الفصل الثالث
تقاسيم على اللحن الأساسى
"نصّ على نص"
(من حلم 53 إلى 210)
وصلتنى أحلام فترة النقاهة من
البداية على أنها لوحات شعرية، ليست قصة قصيرة، أو شديدة القصر. كما رحت
أؤكد فى أكثر من مناسبة أنها إبداع إبداع، لا أكثر ولا أقل، بمعنى أنها ليست حلما
يحكى، فنروح نفسره، وأن الأحلام الحقيقية التى كان يحلمها شيخنا، لم تكن إلا
مصدراً من أهم مصادر أبجدية إبداعه (أثناء تلك الظروف الخاصة).
حين غامرت بالتصدى لنقد هذا العمل
الصعب كنت تحت تأثير نقدى السابق لأصداء السيرة الذاتية، رحتُ أتناول الأحلام
باعتبار كل حلم منفردٍ نصا كاملا، لكن مع المضى قدما بدأت أدرك تزايد الصعوبة،
مقارنة بنقدى للأصداء فقرة فقرة، كما ذكرت فى المقدمة العامة.
ثم إننى لجأت بين الحين والحين – كما فعلت فى
الأصداء- إلى أن أربط بين ما تيسر لى من الأحلام حتى حلم 52، وبين الحلم الجارى
نقده، مع وعدٍ بأن أعود إلى ربط أوثق فى الدراسة الشاملة بعد انتهائى من هذه
الدراسة التفصيلية التجزيئية.
لكن الصعوبة أخذت تزداد باضطراد خاصة حين كنت أضطر
بين الحين والحين إلى فك شفرة الحلم بما يحضرنى من احتمال رموز واضحة، الأمر
الذى أحاول أن أتجنبه فى النقد عامة، معظم الوقت، وهنا بوجه خاص، خشية أن يقلل ذلك
من قيمة الحلم المُبدَعَ. كما لاحظت كيف يستقبل قارئ النقد فك الشفرة هذا باعتباره
"تفسيرا"، أقرب إلى تفسير الأحلام العادية، الأمر الذى أحذر منه أيضا
طول الوقت، حتى من وجهة نظر التحليل النفسى كما جاء فى الفصل الأول.
ثم إن هذه الأحلام ظلت تنشر
أسبوعيا فى موقعى الخاص، وكنت أتلقى تعقيبات منتظمة وأرد على أغلبها فى بريد
الجمعة كل أسبوع، وقد أفادتنى كثيراً أغلب تلك التعقيبات، وأعتقد أنها عدّلت
المسار سواء بوعى منى أو بغير وعى. وفيما يلى أورد الخطوط العامة لمجمل ما كان فى
هذه التعقيبات طوال سبعة أشهر تقريبا.
تعقيبات
1-
ترحيب محدود بالنقد عامة (بعضه حماسى
مشجِّع)
2-
ترحيب
أكثر بتفسير الحلم برموز واضحة، خاصة لو كانت رموزا سياسية، أو ضد السلطة، أو ضد
الظلم. (وذلك بالرغم من، وضد، تحفظاتى المكررة)
3-
إصرارٌ متواتر لاستقبال الحلم على أنه
"حلم" فعلا وليس إبداعا، مع أننى نبهت مرارا إلى ضرورة نفى هذا نفيا
قاطعا.
4-
تفضيل قراءة الحلم بذاته لذاته (النص) عن
قراءته مع النقد .
5-
تقريظ محدود للقراءة النقدية حين يبدو أن
النقد قد فسر غموضا بدت استحالة تفسيره من الحلم مباشرة.
6-
احتجاج صريح (حتى الرفض أحيانا) بأن
النقد/ التفسير يحجب الحلم، فيقلل من تأثير رسالته المباشرة الكلية .
7-
احتجاج على غموض كل من الحلم والنقد على
حد سواء .
8-
قراءة نقدية بديلة، أغلبها يتجه – للأسف -
إلى فك شفرة الحلم بما خطر للناقد على النقد أنه رمزٌ أقرب وأهم.
9-
إطلاق
تداعٍ إبداعىّ استثاره الحلم وحده، أو الحلم والنقد معاً، تداعٍ لا يحمل أى قدر من
التفسير، أو فك شفرة الرموز، ولكنه يضئ باعتباره استلهاما إضافة
إبداعية دالة.
تردد مشروع
شعرت من البداية أننى أخاف هذه
المغامرة، ولا أريد أن أتحمس لها، ومستعد أن أتراجع عنها.
ومع ذلك مضيت فيها حتى آخرها.
القراءة الجديدة، هى بمثابة "نص
على نص"، أو استلهام نص،
تذكرت التجربة التى قمت بها مع الابن د. إيهاب
الخراط فى قراءة بعض نصوص مواقف النفرى[1] كما تذكرت موقفى الحذر من تفسير القرآن الكريم والنصوص
المقدسة عامة، مع تأكيدى على أنها نصوص للاستلهام والإيحاء وليست
للتفسير.
ثم أنى رحت أنظر فى تجربتى طوال
سبعة أشهر (52 حلما) وقررت أن أعيد تحديد معالم ما وصلنى من طبيعة هذه النصوص قبل
أن أبدأ التجربة الجديدة على الوجه التالى :
أولاً: هذه النصوص ليست أحلاما كما ذكرتُ ألف مرة لكنها إبداع
مكثف.
ثانياً: هذا الإبداع ليس حكياً
مسلسلاً متتابعاً لكنه صورة ماثلة.
ثالثاً: هذه الصورة ليست صورة
ثابتة، لكنها حركة مصورة متغيّرة.
رابعاً: هذه الحركة ليست عشوائية
شاردة، ولا هى ضامة غائية، لكنها ألحان ذات أصالة خاصة، كثير منها مفتوح
النهاية.
كل هذا جعلنى أعيد النظر فى طبيعة
هذه النصوص، واستقبالها نصا شعريا يحمل أغلب مقومات الشعر.
فى مبحثى الأساسى عن الإيقاع الحيوى ونبض
الإبداع [2]، قارنت بين الشعر والحلم مقارنة
تفصيلية، كما تحفظت على تفسير الحلم برموزه كما هو شائع، وأيضا رفضت نقد الشعر
بشرحه، وتصورت أن الشعر لا ينقد إلا شعراً.
أشرت إلى ذلك من قديم وأنا أستشهد
بقصيدة أستاذى محمود شاكر، على قصيدة الشماخ "القوس العذراء"[3].
ثم تأكد لى بعض ذلك بعد محاولتين فى نقد الشعر، الأولى كانت لشاعر شاب يطرق باب
الإبداع "النزهة بين
شرائح اللهب"[4]، والثانية كانت قراءة لبعض شعر صديق بعنوان "هوامش
وهواجس" وهى دراسة لبعض شعر الشاعر أحمد زرزور[5]، أما دراستى المقارنة بين رباعيات جاهين
وسرور والخيام (رباعيات ورباعيات) فقد كانت أقرب إلى تقديم نظريات
نفسية متنوعة كشفت عنها هذه الرباعيات كل بطريقتها[6].
ثم عدلت نهائيا عن نقد الشعر وقد زاد اقتناعى أن
الشعر لا ينقد إلا شعرا.
وهذا يحتاج إلى بعض التوضيح:
إن الشعر الأصيل يستثير فى متلقيه شعرا بالمعنى
الأعمق، حتى لو
لم يترجمه إلى ألفاظ شعرية.
إذا كان
الأمر كذلك: الشعر لا ينقد إلا شعرا، تصبح القراءة الأوْلى بالنص الشعرى – خصوصا
إذا كان بهذه الكثافة – هى باعتباره مصدر استلهام وليس دعوة لفك شفرة.
قلت: أبدأ
هذه التجربة الجديدة فصلا جديدا، مع الأحلام باعتبارها "لوحات شعرية"
غير قابلة للنقد أو للتفسير بقدر ما هى موحية بما توحى به.
لكننى
اكتشفت أننى بدأتها منذ سنوات ذلك أننى بمراجعة أوراقى اكتشفت أننى اختتمت قصيدتى[7]
"علّمتنى شيخى" فى عيد ميلاد شيخى الجليل الـ92 باستلهام أحلام فترة
النقاهة .
ولعل تسجيل هذا "الحلم شعرا"،
وهو الذى استوحيته من هذه اللوحات الشعرية التى هى أحلام فترة النقاهة، هو خير
دليل على إمكان ما نسميه الآن "تنويعات على الحلم
الأساسى"، أو "تقاسيم" لعل وعسى .
وها هو
"الحلم" شعراً كما ورد فى نهاية القصيدة المشار إليها حالا
"من وحى أحلام النقاهة- سيّدى- نشطتْ خلاَياىَ معاً:
" فحلمـتُُُ أنِّىَ
حاملُ،
وسمعت دقــا حانِياً
وكأَّنهُ وعْدُ الجنينْ.
جاء المخاضُ ولم يكنْ أبداًً
عسيراََ،
وفرحتُ أنِّي صرتُ أمّا
طيبة،
لكننى قد كنت أيضا ذلك
الطفل الوليدْ،
فلقفت ثدى أمومتى،
وسمعتُُ ضحكاًً خافتا.
لا،.. ليس سخريةً ولكن..
.... وسمعت صوتا واثقاًً فى عمق أعماقى يقول:
"المستحيلُ هو النبيلُ
الممكن الآن بنـا".
لمستْ عباءتكَ الرقيقة جانبا من بعض وعْيي،
فـعلمـتُ أنـَّكَ
كُـْنـتـَهُ".
وصحوت أندم أننى قد كنت أحلم".
ثم إنى رحت أستشير ابنا مبدعا فى مجال آخر (هو مجال الموسيقى) د.سيد
الرفاعى ليفيدنى فيما يقابل فى الموسيقى
ما أعتزمه بشأن تقاسيم وتنويعات على اللحن (الحلم) الأساسى، فكتب لى ما يلى بالحرف
الواحد :
·
يوجد فى الموسيقى ما يسمى تنويعات
على لحن واحد .
·
يوجد فى الموسيقى ما يسمى بالتقاسيم
من مقام أو سلم موسيقى كأن تقول مثلا: تقاسيم من مقام نهاوند أو بياتى هذا فى
الموسيقى العربية.
·
وهناك قالب موسيقى عربى يسمى
"التحميلة" وهى عبارة عن قطعة موسيقية تتخللها تقاسيم منفردة من الآلات
الموسيقية المختلفة. "هى عبارة عن حوار بين آلة منفردة وآلات الأوركسترا"
·
التقاسيم هى عبارة عن تأليف موسيقى
مُرتجل يقوم به العازف منفرداً وقد تكون التقاسيم حرة أو مقيده بوزن إيقاعى، وخبرة
العازف تلعب دوراً هاماً فى كفاءتها .
·
يوجد فى الموسيقى الغربية
الكلاسيكية قالب موسيقى يسمى كونشرتو Concertoوهو عبارة
عن حوار بين آلة منفردة وآلات الأوركسترا وذلك من خلال تأليف موسيقى مبدع، وهو من
مقامات مختلفة كأن تقول مثلا: كونشيرتو البيانو والأوركسترا من مقام دو الكبير أو
مى .... الخ.
