الفصل التاسع
المعادى
فتح الحوت فاه فاندفع الماء إلى جوفه حاملا ما لاذ
به من أحياء، وأعشاب، وبقايا عضوية وغير عضوية. على مرمى
البصر لم يكن يظهر من الحوت إلا بعض ظهره.
كانت السفينة العملاقة تتهادى فى فخر زائف.
نادى ربانها على البحارة هيا نلعب لعبة القرصان. ابتسم
شيخ البحارين فى سخرية الجد الذى لا يستغرب أن حفيده ما زال
قزما. وقال فى سره ولو..!".
قالت فاتيما للمرأة التى فرضت صداقتها بحرارة يونانية
على ظهر السفينة، وكانت قد نسيت اسمها برغم أنها ذكرته لها
عشرات المرات: "إنى راحلة".
قالت المرأة بخبث باسم:
"أنت
تكونين أجمل وأنت تكذبين".
-1-
لو أنهم وقعوا البيان باسم أصدق لما أثاره هكذا.
إن الذى أثار حفيظته، بل شكوكه هو حكاية "أقباط
مصر"، مالهم هم فى المهجر بأقباط مصر؟. إيش عرفهم بأقباط
مصر؟. حتى لو تصوروا أنهم كانوا منهم يوما، أقباط مصر ـ
الذين يعرفهم ـ لا يـهاجرون، ولايكرهون،، ليسوا مسيحيين ولا
نصارى ولا حتى من أهل الكتاب، القبطى قبطى "ابن عم"
"أخ" "خال"، "ولد" خال". أما
المسيحى فهو مسيحى، المسيحى تجده فى كندا، فى استراليا، فى
ألمانيا ـ فى مصر ـ من أصل شامى، أو هو حضر إلى مصر
حديثا، ولم تتح له فرصة أن يشهر قبطيته بعد. القبطى يظل
قبطيا حتى لو أسلم، ثم إنه لا يحتاج إلى أن يسلم؛ ما دام قبطيا.
"ماهذا التخريف"؟.
"أنت مالك"؟.
هذه الفكرة ربما تفسر موقف فاتيما أم العيال، باكورة
مشروعه. يبدو أن فاتيما حين تزوجت أمين عبد الحكيم، وحضرت
إلى مصر، يبدو أنها تقبطنت حين أسلمت، لو كان محمود عبد
السلام يعرف هذا التخريف لما فوجئ وهو يتعرف على جيران
فدادينه الستة من القبطيات المحجبات.
" قبطيات الصعيد ـ يا محمود ـ
فلاحات، محتشمات يا أخى".
"حجاب فاتيما شئ آخر".
"حجاب فاتيما ليس له علاقة
بإسلامها ولا بقبطية فلاحات جـرزة، إن له علاقة بتجليات جمال
الكون فى جمال البشر".
"طيب: كيف؟".
"أنا إيش عرفنى؟.
رن جرس الباب، نحى الصحيفة التى بها البيان جانبا،
وخفق قلبه؛ لأن الجرس رن. هو لم يتخلص بعد من إشراقة
البحر فى وجه فاتيما الذى يطل عليه من خلف السحاب الحانى
المبرقش. أعطى الزبال كيس القمامة الأسود الذى لا يحتوى سوى عدد
من الأوراق المطبقة كيفما اتفق، وقبل أن يعود إلى الصحيفة رن
الجرس ثانية فراح يفتح وهو مطمئن هذه المرة إلى أنها رنات
الصباح الروتينية المتلاحقة، فإذا به أمام محمود عبد السلام
شخصيا، ياليته تذكر حاجة حلوة. ابتسم، تذكر أن الحرارة مقطوعة
من تليفونه، لعل محمودا حاول الاتصال به وفشل. ها هو
أمامه.
فوجئ، وفرح، ورحب، وخاف، واكتشف أنه يحبه، نفس طعم
الحب الذى يحب به أخته ثريا، سبحان الله. هل الوراثة يمكن
أن تحدد حتى نوع الحب الذى تستثيره؟.
ـ أطلبك من يومين وتليفونك ميت، حتى ثريا لم تتمكن
من العثور عليك.
ـ خيرا،ادخل يا رجل، استرح.
ـ أخيرا، قبلوا الاستقالة بصورة نهائية تصور، جئت
لأرى كيف تستقبل الخبر، لم يعجبنى صوتك فى الهاتف.
كاد يقول له: "وأنا مالى". لم يستطع أن
يقول له: "مبروك "، فلا هو قال هذا، ولا ذاك، إنما
قال:
ـ أخيرا؟.
ـ أخيرا.
ـ وما هى المدة المسموحة لك لترجع عنها؟.
