الفصل العاشر
جرزة
تسحب القط الأسود اللامع السواد بين الأعمدة العملاقة،
ثم اقترب من أقربها وتمسح به وهو يقرقر بصوته الملئ بنداء
جنسى حنون.
فجأة عقص القط ظهره فى وضع الاستعداد للقتال، إذ خيل إليه
أنه رأى شبح كلب يتنقل بين عمودين قريبين.
لا يستطيع القط أن يميز بين الذئب والكلب عن هذا
البعد، وهو لا بد أن يستعد للنزال أيا كان الأمر، ثم إنه
ليس متأكدا إن كان الشبح خيالا أم حقيقة مع أنه يهجس
لنفسه بأنه شبح، ربما كان شبحا حقيقيا.
على ناحية جانبية ليست بعيدة من بهو الأعمدة، جلس
محمود عبد السلام على كرسى من الجريد وراح يرتشف الشاى الأسود
الذى لا يحبه، وحين التقط انتقال القط الأسود من حالة المواء
الحنون (القرقرة الجنسية) إلى حالة الفزع المتربص، انخرط فى
بكاء بنشيج داخلى بلا دموع.
أخذ محمود يردد بصوت مسموع " لست أنا: "أنا
لا أعلم شيئا"، "لم أكن هناك أصلا".
"ربما" . "ليس حتما".
وقال لنفسه: لو نجحُت أن أرددها تسعا وتسعين مرة،
دون مسبحة، أو عد على الأصابع، ودون أن يصل العد إلى مائة
أو يقف دون التسع والتسعين، فأنا برئ وسيكتب الله السلامة
لأولادى، وينجح فتحى فى امتحان نهاية العام بتفوق.
-1-
ـ أريد أن أرى "فرح" يا
أبى.
- قالها وائل وهو متردد، فقد كان فى الواقع يريد أن
يرى أمه، لا أخته "فرح".
- وائل فى الثانية عشرة، وفرح فى
الرابعة، رحلت مع أمها بعد فشل محاولة الأم أن تحتمل
الإقامة فى "هذه الخرابة".
هكذا كانت تسمى الأم المكان الذى يسميه الأب
"المزرعة".
ـ حاضر يا حبيبى.
ـ متى يا أبى؟.
ـ وقتما تريد.
ـ هل يمكن أن أذهب إليها؟.
ـ طبعا.
كلام يشبه الجد، توقف وائل. سمع ذات الإجابات كل
مرة ولم يحدث شئ، ولم ير "فرح"، ولم ير أمه، ماذا
يفعلون هنا؟. لم تركوا بيتهم فى مصر؟. لم كل هذا؟. ماهو
الخطأ الذى ارتكبوه ليعاقبهم أبوه هكذا، هنا بالذات؟. هو يكره
البعوض، ويكره أكثر ذلك الذباب المتوحش الذى لا يخاف الهش،
هو يكره أباه، ليس تماما، لكنه يكرهه، هو لا يستطيع
الاستغناء عنه؛ لأنه يحبه، هو يحب أمه، وهو لا يحب فرحا
بقدر ما يحب أمه، لكنه يقول إنه يريد أن يراها ليرى أمه.
والده بطل كبير، يعمل بيديه مع
الفلاحين، يعزق الأرض، يشارك فى كل الأعمال، يقرأ فى المساء
كل الأخبار، هو يريد أن يتفرج على التليفزيون مثل زمان،
والده يحكى له حكايات لطيفة و أخرى سخيفة، يسمع عن المسلسلات
فى المدرسة، يريد أن يستذكر عند سيد ابن عم عبد المقصود
معاون الزراعة لأن عندهم "تليفزيونا"، أو يذاكر عند
فؤاد ابن عم عبد ربه السائق، عندهم - أيضا - تليفزيون، والده
يعده أنه سيحضر لهم "تليفزيونا" عندما يصلحون البرامج،
إن ما يشاهده عند سيد عبد المقصود، وفؤاد عبد ربه ليس
مكسورا ولا مسدودا، مالذى يريد والده أن يصلحه فيها؟. ماذا
ينتظر أبوه حتى يفى بوعده، ويحضر لهم تليفزيونا يتحوطونه مع
أمهم؟. أين أمهم؟. ومع فرح ـأيضاـ مثل زمان.
ـ لقد أصلحوا البرامج يا أبى.
ـ من قال لك ذلك؟.
ـ شاهدتها بنفسى.
ـ شاهدت ماذا؟.
ـ البرامج....، ووجدتهم أصلحوها.
ـ فأنت تذهب عندهم لتشاهد
البرامج، لا لتذاكروا معا.
ـ نذاكر ونشاهد.
