمل أبسط علاقة إن كنت شاطرا"
" وأترك الجنس البشرى لمن؟"
"لسيدنا سليمان.
"تانى ؟!".
أين أنت يا محمود تشاركنى فى حل هذا الإشكال، و
أنت يا فاتيما، ويا بسمة، لم يذكر لا ثريا، ولا ممدوح،
ولا الرئيس حسنى مبارك، ولا جلالة الملك عبد الله الثانى، ولا
جلالة سيدى محمد السادس، خلهم هؤلاء فى انشغالاتهم. خاف أن
يذكر منال خشية أن تأخذ المسألة جد وتحضر.
حين يجد هو ومحمود وفاتيما وبسمة الإجابة الشافية
سوف يبلغها لكل الملوك والرؤساء العرب، بل لكل ملوك ورؤساء
العالم، لكن كيف يبلغها سوروس وهو لا يستدل على عنوانه. لا
يمكن مقاضاة أحد عبر القارات حتى لو تسبب فى انقراض الجنس
البشرى. لا مفر من إبلاغها للناس جميعا من وراء رؤسائهم.
"إبلاغ ماذا؟"
"لا أعرف"
"طيب"
لماذا يحضر كل هؤلاء الإسرائيليون برائحتهم هذه (ليس
كلهم لهم ذات الرائحة)، وبخلقاتهم هذه؟. وبصنادلهم هذه؟. لماذا
يحضرون سائحين فى دهب، مع أنهم يقولون إن إسرائيل أصبحت
بنظافتها ورفاهيتها من أجمل وأنظف بلاد العالم؟!!.
ـ هنا أرخص مائة مرة.
هكذا رد "فرج" على تساؤله.
ـ يعنى يأتون ليوفروا؟.
ـ طبعا، وهم يجدوننا ـ أيضا ـ أطيب، وهم يحبوننا،
يستريحون لنا أكثر.
ـ ماذا تقول يا فرج؟. إيش عرفك؟. هل هؤلاء ناس
يعرفون كيف يحبون من أصله؟. هؤلاء ناس أصحاب مصالح لا يهمهم
إلا متعتهم.
ـ .. يأخذون مصلحتهم ومتعتهم، ونأخذ نحن حظنا و
مصلحتنا، والذى يحب أكثر، ويصبر أكثر؛ يكسب أكثر.
ـ إنهم طردونا يا فرج، وما زالوا يطردوننا، يقتلون
أطفالنا، يهدمون بيوتنا ونحن فيها، أنا لا ألومك يا فرج، قل
ما شئت: أكل عيش مثلا، كل عيشا كما تشاء، حلال عليك
وعليهم، ولكن هؤلاء اليهود شوهوا خلقة ربنا، وشوهوا اليهود.
ـ ما أنا عارف، ولكن ليس كلهم مثل بعضهم، أنا لى
أصدقاء كثيرون منهم، أصدقاء فعلا، لا زبائن فحسب.
ـ والله العظيم عارف، ولكن..
ـ طبعا ولكن.. وستون لكن أيضا.
قال فرج هذا والتفت إلى صوت يناديه، كان قد أجر
جزءا من مخيمه إلى مجموعة من الألمان جعلوه ناديا للغطس،
وكان عليه أن يلبى طلباتهم بحفاوة خاصة.
حينما يحضر جلال إلى هنا يتغير
وعيه دون استئذان، يحتد إدراكه، يستطيع أن يفرح بكل الناس،
يفرح بكثرتهم، يتعمق تنوعهم، لكن لكل هذا آثاره الجانبية
ومضاعفاته؛ فهو إذ يذوب هكذا فى إحاطة الطبيعة ومباشرتها، وفى
أصناف البشر وأجناسهم، يشعر أن دوره الفردى فى تغيير أى شئ
يتضاءل، يتضاءل حتى يمحى، فيضطر إلى أن يتنازل عن طموحاته الكوكبية،
ويكاد ييأس من أى جهد فردى، أو حتى وطنى أو قومى.
يقول فرج إن هؤلاء الناس الإسرائيليين القادمين إلى
دهب، هم ناس مثل حالاتنا، على قدر حالهم، جلال يعلم ذلك،
ويعرف أنه لا يأتنس إلا بهذه الطبقة التى يمكن أن يتعرف على
نبض الكون من خلال اقترابه من تنوعها، كل أهل الخمسة نجوم
لهم دينهم النجمى المستقل. هم ينتمون إلى دين واحد يبدأ
بالمائدة المفتوحة (البوفيه) وينتهى فى صالات الملهى الليلى، أو
حول مائدة الورق، مارين بحمامات الشمس لاكتساب اللون البرونزى،
ولا مانع أن تجد عجوزا يستشفى أو طفلا يتأرجح هنا أو هناك.