·
(انتهى كلام
د. سيد رفاعى)
وبعد
ماذا أسمى
هذه المحاولة الجديدة؟
تنويعات على اللحن الأساسى
؟
تقاسيم
على نغم أصيل؟!
نصُّ على
نصُّ؟
دعونا نسميها أى اسم من كل ذلك،
أو لا نسميها إطلاقا.
****
نص
اللحن الأساسى: حلم (53)
سألت عن صديقى فقيل لى إن الموسيقار الشيخ زكريا أحمد [8] يسهر فى بيته كل
ليلة شاديا بألحانه حتى مطلع الفجر فقلت يا بخته ودعيت لحضور
سهرة فذهبت إلى الحجرة الواسعة المزخرفة جدرانها بالأرابيسك ..
ورأيت الشيخ زكريا جالسا على أريكة محتضنا عوده وهو يغنى 'هوه
ده يخلص من الله' وفى حلقة جلست الأسرة نساء وأطفالا وبينها
رجل معلق من قدميه وتحت رأسه على مبعدة ذراع طست ملئ بمية
النار.
وضاعف من ذهولى أن الجميع كانوا يتابعون الغناء دون
أدنى التفات إلى الرجل المعذب.
التقاسيم:
...
قالت المرأة المتنقبة للرجل الأملس، إن هذا هو آخر ما كنت أتصوره من الشيخ زكريا
بالذات، ردّ الرجل بصوت عالٍ مع أنه كان يتلفت: ما عليك، المهم هو ما سيكون بيننا
بعد السهرة، فقالت هامسة: إخفض صوتك.
وصاح
طفل من المتحلقين حول الرجل المعلّق صياحا غامضا كأنه يطلب ماء أو أماناً، فزع
الجميع لأن صياحه أخذ يتصاعد حتى بدا كعواء ذئب جائع، بل مسعور، وتحرك العطش فى
الجميع دون استثناء.
نبه الشيخ سيد درويش أنه "ما هكذا يكون
الغناء"،
سأله محمد عبد الوهاب: إذن كيف يكون؟
قال
السيد أحمد عبد الجواد: يا جماعة دعونا نستمع الله يخليكم، هل هذا وقته؟
ويلاحظ
الجميع، أن الرجل المعلق مازالت تدب فيه الحياة جدا. ويسأل جار جاره: ألا يشبه
وجهه وجه "أحمد عاكف"، فيرد: لست متأكدا، لكن صوت سعاله يشبهه.
ثم
خطف الأطفال طست ماء النار وجروا به وهو يترجرجر بين أيديهم إلى خارج الدار فرحين
مهللين، فولولت النسوة وهرولت إحداهن وراء
الأطفال، فاصطدمت بالرجل المعلق الذى ابتسم وغمز بعينه اليسرى برغم رعبه وألمه،
فزغردت بقية النسوة ورحن يتراقصن معه وهن يصنعن كورسا مع المحيطين بالشيخ، مرددين
من جديد:
"هوا دا
يخلص من الله".
****
نص
اللحن الأساسى: حلم (54)
فى الحجرة المغلقة دار الحوار بينى وبين المذيعة وكان
الحديث عن الموسيقى المحلية والأجنبية، وعند بعض مراحل الحوار
أقوم للبيانو وأعزف عليه بعض الألحان. وكلما مر وقت فتح الباب
ودخلت سيدة من أهل البيت لعلها أمى أو أخرى فى منزلتها تقدم
مشروباًً وتذهب، ولكن وضح لنا أنها كانت تراقب خلوتنا بريبة.
وضقت ذرعاًً برقابتها فعزمت على تحديها بصورة غير مسبوقة
فما أن سمعت صوت الباب وهو يفتح حتى اندفعت نحو المذيعة
وضممتها إلى صدرى.
ولم أعد أبالى شيئاًً كما لم أجد غضاضة ما. ولما
انتهيت من التحدى كانت المرأة قد اختفت من الحجرة بل ومن
البيت كله.
التقاسيم:
.... وصلنى صوتها بعد أن اختفت، وهى تقول بلهجة
حاسمة: ولكنها أختك، فتأكدت أن الصوت صوت أمى، لم أرد عليها لأننى كنت على يقين من
أنها ليست أختى، حتى لو كانت هى ابنتها من بطنها.
هذه المرأة تفسد كل شئ لصالحها هى دون سواها.
قالت تؤكد من جديد: قلت لك إنها "حميدة أختك".
داخلنى
شك جديد لأن اسم حميدة غير شائع (أو ربما ممنوع) بين المذيعات والممثلات.
وانتقل
انتباهى إلى صوت طقطقة أرجل ثقيلة تتمشى فوق السقف الخشبى ذهابا وجيئة، نفس
الخطوات، لكنها تصدر أنغاما متقطعة مختلفة، كأنها موسيقى سوداء فى خلفية قصيدة نثر
شاعر مجهول.
وجدتنى أقوم إلى البيانو لأعاود العزف لعله يطغى
على هذه الطقطقة، فلم أجده فى مكانه، وحين عدت إلى الحجرة، لم أجد المذيعة أيضا.
راح يتصاعد طرْقٌ على الباب، فأبتعد، فيزداد الطرق
فأخاف أكثر أن أفتح خشية أن أواجه أيا من الوجهين، المذيعة أو أمى.
أما أبى فكان مازال يتمشى على السطح يقرأ ورده
كالعادة، فتزيد طقطقه الخشب، ويتسرب تراب قديم من السقف فى استحياء،
فأزداد رعبا ولا أملك إلا أن أواصل الانتظار.
****
نص
اللحن الأساسى: حلم (55)
تحتدم المناقشة بين امرأة ورجل وأبنائها الخمسة حول حق
الأم التى تجاوزت الستين فى الحب والحياة. وتخطت المناقشة
الأسوار فصارت حديث الجيران.
يقول البعض إنه حب زائف بين عجوز وشاب فى سن
أبنائها طمعاًً فى المال الذى ورثته عن زوجها. ويقول البعض
إنه ليس للإنسان إلا ما يقدر له من الحياة والحب خاصة حتى
ولو أدى ذلك إلى دفع الثمن باهظا. وبدا الأمر فى نظر الشبان
الخمسة مصيبة لها، وكان من قتل الأم البائسة ووقف الأبناء
الخمسة فى قفص الاتهام. وتوزعت التهمة عليهم من التنفيذ
للمشاركة للتخطيط.
وكان التحقيق فيها والمرافعات حامية إذ كانت مفرداتها
الأمومة، والبر، والشرف، والسمعة، والتقاليد ومازلت أذكر وجوههم
وأقوالهم كما لازلت أذكر المرحومة أيام كانت تتحدى العمر
والألسنة، وتسير متبرجة تتبختر.
التقاسيم:
.....
ثم أجد نفسى خارجاً من مسجد سيدى عبد الرحيم القناوى، لأكتشف أن الحذاء الذى
التقطتّه ليس حذائى، أتلفتُ حولى فإذا
بحذائى يمسك به آخر، ولدقة الشبه شككت فى نفسى وخجلت أن ألفت نظره، لكن على الباب
لم يدخل الحذاء فى رجلى، فنبهته فابتسم،
وتبادلنا الأحذية والاعتذارات.
هذا الوجه أعرفه، لكن الجبّة المخططة والقفطان
الزاهى كادا يخفيانه عنى، ثم لماذا هو حاسر الرأس فاحم الشعر هكذا بما لا يتماشى
مع الجبة والقفطان اللذين لولا جِدّتهما
لحسبتهما لأبيه الذى يذكرنى به شبهه. هو شاب فاحم سواد الشعر وقد جففه بما لمّعه
ولواه فى حلقات مثل شبان هذه الأيام. لا شك أنه هو إذ يكاد يكون صورة طبق الأصل من
أبيه الذى مات منذ خمس عشرة سنة قبل الحادث .
اكتشفنا
أن وجهتنا واحدة وهى السوق القديم، سِرْنا إليه معا ونحن نتقارب فى حذر، وتبادلنا الحديث حتى تشجعتُ وسألته عن أبيه
فقال تعيش انت منذ أكثر من عشر سنوات؛ فتأكدت أنه هو، وزاد حرجى فلم أجرؤ أن أسأله عن إخوته فقد حضرتنى قضية أمهم
وما كان بشأنها وشأنهم.
أما عن سبب مجيئه هنا فقد حكى لى دون أن أساله
أنه يمر بأزمة منذ زواجه، وأنهم أرشدوه على عنوان امرأة هنا تفك الأعمال وأشياء
أخرى، ثم فجأة وكأنه يقرأ أفكارى أخبرنى وكأنه يطمئننى أن تحليل المادة النووية
للجنين الذى وجدوه فى جثة أمه عند التشريح أثبت أن الجنين من أبيه شخصيا، لكن
المحكمة لم تأخذ بهذا الرأى لطول المدة بعد الوفاة، مما أمكنها من تخفيف العقوبة.
قال ذلك وكأنه يفخر بدقة العلم الحديث، وشرف أمه، وحكمة القضاء معا، ولكنه بدا غير
نادم على قتلها.
سألته
عن إخوته بعد قضاء المدة، فقال إن اثنين سافرا إلى العراق واختفت أخبارهما،
والثالث يعمل مبيض محارة فى إيطاليا، أما الرابع فقد فاز فى قرعة الهجرة إلى
أمريكا، مع أنه لا يعرف كلمة انجليزية واحدة.
ولم
يخبرنى ولم أسأله عن نفسه لكنه أضاف:
أما أنا، فكما ترى، هذا هو عملى الأساسى.
وافترقنا
وأنا أترحم على أبيه،
ولازلت أذكر المرحومة ومرحها الجميل وحبها
للحياة.
****
نص
اللحن الأساسى: حلم (56)
غادرت البيت الكبير الذى ينتظر فيه كل رجل بذاته فلا
يعرف أحداً من الآخرين. وشعرت بشئ من الأمان بعد القلق.
غير أن شعور الأمان لم يدم طويلا، فخيل إلى أن آخرين
يتبعوننى، ونظرت خلفى أخذت فى الجرى، فرأيت عن بعد جماعة قادمة
ملوحة بأيديها فى الهواء.
فأوسعت الخطى حتى أخذت فى الجرى. ورأيت فى الطريق بيتا
وكان هناك من يدعونى فهرعت من فورى إليه ووجدت أهله وكأنهم
عائدون من الخارج فهم ينظمون الأشياء ويزيلون عنها الغبار،
ولم يدهش أحد لحضورى أمامهم فنظروا لوجهى ودودين فى وجوههم
وأحاديثهم وابتسامتهم.. ونسيت فى تلك اللحظة الزاحفين ورائى.
التقاسيم:
.....