ـ الله.. الله، وكيف عرفت أنهم أصلحوا البرامج؟.
ـ الألوان والأغانى والمسلسلات لا تتوقف، النور لا
ينقطع، والصورة لا تهتز، لم تهتز مرة واحدة.
ـ ولكن ماذا يقولون فيها، فى التليفزيون؟.
ـ يقولون فيها كل حاجة.
ـ طيب.. طيب، سوف نرى.
ولا يرى وائل شيئا أبدا. ماذا جرى لوالده؟. لقد كان
ضابطا كبيرا، وكان العساكر يخدمونه، كما كانوا يخدمونهم هو
وإخوته ـ أيضا ـ طول الوقت. لماذا انتقلوا إلى هنا؟. لماذا يرضى
فتحى أخوه بكل هذا؟. لماذا فتحى يبدو سعيدا مع أبيهم هذا،
هكذا؟. إنه يساعده فى كل شئ. فتحى لا يسأل عن أمه ولا عن
فرح ولا عن التليفزيون. هل لأنه كبير؟. فتحى فى سنة أولى
ثانوى، هل يمكن حين أكون فى ثانوى، أن أفرح مثله وأصاحب أبى
مثله؟.
ـ لماذا عند كل الأولاد مدرسة واحدة، ونحن ثلاثة
يا أبى؟.
ـ ثلاثة؟. أين هم الثلاثة؟.
ـ مدرسة البلد، والشيخ حسين، ثم عمى جلال. تقول
حضرتك أنه سيدرس لنا أيضا.
ـ آه صحيح، لكنها مدرسة واحدة، ثم قرآن، ثم تقوية،
و.. و كمبيوتر.
ـ كمبيوتر ماذا يا والدى؟. إن عمى جلال يقول إنه
سوف يعطينا أشياء كثيرة جدا.
ـ اللغات مهمة يا وائل، غدا ستكبر، وقد تسافر
وتعرف قيمة اللغات.
ـ أسافر إلى أين؟. إلى مصر؟. إلى أمى؟. إلى أين يا
أبى؟..
ـ تسافر إلى الخارج.
ـ وهل أمر على أمى أسلم عليها وأنا مسافر؟.
ـ طبعا، طبعا.
ـ وهل سأنتظر حتى أتعلم اللغات وأكبر وأسافر، حتى أرى
أمى؟.
ـ أبدا، تراها وقتما تشاء.
ـ مثل كل مرة؟.
ـ مثل كل مرة.
لم ينتبه محمود عبد السلام إلى
سخرية وائل المقصودة أو بالصدفة. لم ينتبه أن "كل
مرة" هذه لم تأت أبدا. هو لا يمنعهم من رؤية أمهم
"كل مرة" يعدهم فيها بذلك، هو لم يطلقها. هى التى
تركتهم وأصرت على ذلك. لا هى ترسل أحدا للتفاهم، ولا هو
قابـل شروطها. لابد أن يراها الأولاد يوما، قريبا، محمود ـ أيضا
ـ يريد أن يرى فرحا، أن يقذف بها إلى أعلى مرة وثانية وهى
تكركر، هو يريد أن يفعل ذلك هنا، وليس فى القاهرة. هو يريد
أن يراها أمهم كذلك. هو لا ينكر أنه يريد أن يراها وهو
يرى فرحا، بل دون أن يرى فرحا، لكن هى حرة، هى التى اختارت،
وهو لن يتراجع.
ـ2ـ
ـ ألم تفكر فى الأمر يا محمود؟. الأمور لا تسير
كما تتصور.
ـ من قال لك ذلك، لعله وائل.
ـ المسألة لا تحتاج أقوال أحد.
ـ لا يوجد هنا من لا يعترف بما أفعل، بل إنهم
يمجدونه، كلهم يحبوننى ويحبون الأولاد، كل شئ يسير على ما
يرام. اسأل عم اسماعيل مثلا.
ـ حتى لو...، لكنك لا تعرف بقية الصورة.
ـ لقد ختم الأولاد مع الشيخ حسين جزء "قد
سمع" لا تتصور كيف تحسنت لغتهم، وصح نطقهم، وهم يحبون
الشيخ حسين أكثر من كل مدرسى المدرسة.
ـ الشيخ حسين بالذات يستأهل الحب، يعزف لهم على
السلامية كلما طلبوا منه ذلك، وهو يقرأ لهم القرآن مثل عمى.
ـ عمك من يا جلال؟.
ـ عمى الذى ربانى وزرع فى ما تبقى لى، وهو ما لم
أنجح فى التخلص منه، وهو ما أسعى للرجوع إليه.
ـ ماذا؟. يعنى ماذا؟.
