الفصل الحادى عشر
شارع جامعة الدول العربية
كان الجواد الأشهب "أصيل" يتقدم السباق بشكل
لم يعتده المراهنون من قبل.
التقط عبد المعطى المنديل الورقى الذى تطاير من نافذة
السيارة الشبح، لكنه سرعان ما أطاح به جانبا، مع أنه لا
يعلم شيئا عن صفقات دفن النفايات الذرية فى صحراء مصر
المحروسة.
كان ذلك على الطوار المقابل لحلبة السباق مباشرة، فى
نفس الوقت الذى فزع فيه الناس، والمتسابقون والجياد حين تعثر
"أصيل" قبل علامة النهاية، وسقط، و نفق.
-1-
ـ أين أنت يا جلال بك؟.
قالتها وردة، مرحبة وهى تقدم له الشاى فى الخمسينة.
ـ أبدا.
ـ وحشتنا يا سعادة البك، عذرك معك، الدنيا مشاغل،
كان الله فى العون.
ـ وأنتم أيضا، كيف الحال، وكيف ابنتك؟.
ـ تقبل يديك، أصبحت عروسة.
ـ عروسة ماذا يا شيخة؟. لم العجلة؟. لم تطل غيبتى
إلى هذه الدرجة.
ـ بشروا يا سعادة البيه، من يدرى. أمها تزوجت وهى
مازالت تمص إصبعها.
ـ تذكرين كيف زعلت منى حين سألتك عن سنك يا وردة،
وكيف فرحت حين ناديتك "وردة" بدون "حاجة".
ـ أنت فاكر؟.
ـ أقول لك يا حاجة أم يا وردة؟.
ـ كله حلو من فمك، تذكرنى بعبد المعطى، الله يرحمه.
كاد يقفز من مقعده.
ـ الله ماذا؟. عبد المعطى؟. ماذا تقولين يا
وردة؟.!!
ـ ألم تعلم؟. عبد المعطى تعيش انت.
ـ يا خبر!! ماذا تقولين؟.
صمتت وردة قليلا، بلعت ريقها وأشاحت بوجهها، ثم قالت
وكأنها تخاطب نفسها:
ـ هو حر، استرد وديعته.
- حر؟ ؟ حر تقولين، حر؟ حر ماذا
يا وردة؟
- الأعمار بيد الله.
- يعنى.
- يعنى ماذا يا سعادة البيه ؟
ماذا جرى لسعادتك
ـ... يعنى البقية فى حياتك.
- حياتك الباقية يا سعادة البك، خلى
بينا.
أمهلته. حتى تأتى حالا.
لم يقل لها كيف أنه لم يفهم طول عمره ما الذى
يتبقى بعد الرحيل ليمتد فى حياته، حتى تصبح حياته الباقية.
دخلت إلى عشتها، وغابت أكثر مما
توقع. يبدو أنها كانت تمسح دموعا غالبتها، أو تتجاوز نشيجا
محتملا، أو ما لا يعرف. وحين عادت حكت له عن تزايد نوبات
فزع عبدالمعطى وجريه للتأكد من إغلاق المزلقان دون مبرر. كما
حكت له عن كثرة مخالفاته حين كان يغلق المزلقان دون قدوم
أى قطار، ثم كثرت إجازاته المرضية، وأنه ذات صباح وجدوا
المزلقان مغلقا، والعربات تكدست خلفه وهو لا يفتح، ولا يظهر،
ثم وجدوه "ياحبة عينى" مهروسا تحت القطار.
ـ قضاء وقدر طبعا؟.
ـ طبعا، ماذا سيكون؟. على أية حال، الله أعلم،
وربنا غفور رحيم، يعنى يا سعادة البك بعد كل هذا الشقاء،
يموت عبد المعطى وربنا غضبان عليه؟. لا يمكن. يبقى قدر.
صمت جلال طويلا وهو يكاد يرفض، إن كان يستطيع أن
يرفض.