رحت أساعدهم فى ترتيب البيت وكأنى من أهله، وأنا أسترق النظر للجميلة الشابة التى
تتفجر أنوثة وعذوبة حتى لاحَظَتْ، فخيل إلىّ أنها تغمز لى بعينها اليسرى، وتشير
إلى حجرة فى آخر الطرقة، مضت إليها وهى واثقة أننى سوف أتبعها، دخلتُ وراءها وبدلا
من أن أجد ما تصورت وجدتنى فى البيت الكبير الذى أشعرنى يوما بالأمان، لكن أهله
تغيروا وحلّ محلهم أولئك الذين كانوا يتبعوننى، ويلوحون فى الهواء، أو لعلهم
يشبهونهم تماما، مرقت الجميلة فيما بينهم فأوسعوا لها حتى خرجت من باب آخر فى
نهاية الصالة، لم أجد على وجوهم ما توقعت، لا شكّ، ولا اتهام، ولا تهديد، ولا شئ،
ومع ذلك لم
أطمئن،
وفى نفس
الوقت لم أنزعج ...
ما هذه
الأجراس التى تدق من بعيد،
نحن لسنا
يوم أحد، وأنا لم أتوضأ بعد،
فشعرت أن
صلاة الجماعة ستفوتنى لا محالة....
****
نص اللحن الأساسى: حلم (57)
درت حول الحصن مرتين..
حصن حجرى نوافذه صغيرة كالثقوب، ومن كل نافذة يطل وجه أعرفه
بل وأحبه.. والبعض طال غيابه والآخر رحل عن دنيانا من أزمنة
مختلفة، فنظرت بشوق وأسى وخيل إلى أن كل وجه يسألنى من
أعماقه أن أحرره، ونظرت إلى باب الحصن الحجرى بلا أمل، ثم
ذهبت إلى دار السلطة وطلبت العون، وغادرتها مجبور الخاطر قابضا
على عامود من الصلب، ورجعت إلى الحصن، ولوحت بالعامود فتهللت
الوجوه واصطفت على الباب وضربت ضربة هائلة فتحطم وتهاوى، واختفت
الوجوه من النوافذ وتعالى هتاف فرحة وسرور، ووقفت خافق القلب
منتظرا لقاء الأحبة بلهفة وشوق.
التقاسيم:
...... لم يخرج أحد من الحصن وكأننى لم أر أى وجه من الوجوه التى
أعرفها وأحبها فلماذا استجابت دار السلطة
لشفاعتى؟ ولماذا أعطتنى عامود الصلب؟ ثم لماذا لم يخرج أحد؟
هل كانت السلطة تريد إطلاق سراح المعتقلين من
الموتى والأحياء، أم أنها كانت تريد التخلص منهم جميعا تحت الأنقاض؟ وما سر هذه
الضحكات الدالة عل السرور والفرح والحصن يتهاوى؟ هل ارتاحوا أخيرا منا ومنهم؟
التفت مرة
أخرى إلى عامود الصلب فخيل لى أنه أفعى يتلوى، وأنه يقرأ أفكارى، بل ويسجلها، ثم
راح يصدر شعاعاً سرياً إلى السماء يوسع به ثقب الأوزون الذى لاح لى بعد أن حل
الظلام كأنه طاقة القدر.
ألقيت
بالعامود بعيدا فانفجر انفجاراً نووياً لم يترك شيئاً ولا أحداً إلا أباده، وأنا
معهم،
ومع ذلك
تركوا لى القدرة على الحكى هكذا
****
نص اللحن الأساسى: حلم (58)
أخيرا جاء الترام الجديد
وأصبح درة المواصلات فى حى العباسية وكنت من أول من استقلوه
وجذبتنى إليه ألوانه الخضراء والبيضاء وزخارف جدرانه وفخامة
مقاعده. كنت أقعد وأقف وأنا أتعجب من جماله، وأقول لنفسى هذا
متحف جميل لا ترام، ولكنى لاحظت مع مرور الزمن أن سلوك ركابه
دون مستوى جماله بكثير. والحق أنى رأيت فعالا يندى لها الجبين
خجلا، وذات يوم رأيت شابا من الخواجات ينقض على طفلة يريد أن
يلتهمها ولكنى حلت بينه وبينها مذكرا إياه بأنها طفلة وقبل
أن يشتبك معى صعدت سيدة جميلة فى أواسط العمر فهرع الشاب
إليها وهو يهتف 'Like
you' وقالت السيدة إنها
راجعة لتوها من أوروبا حيث شاركت فى الاحتفال بظهور سيرتها
الذاتية وعرضت علينا نسخة فإذا على الغلاف صورة امرأة عارية
تماما!.
التقاسيم:
..هو هو: شارع محمد على،
الترام مازال يخترقه مزهوّا مجلجلا برغم أننا تعودنا عليه، لكن غلبنى حنين إلى
عربة السوارس من باب الوفاء أو الوداع، قفزت إليها دونه.
البغل نشيط يدق بحوافره فتتراقص عضلاته وهو لا يهتم
لا بالترام ولا بالسيارات ولا بالمارة. العربجى يطرقع بالكرباج لكنه لا يلمس
البغل. المرأة البدينة تحكم لف الملاءة حول جسدها الذى يزداد جمالا ببدانته
المتسقة مع روحها المرحة. ضحكتها تلعلع بسبب وبغير سبب، وأحيانا تطلقها حتى قبل أن
يكمل العربجى جملته، رحت أتابع المواقف وأنا فى مؤخر العربة وسمعت المرأة تقول
للعربجى "إيش عرّف الخواجات فى النسوان"؟ فيرد العربجى "الخواجات
خواجات، سبقونا فى كل شئ خصوصا الحرية"، تتقصع المرأة وتزداد ضحكتها لمعانا
وهى تقول ".. شى لله يا حرية" لا يرد العربجى، يصيح بالبغل
"هس" بعد أن لوح للعربة ثلاثة أشخاص ينتظرون على الرصيف، تعجبت أن من
بينهم ذلك الشاب الخواجة الذى كاد يلتهم الطفلة ثم راح يغازل السيدة صاحبة الصورة
العارية على الغلاف. لم تكن الطفلة ولا السيدة من الواقفين، كيف يترك هذا الشاب
الخواجة الترام بكل جماله وحداثته ليقف فى انتظار سوارس!؟ ارتفعت ضحكة المرأة
البدينة الجميلة حتى ملأت ملاءتها اللف وارتج ثدياها فى إثارة واضحة، وراحت تغنى
وهى تشير إلى الخواجة "جونى يا جونى، تعابوسنى وعُضِّنى"،
احمر وجه الشاب الخواجة أكثر والتفت الناحية
الأخرى، ولم يركب، وأسرع الخطا نحو محطة الترام الذى كان قد غادر المحطة.
****
نص اللحن الأساسى: حلم (59)
إنه عجيب لطول قامته..
عجيب فى سلوكه، أما عن قامته فهى مثل مئذنة الزاوية، وأما
عن سلوكه فإنه يعترض سبيل من يختار من أهل حارتنا، ويحنى قامته
المديدة حتى يوازى وجهه وجهه، ويتفرس فى أساريره بإمعان، كأنما
يبحث عن سر دفين، ويمضى بعد ذلك نحو المقصد حتى يختفى عند
المنحنى .. وتلقاه الناس بدهشة واجمة وامتعاض شديد، بل إن
أحدهم تبعه عن بعد ليكشف أمره، ولما طالت غيبته خرجت جماعة
من الأهل والجيران للبحث والاطمئنان ولكنها رجعت مخيبة الرجاء.
عند ذاك جاء دور شيخ
الحارة فنهض ليؤدى واجبه، ورجع الرجل جريح الكبرياء، وانقلب
الحادث إلى حكاية على كل لسان، كثرت حوله الأفكار والظنون،
ولكن بلا جدوى فطواه النسيان أو كاد.
وذات يوم كان شيخ الحارة
يسامر إمام الزاوية إذ شعر بوجود يحل فى وجوده، ورأى أمره
العجيب بل ولمح قبسا من سره الذى حير الناس، وقرر فى الحال
القبض عليه، وأذاع ما عرفه من سره على الملأ.
وهمّ بالقيام ولكن خانته
قواه جميعا، فلم يستطع أن يتحرك ولم يستطع أن ينطق.
التقاسيم:
... شاع بين الناس أن شيخ الحارة هو الذى أخفاه داخله قصدا، ومن
البداية، وبعضهم اتهمه أنه هو هو، وأنه اتفق مع إمام الزاوية على كل شئ، وأن
تمثيلية إذاعة السر لا تَخْفى على أحد، فقد كان الناس كلهم يعرفونه، فما معنى
إذاعته هكذا؟
وظل شيخ
الحارة فى موقعه لا يتحرك ولا ينطق ولا يدافع عن نفسه ولا يموت.
…انقطعت عنى
أخبار حارتنا كل هذه السنين بسبب النسيان والسفر والدراسة، وبعد عودتى قابلته فى
ميدان التحرير، تعرفت عليه من شعاع عينيه فقط، فقد صارت قامته إلى عكس ما كانت،
صار قزما أحدبا، لكنه غير منفّر، بل بدا لى أقرب إلى أقزام السيرك المهرجين
بالإضافة إلى الحدب أعلى ظهره، لكنه عاد يزاول مهمته وشعاع عينيه لم يتغير. كان
مازال يعترض بعض المارة وهو يشب على أطراف أصابعه فينحنون له وكأنه يجذبهم بشعاع
عينيه، ولم يكن يبحث عن السر هذه المرة بل كان يقرأ الطالع، فكانوا يسلمونه عيونهم
دون حرج،
لا أعرف كيف
تذكّرنى بسهولة، واتفقنا أن نزور حارتنا القديمة بعد أن تأكدنا من استحاله معرفة
السر برغم أن كل الناس عرفوه قبل إذاعته. طلب الرجل أن نعود شيخ الحارة حين أخبرته
بما صار إليه، لا يتحرك ولا ينطق ولا يموت، فمضينا إليه، وإذا بالمفاجأة تنتظرنا
لتذهلنا فور دخولنا عليه: قفز شيخ الحارة وهو يصيح "الله أكبر الله
أكبر". حدثت المعجزة، راح شيخ الحارة يفسر لنا كيف عرف الرجل بعد أن صار قزما
أحدب وهو الذى كان طول مئذنة الزاوية، إنه شعاع العينين الذى لم يتغير، وفحصه
للناس وانجذابهم إليه. سأله القزم عن إمام الزاوية، فقال شيخ الحارة: لعنه الله
ذهب إلى الجحيم.
لمحت فجأة
تغيرا فى لهجته وتعبيرات وجهه وإشارات يديه، اختفت الفرحة بمعجزة الشفاء، وتوجستُ
شرا كأنه أرسل إشارات سرية للمخبرين للقيام بالواجب، فقررت أن نهرب بأسرع ما يمكن،
وحين التفت إلى جانبى لأغمز لصاحبى بالفكرة، لم أجده.
****
نص اللحن الأساسى: حلم (60)
دققت جرس الباب ففتح عن
ثلاث فتيات يقينا أنى لا أعرفهن، لكننى شعرت بأننى لا أراهن
لأول مرة. سألت عن السيدة صاحبة الشقة فأجبن بأنها مازالت فى
الحج ولم يعرفن بعد ميعاد عودتها. وسرن بى إلى حجرات الشقة.
وعند فتح كل باب أرى جماعة حول مائدة مستديرة غارقين فى
مناقشة حادة ولكنى لم أعرف أى موضوع يناقشون من اختلاط
الأصوات وتداخلها. ولم أرغب فى الدخول فى أى غرفة مفضلا انتظار
السيدة صاحبة الشقة. ولفتت نظرى إحدى الفتيات بأن السيدة سوف
تتأخر بضعة أيام ومن يأسى أجبتها بعد أن اشتركت فى المناقشات
دون جدوى أننى أفضل انتظار عودة السيدة.