- يعنى هذا. ما تراه أمامك.
ـ هل أنت جاد ياجلال فى محاولة الرجوع إليه.
ـ لا طبعا، أنا فى ربكة بلا حدود.
ـ يا جلال أنا أحب الشيخ حسين وقرآنه، بل إنى
أعيد التعرف على دينى من خلال مساعدته للأولاد، الشيخ حسين
أيضا لا يفسر لهم آية واحدة من آيات القرآن، إذا سألوه عن
معنى آية يقرأها لهم ثانية، وكثيرا، إنه يترك القرآن ينساب
إلى خلاياهم.
ـ أوافقك ابتداء لكننى مرعوب التسليم للمجهول الغامض.
ـ ربما. هل يمكن أن يكون الحال هكذا: "كلما
ازداد الأمر غموضا ازداد وضوحا".
ـ أرأيت؟.
ـ رأيت ماذا؟.
راح جلال يحكى له كيف أنه يـقر فعلا أنها تجربة
حتى أنه تحدث عنها مع الكثيرين، ومنهم من أبدى إعجابه
بالفكرة، بل طلب أن يحضر هنا بنفسه، مثل القصصية المعروفة
بسمة قنديل التى لم يسمع عنها محمود ـ هكذا قال. هى تريد أن
تتعرف على المكان والأولاد أكثر من رغبتها فى مناقشته
ـ تريد أن تكتب عنى وعنهم قصة؟ أليس كذلك؟.
ـ لا تأخذ المسألة بحساسية هكذا.
- إذن ماذا تريد صديقتك هذه؟.
- لا أعرف.
ذكر له جلال ـ أيضا ـ أن صديقة ألمانية الأصل متزوجة
من مصرى، رجل أعمال، أبدت حماسا أضعاف ما أبدت القصصية بسمة،
وأنها تريد -أيضا- أن تتعرف عليه هو، وليس على المكان
والأولاد فحسب، بعكس بسمة، وأنها كانت أسهل اقتناعا وأشد
حماسة لأنها تعتبر هجرته هذه أشبه بانتقالها إلى مصر، وزواجها
من مصرى، وكلام من هذا، المهم أنها تريد أن تزوره أيضا.
ـ الله!! الله يا جلال، أصبحنا مزارا!. سوف ندرج فى
قائمة الآثار المصرية، لم يبق إلا أن نطبع تذاكر دخول،
ونعمل سيادتك دليلا للسائحين، وبعد قليل تعمل لنا برنامج صوت
وضوء بلغاتك الحية، دعاية لمشروعك "زوروا هرم ميدوم،
وتفرجوا على محمود وأولاده"، لماذا لا تتركوننى أقتحم الممكن
بطريقتى؟.
ـ ممكن ماذا، وزفت ماذا، تقتحم ماذا؟ بصراحة إن ما
تفعله يا محمود، هو ردة وليس اقتحاما، أنت تمارس الوقوف على
الأطلال، لا ترميم التراث. إفعل ما بدا لك، لكن الأولاد يا
محمود، حرام عليك أن تسميه الممكن؛ لأنك تعلم أنه المستحيل.
ـ تسخر منى أنت أيضا، تنضم إليهم؟.
ـ أنا لم أوافق من الأول، على الأقل من أجل
الأولاد، كيف لا ترى التعاسة على وجه وائل؟.
ـ وأنت، كيف لا ترى السعادة على وجه فتحى؟.
ـ لست متأكدا هل هى سعادة أم بهر المراهقة؟.
ـ أنا ـ أيضا ـ لست أدرى هل هى تعاسة تلك التى تظهر
على وائل أم أنها حكمة المواجهة؟.
ـ حكمة ماذا؟. فى هذه السن تفرض على أطفالك آراءك
ومواقفك هكذا.. تفرح حين تصور لنفسك أن حزن ابنك الذى مازال
فى الابتدائى هو حكمة. وحكمة ماذا؟. حكمة المواجهة.. الله
يخيبك، يا أخى، حرام عليك، والله حرام.
ـ حرام عليهم هم.
ـ على من؟. على الأطفال؟.
ـ على كلينتون، ويلتسن، وجورباتشوف، وسوروس، وباراك،
وستالين، وصدام، وزكى بدر، وشيخ الأزهر، والرئيس، والشيخ صالح،
وأبونا شنوده، ووزراء البحث العلمى و.... قال جلال مقاطعا،
وكأنه يوقف بيده شريط تسجيل علق:
ـ هل تواجه كل هؤلاء بهربك، وتعذيب الأولاد؟.
ـ يا جلال، يا جلال، نحن فى البداية، كيف تحكم على
هكذا مبكرا؟.