ـ أرجع عن ماذا يا جلال ؟.
ـ عن الاستقالة.
- ما الذى جرى لك، أنا ما صدقت؟.
ـ ربنا يجعله خيرا.
ـ إن شاء الله.
كيف يمكن أن يشاء الله أن يجعله خيرا؟. هذه هى
المسألة، كان عمه له دلال خاص على الله، يأخذ كل مقلب
ومقلب، ودلاله هذا يزيد ولا ينقص، وكان جلال يسأله ـ طفلا
ـ عن ثقته هذه فيطمئنه أنه راض عن الله، فلا بد أن الله
راض عنه. طيب بالذمة يا عمى كيف أرضى أنا عن الله؟. أرضى
بقضائه؟. أرضى بالرزق الذى كتبه لى؟. حاضر، لكن أن أرضى عنه
هو؟! صعب على يا عمى، طيب يا محمود يابن عبد السلام كيف
يشاء الله هكذا أن تخرب بيتك مع سبق الإصرار والترصد، ثم
تصدق أن ربنا سيجعله خيرا؟. كيف يمكن أن يكون خيرا هذا؟.
وكيف يشاء الله مثل ذلك؟.
التفت إلى محمود ليقولها بصوته المعلن هذه المرة،
قالها بكل سخف يمكن أن يوصل له استياءه، وكأن الحديث لم
ينته بالتسليم للمشيئة.
ـ وأنا مالى؟.
ـ مالك يعنى إيه، أخبرك يا أخى.
ـ ما هو المطلوب منى؟.
ـ تبارك لى؟.
ـ حاضر. ألف مبروك، والعقبى للاستقالة الكبرى.
ـ من الحياة؟. تعنى؟.
ـ إفهمها كما تشاء، ولكنها ستكون أهون مما فعلت على
كل حال.
ـ2ـ
لماذا حضرته صورة غالى جوهر بجوار بيان "رابطة
أقباط مصر فى المهجر"؟. هو لا ينسى فضل هذا الرجل على
فكره فى صدر شبابه، أهدى له مفاتيح التفكير السليم،... ثم
ماذا؟. ثم يبدو أنه تراجع وتركه، تركهم، فريسة للتفكير
السليم، ثم راح هو يكتب فى النقد الأدبى، ويؤرخ للتفرقة
العنصرية فى تيمورالشرقية وجنوب السودان. أستاذه يستعمل التفكير
السليم استعمالا انتقائيا تكيفيا، مع أنه كان يعلمه أنه إما
أن يكون التفكير سليما ومنطقيا وماديا وعقلانيا طول الوقت،
وإما أنه لا لزوم له أصلا. ماذا حدث؟. هل وجد نسخة معدلة
للتفكير السليم سمحت له أن يتنقل كل هذه النقلات الناعمة.
لاشك أن الأستاذ غالى جوهر حر فيما اختاره ليكمل به
حياته، عمره ما كان متعصبا، أو على الأقل عمره ما فشل فى
إخفاء تعصبه عن نفسه أولا. هو ليست له علاقة ببيان أقباط
المهجر، فلماذا قفزت صورته بالذات إلى خيال جلال؟. صحيح أنه
علم مؤخرا أن زوجته و أولاده ـ فيما عدا جوهرا ـ هم من
أبناء المهجر، لكن هل لمجرد أنهم هاجروا فهم مسؤولون عن هذا
البيان؟. وهب أنهم من أول الموقعين عليه، فهل الأستاذ مسؤول
عن توقيعات زوجته وأولاده المهاجرين؟. يبدو أن إصدار البيانات
هكذا تتصدر حقوق الإنسان المهاجر.
من حق هذا المعتوه الذى اسمه محمود عبد السلام أن
يصدر بيانا من جرزة يدافع فيه عن حقوق المهاجرين إلى جرزة،
حتى لو كانوا واحدا، ولا مانع أن يرفع الأمر إلى المنظمة.
حلال عليك يا ست منال. سوف تثبتين ـ أنت الأخرى ـ بكل
أسلوب، وعلى نطاق العالم، أن محمود بن عبد السلام المشد قد
تم ختانه مرة ثانية فى البوسنة دون أن يوقع إقرارا
بالموافقة، وأن أخته ثريا قد طلقت منى لأننى لم أقف بجواره
فى ثورته ضد أية حاجة؟.
"والله يا محمود أنا لا أعرف
ضد ماذا؟. أو ضد من أنت ثائر؟".