أما ناس العصلة، فالتمدد على الأرض، و السروال القصير (أو
الطويل) الممزق، أو المرقع، والعقال المفكوك، ورائحة العرق
المختلط بالجنس بالمخدر، أو برائحة البحر المنعشة القادمة معهم
من أعماق الغطس، عصلة حاجة ثانية. الأقلية المصرية لا تكثر
فتغيــر طبيعة العصلة الكوكبية إلا فى الأعياد وإجازة نصف
العام.
هو لا يدرى، ولا يريد أن يفكر.
هو لم يحضر هنا ليفكر، ولكن ليرى، ليشاهد، لماذا أسموها
شهادة ألا إله إلا الله؟ لماذا لم يقولوا اعتقد أنه لا
إله إلا الله.
يبدو أن المطلوب هو أن نشهد ذلك لا أن نعتقده.
الشهادة غير الاعتقاد، غير التفكير، الشهادة شئ آخر.
ما هو هذا الشئ الآخر؟
لم يعد يستطيع أن يؤجل. أصبحت هذه القضية أكثر
إلحاحا منذ حكت له ثريا عن خبرة محمود فى البوسنة، كانت
تتحدث مجازا، أو بالتقريب، لكنه أخذها واقعا جادا تماما.
الشهور الأخيرة كانت تجرجره سرا إلى إعادة فتح ملفات هذه
القضية التى أغلقوها دونه من زمان: أغلقها والده قبل أن يولد
بالنفى والإنكار الذى ملأ بهما كراساته. تبين جلال من بعضها
كيف أحاط أبوه نفسه بمظلة مصنوعة من رقائق غير قابلة
للاختراق من أى جانب. هو ماله هو؟ هل يمكن أن يصنع الدرع
الواقى من الإيمان من صفائح السموم المعقلنة؟ ماذا لو أنشأه
والده هذا وليس عمه سليمان؟ كان سيصير إما نسخة منه، وإما
قاتلا جماعاتيا أشد قسوة من كل من سمع عنهم. يا خبر! لا
فرق. ربنا ستر. أحاطه عمه بعباءته الدافئة وترتيله المتسحب،
فلان وعيه، وتفتحت مسامه دون أن يدرى تفتحت على ماذا ولا إلى
أين.
لم يستطع التسليم ،ولا هوعدل عن المحاولة.
التقطه المعقلنون الخائفون ليلقنوه الدرس بالمعكوس،
ألقوا إليه بشباك الإنقاذ اللفظية الممنطقة، فحلت محل النبض
الحى، لكن يبدو أن هذا النبض كان قد استقر فى أعماقه ولم
يهمد. ثم إنه تصور أنه يمكن أن يتخلص من هذا وذاك مع
ثلة الطلبة الذين سموا بعد ذلك بالسبعينيين. نحوا كل ذلك
جانبا ليهتموا بقضايا الوطن العاجلة، فارتاح، أو خيل إليه أنه
ارتاح. ثم تبين الخدعة مثل أغلب الآخرين.
حين تراجع الجميع، صدقا أو
استرزاقا، وجد نفسه عاريا من جديد. ثم ها هو يفاجأ بفتح
الملف دون استئذان من كل ناحية : ابن استاذه الرائد التقدمى
ذهب يترهبن فى الصحراء الغربية، وشقيق زوجته راح يبحث عنه فى
جرزة، وأهل أستاذه يستعيدونه تعصبا ووقاحة فى كندا، وواحدة
ألمانية على غير الملة تزعم أنها لم تغير دينها، وتلبس
الحجاب، جاءت تبحث عنه هنا فى مصر، وربما لاح لها وهى فى
حضنه، وهو كذلك.
مات عبد المعطى، مات أو فعلها، ليس هذا هو المهم،
هو اختفى والسلام.
ينشط العدم ينفخ فى وجوده ماء الحياة ليواصل التحدى.
ليس تحديا تماما، هو بحث شديد.