ـ الثمن باهظ، يدفعه الأبرياء أكثر، وأخفى.
ـ أنت مثلى تماما يا جلال، لكنك أجبن، هذا كل ما
فى الأمر.
ـ بصراحة: يجوز.
ـ3ـ
ابتسم اسماعيل أبو عطية وهو يدخل متسحبا يحمل صينية
صدئة عليها أكواب صغيرة، ومحمود يجلس على كنبة عربى صلبة
الحشية، ويستند إلى مسند صغير أكثر صلابة، كانت ابتسامته تحمل
رسالة أخرى غير "مساء الخير"، وغير "حمد الله على
السلامة".
ـ
لقد وافقت أمها يا سعادة البيه، نقول مبروك؟.
ـ
مبروك ماذا يا عم اسماعيل؟. أم من التى وافقت؟.
ـ أم فكرية.
ـ فكرية من؟.
ـ خدامتك، العروسة.
ـ العروسة؟. أية عروسة؟. ثم إن فكرية، على ما أذكر
صغيرة جدا، أليست هى التى جاءت بالغداء أول أمس؟.
ـ هى بعينها، سعادتك ناقـرها، أنا لاحظت.
ـ أعتقد أنها لم تبلغ سن الزواج.
ـ سن ماذا؟. نحن لايهمنا هذا الكلام، نسننها يا
سعادة البيه، إنها عز الطلب، اسألنى أنا.
ـ أنت حر.
ـ على خيرة الله.
ـ ولكن من السعيد إن شاء الله؟.
ـ ماذا جرى يا سعادة البيه، هل تمزح؟.
ـ لا والله، أنا أسأل بجد: من سعيد الحظ؟. أنت
حر إن كنت لا تريد أن تقول.
ـ ماذا جرى ياسعادة البيه، ولا مؤاخذة، ألم تقل لى
إنك تريد أن تتزوج أربعة على سنة الله ورسوله، فكرية خدامتك،
هى الثانية بالصلاة على النبى.
ـ يا خبر!! أتقصد؟. يعنى؟. لقد كنت...
ـ كنت ماذا؟. ترجع فى كلامك؟.
ـ كلام من يا رجل، إجلس اجلس.
راح محمود ـ بصبر مختلط بغيظ يخفى غثيانا غامضا ـ يصحح
لإسماعيل "أبو عطية" ما وصله من سوء فهم، وأنه لا
يفكر فى الزواج، وأنه ليس بينه وبين زوجته أم فتحى أى خلاف
سوى مسألة الإقامة هنا، وكلام من هذا....، كان اسماعيل أبو
عطية يسمع، ولا يفهم، ولكنه يهز رأسه باستمرار، وكأنه يوافق،
وحين انتهى محمود من هذا الكلام الصعب، والذى لا لزوم له،
قال إسماعيل أبو عطية بكل وضوح:
ـ يعنى ماذا؟.
ـ يعنى ماذا؟. بعد هذا كله يعنى ماذا؟. يعنى أنت
فهمتنى خطأ يا عم اسماعيل.
ـ يعنى ماذا؟. أقول لهم ماذا؟.
ـ تقول لمن؟. لا تقل شيئا، لأننى لم أقل شيئا،
أنا لا أتزوج يا عم اسماعيل.
ـ يعنى نؤجلها؟.
ـ تؤجل ماذا؟.
ـ .. والمصحف الشريف ما هو طمع، أنا صعبان على
وحدتك. ثم سعادتك الذى قلت.
أحس محمود أنه لا مفر من المقاطعة، والهجوم، وحتى
التهديد:
ـ إسمع لما أقول لك، إياك أن تأتى بهذه السيرة
ثانية، لا مع قريب ولا مع غريب. فاهم؟.
ـ آه ! يعنى..... لكن عيب، طيب حتى ورقة بيننا وبين
بعضنا.
ـ الله!! الله!! ورقة ماذا يا رجل؟. هل جننت؟
بصراحة: لا تجعلنى أضطر لطردك، يبدو أنك معتوه لا تستأهل.
انتبه اسماعيل أبو عطيه، ربما فجأة، إلى احتمال قطع
عيشه المنقطع من أصله، فسكت، وتبين أنه فاهم كل حاجة، هكذا
مرة واحدة، فهم كل ما كان ليس فاهمه، جاءه كل الفهم دفقا
حين تهددت لقمة عيشه بهذا الوضوح، أهل مصر هم أهل مصر، سواء
كانوا أفنديات أم عسكر أم أمسكوا الفأس وتصنعوا التواضع، هم
أهل مصر، لا فائدة منهم، يستكبرون علينا مهما فعلنا،
إخص..." لم يقل حرفا من ذلك، لكنه قال:
ـ الشاى برد يا سعادة الباشا، أعمل لك غيره.