كان الموت بالنسبة له من دواعى تمسكه بموقفه الدينى
أو اللادينى. كان يرفضه، وفى ذات الوقت هو يعرف أنه أصدق ما
فى الحياة. كان يردد ـ عادة بينه وبين نفسه ـ أنه ليس
معنى أننا نموت، وأننا نرفض أن نموت، وأننا نخاف أن نموت،
وأننا نحـزن حين يخطف منا الموت عزيزا، ليس معنى كل ذلك أن
نخترع ما يبرره.
موت عبد المعطى هكذا، سواء كان صدفة أو يأسا، أو
قرارا، جعله حزينا، حزنه هذا ثقيل مثل بحر من الرصاص البارد
الثقيل السائل المجهول الشائك.
"لا" قالها وهو ينظر إلى
السماء فى غضب
ـ ... عبد المعطى مات يا وردة. مات عبد المعطى. أليس
كذلك.
لم ترد وردة، دخلت بسرعة إلى العشة مرة ثانية، ولم
تغب مثل المرة الأولى، وعادت متثاقلة وقد أحضرت قهوة لم
يطلبها جلال. قالت وكأنها تكلم نفسها.
ـ عاش شقيا، ومات شقيا.
ـ كنت تحبينه يا وردة.
ـ طبعا، سعادتك تعرف كل شئ، شفت هذا من ساعتها.
ـ حصل.
ـ لكنك لا تعرف ما الذى حدث بعد ذلك؟.
ـ الذى حدث أنه مات.
ـ صحيح، ولكن بعد ماذا؟.
ـ بعد ماذا؟.
ـ بعدما فاتحنى هو بأنه يريدنى، بعد أن تعلقت به
ابنتى أكثر مما تعلقت بأبيها، بعد ما فرحنى يا سعادة البيه.
لم تهرب هذه المرة، وسمحت للدموع أن تنزل أمام
جلال، فكاد يقوم ويضع يده على كتفها، أو يملس على شعرها
يهدئها، لكنه فضل أن يتراجع، ليس خجلا أو حرجا، ولكن لأنه
شعر أن من حقها أن تعبر عن هذه اللحظة أكثر، لكنها لم
تفعل.
أحس باقتراب شديد منها، أحس بصدقها وعمق حزنها، كما
سبق أن أحس بطزاجتها ونقاء حسها، وتساءل ـ على الرغم من أن
السؤال بدا غير مناسب ـ تساءل: تــرى هل كانت ستحزن عليه
كل هذا الحزن لو أنهما تزوجا؟.
كان قد وصل الى اقتناع يقول إن
القاعدة أن "القرب يـبعد"، وأن "البعد يسمح للخيال
أن يقرب"، أو هو يسمح للواحد أن يأمل فى القرب، هكذا
تقول تجربته، بل تجربة كل من يعرف، كاد يسألها عن تلك
المعادلة، ولكنه تراجع مرة أخرى، يمكن أن تكون الألفة عند
هؤلاء الناس حاجة ثانية.
كيف استدرجه تفكيره هكذا بعيدا عن
الموت؟. هل فى ذلك تخفيف لحزنه؟ فهاجمه الحزن منقضا؟.
قرر فى ذات اللحظة أن يتركها فى
الحال. يريد أن يخلو إلى نفسه.
قرر -أيضا- أن يستعد للموت.
كيف؟.
لا يعرف، ولكنه يعرف أن عليه أن يستعد للموت.
"للموت؟ أم لما بعد
الموت"؟.
"قلت للموت. ألا تفهم"؟.
"كيف"؟.
"بأن أعيش يا بارد".
"خيبتك بليغة".
كاد يخرج لسانه وهو يقول.
"الحياة هى الحل".
التفت بسرعة إلى وردة وتأكد أنها لم تسمع شيئا،
فاستأذن، وعزاها مرة أخرى، وسلم عليها، وطبطب على كتفها، وطلب
منها أن تشد حيلها، وكاد أن يطلب يدها،
"ماذا؟.!!".
"ماذا فى عينك"، انت مالك
انت؟".
"قلت لك خيبتك بليغة".
"البركة فيك".
ارتبك فى مشيته حتى ترنح، فعاد وجلس، لاحظت وردة ما
اعتراه فى لهفة، جرت نحوه تطمئن، وتكاد تهم بأن تعدل له
جلسته.
ـ خير يا سعادة البك؟. يا سعادة البك!.