ثار أهلنا ضد الإقطاع، ثم ضد
أعوان الاستعمار، ثم ضد الإمبريالية، ثم ثرنا نحن ضد أنفسنا،
لكن أنت؟. ما هذا الهباب الذى تعمله هناك، ثم تأتى وتقول لى
قد أحتاجك لتساعدنى فى التدريس للأولاد؟. وأين؟. فى جرزة؟. طيب
يا أخى ألا تنتظر حتى تمشى الحال معى هنا فى أى مكان مع ناس
يستأهلون، ثم نرى مسألة أبناء جرزة المستوطنين هؤلاء.
ـ هم بمثابة أولادك يا جلال، أنا أعرف حبك
للأولاد، كل الأولاد.
ـ نعم..، نعم، ولكن بالأصول، فى المكان المناسب،
وبالمنهج المناسب.
ـ أتساءل كيف يمكن أن يتموا دراستهم فى هذا المكان؟
- يا أخى، إفرض أنهم ولدوا هنا.
ـ لا يا شيخ؟.! تستعبط حضرتك، لهذا جئت إلى يا
محمود. أنت عزيز على، وأنا تحت أمرك. لكنك تدخلنى فى أشياء
تبدو لى غير مرتبطة ببعضها، المفاجأة تلو المفاجأة، ثم أختك
يا أخى، ثريا، أليس الأولى أن تسألها هى، وهى المدرسة فى مدرسة
رسمية، وتعرف المناهج والمقررات وربما المدارس القريبة من
منتجعك الجديد؟.
ـ هذا بالضبط هو ما جعلنى لا أسألها، وأحضر لك.
ـ ما هذا الذى هو بالضبط، الله يسامحك؟.
راح محمود يشرح لجلال كيف أنه يبحث عن بديل حقيقى،
عن تعليم لا عن تحفيظ، عن علامات تدل على اطراد نمو معارف
أولاده، لا عن غـش ينقلهم من صف إلى صف، وأن هذا هو الذى
دعاه إلى التفكيرالجاد فى الاستكفاء الذاتى.
ـ استكفاء ماذا؟. لم تقل لى شيئا عن هذا الاستكفاء،
كل ما حدثتنى عنه هو الاستقالة، والزراعة التى لا تعرف فيها
الأذرة من الباذنجان، ثم كلام عن الغش، والجنون.
ـ أنا حدثتك عن الجنون؟.
ـ وهل لابد أن تحدثنى. أفعالك هذه ماذا تسميها؟.
ـ ألم تحدثنى أنت دون دعوة منى عن مشروعك للتدريس
للأطفال، لماذا لا تأخذنى مأخذ الجد مثلما تفعل مع غيرى؟.
أليس أطفالى هؤلاء ضمن أطفال العالم الذين سوف تغيرهم دروسك؟.
نفى جلال أنه حدث محمودا عن أطفال العالم، أو عن
تغيير العالم، ونبهه إلى أن هذا الكلام أصبح قديما، ومضحكا،
وأن المسألة كلها انتهت إلى أن تكون وسيلة أشرف لأكل العيش،
باستثمار مهاراته الخاصة فى اللغات والكمبيوتر لصالح الأصغر
الأقدر على استيعاب حركة التطور.
ـ حركة ماذا؟. تضحك على نفسك، ماعلاقة أكل العيش
بحركة التطور؟.
ـ علاقة أوثق مما تتصور.
راح محمود بدوره يقنعه ألا يتمادى فى خداع نفسه، وأن
مشروعه هذا تكمن وراءه رغبة فى تغيير العالم أساسا، وأن زلة
اللسان هذه بذكر "التطور" وهو يحاول أن يجعل المسألة
واقعية وأكل عيش، إنما تدل على مقصده الأعمق، وأنه ما دام
الأمر كذلك، فإنه الشخص المناسب الذى يمكن أن يساعده فى تنشئة
أولاده فى هذه التجربة، فقد يتمكنان من أن يحققا كيف يتعلم
الأطفال ما ينبغى، لا ما يضيعهم وينفيهم، يعلمانهم ما لا
يكون الإنسان إنسانا إلا به، وتمادى محمود فى كلام كبير من
هذا.
ـ اسمع يا محمود، لا تزد من انشغالى عليك، ولا
تشركنى فى هذه الجريمة.
ـ هذه الـ "ماذا"؟. مرة تسميها جنونا،
والآن تسميها جريمة، تتخلى ـ إذن ـ عن مشروعك، عن الوقوف بجانبى،
وبجانب أطفالى،... (سكت فجأة).
ـ اسمع: أنا تحت أمرك، فى حدود ما أعرف، وما أنوى،
وما أقدر، لا أكثر ولا أقل.
ـ اتفقنا.
ـ ليس تماما.