ـ لا سخنه فقط. أو اذهب به، لا أريد شايا ولا
زفتا، لاترينى خلقتك الآن.
لم يكن محمود يتصور قبل أن يحضر هنا أنهم هكذا،
كبارا وصغارا، أثرياء وفقراء، ليست المسألة قهرا ولا جهلا، يبدو
أن ثمة معركة خفية تدور بينهم وبين عدو مجهول، بداخلهم أو
بخارجهم، بل بداخلهم وخارجهم معا. اكتشف أنهم مضطرون إلى تخليق
ذكاء خاص يساعدهم فى هذه المعركة المستمرة، لم يكن يعرف أن
الذكاء يتشكل بالجغرافيا والتاريخ بهذه الصورة المميزة، إن ما
كان يسمع عنه من لؤم الفلاحين كان يعتبره حكما فوقيا يصدره
من لا يعرفهم، من يخاف منهم، من يتعالى عليهم، لكنه حين
واجه هذا النوع من اللؤم برره فى البداية بأنه ربما يكون
دفاعا مشروعا فى مواجهة القهر والسحق عبر التاريخ، وكذا فى
مواجهة مؤامرات البهوات والأفندية حاليا، لكنه راح يتبين
تدريجيا أن المسألة أكبر من كل ذلك، هو يفضل استعمال لفظ
"لؤن الفلاحين" بالنون لا بالميم، لأنه يشعر أنه شئ
يميز هذا النوع من المخلوقات. إنه سلاح خاص يحتوى قدرا
متوازنا من الحرص على الحياة، والاعتزاز بالنفس (داخليا على
الرغم من مظنة قبول الإهانة ظاهرا)، هو مزيج من الرفض
والتحدى والثقة بالقدرة على التلاعب، هو يقين بأن هذا النوع
من الذكاء سيخرج صاحبه كسبانا من أى موقف، حتى لو خسر، مهما
خسر.
محمود لم يكن يتصور أن نفسهم طويل بهذا الشكل!!.
كل ذلك جعله يتراجع تدريجيا عن الأمل فى الائتناس
الحقيقى بهم، يبيعونك فى ثانية دون نذالة حقيقية، حتى لو
أسميتها أنت كذلك، هى قوانينهم الخاصة، ومع ذلك لم يلمهم، لم
يحتقرهم، لم يتعال عليهم، ومازال يذهب يلعب الدومينو على أريكة
عم عبد الصمد البقال أمام دكانه، وهو يلعب الورق مع رمضان
المزين بعد العشاء، فى المقهى أو فى بيته، وهو يحب لعب
الدومينو؛ لأنها ثابتة لا تطير إذا ما قام الهواء، وهم
يجلسون على المصطبة أمام الدور. لم يعدم أثناء الخدمة أن
يتعامل مع أشكال مختلفة من الفلاحين. مكان وطبيعة خدمته فى
القاهرة جعلا مثل هذه المعاملات مقصورة على من تركوا بلدهم
للعمل فى المدينة أو للخدمة الإجبارية. هؤلاء الذين يبدو أنهم
حين تركوا قريتهم قاموا بتخزين هذا النوع من الذكاء هناك فى
صناديق أمهاتهم ليتفرغوا للطاعة والخنوع؛ خوفا من أن يعوقهم
اللؤم عن تمام الاستسلام لقوانين المدينة وأسيادها. هؤلاء
النازحون إلى القاهرة نادرا ما يستحضرون هذا الذكاء من البلد
إلا إذا فتح الله على واحد منهم، وأصبح مقاول أنفار يحتاج
إلى هذه القدرات الخاصة ليوفق بها بين طمعه، وحذق صاحب
المال، ونذالة هؤلاء الأنفار أولاد الكلب.
كان محمود يتصور ضمن مشروع هجرته أنه سيبدأ من
البداية، وسط جو أقرب إلى الطبيعة، وفعلا رحبت به الطبيعة
القاحلة، والطبيعة البور، والطبيعة الواعدة (كما تصور)، لكنه لم
يجد أى معالم تبشر بتحقيق أى شئ مع هؤلاء الذين كان يظن
أنهم أقرب إلى الطبيعة البشرية، هؤلاء الفلاحين، ياه!
لا يمكن أن يكون هذا الذى جعلهم هكذا هو قهر قرن
أو قرنين، إنه لم يتراكم هكذا إلا خلال الزمن كله.
ثم إن محمودا ليس متأكدا من أى من هذه الأحكام.