طمأنها، واعتدل، وقال لها إن الحذاء ضيق، وإنه تعثر
لا أكثر ولا أقل.
ضحكت وردة لأول مرة بعد سيرة الموت وهى تصدق أنه
تعثر، ثم ضحكت ضحكة ثانية قبل أن تنتهى الأولى، لكن الثانية
كانت أعلى. نظر إليها متعجبا حتى ضحك هو الآخر دون سبب،
لعلها عدوى، امتلأ وجهها بفرح مضئ قبل أن تطلق سراح الضحكة
الثالثة، فبدت مثل طفلة وجدت حافظتها التى فقدتها، واكتشفت أن
ما بها من نقود كانت أكثر مما ظنت.
لم يفرح جلال فرحة ساذجة سلسة هكذا منذ مدة طويلة،
فاحترم مرغما الفكرة المستحيلة التى كاد يترنح من مفاجأتها حتى
قرر أن يتمادى فيها ووردة تروح وتغدو أمامه. نظر فى ساعته،
وأخبرها أنه تأخرعن الميعاد، وأنه لن يلحقه مهما فعل، فطلب
شايا بحليب.
ـ لماذا بحليب هذه المرة ؟.
ـ لا أعرف، ولكنى أريد الآن أن أشرب شايا بحليب.
عندك مانع؟. بل أريد أن أعزمك يا وردة على كوب معى.
ضحكت من جديد. هل تنسى نفسها بذلك سيرة الموت؟.
سأل نفسه من جديد: ما هذا الضحك
الذى بدأ يزيد حتى كاد يبوخ؟.
ـ ما الذى يضحكك يا وردة هكذا؟.
لم يقل لها "هل هذا وقته"؟.
ـ أقول؟. أم تزعل؟.
ـ تقولين، وحياة بنتك تقولين، ما اسمها؟.
ـ توحيدة.
ـ ياه!! اسم طويل، أنت أمها، اسمك وردة، وهى
الصغيرة تسمونها توحيدة.
ـ أبوها الله يسامحه، سماها على اسم أمه، وكان يرفض
حتى أن أناديها توحا.
ـ كنت تحبين حماتك يا وردة؟.
ـ طبعا يا سعادة البيه، أنا قلبى أبيض. انت عارف.
ـ ....، فماذا كان يضحكك الآن يا ام توحيدة؟.
ـ لما حضرتك تعثرت، وقلت إن الحذاء ضيق، قلت: حلو
خالص حضرتك اسم الله كبرت عليه.
قالت ذلك وضحكت ضحكة أخرى بحياء، كادت تضع رأسها فى
صدرها الذى بدا ناهدا وكأن أحدا لم يمسسه من قبل ـ لا
توحيدة ولا أبوها.
ـ كبرت على ماذا يا وردة؟.
ـ على الحذاء، ماهو العيال لما يكبرون، الأحذية تضيق
عليهم.
ضحك هو هذه المرة، ضحكة اتسعت حتى ملأت وجهه، ثم
ملأت كيانه كله، واحتوتها أيضا.
ـ آه والله !!.
أردفت:
ـ ثم لما طلبت شايا بحليب على غير عادتك، قلت:
يبقى كملت.
ـ يبدو أنها كملت فعلا يا وردة!.
حين أحضرت وردة صينية عليها كوبان من الشاى "أبو
حليب" فوجئ. كان قد نسى أنه دعاها أن تشاركه، وضعت الصينية،
وبغير تردد جذبت الكرسى وجلست قبالته. كانت حالة الطفولة
الطازجة المرحة التى تتـفجر أمومة وأنوثة معا مازالت تملأ
كيانها كله، فيحس أمامها بضعف الطمأنينة المدغدغ.
ـ ما رأيك يا وردة نرشف الشاى واحدة واحدة، ونحن
جالسان هكذا لا نتكلم؟.
كتمت ضحكة جديدة، ربما بدأت تتبين أنها زودتها،
وقالت باسمة:
ـ لماذا؟. كفى الله الشر.
ـ أنا عارف؟. هى جاءت فى مخى هكذا.
ـ مثلما يعملون فى السيما؟.