جلال لم ير أبوه. لعله مات، ليس يدرى. أما موت
أمه أو عمه سليمان فقد بدا له أمرا طبيعيا سلسا، لم يمض
بين موت أمه وعمه سليمان شهران، وكأنهما كانا متواعدين،
افتقدهما لكنه لم يتعرف على الموت من خلال اختفائهما كما
تعرف عليه من خلال موت عبدالمعطى الذى لم يره سوى ثلاث أو
أربع مرات. لماذا؟ لا يعرف.
ما دام الموت هو اليقين فلا مفر من أن نعيش حتى
يأتى اليقين.
" لا يا شيخ؟!".
"ليس هكذا، ليس إلى هذه الدرجة
تسخف أى قرار بهذه الصورة"
"تضييع وقت والمصحف".
"إيش عرفك أنت بالمصحف ؟"
"وإيش عرفك أنت؟"
"عمى"
"جاءك عمى أسود أكثر مما أنت
فيه".
"أنا لا أوافق على موت عبد
المعطى".
" هل كنت تنتظر أن يأخذوا
رأيك قبل أن يقبضوا روحه؟"
"ولا على قتل أطفال فلسطين، أو
أى ظلم مظلوم ، أو أى بنى آدم؟"
"أصحابك لغوا حكم الإعدام"
"ربما اعتبروا الأحياء موتى،
والقتل فى الميت حرام"
"شاطر"
"غصبا عنك"
ـ 2 ـ
منظر القوارب وألوان الشراعات الصغيرة ينتشر عبر الأفق
فى تناثر غيرمنتظم، لكنه مقصود
ليواصل إعادة تشكيل شفق بشرى متحرك. كيف تعزف موسيقى
الكون لحنها الخاص بهذه التنويعات البشرية الحاذقة على اللحن
الأساسى؟ رياضة هذه أم ماذا؟. هو لا يعرف لها اسما
بالعربية، هو يتابع المنظر الحى المتحرك، وكأنه يتجول بينهم،
ممتدا إلى خط التقاء السماء بالبحر، محوطا بالجبل من كل
جانب.
يقول له صاحب فندق "نسمة سينا" إنه تعاقد
مع بعض نوادى هذه الرياضة طول العام، وهم يحضرون بانتظام من
ألمانيا وسويسرا ليمارسوا هذه الرياضة يومين أو ثلاثة، ونادرا
أسبوعا، ويسافرون بعدها من فورهم.
هل تستأهل المسألة؟. هل هذه رياضة؟. لابد أنها
تستأهل. لم يجرؤ أصلا أن يتخيل أنه يمكن أن يحاولها، فضلا
عن احتمال أن يتقنها، وحين يتقمص من يمارسها يكاد يسقط وهو
جالس على المقعد الذى تمدد عليه، قطعة خشب بيضاوية بلا حواجز،
متوازنه بالملى، وجميلة، وشراع صغير ملون. لابد أنه متين جدا،
يتأمل المحاولات الأولى للقفز فوق الخشبة القارب، وقوع متكرر
لازم، ثم نجاح فى عدل الشراع بكلتا اليدين فى مواجهة الهواء؛
حتى يصبح الخشب والقماش والهواء والموج والجسد البشرى، والوعى
جميعا، فى اتساق متناسب، اتساق يسمح بالحركة المنسابة المطردة،
فالانطلاق حتى الالتحام المتماوج مع كل "الماحول"،
"المابعد"، "الما لاأدرى". لغتنا، وربما اللغات
الأخرى، ناقصة هذا التركيب النادر الاستعمال، "الما
بعد"، هل هو "الغيب".؟
"نعم هو".
"كنت أعرف أنك ستوافقنى".
"أنت عفريت صغير"
"كبرت ياعمى، ودخت السبع
دوخات".
"ولا يهمك".
"ربنا يخليك لى".
"حاضر".
".يرحمك فيما بعد، لكن يخليك
لى الآن".
"ربنا يفتح عليك".
هو يعيد النظر ـ كعادته كلما حضر هنا ـ فيما آل
إليه حال حوارنا مع الطبيعة، إن أول تلوث لحق بالبيئة هو
نحن حين انفصلنا عن الطبيعة، ثم أهملنا الحوار معها. السبيل
الوحيد للاستمرار هو التصالح، التصالح ليس استسلاما، ولا هو
انتصار، التصالح يبدأ بالعثور على النغمة الصحيحة ثم يتنامى
بتصعيد اللحن المشترك، ولا يتم إلا بالتقاط طول موجة البث
الكونى بالفيمتوركعة، أو المينى تسبيحة، و"الميكروسجدة".