هو يقول لنفسه إنه حين فوجئ بعكس ما توقع، بعكس
الصورة التى كانت تمثل له ما هو "فلاح مصرى"، راح
يشوه كل شئ وكل واحد، وواحدة، حدث ذلك بعد أن تخطى مرحلة
من يدعى الشفقة ويبالغ فى المصمصة، وكذا تخطى مرحلة المبالغة فى
التفسير والتبرير، وسواء كان مصيبا أو مخطئا فقد أخذت وحدته
تزداد بشكل لم يتصوره. الوحدة فى المدينة صريحة ومتحركة، أما
الوحدة التى اكتشفها هنا فهى متسحبة وثقيلة، راسخة، وشاملة،
ومتزايدة.
ألا يمكن أن يكون كل هذا منه
هو، لا أكثر ولا أقل، وأنه كان سيظل وحيدا سواء فى القاهرة
أو فى حلايب، فى مرسى مطروح أو فى مرسى علم، فى البوسنة أو
فى الشيشان؟.
"لا،،لا..البوسنة شئ آخر".
"ولا شئ آخر ولا حاجة،
"لا..، هى شئ آخر ونصف" " ديتها أن تنتظر بعد
الحرب عدة أشهر، وسوف ترى، وهات يا أمريكان، وهات
يابلاستك" ليكن، إذن جرزا هى الشئ الآخر، لا تراجع عاد
يوجه كلامه لجلال
ـ لا سبيل إلا بإزالة التلوث الذى عملوه فينا صغارا
وكبارا، عمالا وفلاحين، أفندية وضباطا، مصريين وبوسنيين وصربا.
ـ عملوا ماذا؟. هل هم الذين عملوه ونحن نتفرج يا
محمود؟. أم أننا نستأهل ما يجرى لنا؟.
ـ نستأهل ونأخذ بالحذاء أيضا، هم لم يعملوا ما
عملوا إلا حين قبلنا أن نرعى فى داخلنا الطمع، والعمى، والنسيان،
والخوف، والغباء.
ما هذا كله؟.
ياخبرا أسود إذن كيف؟. يبقى ماذا؟.
ـ4ـ
دخل فتحى على والده وهو يرتب ورق اللعب أمامه وكأنه
"يفتح الكوتشينة"، كانت لأبيه تسليات خاصة مع الورق،
لم يكن يتكلم فيها مع أحد، شئ أشبه بالألغاز أو التطير أو
ما لا يدرى أحد ماذا. كان وجه فتحى متغيرا، وكان إذا وجد
والده مشغولا فى هذه الأحاجى يتركه ويمضى أو يفاتحه من فوره
فيما يريد، هذه المرة لم يفعل هذا ولا ذاك، ظل واقفا ليس
بعيدا عن ناظرى والده، وليس فى مواجهته تماما، وحدث ما أراد
حين التفت إليه والده بإعجاب، واحترام، وفرحة، ومودة كالعادة،
كان محمود يأتنس بابنه فتحى هكذا طول الوقت دون أن يعلن
ذلك لأحد، ولا لنفسه، كان يحبه، كان يستطيع أن يوصل إليه
ما يريد دون أن يقوله، أو لعل فتحى كان يلتقطه وحده، كان
محمود يطمئن كلما رأى فتحى مقبلا نشطا، هائصا، شاطرا، لا يكف
عن الحركة والسؤال والمحاولة والخطأ والتصويب، كان يتصور أن
كل هذا بفضل هذه النقلة العظيمة إلى الأرض البكر، العودة إلى
الأصل، لكن وجه فتحى هذا اليوم، هذه المرة، الآن، كان
مختلفا، ترك محمود ما بيده والتفت إليه.
ـ هه؟. خيرا؟.
تردد فتحى قليلا، وكاد يعدل عما جاء به،، لكنه يعرف
والده، فلم يتماد فى الانتظار.
ـ مينا يا والدى؟.
ـ ماله يا ابنى؟.
ـ مينا ابن عمى إسحق
ـ ماله يا فتحى؟.
ـ مريض
تعجب محمود، ورجح أن الأمر ليس بهذه البساطة، سأل
ابنه عن مرض مينا بعد مقدمة قصيرة عن أن كل الناس تمرض
وتشفى، وأنه ـ فتحى ـ أصيب باللوز من ثلاثة أسابيع، وقام
مثل الحصان، وأنه شخصيا، وهو والده، يعاوده المغص الكلوى بين
الحين والحين، وتمر، ولم ينفع كل ذلك فى أن يغير تعبير وجه
فتحى.