ـ... حاجة مثل هذا.
ـ لكنهم حين يسكتون فى السيما يمسكون أيديهم فى أيدى
بعض.
ـ أى والله، لم أكن آخذا بالى.
ـ والنبى انك رجل أمير وابن حلال يا سعادة البيه،
ومتواضع، وتحب الناس.
كانت تتحدث وهى ترشف الشفطة تلو الأخرى وكأنها فى
عجلة ما من أمرها.
ـ مستعجلة يا وردة؟.
ـ كفاية اسم الله على مقامك، والنبى ربنا سيفتحها فى
وجهك.
مضت، وخيل إليه أنها تمتمت، أو لعلها فعلا همست
"الله يرحمك، يا عبد المعطى يا بن بهانة"، لابد أنها
قالتها. هو لم يكن يتخيل، لأنه لا يعرف أن أم المرحوم عبد
المعطى اسمها بهانة. ردد وراءها فى سره:
الله يرحمك يا عبد المعطى يا بن بهانة.
وجد أنه لم يشرب الشاى بالحليب، وأنه كاد يبرد،
فقرر أن يسمح لخياله بالتمادى، وأن يشرب هذا الكوب نصف
الساخن رشفة رشفة، ببطء أطول. راح يبنى بين كل رشفة ورشفة
فقرة طويلة فى قصة قصيرة، مرقمة.
ـ 1 ـ
يتزوج وردة.
ـ 2 ـ
تفرح، وهو يفرح.
ـ3 ـ
ترضى بعدم الإنجاب، مكتفية بتوحيدة.
ـ 4 ـ
لا يتناقشان أبدا.
ـ 5 ـ
يفرحان جدا.
ـ 6 ـ
وخلاص.
[انتهت].
كان يحسب أنها قصة قصيرة، فوجدها ـ هكذاـ رواية
كاملة.
تذكر أن ما يفسد العلاقة بين
الناس هو المناقشات والكلام الكثير، يسمونه حوارا. اكتشف أن
أغلب ما يسمى حوارا، هو دفع بالكلمات. كل كلمة تخرج من
واحد، تدفع الآخر فى صدره بعيدا قليلا، ثم بعيدا قليلا، ثم
بعيدا قليلا، حتى يصبح بعيدا كثيرا، ثم لا تبقى إلا الشفاه
تتحرك دون صوت، ثم تسقط ستارة الرصاص المتجمد بين المتناقشين؛
لتحول دون القتل مع سبق الإصرار!. وحين يتبين المتحاورون
العرب أن الأمر كذلك يصدرون بيانا بالإجماع، وحين يتبين
المتحاورون الأحبة أن المسافة تتسع بالحوار يشاركون فى أمر يقع
خارجهم ويسمون ذلك أسماء رشيقة، حديثة غالبا. مع وردة، الأمر
يختلف.
"كيف"؟.
"قلت لك انت مالك؟ لا تنحشر
فيما ليس لك فيه."
"قل لى كيف؟ كيف يختلف الأمر
مع وردة؟."
"الله يخرب بيتك".
" لا يمكن أن تستعبطها
يعنى؟".
" ليس لك دعوة".
"لا..، لى ونصف".
"توجد مائة طريقة للحوار غير
المنظرة والكذب، أو الدفع فى الصدر وزعم المشاركة".
"صعبها، صعبها، جاءتك
نيلة".
"جمعا".
ـ خير يا سعادة البك شكك سرحان، حليبك برد.
أفاقه تنبيهها فاعتذر وشرب نصف الكوب المتبقى فى جرعة
واحدة، نظر فى ساعته وشكرها وأسرع الخطى فى اتجاه البلد، دون
أن يحاول أن يركب إحدى سيارات البيجو أو الميكروباص الذاهبة
إلى وسط أبى النمرس، ولاحظ أنه تعمد ألا يطالع وجه عامل
المزلقان الجديد الذى حل محل المرحوم عبد المعطى.
ـ 2 ـ
ـ صباح النور يا أستاذ، لكننا بقينا العصر.
ـ آه صحيح، سعيدة.
ـ سعيدة مبارك.
ـ لماذا سعيدة بدلا من رد السلام، وعليكم السلام،
أو حتى "على الأرض السلام".