عيب!.
"ولاعيب ولا حاجة".
خلاص، ولا عيب ولا حاجة".
هل هذه هى اللغة التى سيدرسها للأطفال الذين سوف
يعدلون الكون"؟. لو سمعه أهلهم لأبلغوا مباحث أمن
الدولة. عليك نور يا منال. هذا كلامك من البداية.
هؤلاء السابحين فى الهواء فوق الماء يحضرون من آخر
الدنيا ليمضوا يوما أو يومين على هذا الشاطئ، يداعبهم الهواء
المتماوج على سطح الموج المتهادى، فيمتزجون بهما بأن يشرعوا
وعيهم فى حضن الكون. يمسك كل منهم بشراعه بحجم الشخص العادى
أو أعلى قليلا ليصيرا واحدا قادرا على التصالح مع الطبيعة.
ربما هم يعتذرون لها. يحتضن الواحد منهم قاربه ـ خشبتهـ، شراع
قاربه، ليس قاربا لكنه الوصلة بين الجسد البشرى، والجسد الكونى،
يحتضنه فى رفق حاذق، وهو يركب الموج الهادئ. يدفعه الهواء
الحانى حتى لو اشتد، وهات يا انسياب، وهات يا رقص. وحين
تشتد الريح، وتتسارع القوارب فى تناغم مع الموج والسحاب
والبشر، فإنها تبدو تعيينا للحركة الثالثة من سيمفونية النبض
الكونى، تتهادى فى تصعيد أكيد غير معلن.
يريد أن يوقف هذا الطوفان الذى
لا يستطيع أن يلاحقه، كأنه يتكلم بلغة أخرى.
لماذا لم يعرف الطريق إلى الموسيقى
الكلاسيكية طول عمره؟ لماذا لم يحاول أن يعرفها؟. لم يجتهد
حتى يتعلم سماعها، ومع ذلك فهو يحذق الإنصات لموسيقى الكون
كما هى هكذا هنا، وحيثما يذهب يحتضن البحر يلملمه حضن البحر،
فيتفتح وعيه لصوت الكون كله دون تمييز.
هذا اللحن الطبيعى لا يمكن تصنيفه إلى كلاسيكى أو غير
ذلك.
ود لو كان يقدر أن يشارك هؤلاء العازفين بالقوارب
المشرعة (لا الشراعية) لحن الانسياب الممتد هذا، صلاة الغائب،
صلاة القارب، لابد أن هذه العمرات السابحة فى الكون تكفر عن
سيئات ذويهم الذين جعلوا الطبيعة عدوا مرة، ومقلبا لقمامتهم
الذرية والبلاستيكية والرذاذية مرات. لو أن هؤلاء الذين يصلون
هذه الصلاة مدوا وعيهم فى تواضع وخشوع، إذن لرأوه رأى العين.
لم يعد يحتمل أن تمتد طبقات وعيه أكثر. هو يخشى
ألا يتجمع ثانية.
يخشى أن يتمادى ... يتلاشى.
ـ 3 ـ
قال أنور إبراهيم لجلال وقد طال انتظاره:
ـ أهلا، قلت أنهى بعض ما بيدى لأجلس معك أطول، ما
هى أخبار مصر؟.
ـ مصر أم القاهرة؟.
ـ مصر أم القاهرة! ماذا جرى لك يا جلال، تتكلم
مثل الخواجات، بعض اليهود الذين اعتادوا ألا يتجاوزوا هذه
المنطقة يتصورون أن القاهرة قطر آخر. عندهم حق، هم يحتاجون
لتأشيرة إذا أرادوا الذهاب إلى هناك. هل أصبحت مثلهم؟ أسألك
عن أخبار مصر، شبرا، شبرا ـ مصر، المطرية، سوق السلاح، يعجبك
هذا؟.
ـ مصر، شبرا، المطرية، فم الخليج هى هى كما
تركتها،لا شئ يتغير، ولا أحد كذلك.
ـ تصور يا جلال، كلما جئت هنا وفرحت، واشتغلت،
وكسبت، أتصور أننى فى الإجازة القادمة سوف أجد مصر مختلفة.
ـ يا أنور، اسمح لى، تسأل عن القاهرة، وشبرا مصر،
والمطرية، ولا تسأل أبدا عن أختك منال؟. أعرف ردك، لكننى كنت
معها قريبا، وهى -أيضا- لم تطلب منى أن أبلغك سلامها، يعجبك
هذا؟.