التقاسيم:
.. لا أعرف
إن كنَّ قد سمحنَ لى بالانتظار أم خفنَ من إصرار عينىّ. مددت يدى على رف فى الصالة
دون حاجة إلى استئذان، فقد اختفت الفتيات الثلاث لا أعرف متى، فوجدت بين يدى كتابا
من الكتب القديمة ذات الورق الأصفر والرائحة العتيقة، فتصورت أنه كتاب فى الدين أو
فى الجنس أو فيهما معا. لكننى حين فتحته وجدت أن به تسجيلات كل الأحاديث التى كانت
تدور فى الحجرات، وتعرفت على صوتى من خلال السطور، وتأكدت من أننى اشتركت فى
المناقشات، مع أننى لم أدخل أية حجرة أصلا.
عادت صغرىِ
الفتيات الثلاث، وكانت أجملهن، وسألتنى إن كنت أشرب شيئا، فشكرتها، فأردفتْ إن كنت
فعلا سوف أنتظر الحاجّة كل هذه الأيام هنا فى البيت، فأجبت بالإيجاب، قالت وهى غير
متحجبة، وأين ستنام؟ قلت أنت وما ترين. وحين نبهتنى أنه لا يوجد مكان للنوم أصلا
أبديت عدم فهمى، فقالت: إن كلمات الأحاديث تشغل الحجرات كلها أكثر مما كانت أثناء
المناقشات، بحيث لا تعود تتسع لموضع قدم بعد انصراف المتناقشين، فسألتها وأين
تنامين أنت؟
قالت: أنت
مالك؟!!
****
نص اللحن الأساسى: حلم (61)
وصلتنى دعوة عشاء فى بيت
قريب عزيز. ولما اقتربت من الباب رأيت أفواجا من المدعوين
يدخلون. فأدركت أن الدعوة عامة. ورأيت بين القادمين نخبة من
جيل أساتذتى وأخرى من جيل الزملاء. وتبادلنا التحية وبعض الكلام
وكان مما أجمعوا عليه أنهم يقيمون الآن فى قرية كرستوفر
وقالوا الكثير عن جمالها وتفوقها على جميع القرى السياحية.
دخلنا وتفرقنا بين الموائد. وكانت جلستى أمام مائدة صغيرة
عارية من كل شىء فلا مفرش ولا طبق ولا أدوات طعام وقبل
أن أفيق من دهشتى رأيت شكوكو قادما نحوى قابضا على فخدة خروف
محمرة. وسلمها لى يدا بيد وذهب وهو يضحك. صعقت واستأت ولكنى
لم أر بدا من قطع اللحم بأصابعى لأتناول طعامى غير أننى كنت
أفكر طيلة الوقت فى كرستوفر.
التقاسيم:
.... سألت موظفة مكتب السياحة عن قرية سياحية اسمها كريستوفر، وهل
يوجد بها فندق لمن لا يملك بها شاليها أو فيلا، فأنكرت الاسم وقالت لى الموظفة
لعلك تقصد قرية كولمبوس، قلت لها ربما لها اسمان، فأخبرتنى بأنه لا يوجد بها فندق،
وإنما شاليهات تؤجر بالليلة، وأنه يشترط لمن يسمح له بتأجيرها أن تكون فصيلة دمه A B، وأنا
أعرف أن فصيلة دمى (O) وأنى قادر على أن أعطى كل الناس نقل دم لكن لا آخذ إلا من فصيلة
تشبهنى، وشرحت لها المسألة وأنى مستعد أن آخذ بالمخاطرة لو حدث شئ، فأُعطى ولا
آخذ، فوعدتنى الموظفة أن ترجع إلى رئيسها تستشيره.
فى الطريق
وجدت بائع عرائس الجبس ينادى "شكوكو بالأزايز"، "كاريوكا
بالأزايز"، فتقدمت منه وسألته عن فصيلة دمه، فقهقه عاليا، وطبطب علىّ مشفقا
على عقلى، فوجدت نفسى فى المصعد فى قرية كريستوفر كولمبس، وعامل المصعد يعطينى
مفتاح الشاليه ويطلب منى التوقيع على مسئوليتى عما يحدث لى كما وعدت فى مكتب
السياحة، فقمت بالتوقيع.
أثناء ركوبى
المصعد نظرت إلى صورتى ولم أتعرف على نفسى لكن لاح لى فى المرآة عدد من المدعوين
من جيل الأساتذة والزملاء وهم يلوحون لى تلويحه الوداع "بالسلامة"
"بالسلامة"، ضغطت على زر رقم الدور الذى أخبرنى عنه الرجل وإذا بالمصعد
يهبط بدل أن يصعد، وتصورت أن هذه هى الأصول، لكنه ظل يهبط دون توقف بغض النظر عن
محاولاتى مع كل الأزرار، وتذكرت حديثى مع موظفة المكتب، وأسفت لتوقيعى لعامل
المصعد. واستمر الهبوط وأنا لا أستطيع حتى أن أصيح أن فصيلة دمى (o).
****
نص اللحن الأساسى: حلم (62)
أخيرا عثرت على الصورة
القديمة العزيزة بين الأشياء القديمة. ولكن فرحتى لم تتم إذ
سرعان ما تبين لى أن الصورة تهرأت بمرور الزمن عليها وطمست
ملامح الأعزاء فلم يبق منها بقية تذكر.
وبقدرة قادر وجدت نفسى فى
بهو مصلحة حكومية وبيدى ملف خدمة موظف يتتبع خطاى ويطالب
بالإنصاف. وأدركت بخبرتى أن الموضوع من اختصاص إدارة
المستخدمين.
وبحثت فلم أجد لها أثرا
وفيما أمر أمام حجرة المخازن فتح الباب وخرج منه زميل توفاه
الله منذ شهر. خطف الملف من يدى ورجع إلى المخازن وهو يؤكد
أن الموضوع من اختصاصه. وأنسانى مظهره المهمة التى كانت تشغلنى.
التقاسيم:
... دخلت بسرعة وراءه قبل أن يغلق حجرة المخازن،
وأنا أعلم أنه متوفى، فملأنى الرعب، لكنه زادنى إصرارا، أخذ يسرع الخطى والملف تحت
إبطه، وأنا وراءه، وأنا على يقين أن الصورة القديمة بداخله، ولا أعرف كيف وصلت إلى
داخل الملف، وحين توقف فجأة واستدار وعيناه مليئة بالغضب والاحتجاج، صاح بى: إلى
أين؟ قلت له أنا معك حتى النهاية، قال إنك لن تستطيع معى صبرا، قلت ستجدنى إن شاء
الله من الصابرين، قال على مسئوليتك، قلت له هات الصورة التى بداخل الملف وأنا
أنصرف عائدا ويا دار ما دخلك شر، قال أية صورة يا أبله؟ قلت له أنت لا تعرف كم هى
متهرئة، ولو لم تأخذ بالك فستتمزق منك، قال كيف تقول ذلك وأنت بكل بجاحتك هذه خرجت
منها لتزعجنى كل هذا الإزعاج.
غمرنى
رعب غامض ثقيل، وأخذ جسمى يتبطط حتى صار فى سُمك ورقة كارتون، لا أعرف هل لصق
عليها صورتى أم لا.
وراح
الرجل يبحلق فيها وهو يقهقه شامتا.
****
نص اللحن الأساسى: حلم (63)
هذه أرض خضراء يحيط بها سور متوسط
الارتفاع لكنه كاف لإخفاء ما يجرى داخله عمن فى الخارج، وتنطلق من وسطها مسلة
طويلة فى رأسها علم، أما سطحها فيمرح بالشباب والحركة. خلت بادئ الأمر أننى فى ناد
رياضى. ولكن بعد أن أمعنت البصر غلب على ظنى أننى فى سيرك، فهنا جماعة تسير على
أربع. وهنا فريق يتبادل أفراده الصياح والركل. وفريق آخر يتعاقب الحركة....
الشتائم، أما البقية من الشباب فتشدو بألحان لم يسمع مثلها. وأردت أن أزداد علما
فوجدتنى خارج السور فى مدينة كبيرة يشقها شارع عملاق تتكتل الجماهير على جانبيه
خارج السور وهى تهتف متطلعة إلى العلم فى رأس المسلة. وأخيرا فتح الباب الكبير.
وتهادى منه الموكب، عربة إثر عربة. وفى كل عربة شاب يجلس جلسة ملوكية، ينظر إلى
الناس من عل. ويرد تحياتهم باستعلاء واستكبار.
التقاسيم:
رحت أنقل
بصرى بين الجماهير الهاتفة، وأتابع الشاب تلو الشاب فى العربات المزدانة فى جلستهم
الملوكية المتكبرة المتغطرسة، وخوفا من أن أقدم على ما لا أعرف كيف أضبطه عرجت إلى
أقرب حارة متفرعة من الشارع العملاق، فإذا بى أُسْتدرج من حارة إلى حارة وكأننا لم
نكن خارج السور أصلا، الرائحة كريهة، وتزداد عفونة ونتنا، وحْلٌ هذا نزحوه من مصرف
مهجور؟ أم فضلات بشرية تلك التى تغوص فيها قدماى؟ حل الظلام فجأة وكأننا لم نكن
الظهر منذ قليل، وسمعت صوت تعنية وحزق بجوار حائط متهدم، فاقتربت من الصوت لعله
يحتاج مساعدة ما، وتبينت وجها لشاب بجوار الحائط وقد بدأ يتقيأ ويتألم متأوها،
وإذا بى ألاحظ أنه أحد الوجوه التى كانت فى الموكب تنظر للجماهير باستعلاء
واستكبار، ومع ذلك غلبتنى الشفقة عليه وسألته عن معاناته وهل يحتاج مساعدة، فرفع
رأسه وتصورت أنه يستنقذنى أو يشكرنى، فإذا به يبصق فى وجهى قبل أن أنتبه. فانصرفت
فزعا وأنا أمسح بصقته مرددا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
فى طريق
رجوعى وعلى مسافات متساوية وبجوار نفس الحائط وجدت كل الشباب المتغطرسين الذين
كانوا يركبون العربات واحدة تلو الأخرى على مسافات متساوية تقريبا، وهم يجلسون نفس
الجلسة، يعانون نفس المعاناة، فأعددت نفسى للمباغته بهجمات دفاعية استباقية، وكلما
اقتربت من أحدهم بصقت فى وجهه دون أن أسأله عن حاجته لمساعدتى.
****
نص اللحن
الأساسى: حلم (64)
من شدة الرعب تسمرت قدماى فى
الارض، فعلى بعد ذراع منى شبت ثلاثة كلاب ضخمة متوحشة تريد أن تنقض علىّ لتفتك بى
لولا أن قبضت على أذيالها امرأة باستماتة.
وإلى اليمين وقفت كلبة فى ريعان
الشباب، آية فى غزارة الشعر وبياضه ونعومته وكانت تشاهد ما يحدث فى قلق تجلى فى
اهتزازات ذيلها القصير المقصوص.