ـ صدقنى، لا أعرف لماذا؟.
ـ الأغرب أننا أصبحنا نقلدكم. وأنا داخل عندك ذلك
اليوم، قلت لـلرجل على الباب "صباح الخير"، فشخط فى،
ورد أنه "وعليكم السلام ورحمة الله". ما الحكاية؟. هل
أصبحت "صباح الخير" حراما هى الأخرى عند المسلمين؟.
دخل زبون، فاستأذنت الدكتورة مادلين، وراحت تلبى طلبه.
لماذا لا تعيـن لها مساعدة، وتكتفى هى بتحصيل النقود، مالزوم
البكالوريوس؟. دخل زبون آخر، فنظرت إلى جلال مستأذنة بعينيها
هذه المرة، نظرت فى الوصفة التى قدمها هذا الزبون الجديد، هذه
كل فائدة البكالوريوس، رجعت إلى جلال، وطلبت منه ألا يظل
واقفا هكذا، وأن يجلس حتى تنتهى، فجلس راضيا وهو يتعجب أنها
تعامله، ليس باعتباره غريبا هذه المرة.
كلما ذهب إلى المزلقان تذكر
الصيدلية، فرصة أن يعرف منها أخبار الأستاذ. لم يعد يكتب فى
الصحف. كان خيال الأستاذ يعاوده أكثر بعد خبرة صحراء
المريوطية. له أن يخترع لها سببا آخر يفسر مجيئه. لم يعد
ينفع الكلام عن نصيب محمود عبدالسلام فى الصيدلية. هى ليست
لها دعوة بكل هذا. فرح لتوالى الزبائن واحدا واحدا، ولـلخمتها
فى خدمتهم، حتى يعثر على سبب وجيه يبرر به قدومه. ابتسم
وكأنه يقول نكتة لنفسه، كانت فعلا نكتة حين قال إنه سيورطها
لتخطب له وردة، وقال لنفسه إن الدكتورة مادلين شخصيا غير
متزوجة، وقال ـ أيضا ـ إنها لا تفكر فى الزواج. طيب، من أين
له هذا؟. تخريف؟ لا طبعا، لأنه لا توجد امرأة فى الدنيا لا
تفكر فى الزواج مهما قالت غير ذلك، حتى الراهبات. صحيح؟. إيش
عرفه؟ هو لا يدرى إن كانت هذه الدكتورة تفكر فى الزواج أم
لا، لكن وردة جاهزة مائة فى المائة، لابد من سبب يفسر
مجيئه. تذكر فجأة أن شم النسيم هو الاثنين التالى، وهو يحب
هذا العيد المصرى حبا لا حدود له، ليس لأنه عيد الربيع،
ولكن لأنه عيد الناس، كل الناس. هذا سبب وجيه ـ إذن ـ فهو
قد جاء ليعيد عليها، لابد أنه جاء يعيد عليها، وأنه كان
ناسيا. فرغت من آخر زبون وعادت باشة بحق،!!، إنها تستطيع أن
تضحك، أى اكتشاف؟! صحيح أنها ضحكة قبطية مترددة طيبة، ولكن
أين هذه من كركرة وردة؟. الحاجة وردة؟. لم يستطع أن يصنف
ضحك وردة بطريقة تصنيفاته العابثة الجديدة، رحب بضحكة الدكتورة،
ضحكة مهذبة مترددة فعلا وكأنها تستأذن أن تكملها قبل أن
تتم، وحتى لو أذن لها، فهى لا تكملها، فعلا، ضحكة قبطية
جميلة.
ـ أهلا أستاذ جلال. أليس كذلك؟.
فرح أنها تذكره بالاسم، لم يعد زبونا عابرا إذن.
ـ أهلا دكتورة، كل سنة وانت طيبة.
ـ وانت طيب.
ـ كنت مارا قلت أعيد عليك.
ـ فيك الخير، وجهك حلو علينا.
فرح. يبدو أنها هى التى ستتحفه بسبب لمجيئه.
ـ الله يبشرك بالخير، بصراحة أنا فى أشد الحاجة إلى
أخبار سارة؛ لأنى علمت منذ قليل أخبارا سوداء. عبد المعطى
تعيشين أنت.