ـ3ـ
هو لا يعرف لماذا يصر أن يطمئن على أن أستاذه غالى
جوهر ليست له علاقة بهذا البيان الصادر عن غير ذى صفة، هو
يتابع بتسليم عاقل ما طرأ على أستاذه من تحولات ظاهرة
ومعلنة. هذا أمر لا يخفى على أحد، لكنه كان دائما، أوغالبا،
يتصور أن هذا الذى طرأ على أستاذه هو للاستعمال الظاهرى فحسب.
أما أستاذه، فهو أستاذه لا يمكن أن يتغير،هو خال الدكتورة
مادلين!! خالها خالها، ما لها هى؟. وماله هو؟. عنده عنوانه
على ظهر بطاقة الصيدلية، ولابد أنه رجع من كندا بعد زيارته
لأولاده. فليذهب إليه مباشرة.
دخل جلال وهو يشكر الأستاذ غالى الذى فتح له بنفسه،
يشكره على ما يتيحه لمثله من فرصة لقائه هكذا دون تلكؤ،
وما هو إلا أحد المعجبين بدوره. الأستاذ هو الأستاذ، كان
كذلك، وسيظل كذلك.
ـ يا رجل !! يا رجل !!، واحدة واحدة، أشكرك على حسن
ظنك، ولكن...
قاطعه جلال:
ـ لا تتواضع يا أستاذنا.
ـ ... تواضع ماذا يا أستاذ جلال، أنتم الجيل الواعد
الآن.
ـ جيلنا جيل هش، لكن أنتم، شئ آخر؟. أنتم جيل لا
ينكسر.
تردد الأستاذ قليلا، حاول أن يخفف من غلواء زائره.
راح يتحدث عن الظروف، والواقع والعقل، وكيف أنه
"لابد" ..، و"بما أن"، قاطعه جلال.
ـ على الرغم مما أقرأ لك أحيانا مما أنكر، لكنى
أقول لنفسى إن لكل مقام مقالا، وأن كل وقت وله أذان، وكلام
من هذا، أقوله وأنا غير مقتنع، مازلت حتى الآن أرجح احتفاظكم
بأفكاركم وثوريتكم وطموحاتكم للوقت المناسب.
ـ يبدو يا جلال أن هذا الوقت المناسب لن يأتى
أبدا،..، هل ما زال أحد يستعمل هذه الألفاظ التراثية؟.
ـ تراثية؟.
راح الأستاذ غالى مرة يبدى التواضع، ومرة يدعى التواضع،
ثم إنه راح يشرح له كيف أن اشتغاله بالنقد الأدبى بدا له
فى أول الأمر حلا جيدا يبعده عن اللحظة الراهنة على أرض
الواقع، لكنه لا يحرمه من استمرار التنفيث عن موقفه النقدى
المتحفز، إلا أنه اكتشف أنه يكتب نقدا سياسيا لا نقدا
أدبيا، وأنه صار مرفوضا من النقاد ومن السياسيين على حد
سواء، فاكتفى بكتابة المقال المتوازن بتعقل شديد، حتى أنه ـشخصياـ
يصاب بالغثيان حين يقرأ ما كتبه منشورا، حين يكتشف مدى
التمادى فى جرعات التعقل التوازنية، وقد قرر ـ لهذا ـ أن يكتفى
بكتابة المقال المتوازن دون قراءته.
ـ أصارحك يا أستاذ ولا تعتب على، أنا ـ أيضا ـ كففت
عن القراءة لك، آسف، لكننى كنت حريصا على ألا تتغير صورتك،
كنت أشعر بالخجل من ذلك، لكننى اطمأننت الآن إلى أنك ـ أيضا ـ
لست من قرائك.
ـ كل مرة أتصور أننى سأتجاوز هذه الحكمة الماسخة،
ثم أكتشف أنى لا أفعل شيئا إلا محاولة إرضاء جميع الأطراف،
ألا قل لى يا أستاذ جلال: هل يمكن إرضاء جميع الأطراف؟.
ـ أظنه يمكنك يا أستاذ، الأمر يحتاج إلى حكمة
خبير.
ـ كنت أتصور أننى أجمع الأطراف إلى بعضها البعض، ثم
اكتشفت أن المسألة ليست هكذا، المسألة ليست لها أطراف.
قال جلال متشجعا:
ـ نحن ـ أيضا ـ لاحظنا أنها ليست هكذا.
ـ ماذا لاحظتم بالضبط؟.
ـ الغثيان،... يعنى؟.
ـ ماذا؟.
فوجئ جلال وتذكر أن تبسط الأستاذ فى الحكى لا يعنى
أنه يسمح له.
ـ أقصد أن المسألة يعنى، حضرتك الذى...، حضرتك الذى
قلت "غثيان".