وارتفع نباح الكلاب الثلاثة وتتابع
كالرعد واشتعلت فى أعينها الرغبة المتأججة فى الفتك بى ولما تعذر عليها الوصول
إلىّ استدارت فجأة ووثبت على المرأة وعند ذاك اقتلع الرعب قلبى وارتمت علىَّ
الكلاب. أما الكلبة الجميلة فتطلعت لى مدة وترددت لحظة عابرة ثم ألقت بنفسها فى
المعركة دون مبالاة بالعواقب.
التقاسيم:
.... فى عمق
الرعب الذى شل تفكيرى، لم أستطع أن أتبين إن كانت الكلبة الشابة الجميلة قد ألقت
بنفسها فى المعركة دفاعا عنى، أم مشاركة فى الانقضاض علىّ، والعجيب أن أيا من
الكلاب لم تمسسنى بسوء، لا عضة، ولا خدش، ولا كدمة، كانت كلما قاربت ملامسة وجهى
تكشر عن أنيابها وتتراجع، ثم تعود، فأزداد رعبا وأتمنى أن تلتهمنى فأختفى. لمحت
وجه المرأة وكنت قد نسيتها ووجدت أنها تتفرج وتبتسم ابتسامة هى مزيج من الشفقة
والشماتة، فاستعطفتها بعينى، فصفرت بفمها، فقفزت الكلبة البيضاء وذهبت إليها
فالتقطتها المرأة ووضعتها على كتفها وراحت تهدهدها وتمسح على ظهرها فى حنان بالغ،
فداخلنى شعور غامض أن الفرج قريب، وفعلا التفتت الكلاب الثلاثة إلى المرأة وأحنوا
رؤوسهم، وتوقفوا فى أماكنهم كأنهم تماثيل من صخر.
لوحتُ
للكلبة البيضاء فتخلصتْ من هدهدة المرأة وقفزت إلى كتفى، فدبت الحياة فىّ وانطلقت
الكلاب المتوحشة نحو المرأة دون تردد وقد خيل لى أن الغيرة قد ملأتهم غضبا، فراحوا
ينهشونها فى نهم متسارع حتى اختفت فى بطونهم، ثم اختفوْا تماما.
أخذت أملس
على شعر الكلبة البيضاء وهى على كتفى.
فابتسمتْ لى
وفرحتُ
ولم يخف على
أى منا كيف كنا ندارى خجلنا من نسيان المرأة وسط فرحتنا بالنجاة والحياة.
****
نص اللحن الأساسى: حلم (65)
انقضى العام الدراسى وأعلن عن يوم الامتحان. ولم نكن فتحنا كتابا ولا حفظنا
جملة توجب التفكير فيما ينبغى عمله. وثمة قلة كانت ما تزال تحتفظ بشئ من الاحترام
لما هو معقول فقررت الامتناع عن حضور الامتحان.
أما الأخرى فكانت مولعة بالعبث
واللامعقول فانتهزت الفرصة المتاحة وعزمت على حضور الامتحان.
وفى الصباح الموعود انتظمنا فى
الصفوف ولبسنا أقنعة الجدية والاهتمام. وإذا برئيس اللجنة يقوم ويقول بصوت جهورى
إنه سيوزع علينا ورقتين إحداهما تحوى الأسئلة والأخرى تحوى الإجابات الصحيحة.
وذهلنا حقا فلم نكن نتصور أن بين أساتذتنا من يفوقنا فى حب العبث واللامعقول.
التقاسيم:
...أمسكت
بورقة الإجابات الصحيحة، واكتشفت أنها خدعة، ذلك أنه مكتوب على رأس كل ورقة إجابة:
"ضع سؤالا آخر لهذه الإجابة، غير السؤال الذى ورد فى ورقة الأسئلة"
وسيكون التقدير على درجة ذكاء السؤال.
وصحنا معا: يا خبر أسود، ما هذا؟
فقال
المراقب وهو يقهقه، حتى تتعلموا أنكم لستم أسياد الموقف وأن لكل إجابة أكثر من سؤال،
وهذا يسرى على من حضر الامتحان أو من تصور أن الأكثر احتراما لما هو معقول ألا
يحضره.
انبريتُ
أنا نيابة عن زملائى محتجا أن المقرر لم يكن فيه تدريب على وضع أسئلة للإجابات
هكذا، فقال المراقب إن المقرر يتعامل فقط مع المعقول، وأن التقدير سوف يكون على
درجة اللامعقول فى أسئلتكم.
فقلت له:
وما
ذنبنا نحن؟
فقال:
وما
ذنبى أنا؟!
****
نص اللحن الأساسى: حلم (66)
تم التفاهم بينى وبين المالك ودعانى الرجل لمعاينة ما تم التفاهم عليه
أرانى شقة ممتازة وزوجته الحسناء وابنها وهو طفل فى الثالثة. وطابت نفسى بما رأت
وتحدد موعد الساعة التاسعة من صباح اليوم الثانى للتسليم والتسلم. لكنى فى الحقيقة
لم أستطع صبرا.
ودفعتنى قوة لا تقاوم للذهاب إلى الشقة. وكان الذى فتح لى الباب هو المالك
نفسه. ولما رآنى ثار غضبه وصفق الباب فى وجهى بغضب ارتجت له الجدران، وبت ليلة
مسهدة أتساءل بقلق بالغ عن الصفقة والمصير..
التقاسيم:
عدت
فى الصباح حسب الموعد فى الساعة التاسعة تماما، وأنا أعرف أننى بما فعلت ليلة أمس
قد أكون قد أفسدت الصفقة كلها، وأقنعت نفسى – لا أعرف كيف – أننى لم أذهب، وأنه لم
يفتح لى، ولم يصفق الباب فى وجهى، وأن كل ذلك كان حلما من فرط حرصى على استلام
الشقة بالشروط الرائعة التى حَصُلت عليها.
حين
طرقت الباب فتحت لى إمرأة غير زوجته الحسناء التى عرفنى عليها ليلة أمس، لكن الطفل
الذى كانت تمسك بيده كان هو نفس طفل أمس، عرفتها بنفسى وأنى على موعد مع المالك
وذكرت اسمه وأنى جئت لاتمام ما اتفقنا عليه أمس، قالت المرأة، أنها هى الساكنة
الجديدة، وأن الذى قابلنى أمس لم يكن إلا الساكن القديم الذى رحل وأجّر لها من
الباطن شقته مفروشة، فقلت لها أنى لا أعنى هذه الشقة لكن الاتفاق كان على شقة أخرى
فى عمارته الجديدة، فابتسمت ابتسامة إشفاق، كل ذلك والطفل يتابع حديثنا، وفجأة ترك
يد السيدة وراح يجرى إلى الداخل وهو يصيح "بابا إْلحَقْ"، تمنيت أن
يلمحنى أبوه أو ألمحه فيحضر، حتى أتأكد أنه ليس هو، وحين حضر عرفت أنه هو، لكنه
أنكرنى تماما واحتد الكلام بيننا، والسيدة تقهقه والطفل يبكى.
وحين
علت أصواتنا أكثر هددنى باستدعاء البوليس.
فانصرفت
وبتًّ
ليلة مسهدة أتساءل بقلق بالغ عن الحق والحقيقة والموت والجنس والخلود.
****
نص اللحن الأساسى: حلم (67)
بناء كبير ستجده فى الأصل كان مبنى الوزارة التى كنت موظفا بها ولما رأيت
الشباب يعود إليها – راودتنى نفسى على ارتيادها. فى الداخل قابلت نفرا من الزملاء
القدامى فانشرح صدرى للقائهم وسرنا من حجرة إلى حجرة ومن ذكرى إلى ذكرى حتى بعثنا
الماضى من مرقده. ومررنا بسلم واسع عجيب فصعدت من فورى إلى الطابق الثانى هناك
رأيت شبابا كثيرين كلما رآنى أحدهم تجهم وجهه وألقى على نظرة مستنكرة انتفض قلبى
وشعرت برغبة فى التبول. وبحثت هنا وهناك حتى استقرت عيناى على لافتة ترشد إلى دورة
مياه فى ممر بين الحجرات فهرعت إليه ولكنى وجدت عمالا عاكفين على إنجاز مشروع لم
يتم تنفيذه لا يصلح للاستعمال رجعت من حيث أتيت. وسرعان ما اكتشفت بأنه لا سبيل
إلى الفرج إلا بالعودة إلى الطريق.
التقاسيم:
...لحقنى
أحد الزملاء القدامى وطلب أن أؤجل هذه المهمة لأن رئيسنا السابق قد حضر لتوه، وأنه
علم بوجودى فأرسله مسرعا حتى يلحقنى قبل أن أنصرف، فرحت بهذه الدعوة، فقد كان طيبا
معى فوق الوصف، إلا أن رغبتى فى التبول زادت أضعافا فى نفس اللحظة، ولم أعرف هل
أعتذر وأواصل البحث عن مكان أقضى فيه حاجتى، أم أفرّ بجلدى من خطر مجهول، تسمرت فى
مكانى وطالت الوقفة حتى انصرف الزميل وهو يقول: أنت حر.
ظللت
متجمدا وأنا أتساءل: هل أنا حر حقا؟
ثم
توالت المناظر دون فواصل:
وجدت
نفسى فى ميدان ليس له حدود، وحين أمعنت النظر اكتشفت مبنى أثريا على ناصية الشارع
الوحيد على طرف الميدان، وتبينت أنه مبنى الوزارة الأصلى بصورته القديمة قبل
التحديث، ثم فجأة اختلف الموقع، فوجدت نفسى فى مقابر الإمام الشافعى، ثم وأنا أختم
صلاة العشاء إماما فى سيدنا الحسين، وحين انحرفت عن القبلة لأكمل ختم الصلاة
اكتشفت أن المصلين خلفى كانوا خليطاً من أهل الصعيد، ربما من ملوى بالذات، لكن من
هذا الذى بينهم؟ ياخبر!! الشيخ حسن نصر الله شخصيا؟ فخجلت، واعتذرت له أنه كان
أولى بالإمامة، وإذا به ينحنى على يدى وأنا فى حال، فانهارت دموعى تبلل لحيته وهو
يقبل يدى، وما أن رفع رأسه حتى سألته وأنا أكاد أحتضنه، وفى ذهنى قول زميلى
"أنى حر"، سألته: يا شيخ حسن هل أنا حر حقا؟
فالتفت
الشيخ حسن إلى المنبر، فنظرت حيث ينظر وإذا بعمرو موسى جالس ينتظر انتهاء المؤذن من
الآذان الثانى، وهو ممسك بسيف خشبى، وهو يتمايل ويتمتم؛
فتبادلنا
النظرات أنا والشيخ حسن،
ولم
أكرر السؤال.
****
نص اللحن الأساسى: حلم (68)
ما أجمل هذا المكان. إن سماءه وأرضه وما بينهما تتألق
بلون الورد الأبيض. وجوه آية فى النقاء والصفاء. أما معجزته
الحقيقية فهى أنه جمع أصدقاء العمر الأحياء منهم والأموات دون
أن يثير ذلك دهشة أحد. فلا نحن سألناهم عما وجدوا فى العالم
الآخر ولاهم سألونا عما حدث فى الدنيا عقب رحيلهم.