ـ من عبد المعطى؟.
انتبه فجأة أنها لا تعرف عبد المعطى، وأنه لم
يحدثها عنه أبدا. أراد أن يتراجع لكن الأوان كان قد فات.
ـ آسف، لم أحدثك عنه، عبد المعطى كان صديقا طيبا،
مات دون أى داع.
بدت عليها مسحة من الدهشة، لكنها كتمتها بأدب قبطى
متسامح، مازالت تلاحقه لغة التوصيف الدينى للمشاعر والملامح.
ـ دون داع؟. أى دون مرض، تقصد؟.
ـ لا، اعذرينى، أقصد: دون داع فعلا.
ـ لا أفهم.
أفهمها كيف أنه كان صديقا جميلا، ورجلا شهما، أنقذ
عددا كبيرا من الناس ذات يوم بشجاعة، وتلقائية، ثم ظلت
تنتابه نوبات كأنه لم ينقذهم، بل كأنهم ماتوا وهو السبب، ثم
مات شخصيا، أو هو قرر أن يموت، توقف عن حب نفسه فمات.
ـ تتكلم اليوم لغة غريبة يا أستاذ.
ـ آلا يوجد عندكم دواء يجعل الإنسان يحب نفسه.
ـ فكرتنى، هذا هو الخبر الذى كنت أود أن أخبرك به،
خالى غالى...
قالت ذلك، ودخل زبون فاستأذنت من جديد.
حمدا لله أنها هى التى جاءت بسيرة خالها، كأنها
التقطت من داخله السبب الحقيقى لمجيئه الذى لم يكن هو شخصيا
قد تبينه بعد. ولكن ما علاقة الأستاذ بالدواء الذى يجعل
الإنسان يحب نفسه، فيمنع موت عبد المعطى؟. المهم أن ثم خبرا
طيبا، وأن وجهه حلو عليها، أو عليهم لا يذكر، وكلام من
هذا. انصرف الزبون بسرعة؛ فعادت مستبشرة لترد على لهفته، وهو
يسألها "خالك، الأستاذ غالى، ماله."
ـ استقر أخيرا وقرر أن يدخل فى مشروع عملاق.
ـ مشروع ماذا؟. وهل فى النقد الأدبى مشروع عملاق؟.
ـ نقد أدبى ماذا؟. لقد توقف عن كل ذلك.
راحت تشرح له كيف تعرف خالها على وكيل شركة أدوية
كندية عن طريق شقيقات زوجته هناك، وكيف كلفوا خالها أن يصبح
وكيلهم فى مصر، ثم فى "الشرق الأوسط"، وكيف أن علاقة
هذا الكندى بكل دول الشرق الأوسط هى على أعلى مستوى، وأن الشرق
الأوسط هذا كله بركة. فهم جلال ولم يقاطعها، بل تصنع أنه
لم يفهم. مع أنه رجح أنها تريد أن تفهمه أنها فخورة
بخالها المرن هذا، وليس أى شئ آخر.
قالت له ـ أيضا ـ إن خالها قد التقى بممولين ومساعدين
محليين تبين أن بعضهم "معرفة قديمة"، مساعدة لطبيب
كان لها دور غامض ومهم فى حياته، هذا ما قاله لها خالها،
كما عرفته هذه الدكتورة بدورها على ابن أستاذها هذا الذى أصبح
رجل أعمال يحاول أن يعدد أنواع نشاطه. وأنه ـ خالها ـ
تأكد أن الدنيا صغيرة تماما، وأن الأحياء يلتقون دائما.
كانت الدكتورة مادلين تحكى منفعلة بالفرح؛ إذ يبدو أنه
سيكون لها دور ما فى هذا المشروع، ربما ينقذها من وظيفة
عاملة البقالة التى تمارسها ببكالوريوسها الذى مثل قلته. كانت
وهى تحكى تذكر الأسماء تطوعا دون حاجة إلى ذلك، ربما من فرط فرحتها،
أو لتؤكد له أن المسألة جد، وأن الشركاء والوسطاء بشر لهم
أسماء واقعية، وبالتالى فالموضوع جد، والفرصة قائمة، فرصتها.
فوجئ جلال مفاجأة، ليست كبيرة ـ فقد كان يستمع إلى
كل هذه التفاصيل دون أن يتعجب وكأنه كان يتوقعها لماذا؟. لا
يعرف. فعلا دنيا صغيرة، وتزداد صغرا. هل لذلك علاقة بموت
عبد المعطى؟.
غالى جوهر، أمين عبد الحكيم، الدكتورة إصلاح فاضل،
أهكذا؟.
سألها بسخف وهو يعرف أنه كذلك،
سخف لم يتصور أنه يسمح له بعلو صوته.
ـ هل توجد علاقة، بين موت عبد المعطى، وبين هذا
الذى تحكين لى عنه. وبين الحبوب التى تجعل الإنسان يحب نفسه،
فلا يموت ميتة عبد المعطى؟.
ـ أنا لا أعرف عبد المعطى هذا. ألم تقل إنه كان
يكره نفسه؟. ربما هذه الشركة التى أحدثك عنها تصنع مثل هذه
الحبوب، ربما كانت سوف تنفعه لو عاش. كل شئ جائز.
كيف أخذت الدكتوره مادلين تخريفه
جدا، فسايرها!. هل كان يمكن أن يتعاطى عبد المعطى حبوبا تجعله
يحب نفسه؟. يا سبحان الله، ربما نسمع قريبا عن شركة منافسة
تنتج حبوبا تجعل الواحد يغيظ نفسه، وأخرى تجعله "يدلع"
نفسه.
ـ دمك خفيف يا أستاذ، ولو أنى لا أفهم فكاهاتك
بسرعة.
ضبط جلال نفسه أنه قال الجمل الأخيرة بصوت عال دون
أن يلحظ، عادة فظيعه تعريه، دون إذن. حول الموضوع بسرعة.
ـ استقرالأستاذ غالى أخيرا.
ـ فرحت له، صدقنى، لقد قلت لك إنى أحبه جدا، لم
أكن أفهم آراءه زمان، ولم أكن أستلطف زوجته، هو بمثابة
والدى.
ـ الخال والد.
ـ صدقنى، فرحت لأنى رجحت أن إقامته سوف تطول، أو
ربما تدوم.
ـ وابنه...؟ جوهر؟.
كاد يقول لها "لقدالتقيته أخيرا فى صحراء وادى
النطرون، لكنه لم يكن هو"، لم ينبس بذلك، فمضت تقول:
ـ يعنى. مازال خالى يأمل ألا يكمل جوهر مراسم
الرهبنة حين يعلم أن الشركة مشى حالها، ألم أقل لك إن
جوهرا تخرج فى كلية الصيدلة أيضا، وأن من أسباب قراره أن
يسلك طريق الرهبنة أنه اعتقد فجأة أن أغلب الأدوية التى
تؤهله شهادته للتعامل بها: هى إما سامة، وإما لا لزوم لها،
وأنها جميعا تخرب بيوت المرضى المخروبة بالمرض أصلا. هذا كلام
يخرب بيوتنا نحن. أليس كذلك؟.
ـ أنا أميل إلى رأيه، لكننى لم أفكر فى الرهبنة.
ـ أظن أنه ليس فى الإسلام رهبان.
ـ يعنى، لى قريب ذهب يترهبن فى جرزة، وهو يعمل عكس
خالك تماما، خالك يحاول منع جوهر من الرهبنة، وصديقى هذا أخذ
أولاده معه يرهبنهم. من البداية.
ـ تتكلم جدا، هل فى الإسلام رهبنة؟. هذه أول مرة
أسمع ذلك.
ـ ليس تماما، كله هرب والسلام.
ـ الرهبنة هرب؟. ماذا تقول؟.
ـ صديقى هذا يحرم التليفزيون على أولاده.
ـ وماذا فى هذا؟. عندنا بعض المذاهب الإنجيلية تحرم
التليفزيون كذلك.
ـ هل أنت إنجيلية؟.
ـ ما هذا؟. ماذا تقول؟. أنا أرثوذكسية، أما وأبا،
ما هذا الذى تقوله؟.