ـ أنا قلت "غثيان" يا جلال؟.
ـ أظن أننى سمعت ذلك، أو فهمت ذلك وأنت تصف
قراءتك لمقالاتك المتوازنة.
ـ ربما، لا، ربما، لا. ثم ماذا هو؟. يعنى موقفكم؟.
ماذا تعملون؟. ماذا تنتظرون؟. أين تذهبون؟.
حاول إزالة الحرج باستظراف يعرف أنه سخيف، رنت فى
عقله حين سمع تساؤله "أين تذهبون" فكاد يقول:
"هذا المساء"، لكنه منع نفسه، وتمادى فى سرحان شبه
مقصود أكده بغمغمة استعباط متهـرب.
ـ لم ترد على تساؤلاتى يا أستاذ جلال؟.
ـ وهل حضرتك تحتاج إلى رد مثلى، أنت أعلم بما آلت
إليه حالنا.
تذكر جلال فجأة البيان الذى دعاه إلى تحديد هذا
الموعد، ولكنه خجل أن يفاتحه فيه، بعد أن تطور الحديث هكذا
بعيدا عنه، ثم أفاق مرة أخرى على صوت الأستاذ.
ـ يا خبر، أنستنى حرارة حماستك أن أقدم لك شيئا،
بهية... يا بهية.
دخلت من ناحية المطبخ، فتاة حول العشرين، شديدة
الجمال، ما الحكاية؟. همس جلال لنفسه. كلهن شديدات الجمال، كل
واحدة شديدة الجمال، لا توجد واحدة نصف نصف؟. لكن جمال بهية
هذه (حفظ اسمها فى ثانية) جمال طازج دافئ، جمال بهية هذه
مسلم الهوية، الله يخرب بيته. ماذا جرى فى عقله هذه الأيام؟.
لماذا يصنف الجمال، والفكر، والعواطف وأشياء كثيرة أخرى تصنيفا
دينيا بشكل جديد شديد الخصوصية؟. هو نفسه يستغرب هذه اللغة
الجديدة عليه، متى يكون الجمال مسلما؟. ومتى يكون مسيحيا؟. ومتى
يكون بوذيا؟. ومتى يكون كافرا؟. الجمال ينتمى إلى من يحب الجمال،
ما هذا الذى اعتراه هذه الأيام؟ تصنيف تصنيف تصنيف؟ حتى
الجمال؟! حاول أن ينظر فى باطن رسغها الأيمن أو الأيسر ـ
مثلما فعل فى الصيدلية مع الدكتورة مادلين ـ لكنه خجل من
نفسه، المنديل ذو"الأوية"، والنضارة السمراء، والجسم
الملفوف، والدلال البيتى، لا يمكن أن تكون بهية شغالة؟.
سأله الأستاذ جوهر ماذا يشرب؟. يبدو أن جلالا قد
نسى أو تناسى أنه كان على وشك الانصراف، فطلب شايا بدون سكر؟.
لماذا بدون سكر، لا يعرف. وفى انتظار الشاى، مع انصراف بهية
تاركة وراءها مشاعر متسائلة شهية، وإجابات مثيرة لذيذة، وفروضا
عبقة نفاذة.
"غلبتك اللغة الخاصة يا روح
قلبى؟."
"الشئ لزوم الشئ".
مع تذكر المهمة الأولى التى جاء
من أجلها سأل جلال الأستاذ (مازال يصر أنه كذلك) عن موقفه
من حركة أقباط المهجر، واستغرب أنه لا يوافق، ولا يرفض، يا
خبر!!، إذن كان عند جلال حق، حين قفزت صورة غالى جوهر إلى
ذهنه مع البيان. كان يخشى أن ينحرف الحديث إلى هجرة أولاده،
ولكن جلالا لم يجرؤ على أن يعلن عما خطر له من ربط بين
موقف الأستاذ هذا بمشروع رهبنة ابنه جوهر، فما بالك لو كان قد
تجرأ على السؤال عن دور "بهية" فى حياة الأستاذ؟. تمنى
أن تأتى بالشاى بسرعة حتى لا يتطور الحوار إلى مالا ينبغى أو
ما لا يحب، لكن بهية تأخرت، عن قصد غالبا;
"لأنها تريدنى أن أبقى
أكثر".
"لا ياشيخ"!!؟.
"أنت مالك انت".
اضطر ـ دفعا لكل هذا ـ أن يسأل الأستاذ عن مشاريعه
المستقبلية.
ـ مشاريعى أنا؟. المستقبلية؟. هل تعرف كم عمرى؟.