ـ لكن حرارة مينا لا تنزل منذ عشرة أيام، وقد
غاب عن المدرسة أسبوعين، وأنا أذهب إليه بالدروس أولا بأول،
لكنه أمس وأول أمس لم يعد يفهم ما أقول، ولم يرد على كما
اعتاد، وعمى إسحق يقول إنه سيذهب به إلى طبيب كبير فى مصر،
وأنه قد يدخله المستشفى.
استمر محمود فى محاولة طمأنة فتحى
أن كل هذا لا يعنى أن المسألة خطيرة، ولا أن المرض مستعص،
وأن الطب تقدم جدا، ويستطيع القضاء على كل الأمراض، يعنى أغلب
الأمراض إن شاء الله تعالى، لكن فتحى واصل، وكأنه لم يسمع
شيئا:
ـ لكن مينا لم يعد يفهم، لم يعد يرد، يقولون
فيروس فى المخ. لم أفهم شيئا.
ـ ولو!! الطب الآن لا يقف أمامه شيء.
قالها محمود وهو يبلع ريقه ويخفى جزعه.
ـ ربما يموت.
ـ الأعمار بيد الله يا بنى، لا أحد يموت من حـمى
عابرة.
ـ لا، ليست المسألة فى هذا.
قالها فتحى وهو يحاول أن يخفى نشيجه المكتوم الذى كاد
يقفز رغما عنه فى نبرات صوته.
ـ المسألة فى ماذا إذن يا فتحى؟. ماذا بك اليوم؟.
سكت فتحى.
سكت محمود بعد ذلك طويلا، فهو يعرف فتحى، ويعرف أنه
لا يستطيع أن يهون عليه الأمر بتسطيح يمر، وأن ابنه هذا
لا يدعه إلا وقد أحاط به من كل جانب، قطع فتحى الصمت.
ـ لم أكن أعرف أنى أحبه هكذا، وأحب عمى اسحق، وأحب
خالتى حنونة، وهم يحبوننى أيضا، بل يحبوننى جدا، ويحبونك أنت
أيضا يا أبى، ويدعون لك، ولأمى التى لم يروها.
قال محمود مراوغا، وكأنه أطمأن إلى تغيير الموضوع:
ـ الحمد لله، أنت قلتـها بنفسك.
ابتسم فتحى، وكأنه الوالد وأبوه الابن، ولم يقل له:
"قلت ماذا"؟. "قلتها" ماذا؟. ابتسم ثانية
ومازال الألم يعتصره، ولم يحك له كيف أنه ومينا كانا قد
قررا، بعد أن توثقت علاقتهما لدرجة خاصة جدا، أنه إما أن
يسلم مينا، وإما أن يتنصر فتحى حتى لا يفترقا هناك، وأنهما
حين حسباها خاف فتحى على حزن عم اسحق وخالته حنونه أكثر مما
خاف مينا على حزن عمه محمود، وقررا أنهما إذا فعلاها
سيفعلانها بينهما وبين ربهما، لكن مينا مرض قبل أن يتخذا
قرارا نهائيا: هل يسلم مينا أم يتنصر فتحى؟. وكان الأقرب أن
يسلم مينا مادام الأمر سيتم سرا؛ لأنه لن يحتاج إلى تعميد فى
الكنيسة، ومن ثم العلانية التى يبدو أنه لابد منها فى حالة
ما إذا تنصر فتحى، لكن مينا مرض. لماذا مرض قبل أن يستقرا
على رأى؟، ثم إن هناك سببا آخر وهو أن القرآن أسهل، وكان
هذا من بين ما أثاره فتحى ذات يوم حول ما سوف يدرسه لهم
عمه جلال.
ـ لماذا يا عمى جلال لا يوجد قرآن للمسيحيين؟.
ـ المسيحيون عندهم قرآنهم.
ـ ولكن الشيخ حسين وأنت تقولان إن القرآن حاجة
ثانية.
ـ ربما لأن الإنجيل يكاد يكون مترجما من لغة
قديمة، وربما بحكم العادة، وربما نحن مخطئان، أنا والشيخ
حسين، إيش أدرانا نحن بقرآن الآخرين.
ـ ألا يمكن ترجمة قرآنهم إلى اللغة العربية ليصبح
أسهل ونتعلمه ـ أيضا ـ معا؟.
ـ ما هو باللغة العربية يا فتحى. ماذا جرى؟.
ـ آه، صحيح!!.
لم يسأله فتحى إن كان يمكن توحيد الكتابين، أو أن
يكتب الإنجيل الذى يقرأ فيه أحيانا مع مينا بلغة القرآن
وأنغامه، لم يسأله لأنه كان يعرف أن عمه جلالا سوف يقول
له كلاما صعبا مثلما اعتاد، قد يعود يحدثه عن أصول اللغة
ووحدة الأشياء وتنظيم الدماغ، أو عن أمريكا بنت الكلب، وهو
قد شبع من هذا الكلام، وهو ليس متأكدا إن كانت أمريكا هى
السبب فى مرض مينا أم لا؟.