ـ كم مرة يا جلال فتحت هذا الموضوع ولم تجد
جوابا لا عندى ولا عندها؟. أنا لن أجيب. لأننى لا أعرف
إجابة، هذاهو كل ما فى الأمر.
ضحكا فى سماح متبادل.
العجيب أن جلالا منذ عرف كلا من أنور إبراهيم
الطيب، ومنال إبراهيم الطيب، وهو يبحث عن وجه شبه فى الشكل
أو فى الطباع أو فى الموقف بينهما، فلا يجد. هو لم يلح
كثيرا فى معرفة أسباب طلاق أم منال قبل أن يتزوج والدها أم
أنور، وإن كان قد استنتج رائحة شكوك وغيرة، وربما اتهام
بالخيانة. كان ذلك فى بادئ الأمر لا يعنيه، ولا يجرؤ أن
يسأل عنه. يسأل من؟. تدريجيا وجد نفسه يقارن بينهما بلا
داع، راحت التساؤلات تعاوده: هل معقول ؟ لا بد أن منال
بنت أمها أساسا، أو تماما؟.
مرة سألها مباشرة:
ـ قولى لى يا منال، هل تشبهين أمك كثيرا؟.
ـ أشبهها فى ماذا؟.
ـ فى الشكل طبعا.
ـ يقولون هذا، لم تسأل؟.
ـ أبدا.
لم يسأل؟ إنه فقط يتعجب من أن يجتمع أنور ومنال
فى والد واحد، ثم إنه يكاد يذكر من بعيد بعض ما ورد عن
والدهما هذا فى بعض كراسات أبيه، يبدو أن أباه غريب الأناضولى
كان يشعر بمشاعر مختلطة نحو والدهما هذا. وصله أنه كان
يحترمه، ويغضب منه، ويغار عليه، ويغار منه، ويثق فيه، ويرفض
فكره، وينكر إيمانه. كيف بقى كل ذلك فى ذاكرة جلال، وهو لا
يقرأ بعض تلك الكراسات إلا بالصدفة، بشكل غير منتظم؟. كانت الكراريس
تقول إن إبراهيم الطيب هذا يزعم أنه نجح فى التصالح مع
نفسه ، ومع ما بعده. وكلام من هذا. تيقن جلال أنه لو كان
أبوه نجح فى إلحاده كما يزعم، لما كان هناك مبرر لكل هذه
المعارك على الورق، وربما فى الحياة.!!!هل يمكن أن يكون جلال
قد ورث عن أبيه هذا الميل الدائب للبحث عنه، ذلك البحث
الذى انتهى بأبيه إلى ما انتهى إليه؟. هل البشر قد ورثوا حب
الاستطلاع هذا عن أبيهم آدم تحت تأثير أمهم حواء؟.
سأل جلال أنور، وهو متردد:
ـ هل تحب اليهود؟.
فوجئ أنور بالسؤال حتى كاد يعزف عن الرد، لا حرجا،
بل تعجبا.
ـ أنا أحب الناس.
ـ واليهود؟.
ـ أليسوا ناسا؟.
ـ آه صحيح!!
لم يرتح جلال لا لسؤاله الذى اعتبره غير مناسب، ولا
لإجابة أنور التى اعتبرها صدا أو هربا، كاد يسأله إن كان
يحب الله أم لا؟. ووجد نفسه سوف يبدو أكثر سخفا، ربما
يكون الحل هو أن نحب الله قبل أن نعرفه.
"كيف"؟.
"استعباط".
"لا تضحك على، أنت تتكلم
جدا".
"يئست من البحث عنه بآلة
الفكر، قلت نجرب آلة أخرى".
"الحب ليس له آلة".
"أحيانا يكون الجنس خير تعبير
عنه".
"وأحيانا يكون أبشع تشويه
له".
"وما دخل ربنا فى ذلك".
"وما ذا يخرجه من أى من
ذلك".
انتبه جلال إلى الصمت الذى ساد بينه وبين أنور، وتمنى
ـ كالعادة ـ ألا يكون قد سمعه. لم يعلق أنور على سرحان جلال
بسماح ، لكن جلال، استفزه فجأة سائلا:
ـ ومصر؟.