ـ ... تعلمنا منك أن مسألة العمر مسألة فى أيدينا
نحن. نحن الذين نقررها.
ـ أنا علمتكم هذا؟.
ـ طبعا حضرتك.
ـ....، على أية حال، ليست لى مشاريع، وليست لى
مستقبلية!!.
خطر على بال جلال أن يستفسر منه عن تطور موقفه من
الدين، وهل يسرى عليه ما يسرى على الأصغر مثله؟. وماذا يفعل
به الخوف من النهاية مع تقدم السن؟. يريد أن يسأله عما
صارت إليه أيديولوجيتهم وشعاراتهم، بل عن بهية بالمرة. فضل
جلال أن يبدأ من الآخر، فسأله فعلا عن بهية، ليس يدرى كيف
احتال ليسأله. لكنه سأله. الأمر العجيب أن الاستاذ لم يدهش
للسؤال، ولم يحاول أن يتهرب، ولا هو أجاب، فهى ـ على كل حال
ـ ليست شغالة، وليست قريبة، وليست سكرتيرة.
ـ لكنها، والحق يقال، أهم ما تبقى لى فى هذه
الدنيا.
كاد جلال يقول، ولكنها مسلمة، وانتبه إلى أنه
"إيش عرفه"؟.
هذا الأستاذ الجليل، الذى أصبح حكيما بلا لون، ولا
طعم، على الرغم من الرائحة الفاترة اللزجة الملحة، هذا الأستاذ
قد قرر أن يتخلص من الصراع بين رهبنة ابنه وهجرة بقية
الأسرة بأن.. بأن..ماذا؟.
ـ هل تسمح لى حضرتك بسؤال شخصى؟.
ـ وهل تكلمنا حتى الآن فى أى شئ غير شخصى؟.
ـ أعترف أننى لم أعد قادرا على التمييز بين ما هو
شخصى، وما هو غير شخصى.
فجأة أشرقت فى رأس جلال فكرة جعلته يتمادى ليكمل:
ـ وهل هناك ما يشير إلى أنه قد يثبت العكس، عكس
ما كنا....؟.
ـ أى عكس تعنى؟.
راح الأستاذ غالى يروغ من الرد المباشر، حتى صرح أنه
يبدو أن الدين ليس هو الذى يخدر الشعوب، لكن رجال الدين هم
الذين يسرقون وعى الشعوب لصالح أسيادهم.
ـ هذا كلام قديم، آسف، أنا لا أعنى هذا تماما
هكذا، ولكنى أعنى ..، ما لم أستطع..، أقصد..، يعنى، ربما .
"الله" يعنى.
ـ ما له؟. "الـله" ماله؟.
ـ هل وجدته، حضرتك؟.
ـ أين؟.
ـ لا أقصد.
ـ جوهر ابنى ذهب يبحث عنه فى الصحراء الغربية، وذهبت
أمه ومعها إخوته إلى كندا حيث يبدو أنهم وجدوا منه صورة
حديثة مع هؤلاء الذين لا يستطيعون أن يتخلصوا من مصر داخلهم
فيحقدون عليها، يساعدهم فى ذلك رب خواجه جاهز.
ـ حضرتك إذن تعتبر بيان أقباط المهجر خطأ؟.
لم يرد الأستاذ جوهر، وكأنه تورط فى التصريح بما لا
يقصد، فراح يبدى تعجبه من أسئلة جلال، وينصحه أن الحياة
مليئة بمشاكل أهم من هذه المناقشات المضيعة للوقت، وأنه يقدر
نزوع الناس هذه الأيام إلى الخوض فى هذه المسائل؛ كلما ضاقت
الدنيا، واختل المنطق، لاحت الدروشة فى الأفق، وأطلت الخرافة
تعرض خدماتها.
لم يكمل جلال التصريح بما دار فى ذهنه واستأذن
بسرعة بعد أن نظر فى ساعته، وتعجب الأستاذ جوهر لتأخر الشاى،
وهم أن ينادى بهية، لكن جلالا حسم الموقف معلنا فى إصرار أن
موعدا يستحيل تأجيله قد أزف، وأنه آسف على ضرورة انصرافه
الآن، كما أنه شاكر جدا على الوقت الذى قضاه معه.
-4-
شعر جلال بالغثيان وهو يخرج، وحتى لا يتطور الأمر،
راح يطلق لخياله العنان وهو يسير فى الشارع كأنه لا يرى.
جاءه حدس غريب أثناء سيره، شعر
بأن أحدا يتتبعه، يريد أن ينشله، أحكم أزرار سترته. شعر أن
هذا الذى يتبعه هو "خواجة" ابن خواجة، ومع ذلك هو
يخرج لسانه ويهتف: "يابو الريش انشالله جلال يعيش".
يسخر منه أم يرجو إسهامه؟.
بعض الأمريكيين يعرضون حلولا فى اتجاه حلوله لتغيير
برامج حياتهم، هل ثم مجال للتعاون معهم، ألا يمكن أن يكون
مشروعه قريبا لما يفكرون فيه.
أحس أن المتابع تغير وتعدد حتى أصبحوا صبية كثيرون،
خواجات أيضا، بل وسود أيضا ليس متأكدا هل هم من أمريكا
الجنوبية أم من أفريقيا لم يلتفت، بدأوا يهمسون بما لم
يتبينه، أخذت الأصوات تعلو وهو يسرع الخطى، "العبيط اهه،
أهه، العبيط أهه"، تحددت هويتهم فهم ليسوامجرد خواجات، هم
أمريكيون جدا وحتى السود أمريكيون، سرعان ما سوف يتجنس العالم
بالجنسية الأمريكية، فلا يعود هناك أحد أحسن من أحد "سوف
يختزل إلى نوعين لا أكثر: أمريكى أصلى وأمريكى مضروب" "
طيب والصين؟" "آه صحيح، والصين؟".
اختفت الأصوات فجأة على صوت كابح سيارة توقفت قبل
أن تصدمه بعدة سنتميترات. أفاق جلال تماما كأنه سقط من شاهق
وهو يسمع التقريع والسباب من قائد السيارة، ومن السيارات
المجاورة، وحتى من بعض المارة الذين شاركوا فى لعنه هو وأهله
وربما دينه أيضا، أين كان ؟ هل بصق بعضهم عليه فعلا؟
وإلا، فمن أين هذا الرذاذ ؟ لعله العرق.
هو تجاهل ذلك وكأنه لم يكن.
وتأكد أنه مخطئ مائة فى المائة. ولم يحدد "فى
ماذا".
وندم على محاولة العبور.
ـ 5 ـ
ـ نتفاهم،..، ماذا تريدين بالضبط؟.
كانت هى التى دعته إلى لقاء خارج المنزل فى هذا
المطعم الصينى على أطراف المعادى، واشترطت أن يكون العشاء ضمن
اتفاق العمل حتى تبرر أنها هى التى ستدفع. لم يتمنع كثيرا،
ولم يوافق بسهولة، ربما هو بدأ يتعلم لغة أصول اتفاقات
العمل، وهو غير واثق إن كان الذى جعله يقبل الدعوة من فوره
هو احتمال أن تكون بداية مهمته قد قربت، حتى لو كانت بداية
هى النهاية ذاتها، فيرتاح، ويريح؟. أم أنه كان يريد أن يجلس
معها هى بمفردها بعيدا عن المنزل هكذا؟. زوجها يعرف، يعنى،
ويرحب غالبا، وهو يشكرهما أنهما أعفياه من التفاصيل، حيث كل
ما عليه هو أن يدفع التكاليف المطلوبة منه دائما ومن فوره،
ثم إنه لا يهمه إلا أن يرى النتائج فى تفوق أولاده
وتميزهم.
هذا موجز ما أبلغته فاتيما لجلال
بعد جلوسهما فى المطعم الذى من ضمن ميزاته ـ كما قالت هى
من سابق خبرتها - أن خدمته بطيئة؛ مما يجعل اللقاء حول
المائدة أهم من التهام ما يوضع عليها. ردت على سؤاله
المستوضح عن موقفها هى من مشروعه بعيدا عن موقف أبى الأولاد.
ـ أنت تعلم، فى الأغلب، ما أريده أو قل ما
أتمناه.
ـ أحسب أننا ألمحنا فى اللقاءات السابقة إلى الخطوط
العريضة، وقد آن الأوان أن نحاول الدخول فى التفاصيل.
ـ تعنى المواعيد، والساعات، وتوفيق ذلك مع ارتباطات
الأولاد؟. أم ماذا؟.
يحاول هو طول الوقت أن يمسك نفسه حتى لا يخترق
المائدة، هذه "ليست خوجاية" والمصحف. ليست بعيدة، ليست
باردة، ليست عنصرية، ليست متكبرة، ليست متحذلقة، ليست مهذبة
جدا، ليست هشة.
("ومن قال إن الخواجايات هن
كذلك؟ أنا"."إيش عرفك؟". يتهيأ لى"."طيب
يا فالح)".
أعاد نفسه بالقوة إلى موضعه الذى لم يتحرك منه أصلا،
وقال:
ـ لا أقصد ذلك، ولكن أقصد الأهداف، أهداف المهمة.
ـ ألست أنت صاحب العرض، أليست صديقتنا المشتركة
"منال" هى التى عرفتك على أمين بناء على طلبك تلاميذ
لمشروعك؟. إنك تعرف أهدافك بكل وضوح، هذاما بدا لى من أول
وهلة.
ـ لا أخفى عليك، ليس تماما، أنا أعرف أهدافى وأنا
جالس فى بيتى، أما عند التنفيذ وإشراك آخرين، واحتمال البدء فى
العمل مع أطفال الناس، فلابد من التحديد. ثم ماذا لو كانت
أهدافك، أهدافكم، غير أهدافى. لابد من التوفيق بين وجهات
النظر، منذ البداية، وإذا لم ننجح فى التوفيق. فلا مفر من
العدول عن المشروع قبل البداية.
ـ بصراحة يا جلال، يخيل إلى أحيانا أنك تتمنى أن
تفشل قبل أن تبدأ.
ـ كيف عرفت؟.
ـ قلت لك يخيل إلى.
ـ أنا أيضا يخيل إلى ذلك، أحيانا أيضا.
ـ بل دائما.
ـ... دائما.
ـ فلماذا إذن....؟. أنت غريب يا جلال، وأنا أحب
غرابتك هذه.
كاد يقول لها، مثلما قالت، وأكثر، لكنه عدل، وادعى
لنفسه أنه ليس متأكدا، إن كان يحبها هى أم يحب غرابتها؟.
حتى هذه اللحظة لم يكن قد حسم أمره بشأن مشاعره نحوها. هو
ليس من السفالة بحيث يستغل فرصة دخوله منزل رجل ائتمنه، ثم
يلعب بذيله، ثم إنه ليس من البلادة بحيث يستطيع أن يكتم
مشاعره. ما هذا؟. تذكر أنه اكتشف أنه أصبح" جاهزا مع
وقف التنفيذ"؟. هو يشعر بذلك مع كل واحدة يلقاها، دون
استثناء بهية، لكن مشاعره الآن مختلفة. هى ـ دائما ـ مختلفة مع
كل واحدة، مشاعره تتجلى على مزاجها بتشكيلات مبرمجة تناسب كل
واحدة بحسب موقعها شديد الخصوصية بين خلايا حضوره الجسدى
المعنوى الإيمانى المبتكر.
يا ليلة لن تمر!!!. أين تذهب به هذه اللغة؟.
طال صمته فقطعته:
ـ ماذا قلت؟.
ـ فيم؟. أنا لم أقل شيئا.
ـ ما رأيك؟. نبدأ من فورنا ونرى. المهم الآن هو
العمل، وهو سيوصلنا إلى هدفه.
ـ لا لا لا، عندك. هذه لعبة أمريكية لابد من حبك
"الغمى" على عيون الثور حتى لا يكف عن الدوران.
ـ ماذا؟. أمريكية؟.
ـ أنا لا أقصد...، هى جاءت هكذا، وأنت؟.
ـ أنا ماذا؟.
ـ ألا ترين ذلك؟.
ـ أنا هاربة من كل ما هو أمريكى، لكن يبدو أنهم
تحت جلدى.
ـ إذن نحاول أن نحدد مهمتنا، مهمتى، ولو بطريقة
تقريبية. ما هو المطلوب منى؟.
- أنت الذى تجيب، أنا طلبت مقابلتك
لتحديد الخطوات، لا الهدف؟.
- لكننا اتفقنا على الخطوات، لقد
قلت لى فى الهاتف إن سبب اللقاء فى الخارج هو أن نأخذ
راحتنا فى الحديث فى التفاصيل.
ـ آه صحيح، هذا ما قلته فعلا.
ـ إذن، هيا..
ـ هيا ماذا؟.
ـ هيا إلى ما جئنا من أجله.
ـ كنت أريد أن أتعرف عليك أكثر، أتعرف عليك عن
قرب. أستاذ أولادى!.
كاد أن يصدق، وابتسم، ثم سارع بالرفض. هو ليس لعبة
جديدة تعبث بها وهى تقلبها وتفكها وتفحص أجـزاءها، ثم تعيد تركيبها.
ـ تتعرفين على ماذا بالضبط؟.
ـ عليك يا أخى، عليك. وأنت.....؟.
أنا ماذا؟. هل أمارس أمامك عجين الفلاحة حتى تتعرفى
على؟.لم يظهر أثرهذا الاحتجاج على وجهه، أكملت هى لما لاحظت
صمته وتغير قسمات وجهه:
ـ هل آذيت مشاعرك؟. ألا تريد أن تتعرف أنت
على..؟.
بحلق فى وجهها ليتأكد أن الحجاب مازال فى مو