ـ هل يمكن يا والدى أن تكون أمريكا هى السبب؟.
ـ السبب فى ماذا؟.
ـ فى مرض مينا؟.
ـ كل شئ جائز، أمريكا أصل التلوث، والفيروسات الأحدث
لم تنتشر هكذا، إلا بعد أن تغير المناخ، وهى التى غيرته. كل
شئ جائز، هذا هو النظام العالمى الذى يقولون عنه.
ضحك فتحى فى سره؛ لأنه لم يكن جادا وهو يسأل، وكان
يتعجب من مناقشات أبيه وعمه جلال حين يختلفان فى كل شئ ولا
يتفقان إلا فى أن أمريكا هى السبب فى كل شئ، وحين سأل والده
هذا السؤال الغريب كان يتمنى أن يكتشف والده أنه يقول أى
كلام من فرط انشغاله على مينا.
وعده أبوه أن يزور مينا هذه الليلة. وحين زاره
استقبله عم إسحق أحسن استقبال، وقال له إنه أخذ إجازة خصيصا
ليرعى مينا، ولم يكن محمود قد عرف تحديدا عمل عم إسحق إلا
أنه كان يعرف أنه يعمل فى السكة الحديد، ولهذا يغيب أياما
ويحضر أياما أقل، ثم عرف أنه سائق قطار، وأنه يحب عمله،
ولو أنه مسئولية. ولا يدرى محمود كيف ربط بسرعة بين بعض
تفاصيل حكاية عبد المعطى الذى حكاها له جلال، وبين عمل عم
اسحق، حتى تصور أنه كان سائق القطار الذى أفزع عبد المعطى
وكان ما كان.
حين دخلت خالتى حنونة عليهما بالشاى. قال فى نفسه إنه
مستعد أن يقسم بالله العلى العظيم لابنه فتحى أن الله يعرف
ماذا يفعل أحسن منا جميعا، وأن على فتحى أن يطمئن على مينا
مائة فى المائة.
ـ ادع له يا "أبو فتحى" من أجل خاطر
ربنا، الولد سيضيع منا، قل لأم وائل تدعو له.
هذا ما قالته خالتى حنونة، وهى
تودعه على الباب، قالت ذلك وهى متماسكة بالكاد، وكان إسحق قد
أصر على أن يوصله إلى نهاية الشارع بعد رفض شديد من محمود
أن يصحبه حتى المنزل. وحكى له عم إسحق فى الطريق، كيف أن
فتحى هو مثل ابنه مينا، وهما أخوان على كل ملة ودين، وأنه
مشغول على وائل الصغير، وأنه مستغرب من محمود، وأنه ـ برغم
العشرة والفرحة بوجودهم هنا ـ يرى أن يأخذ محمود ولديه
ويرجع لأمهما فى مصر لأنه ـ عم اسحق ـ يحبهم حبا يجعله
يتحمل فراقهم. سمع محمود كل ذلك فأطرق، ولم يجب.
أحس محمود وهو فى حضن عم اسحق،
وهو يودعه فى نهاية الشارع، بالدفء والأبوة جميعا، أحس أنه مطمئن
إلى كل شئ مهما حدث.
ودعا محمود لمينا بالشفاء أثناء عودته، بيقين لا
يهتز، أنه سيستجاب له، حتى كاد يقسم، ثم دعا له أكثر فى
صلاة القيام فى جوف الليل، ولا أحد يراه إلا هو.
ـ5ـ
ـ وحتى لو كانت المشكلة فينا نحن، فهم الذين
أوصلوها إلى هذه الدرجة.
قالت ذلك بسمة قنديل وهى فرحة بالزيارة التى رتبها
جلال. كانت الفرصة مزدوجة لما رتب جلال أن تصحبهما فاتيما
عبد الحكيم التى كانت بسمة تريد أن تتعرف عليها من كثرة ما
حكى جلال عنها.
فرصة مزدوجة، مضروبة فى المكان
والمفاجآت والناس والأولاد.
قال محمود وهو غير مقتنع بما يقول:
ـ هم أم نحن؟. المسألة تحتاج إلى حسم ومواجهة، وقد فعلتها
ومتحمل مسئوليتها، لم يعد عندى مشكلة، كانت....، وراحت.
ـ تقصد: "تاهت ولقيناها" كما يقولونها هنا.
سمعتها هكذا فى إحدى المسلسلات.