ولكنا وجدنا أنفسنا جميعا فى اللهو متمنين أن تدوم الحال،
غير أن الحال لم تدم إذ هبطت من السماء سحابة سوداء، حتى
ساد الظلام وفرق بيننا، وانهمر مطر مثل الشلالات وتتابع البرق
والرعد دون هدنة حتى بلغت القلوب الحناجر.
وهنا تسلل لأذنى أصوات بعض الأصدقاء
قال الأول "إنها النهاية".
وقال الثانى "إنى لمحت عند الأفق قبسا من الفرج".
وقال الثالث "مهما يكن من الأمر فلا مفر من
الحساب".
التقاسيم:
... حين
انقشع الظلام وتوقف المطر – وجدنا أننا قد قسمنا إلى فريقين متميزين، الأحياء فى
ناحية والأموات فى ناحية ولم أجد نفسى بين أى من الفريقين، واحتج الأموات وعلت
الأصوات وميزت بينها صوتاً يقول: لقد حوسبنا مرة، فكيف نحاسب من جديد!! فجاء رد
ميت آخر أنه كان علينا أن نحذر أن نختلط بهؤلاء الأحياء إذ يبدو أنهم خدعونا
وحمّلونا ذنوبهم فقال ميت ثالث: لو كنت أعرف أن المسألة هكذا كنت أقررت بكل ذنوبى،
وارتحت، وأخذ الأحياء يستمعون إلى هذا الحوار فى عجب وعدم فهم بالغين.
بلغت بى
الحيرة حَداً لم أعد أحتمله، وعزمت أن أنضم إلى فريقى. لكننى لم أعرف أحقية
انتمائى إلى أى من الفريقين، فقرصت فخذى فتألمت فعرفت أننى من الأحياء؛ فاندسست
بينهم. لكن أحدا منهم لم يتعرف علىّ مع أنهم أصدقاء العمر، فشككت فى نفسى، فتسحبت
إلى حيث الفريق الآخر، وقرصت أحد أصدقائى الموتى فجأة وبشدة، فإذا به يقفز من فرط
الألم، وحين استدار ورآنى تعرف علىّ، وتصورت أنه سيأخذنى بالحضن يعوّضنى عن تنكر
الأصدقاء الأحياء، وإذا به يصفعنى حتى صفرت أذنى مثل بوق عربة بوليس النجدة، فراح
يقبل رأسى وهو يعتذر ويتأسف وهو يزعم أنه لم يتحقق من أننى "أنا" هو أنا
فعلاً.
صدقته وقلت
له بتوسل جاد: ما دمت عرفتنى هكذا، فهل يمكن أن تخبرنى هل أنا منكم أم منهم؟
قال لى:
ماذا تقول يا رجل؟ هل هذا كلام؟
****
نص اللحن الأساسى: حلم (69)
هذه غابة تتوسطها هضبة
هرمية الشكل، يُصعد إليها من خلال ممرات حجرية مدرجة مزينة
بصفوف النخيل وأحواض الزهور وجواسق العاشقين. خلوت إلى صاحبتى،
وسبحنا معا فى مناجاة غيبت عن وعينا الوجود، وبغتة انتترت
صاحبتى واقفة وفى غمضة عين غادرت الجوسق. وقمت لألحق بها
وأطمئن عليها فاعترضنى صوت كالرعد ينطلق من مكبر صوت ويحذر
الناس من وجود قنبلة زمنية ويدعوهم إلى مغادرة الهضبة بلا
إبطاء ولا تردد، واندفع الناس نحو الممرات الحجرية وأنا
أتلفت، وجمعنا رجال الأمن فى موضع على بعد آمن، وبحثت عن
صاحبتى فلم أعثر لها على أثر.. ترى أين اختفت؟ وهل ثمة علاقة
بينها وبين الجريمة؟ وألا يجرنى ذلك إلى الإتهام رغم براءتى؟
وسمعت أقرب الواقفين إلى
وهو يقول لصاحبته إن قلبه يحدثه بأن المسألة ليست أكثر من
بلاغ كاذب. وسألت الله أن يصدق حدس الرجل ولكنى لبثت ممزقاًً
بين التفكير فى صاحبتى وتوقع الانفجار!.
التقاسيم:
... لم تمض أكثر من دقيقة، ولم أكن قد غادرت الهضبة بعد، وحدث
الانفجار، وتناثرت الحوائط والجواسق وأحواض الزهور وثار غبار كثيف وجرى كل الناس
فى كل اتجاه، وبسرعة رقت سحابة الغبار حتى اختفت لنجد أنفسنا جميعا بخير، مع أن
المكان كان قد أصبح أثرا من بعد عين.
فرحنا
بالنجاة ورحنا نضحك وكأن شيئا لم يكن، واشتدت الفرحة بمجموعة لا أعرف كيف انتقى
أفرادها بعضهم البعض، فكونت دائرة على جانب، وراحت تصفق وتتمايل، فاقتربت منها
فوجدت صاحبتى ترقص فى وسطها وهى عارية إلا من بعض قميص نوم لا يخفى شيئا، خجلت أن
أناديها فتنكرنى، أو يسخر منى الناس، وقد يتصورون أننى أنا الذى سمحت لها بذلك، أو
ربما تمادى أحدهم وتصور أننى أرتزق من وراء ذلك، فانصرفت وأنا أتلفت ورائى.
... هذا شارع اصطفت على جانبيه صفوف النخيل، ما الذى أتى بى إليه،
أين المبانى؟ واصلت المشى أسرع حتى كدت أركض فانتهيت إلى نهايته، فإذا بى أمام مبنى
جوسق فخم بدا لى كأنه قصر السلطان، وحين اقتربت منه تبينت أنه فندق ذو نجوم كثيرة،
وبمجرد أن دخلت إلى قاعة الاستقبال، فوجئت بصاحبتى فى حضن مدير المكان وهما
مستغرقين فى مناجاة غيبت عن وعيهم الوجود، وفجأة انتترت صاحبتى، وغادرت المكان،
ولم أعرف إن كانت لمحتنى فتعرفتْ علىّ أم لا، ثم سرعان ما انطلقت مكبرات الصوت مثل
تلك التى كانت فى الغابة وأعلى، وهى تعلن عن وجود قنبلة زمنية داخل الفندق.
لم يهتم أحد
هذه المرة، وجاء النادل يسألنى عما أطلب:
فقلت له:
أنت تعرف مطلبى
فأحنى رأسه وانصرف وكأنه سيجيبنى إلى مطلبى.
فصدقت نفسى،
وصدقته.
****
نص اللحن الأساسى: حلم
(70)
نادانى الشوق لرؤية الأحباب فتوجهت صوب الحى العتيق. وكالعادة قطعت الطريق
مشيا على الأقدام حتى بدا لى البيت القديم وذكرياته. ولم أضّيع وقتا فأخذت فى
الصعود نحو الطابق الثالث والأخير. ولكن دهمنى إرهاق غير يسير عند منتصف السلم
جعلنى أفكر فى تأجيل الرحلة لولا أن طبعى يأبى التراجع وبجهد جهيد واصلت الصعود
حتى بلغت البسطة الثالثة. ومن موقفى الجديد لاح لى باب الشقة غارقا فى الصمت
والسكون، فعلمت أنه لم يبق من الصعود سوى عشر درجات هن ختام السلم لكنى لم أر درجة
واحدة، ووجدت مكانها هوة عميقة فخفق قلبى خوفا على آل البيت.
ومع أن الوصول بات متعذرا إلا أنى لم ألتفت إلى الوراء، ولم أفكر فى
التراجع، بل ولم أفقد الأمل. وجعلت ألصق بصرى بالباب الغارق فى الصمت والسكون وأنا
أنادى، وأنادى، وأنادى من الأعماق.
التقاسيم:
...
التفت ورائى وإذا بالسلالم التى صعدت عليها قد اختفت هى الأخرى إلا من البسطة التى
أقف عليها وقد تعلقت فى الهواء، وعرفت أنه لا مخرج من هذا المأزق إلا بالطيران،
فاستعدت أحلام طيرانى، ولبست أجنحتى، وتوكلت على الله، ورحت أصعد فَرِحاً بنجاتى
غير مصدق.
وكلما
صعدت إلى سماء جديدة زاد شوقى لرؤية الأحباب.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم 71)
كان أجمل ما فى عهد شبابنا صديق نادر المثال. آية فى خفة الروح وحلاوة
النكتة ورشاقة القفشة وبراعة القافية وثراء الحكايات، والنوادر وإلى ذلك كله لم
يكن يضن علينا عند الطلب بالغناء والرقص وسائر فنون اللهو. هكذا أمتعنا دهرا حتى
وقع عليه الاختيار لشغل وظيفة مرموقة عرفت فى بلادنا بالجلال والوقار. وتوجسنا
خيفة، و سرعان ما تحقق تخوفنا فقال لنا وكأنه يرد عنا إنه قرر تغيير حياته من
الألف إلى الياء ولم يراجعه أحد وسلمنا أمرنا لله.
وكان إذا قابلنا فى مناسبة حيانا بوقار شديد يعمق شعورنا بالغربة والأسى.
ووهنت العلاقة الحميمة وقاربت التلاشى، ولم نعد نسمع عنه إلا فى نشرة
التنقلات والترقيات. وأخذنا نتناسى حتى نسيناه أو كدنا. وباعد الزمن بيننا وبينه
حتى شاء القدر أن نلتقى على غير ميعاد ذلك عندما احتفلت البلاد بعيدها القومى
الجديد. خرجنا للمشاركة والفرحة.
وعزفت الموسيقى النحاسية ودقت الطبول. وتقدمت فرقة من الجيش تبعتها فرقة من
الشرطة تبعتها سيارات الصفوة وهنا طالعنا صديقنا القديم ولكن على حال لم تجئ لنا
فى خاطر. رأيناه يمتطى حمارا. ويتجلى التناقض صارخا بين تفاهة موكبه وفخامة ملبسه.
وكان يثير الضحك أينما ظهر. لكنه والحق يقال لم يلتفت يمنة ولا يسرة، ولا حاد شعرة
عن وقاره.
التقاسيم:
...تابعت
الموكب من بعيد دون شماتة، بل بدرجة من الأسى الغامض، وكأنى فهمت ما لا يُفُهم،
لكن سرعان ما غمرتنى الدهشة المتوقعة، فرحت أتلفت حولى بين الحين والحين أحاول أن
أبحث عن دهشة فى وجوه الناس مثل الدهشة التى اعترتنى، أو حتى عن دهشة أصدقائنا
الذين نعرفهم معا، فلا أجد شيئا من ذلك، وكأن هذه الفقرة الغريبة وسط المهرجان
المتكامل هى أمر طبيعى، أو كأننى الوحيد الذى لاحظتها بهذا الوضوح فالاستغراب
الممتزج بالتوجس الذى حل محل الأسى الغامض.
وبرغم علمى عن تغيره الطارد لأى اقتراب، تحاملت
على نفسى وذهبت نحوه بعد انتهاء الموكب، فقال بنفس الصَّلف: ماذا تريد؟ قلت له: لا
شئ، فقط أحببت أن أعرض عليك خدماتى بحق الصداقة القديمة وأربط الحمار بعيدا قليلا
بعد انتهاء الاحتفال بعيدنا القومى الجديد، وعلمنا المتميز الجميل.
قال بنفس
اللهجة: أى حمار تعنى؟ هل أصاب عقلك مس؟
فأمسكت
بلجام الحمار وأنا أملس على رقبته غير مصدق وقلت: هذا الحمار.
فقال: لولا
أننى احترم العشرة القديمة، لقلت لك إذهب عنى فلا يوجد حمار غيرك.
فانصرفت
أتلفت وأنا أشك فى عقلى،
وأترحم على
أيام النكتة والقفشة والقافية، والنوادر، والرقص والغناء.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
72)
امتلأ البيت القديم بالعباسية بالطيور المهاجرة من الإخوة
والأخوات فى اليوم المتفق عليه لزيارة الوالدة، وطلبوا منى
إعداد أكلة سمك من سماك العباسية المشهور. ذهبت من فورى إلى
المطعم وطلبت الطلب ووجدت جميع الموائد مشغولة إلا المائدة
التى تلى الباب مباشرة فذهبت إليها وجلست على كرسى فى طرفها
أنتظر. وجاءت سيدة فى الستين مصطحبة معها فتاة فى العشرين
وجلستا إلى المائدة، وجاء النادل بالأطباق والطواجن. وعلى خلاف
المعهود دعتنى السيدة لمشاركتهما الطعام، وبخلاف المتوقع لبيت
الدعوة صامتا وبدأت فى تناول الطعام، وسرعان ما جاء النادل
باللفافة المعدة للمنزل فتناولتها وانسحبت من المائدة دون
اعتذار
أو شكر وخرجت من
المطعم فرأيت على بعد ذراع صديقى المرحوم ع . ش وسررت برؤياه
سرورا كبيرا. وعلى سبيل المجاملة قدمت له اللفافة لكنه أخذها
بلهفة ومضى دون أن ينبس بكلمة إلى باب مفتوح فدخله وأغلقه.
وأدهشنى بتصرفه ولكنى لم أجد مناصا من تجديد الطلب فرجعت إلى المطعم
وجددت الطلب. وكان النادل يحمل الحلوى إلى السيدة والفتاة.
ودعتنى للمشاركة فذهبت دون تردد، وهنا قالت السيدة أنها ترغب
فى الذهاب إلى شارع بين السرايات ولكنها لا تدرى كيف السبيل
إليه، فتطوعت بتوصيلها وسار ثلاثتنا فى شارع العباسية. وتم
التعارف بالشكر وتفرع الحديث بنا واستحوذ على حتى أنى مررت
بشارع بين السرايات دون أن أنتبه لذلك، كما نسيت الطعام الذى
يجهز لى فى المطعم وكما نسيت المنتظرين والمنتظرات فى البيت
القديم بالعباسية.
التقاسيم:
...
فجأة تميزت ملامح قادم من الناحية الأخرى فى مواجهتنا وتعجبت ما الذى أرجع المرحوم
ع.ش. إلى طريقنا من جديد، وكان مازال يحمل اللفافة، وتصورت أنه عاد يشكرنى أمامهم،
مما يفسر عودتى إليهم. وإذا به حين اقترب بدرجة كافية يقذف اللفافة فى وجهى وهو
يقول: أهكذا. تعطينى سمكا نتنا تكاد رائحته تصل إلى ميدان التحرير؟ التفتُّ إلى
السيدة والبنت فوجدتهما تنظران إلىّ شذرا وكأنهما فقدتا الثقة فىّ بغير أمل فى
تصحيح، فقررت أن أعلن حقيقته أمامهما حفظا لماء وجهى، فقلت له بأعلى صوتى: إنها
ليست رائحة السمك بل رائحة القبر الذى هربتَ منه. ولم تفهم السيدة والفتاة ما أعنى
إلا حينما تغيرت ملامح وجهه فغارت عيناه وخدّاه وبرزت العظام لتحدد معالم جمجمة
مفزعة، وحين صرخت السيدة والفتاة معا عرفت أننى لا أتخيل.
...
حين عدت إلى البيت القديم بالعباسية وجدته قد خلا من كل الطيور المهاجرة، لكن ما
أن فتحت حجرة الاستقبال حتى فوجئت بالسيدة والفتاة تجلسان متجاورتين على الأريكة
الممتدة فى انتظارٍ قادم يعرفانه، ثم سرعان ما تبينت أنه "أنا"، فراحت
السيدة ترحب بى فى أدب جم، وتسألنى عن أمى وأخوالى وأحوالى، ثم أضافت فجأة فى لهجة
اعتذار طيب:
-
كان من عينىّ يا حبيبى، يا ابن الغالية، لكنها يا ابنى مخطوبة له منذ ولدت.
فرحت
أسائل نفسى سرًّا: ففيم كانت كل تلك الوعود؟
ثم التفت لهما فى تسليم قائلا:
-
كل شئ قسمة ونصيب!
وإذا
بالبنت ترتفع فينفتح السقف لتختفى فى ثنيات السماء.
ثم
يغلق السقف وأنا فى حال.
ولم
أستطع أن أتحمل نشيج الأم المكتوم
فانصرفت
مهرولا، لا ألوى على شيء.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
73)
وجدتنى فى البيت القديم بالعباسية، ويبدو أننى كنت متكدر
المزاج فلم يسلم من نقدى شئ مثل طلاء الجدران وخشب الأرضية
والأثاث حتى جاءنى صوت أمى من أقصى الشقة وهو يقول .. بنبرة
باسمة.. لطيفة: إنه آن الأوان كى أبحث بنفسى عن شقة جديدة
تعجبنى.
وانتقلت إلى مكان وزمان آخرين فوجدتنى فى بهو متعدد
الحجرات والأشخاص، يوحى منظره بأنه مصلحة حكومية. وأكد ذلك مجئ
زميلى المرحوم ح .أ ليخبرنى بأن الوزير أرسل فى طلبى، وذهبت
من فورى إلى حجرة الوزير واستأذنا ودخلت. ورأيت الوزير على غير
عادته من البشاشة وقال لى أنه علم بنقدى للثورة وزعيمها فساءه
ذلك فقلت له إنى أعتبر نفسى متيَّماً بمبادئ الثورة ولم أكن
من رافضيها غير أنى تمنيت دائما لها الكمال وتجنب العثرات
والنكسات.
وانتقلت إلى مكان وزمان آخرين فوجدتنى صبيا يتجول فى ميدان
بيت القاضى، وجاءنى صديق فى مثل سنى يدعونى لحضور حفل زفاف
شقيقه الأكبر، وقال إن شقيقه دعا سعد زغلول ليشرف الفرح ويباركه
وأنه قبل الدعوة ووعد بالحضور. فدهشت دهشة كبرى وقلت له بأن سعد زغلول هو زعيم
الأمة فضلا عن أنه اليوم رئيس وزرائها. وأنتم لستم من
أقربائه ولا من زملائه فى جهاده، فقال إن سعد هو زعيم
الأمة حقا ويخص البسطاء بوافر الحب وإننى سوف أرى.
وفى الميعاد ذهبت إلى الحفل فى درب قرمز ومضى بى صديقى إلى
حجرة فرأيت فى الصدر سعد زغلول فى بدلة التشريفة يجلس معه
ويتبسط معهما فى الحديث ويشاركهما الضحك، بهرت بما رأيت
انبهارا استقر فى أعماقى.
التقاسيم:
... تقدمت إليه وأنا فى حال لا أكاد أصدق، قلبى
يكاد يطير من صدرى، لا أتصور أن القدر سيسمح لى أن ألمس أطراف أصابعه. لا أعرف كيف
لمحنى بين الحضور، والأغرب أننى لا أعرف كيف عرف اسمى حتى نادانى به، وهو يشير
إلىّ أن أقدم. رحت أقفز بين الموائد وأنا أقرص نفسى لأتأكد أننى لست فى حلم، وحين
وصلت إلى حيث يجلس فوجئت أنه اختفى وحل محله النحاس باشا؛ غمرتنى فرحة أخرى فأنا
أحب الرجلين، لكن لكل حب طعم مغاير، وما كدت أمد يدى للسلام حتى وجدت يدا غير
اليد، فرفعت رأسى فإذا به مكرم عبيد. ما غمرنى هذه المرة هو احترام أكثر منه حب.
وهل هناك فرق؟
بعد
أن وقف لى يصافحنى وقبل أن تلتقى يدى بيده أحسست بقبضة تطبق على كتفى، فالتفت
ورائى وإذا بضابط شرطة على كتفه علامات لامعة كثيرة، ينظر إلىّ باستعلاء قائلا:
"أنت
متَّهم بقتل أمك"،
فزعت
لموت أمى أكثر مما فزعت لاتهامى بقتلها.
فتح
علىّ الشرطى الزنزانة وأخبرنى أن الرئيس يطلبنى شخصيا، وأنه حدث خطأ فى الأسماء.
وأن اسمى من بين المرشحين للوزارة، فظننت بعقل الشرطى الظنون، لكنه أطلق سراحى
فعلا، فانطلقت إلى الفضاء كأنى أطير، ولم يخطر على بالى إلا محاولة التمادى فى
الخلاص، وكنت قد نسيت تماما رسالة الرئيس والوعد بالوزارة.
فى
الشارع، فى بيت القاضى من جديد، وقد عدت صبيا مرة أخرى، عاد صديقى شقيق العريس
يقول: أسرع فالزفة بدأت، وما كدنا نعدو بجوار بعضنا لنلحقها حتى سمعنا صفارة إنذار، وأطفئت الأنوار جميعا، وانبطح بعض
الصغار على الأرض، وجلست أنا القرفصاء وعملتها دون خجل.
وحين
أطلقت صفارة الأمان، وعادت الأضواء، وجدت الشوارع كلها خالية، لكننى لمحت شبح أمى
قادمة من بعيد،
وحين
اقتربت منها قالت فى حنان متألم: ألم أقل لك؟!
فقلت
لها: سامحينى، يبدو أننى بالغت فى نقدى بيتنا القديم.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
74)
هذا ملعب كبير حل محل بيوت الجيران فى الجانب المقابل
من الطريق يملأه الجنود البريطانيون، فيغنون ويرقصون.. ونحن
نتابعهم بدهشة وقلق، ثم ينتشرون فى شارعنا والشوارع المتفرعة
منه.
وتشاورنا فى الأمر واستقر رأينا على الانتقال إلى حى آخر،
ولما لم نجد بيتا مستقلا رضينا بشقة فى عمارة ضخمة ولم نضن
بجهد حتى جعلناها صالحة للمعيشة، وما كدنا نركن إلى شئ من
الراحة حتى سمعنا صوت خرفشة مما يصدر عادة من الفئران فتعكر
صفو راحتنا.. وقبل أن نفكر فى شئ ينبغى عمله سمعنا طرقات
الباب الخارجى. ولما فتحت الباب رأيت كثرة من الرجال المسلحين
بالعصى، قالوا إنهم سكان العمارة يطاردون لصا يظنون أنه تسلل
إلى شقتنا واقتحموا الشقة وتفرقوا فى الحجرات وأحدثوا جلبة
مزعجة، ولكنهم أعلنوا أنهم لم يعثروا على اللص، وغادروا المكان
بعد أن قلبوه رأسا على عقب.. بل واكتشفنا اختفاء اللص
المتخفى، وبينما نحن نتبادل النظر فى غيظ وضيق إذ سمعنا من
جديد صوت الخرفشة.. فثرت غضبا وقلت ليكن فأرا أو لصا أو
عفريتا فلن أفتح الباب للطارق.