جلس أنور بعد أن كان قد هـم بالقيام، وبدا أنه
يضبط بالكاد غضبا مكتوما،
ـ جلال، ماذا جرى لك اليوم؟. كأنك لا تعرفنى إلا
اليوم، هل قطعت كل هذه المسافة لتحقق معى؟. هل جندوك للبحث
عن جواسيس رفضوا الإحالة إلى المعاش بعد السلام المزعوم؟.
ـ تقول مزعوم؟.
ـ مزعوم ونصف.
ـ إذن فهم لم يضحكوا عليك، ويوهموك بضرورة التطبيع.
يريد أنور أن يقفل هذا الحديث القاهرى من فوره،
لكنه وجد نفسه يواصل:
ـ جلال: هذه اللغة، هذه الأبجدية، هى قاهرية، مثقفية،
مكتبية، لغوافندية. أنا عرفتك سنوات، ولم أرك هكذا أبدا.
ـ هكذا ماذا؟.
ـ لا أعرف.
ـ أنا أيضا لم أرنى هكذا أبدا، أشعر أننى أقرب
كثيرا، أبسط كثيرا، حدث شئ ما حين فوجئت أننى بدأت العقد
الخامس، حين تيقنت من عجزى عن عمل علاقة حميمة مستمرة. يبدو
أن طلاقى كان من مقدمات هذا الذى حدث، منال أختك، أنت تعرف
كم أحبها وأحترمها، ثم نمارس معا لعبة ممنوع الاقتراب، لا
علاقة بدون لغة، ولغة البشر الكلامية، أصبحت عاجزة عن استيعاب
وجودهم ووجدانهم، لهذا قررت أن أترك الصحافة لأتفرغ لتنقية
اللغة بدءا...
قاطعه أنور:
ـ تنقية ماذا؟.
ـ اللغة.
ابتسم أنور وكأنه يعتذر، إما عن عدم فهمه، وإما عن
تهجمه غير الأنيق.
هو يحب جلالا، ويحترم صدقه، ويسعد بصحبته. هو قد
حكى له أسباب تركه الجامعة، كما حكى له عن بعض جوانب سماح
والده إبراهيم الطيب الذى لم يثر على هذا الذى فعله أنور،
ولم يتمسك بضرورة الشهادة الجامعية، ولم يبالغ فى النصائح
والتحذير، فماذا حدث؟. جلال هو جلال، لكن أمرا خطيرا يشغله
لم يستطع أنور أن يتبينه، أهى ضائقة مالية؟. أهى وحدة
متزايدة؟.
قرر أنور فجأة أن يغادره متسامحا، عاذرا، صامتا،
منتظرا.
قدر جلال ذلك وشكره دون أن ينبس
بكلمة.
ـ4ـ
القمر ينساب فى أحضان الجبال المتقابلة، يمضى بضوئه من
حضن إلى حضن، الضوء الفضى يغمر الوادى فى حركة مفعمة بحياء
عذرى. عدد قليل من النخيل يقبع فى زاوية بعيدة؛ حيث اختار
الماء أن يتجمع أحيانا، و عليك أن تسير أكثر من خمسين
خطوة قبل أن تتبين أنه نخيل مختلف أطواله، يقف منك كأنه
يحرسك من ريح المدينة، أن تفسد ما أنت فيه، يخترق وعيك
بما هو حتى يعفيك من جفاف ذاكرتك اللحوح، فإذا عدت إلى مكانك
الأول حول النار عاد معك، فرحت تسمع حفيف سعفه، وكأنه يهمس
لك، وما كان ذلك كذلك قبل ذلك.
كان فرج يفك لفة الورق المفضض المحيطة بالأسماك التى
أحضرها معه طازجة، وكأنها مازالت حية. انتزع جلال نفسه فجأة
مما كان حوله، ونظر إلى السماء، فانطلقت من كل خلية من
خلاياه، بل من كل أنوية خلاياه، دعوات غامضة لم يصدق أنها
صادرة منه. لكنه تيقن من الاستجابة؛ فسر سرورا شديدا.
يأتى صوت غامض، لا هو عواء، ولا
هو نباح.
قال له أنور إبراهيم وهو يتحوط النار: إنه صوت
ضبع، فالتفت جلال إلى فرج يستوثق، فلم يؤيد فرج، ولم ينكر.
أما عم عليان فقد مال بأذنه نحو الخيمة المتهالكة، واطمأن
إلى ثبات عنزاته فى أماكنها، ثم قال وهو ينظر إلى وجه القمر،
وكان جلال قد عرف منذ لحظات أن عم عليان أعمى: