مواقف
النـفـّرى
بين التفسير والاستلهام
إيهاب الخراط X يحيى الرخاوى
الإهـــداء
إلى مولانا النفّرى:
حاضراً (هنا والآن) فى عمق
وعينا
لماذا الأعمال المتكاملة؟
عجزتْ أداة
واحدة أن تستوعب "القول الثقيل " الذى حمّلتنى إياه رؤيتى، من خلال
الجدل الحى بين ذاتى ومرضاى ودنياى، فلجأتُ إلى كل ما أتيح لى من أنغام وأشكال،
لكننى لم أكتب إلا مسودات، لذلك كنت أنوى أن يكون العنوان"الأعمال
الناقصة" وخاصة أن ترجمة Collected Worksأو Collected Papers هى "مجموعة أعمال" أو "مجموعة
أوراق" فلان، الأمر الذى لا ينبغى أن يسمى كذلك أو ينشر بهذا الاسم، إلا بعد
أن يكف صاحبها عن العطاء، أو عن الحياة.
ثم قبل ذلك وبعد ذلك: هل يكتمل شئ أبدا؟
وحين آن أوان
الحسم، قررت أن تخرج كل المحاولات كما وصلتْ إليه، ولتكتمل بعدُ ، أو تتكامل مع
غيرها. فكان هذا العنوان "الأعمال المتكاملة" أملا فى أن يكون جمّاع
المحاولة هو "توجُّهٌ ضام، حولَ محورٍ ما".
وقد ضُمّ هذا
العمل المشترك إلى أعمال يحيى الرخاوى الكاملة ، ربما ليحمل معنى التكامل مع آخر،
وليس فقط تكامل الأعمال مع بعضها البعض.
يحيى الرخاوى
قبل المقدمة
ا) ظهر النفرى يلفه غموض
كغموض عصره، نحن لا نعرف من هو، ولا نعرف
لماذا لم يتحدث عن مصنـفـاته وأساتذته أو شيوخه،..0قال:
"إذاضقت ذرعا بدواعى نفسك
فاسكن إلى زوجتك، فإن ضقت فإلى أهل علمك، فإن ضقت فإلى أهل معرفتك، فإن ضقت فسر فى
الأرض، فإن ضقت فالزم بابى، فإن ضقت فيه فاصبر، فإن ضقت فيه فاصبر (كررها حتى قال)
اصبر ينفتح لك نور"
ومن فرط تواضعه لم يكتب ما
كان يقول، إنما كان يؤلف كتابه شفهيا لمريديه، ويكتفى بذلك.
أحمد بهجت ، صندوق الدنيا
. الأهرام 15/12/1999
ب) ...ويبدو أن النفرى قد
تلقى الأمر بألا يبوح للآخرين بما يقع له من تجارب، ومن هنا جاءت لغته مجازية
تماما، وفيها الكثير من الجرأة والمغامرة فى النحت والاشتقاق، الذى يصل إلى حد
الإغراب، وترتب على ذلك...(الخروج) عن اللسان المعتاد والمنطق المألوف، ويوقفنا
على هوة، هى حسب قـول النفرى :
“برزخ فيه قبر العقل ،
وفيه قبور الأشياء"
فشرح نص النفرى يصبح مهمة
فيها الكثير من المخاطرة،
وإن كان البحث عن الحكمة
يستحق المخاطرة.
.......... و"أوقفني" معناها
أن الله أيقظ قابليتى لتلقى التجلي.
و"قال لي" معناها
أنه عرّفنى بأن رفَعَ حجابى فعرفتُ، فكأنه قال لي.
...، فبدل أن يقول الواحد منهم (من الصوفية): انـقدح فى
ذهنى هذا الخاطر، يقول: قال لى ربى، إيمانا منه بأن نبع الحقيقة و ملهمها هو الله
سبحانه.
أحمد بهجت . صندوق الدنيا
. الأهرام 1/1/2000
وقال لى
"... وادخل على بغير إذن،
فإنك إن استأذنتَ حجبتُك"
من موقف الدلالة
"..لا أحد يعبر الصراط إلا
فوق نارٍ
اختار احتمال أن يقع فيها"
من قراءة
"يحيي" فى موقف الاختيار
(يحيى الرخاوى)
أولا : منهج قراءة
"النص"بين التفسير والاستلهام
كيف نقرأ نصّا ما؟
وقبل ذلك : ما هو النصّ؟
النص هو كل منظومة تتماثل فى
أفق الوعى، فتستثير الفهم، أو الحوار، أو الإضافة، أو التكملة، أو الجدل، أو التفرع
الخلاّق، أو التكامل، أو كل ذلك مجتمعا.
وقارئ النص هو من تفتّح وعيه
للمُـدرَك المتاح ليعيد تشكيله بما أمكن، وهذا موقف لا يشترِط القراءة والكتابة،
بقدر ما يشترط الدراية واليقظة.
الإنسان هو نفسه
"نص" يحتاج فى قراءته إلى ما يحتاجه أى نص.
و لعل المشروع العملاق
المسمى مشروع الجينوم الذى يحاول قراءة الخريطة الجينية للإنسان، هو محاولة علمية
رائدة لقراءة النص البشرى بفك شفرة مكوناته الجينية. وحتى هذه القراءة بعد أن تتم،
وعلى الرغم من أنها تعد بأن تكون قراءة بيولوجية مستفيضة، سوف تحتاج إلى قراءات
كثيرة لاحقة: ناقـدة ومستلهِـمة.
كل "آخر"(كل إنسان
آخر) هو نص "آخر"، مختلف عن أى نص "آخر".
المريض النفسى هو نص أكثر
تعريا، وأكثر تحديا، وهو "نص" يحتاج إلى قراءة، أكثر منه اضطراب يحتاج
إلي"لافتة"(تشخيص). ولعل هذه الحقيقة كانت تكمن فى خلفية المؤلفَيْن
وهما يقدمان على هذه المغامرة فى مواجهة نص بهذا التعـقيد، وهذا العمق، وهذا
الخلود.
إن أى نص (بما فى ذلك
"الآخرـ الإنسان"، وأيضا النص الإلهي) يمكن أن يتناوله الوعى بوسائل
كثيرة، على مستويات متعددة، نورد بعضها فيما يلي:
1) التسليم لظاهرالنص من فرط حضوره الجاهز والكامل.
فى هذه الحالة يكون النص
بمثابة مؤسسة سلطوية. يترتب على ذلك تسليم تختلط فيه الطاعة بالخوف بالتشكّل لما
يلوح منه دون مواجهته.
2) ترجمته كله أو بعضه إلى لغة المعاجم الجامدة (حتى
التحنيط أحيانا) مع احتمال الاستعانة بالتاريخ المشكوك فى مصداقيته عادة.
3) ترجمته إلى لغة منظومة
أخرى لا ينتمى إليها أصلا .
مثل المحاولات الأحدث
والأكثر تسطيحا التى تجرى تحت اسم: التفسير العلمى (أو الرقمى !!) للقرآن الكريم.
4) إنكاره أو إهماله جزئيا
أو كليا (عجزا عن فهمه ، وربما هربا من تلقّى رسالته ، أو قبول تحدّيه).
5) إدراكه على مستويات
متعددة ، تعلَن كلها، أو يُحبس بعضُها خوفا من سوء تأويل العامة دون الصفوة.
(اتجاه كثير من المتصوفة)
6) استعماله بظاهر شكله كرمز
عيانى، له مفعوله الأسطورى الخاص، مـثل التبرّك به بغض النظر عما يقوله مضمونه.
نتوقف هنا لنقول إن ذلك
وغيره قد يتم على مستوى الشعور أو اللاشعور، وأن ثمة احتمالا يقول :
إن بعض ما وصَلَنَـا من
النصوص الخالدة (والمقدسة) قد وصلنا من خلال قراءات تناولت الأصول حسب المتاح فى
مرحلة تاريخية بذاتها، قراءات استعملت لغة معيّنة فى أرضية معرفية محكومة بالمُتاح
لها.
قد ينجو النص من وصاية هذه
التفسيرات فتظل أصوله النقية متاحة معطاء جنبا إلى جنب مع اجتهادات تفسيره.
وقد يختفى فى ثنايا تفسيره،
أو يحل التفسير محله، فتحرمنا التفاسير منه فى ذاته، لذاته، وبالتالى تحرمنا من
استعادة الحوار معه لاستلهامه على أن ثمة نصوصا، ليست مقدسة بالضرورة، تثبت
جدارتها وفائدتها للبشر والحياة دون أن يستطيع الوعى البشرى فى مرحلة (أو مراحل)
من تطوره أن يلمّ بمستوياتها المتعددة فى آنها، فهى تبدو غامضة أحيانا، ومتناقضة
أحيانا، وبعيدة أحيانا، لكنها تبقى واعدة، متجددة، وكأنها تنتظر، أو تتحدي. (من
ذلك بعض المأثورات والأمثال الشعبية).
لعل السبب الذى يفسر هذا
العطاء المتجدد هو قدرة هذه النصوص على مخاطبة أكثر من مستوى من الوعى دون أن نعرف
أى مستوى هو الذى يحتاجها، فى وقت بذاته.
وتتجدد الإيحاءات مع تغيّر
مستوى الوعى المتلقي.
وقد تصل أصالة نص ما إلى ما
يبدو وكأنه خلود دائم العطاء. ويعتبر خلود مثل هذه النصوص دعوة ضمنية للعودة
إليها، وإعادة قراءتها، واستلهامها، بما يستجد للإنسان من أدوات ولغات باستمرار، وبما
يتحرك فيه ومعه من مستوياتٍ للوعى متجددة ومتضفرة ومتفرعة.
تتميز هذه النصوص عادة بأن
عطاءها ليس له زمان محدد. فنحن نكتشف فيها كيف أنها قد تتناول المشاكل الحاضرة، بل
وأحيانا المستقبلية وكأنها تعيش بيننا الآن، ثم غداً، مع أن عمرها قد يصل إلى
مئات، أو آلاف، السنين. وهذا لا يعنى قدرة تنبؤية خارقة، أو معجزة خاصة، وإنما هو
يشير إلى عمق ما وصل إليه مثل هذا النص من طبقات الوعى الأساسية التى تشكل الكيان
البشرى، فتتجلى متجددة، مع تغيّر الزمان واللغة.
إن خلود النص لا يرتبط بقدراته
التنبؤية بقدر ما يرتبط بعمق غوصه إلى جوهر الوجود الذى لا يتغيّر، وإن تجددت
تشكيلاته وتنوّعت لغاتـه.
من منظور نفعى بحت، لا بد أن
لمثل هذه النصوص فائدة للمتلقين عبر التاريخ، وإلا فكيف بقيت هكذا حتى الآن على
الرغم من كل شيء؟
وسط الفيضانات الهائلة من
الوصاية والإحاطة والملاحقة بقشور المعلومات، يظل نقاء الوعى البشرى قادرا على
معاودة استلهام مثل هذه النصوص الخالدة، دينية كانت أم غير ذلك.
ويُحسب للوعى البشرى
الجماعى، على الرغم من كل ما لحقه، أنه ظل يحافظ على النصوص المقدسة، وعلى أداء
المشاعر الدينية، ضد كل محاولات الشرح والاختزال والإنكار، بل ضد كل محاولات
العـلـمنة، والـعــقلنة، والمَنْطَقَـة.
إن محاولات العودة المتكررة
إلى نصوص بذاتها تؤكد أمرين:
الأول: هو أن القراءات
الأولى ، مهما بلغ اجتهادها، ليست كافية.
الثاني: هو أن ثمة حاجة إلى
إعادة النظر فى المنهج باستمرار.
إن هذا العمل الذى نقدمه ـ
فى رحاب النفرى ـ إنما يتحرك داخل نص شديد الغموض، واعد بالخلود، إلا أننا نلاحظ
فيه بوضوح تلك الميزة التى أشرنا إليها حالا من تناوله قضايا "الآن" بكل
تفاصيلها وكأنه يعيش بيننا.
إننا لا ننوى، ولا نستطيع،
أن نترجم مثل هذا النص إلى عطاء علم النفس، أو فلسفة العلم، أو مقولات النقد عن
الكتابة "عبرالنوعية" مثلا، أو عن علاقته بالحداثة، وما بعد الحداثة،
والتفكيكية... إلخ. ولا نحن ننوى، أو نستطيع، أو نريد، أن نربط بينه وبين عودة
الفلسفة إلى الشارع والمقاهى، والحياة العادية.
إن مثل هذه المحاولات تكاد
تكون "ضد" ما نريد تقديمه.
لسنا هنا فى مجال الحديث عن
بعض ما لحق بالنصوص المقدسة من تشويه وامتهان حين عوملت بمناهج حديثة لا تصلح لها
حتى لو سمّيت "علمية"،أو "عقلية"، أو عقلانية، أو ما شئت من
مسميات.
منهج الاستلهام الذى نطرحه
هنا لا يقترب من جزئيات النص ليحـشرها فى قوالب (لغوية أو علمية) جاهزة مسبقا،
قوالب لم ُتعدّ لمفردات مثل هذه النصوص أصلا، ولا بمـقدورها أن تستوعب مضمونها.
يقوم الاستلهام بالتعامل مع
النص القادر الواعد المفيد كوحْى متجدد، باعتبار أن رسالة النص الخالد بمستوياتها
المختلفة قادرة على تحريك ما يقابلها فى المتلقى، فى أحواله المختلفة، وأزمانه
المختلفة، فيقرأها فعلا، أو قولا، أو إبداعا.
ثانيا : هذه المحاولة
تتكون هذه المحاولة من جزأين
(كتابين):
الكتاب الأول : قراءة منفردة باكرة لأحد
المشاركين (يحيى الرخاوي)
والكتاب الثاني: قراءة متعددة المراحل ظهرت
فى صورتها الأولى على فترات.
المؤلف المشارِك، د.إيهاب
الخراط، هو الذى تناول أولا نصوصا من النفّرى بالأسلوب الذى ميّز هذا الكتاب
الثاني.
أثارت هذه المحاولة يحيى
الرخاوى، فراح يواصل القراءة مستلهِما كلا من النص الأصلى والقراءة الشابة.
نحن إذ نغامر بنشر هذه
المحاولة مجتمِعة، إنما نريد أن ننبه إلى ضرورة أخذ مثل هذه النصوص الخالدة مأخذا
مختلفا.
ثم لعل اجتماع مؤلفيْن
(قارئيْن، مستلهِميْن) ينتميان إلى دينين مختلفين يقوم بفائدة غير مباشرة ، فى
وقتنا هذا، فى ظرفنا هذا، فائدة نحن أحوج ما نكون إليها الآن، وإن كان ذلك لم يكن
فى بؤرة وعى المشاركين حين أقدما على هذه المحاولة المتواضعة.