التقاسيم:
.... وتوقف الصوت، وسمعنا وقع أقدام تبتعد
تدريجيا، وبمراجعة أشياء المنزل اكتشفنا أن مصاغ أمى وزوجتى وأختى وحافظة أبى قد
اختفت كلها، ولم يشك أحد منا فى اللص المختفى المتخفى، ولا فى الفئران.
رحنا
ننظر إلى بعضنا البعض دون أن ينبس أى منا ببنت شفة، لكن أخى الأكبر مضى مسرعا يفتح
التليفزيون، ربما ليكسر الصمت، ويمنع التعليق فى آن واحد. كانت الأخبار تتحدث عن
تصريح كوندا ليزا رايس بالعثور على جثة دبليو بوش فى الأهواز، وأن جنازته ستشيع من
مسجد باريس، بعد أن يصلى عليه الشيخ حسن نصر الله فى المسجد الأقصى، وسألت أخى
الأكبر كيف يحدث ذلك كله ومازال الجنود البريطانيون يحتلون مدن القناة.
فقال:
إنها إرادة الله
قلت
له: بل إرادتنا نحن بفضل الله
فسألنى
فزعاً: بفضل من؟
قلت
له: أستغفر الله العظيم، بفضل الله!
قال:
حسبتك قلت شيئاً آخر.
قلت:
أنا لم أقل شيئا أصلا، أنت تسمع ما تريد، هذا كل ما فى الأمر.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
75)
أمى ترحب بجارة عزيزة وكريمتها الحسناء فى حجرة المعيشة
بالدور الثالث فى بيتنا القديم، ودعيت للجلوس معهن ثقة فى
الألفة بين الأسرتين.
وفى أثناء الحوار استرقت إلى الفتاة نظرة واسترقت إلىّ
نظرة دون أن يغيب هذا عن أم الفتاة، فلما ذهبت أمى فى الابتعاد عن
الغرفة همست لنا الجارة أن انزلا إذا شئتما إلى الدور
التحتانى الآن كعادة من أهل البيت، وتلقيت الدعوة بذهول وبفرح
شامل. وما أن دخلنا الدور التحتانى حتى جذبتها إلى صدرى، ولكنى
لم أخط الخطوة التالية لسماع ضجة غريبة. واقتحم المكان نساء
ورجال وشباب، وتفرقوا فى الحجرات، ثم جاء رجل من رجال الأمن
ووقف عند الباب زاعماً الحفاظ على القانون، وكدت أفقد عقلى من
الذهول وضاعف من ذهولى أنى رأيتهم يغنون فى حجرة، كما رأيتهم
يرقصون فى حجرة أخرى، ونظرت إلى فتاتى مستغيثاًً بها فوجدتها
هادئة باسمة.. وعند ذلك قررت الهرب، غير أنى رأيت رجل الأمن
عند الباب فتسمرت فى وضعى فريسة للذهول وخيبة الأمل.
التقاسيم:
... لكن أحسن، لا هى تصلح لى، ولا
هو يصلح رجل أمن، ولا بيتنا يصلح لأىًّ من هذا، ولم أفكر فى دور أمى فى كل هذا،
وكأن الجميع قد اتفقوا على أمرٍ ما، لم أحاول أنا أن أفكر فيه، كنت مغيظا، كيف
استباحوا بيتنا ليقلبوه كباريها وقسم شرطة معا؟
....
أجد نفسى فى الميدان والساعة العامود ليس فيها إلا عقرب الثوانى يدور بسرعة خيل
إلى أنها أسرع من مرور الثوانى، وحين دققت النظر وجدت نصف ذراع العقرب الآخر ولم
أعرف إن كان عقرب الساعات أم الدقائق، فقررت أن أنتظر حوالى خمس دقائق لأرى إن كان
يتحرك أم لا، لكننى لم أصبر، وسألت أحد المارة عن الساعة فقال لى إننا هنا لا نعمل
بالساعة وإنما بالإنتاج، وحين قلت له من أنت؟ اختفى وامتلأ الميدان كله بأطفال،
بنين وبنات يلبسون مرايل مخططة أبيض أسود أحمر مثل علم مصر، فانقبض قلبى للمرايل
وانفتح للأطفال واقتربت من أحدهم وسألته عن اسمه فقال لى أن اسمه محمد، وحين سألته
"محمد ماذا"؟ وضع سبابته منتصبا أمام شفتيه وهو يحذرنى أنه ممنوع أن
يكون لأى طفل غير اسمه الأول، وأن من لا ينسى اسمه الكامل بعد عام من دخول الميدان
يطرد فورا إلى أى حارة مجهولة ويختفى، لا نعرف أين؟
فجأة أخذ الأطفال يجرون نحو شبح ظهر فى نهاية الميدان تبين أنه المرشدة
التى لها وجه فتاتى - وقد جاءت تنادى الأطفال أن يصعدوا الحافلة التى أقلتهم،
لاحظت أنها تلبس لباس الممرضات لكنها لم تحكم غلق الأزرار فظهرت أجزاء من بدلة
الرقص تحتها، هممت أن أناديها لكن صوت أمى جاءنى من بعيد يودع جارتنا على السلالم،
وسمعت صوت قبلات يتبادلانها، فاستأذنت ونزلت إلى الدور التحتانى لأجد فتاتى
تنتظرنى مرحبة وكأن شيئا لم يكن، وقالت أنها موافقة، وأنها نجحت أن تحصل على
الورقة الصفراء من السلطات.
نظرت إليها طويلا لأتأكد أنى لا أريدها، واستدرت وانصرفت مسرعا وكأنى أعدو،
هى تنادى، وأنا لا أرد.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
76)
هذه شجرة مورقة يجلس تحتها صديق الشباب وشهيد الوطنية..
وعلى الرغم من مرور عشرات السنين على رحيله فإنه بدا أنيقاًً
فى صحة وعافية. فانشرح صدرى لمرآه وهرعت إليه ولكنه أوقفنى
بإشارة من عصا بيده، ذكرته بعهد الصداقة فلم يعبأ بكلامى
وقال إنه لم يعد يستطيع صبراً مع تل القمامة.
قال ذلك وألقى عصاه ثم
ذهب، التقطت العصا وأنا حزين ولكنها بعثت فىّ روحاً جديدة،
فانطلقت من فورى إلى تل القمامة وانهلت ضربا على أطرافه وكل
ضربة أحدثت شقا ومن كل شق يخرج رجال ونساء ليسوا على شاكلة
جامعى القمامة ولكنهم آية فى النظافة والوجاهة والفخامة. وكلما
لمح أحدهم العصا بيدى فر يركبه الفزع، عند ذلك رسخ يقين
بأن الشمس ستشرق غدا على أرض خضراء وجو نقى.
التقاسيم:
.. وقبل أن أستغرق فى انسحابى الحالم آمِلاً، لاحظت أن
كوم القمامة كان يتضخم مع كل ضربة يخرج منها الوجهاء من بين شقوقه وقد تملكهم
الفزع، لا أعرف ما الذى أوحى إلىَّ أن تحت كوم القمامة هذا كنز ثمين، وربما خاتم
سليمان الذى يتيح لمن يجده فرص انتقاء أى الأمانى تتحقق أولا. واصلت عملى وكأنى
أوفى بوعدٍ ما لصديقى الراحل شهيد الوطنية.
استحليت اللعبة لكننى لاحظت أن مع كل ضربة جديدة تتراجع
نظافة ووجاهة وفخامة الرجال والنساء البازغين من الكوم، وتتغير أشكالهم حتى صار
الذين يخرجون من الشقوق أقزاما، مهرجون، ثم خرجت بعدهم قردة تلبس فساتين وقبعات
فاقعة الألوان.
جاءت عربة القمامة العملاقة، وجمعتْ من تبقى من الرجال
والنساء والأقزام والقردة والقمامة فى كومة واحدة، ورفعتهم آلتها الضخمة إلى
صندوقها، فرعبت لأننى كنت قد سمعت عن مصير حمولة هذه العربات، وكيف سيحولونها إلى
طاقة حيوية يستعملونها فى حفر مزيد من قبور الشهداء، وآبار البترول.
تزايد الرعب حتى كاد الشلل يعجزنى، فأسرعت الخطى مبتعدا
أشرت إلى عربة سوداء قادمة، تبينت أنه قد كتب عليها " تكريم الإنسان"،
فركبتها دون تردد، وإذا بها تتجه إلى حديقة الأورمان بدلا من مقابر الإمام
الشافعى.
لكننى عدت أتساءل من جديد:
وأنا إيش ضمّنى؟
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
77)
انعطفت إلى الشارع الجانبى الهادئ حاملا حقيبتى بيدى، وسرعان
ما تلقيت من الطريق سيلا من الذكريات والأشواق المحفوفة
بالقلق والخوف.
وتوقعت عتابا على غيبتى غير القصيرة واستعددت له بالمعاذير
المناسبة.
وبلغت مدخل العمارة. فلاحت لى الشقة الأرضية على بعد أربع
درجات من السلم وضغطت على الجرس متطلعا بوجه باسم، وفتحت
الشراعة عن وجه رجل غريب فى جلباب منزلى يوحى بأنه صاحب
المكان وفجأة هوى وجدانى الملتهب إلى قاعة بحيرة جليدية وفكرت
بسرعة فى اختلاق كذبة تنتشلنى من ورطتى فادعيت أنى تهت وأبحث
عن سكن فلان أفندى المدرس وأننى ضللت العمارة فقال الرجل وهو
يتفرس فى وجهى بارتياب وتحفز.
- هذه شقته وهو فى الداخل فمن حضرتك لأبلغه؟
وأدركت أننى انكشفت وخرست مبهوتا فارتفع صوت الرجل وهو
يقول:
- ما أنت إلا
كذاب وفاسق مثل جميع من جاءونى قبلك.
ولم أطق المزيد فهرولت نازلاًً وكدت أفقد توازنى فسقطت
الحقيبة من يدى وانفتحت فظهر داخلها زجاجة نبيذ وكيلو كباب فى
طبق من ورق، ولكنى لم أكن أفكر إلا فى أمر واحد وهو أن
أختفى فى سرعة البرق.
التقاسيم:
....
انطلقت إلى الشارع الرئيسى مهرولا أنظر خلفى خائفا، وأسرعت الخطى وأنا أتلفت، حتى
مضى وقت كاف، ثم وجدت نفسى أرجع من نفس الطريق، وصلت إلى نفس الشارع الجانبى، وبعد
أن تأكدت من خلوه من المارة- اتجهت مباشرة إلى حيث سقطت الحقيبة ووجدت أن زجاجة
النبيذ لم تنكسر، كما كان كيلو الكباب ملفوفا كما هو داخل طبق الورق، ولم أكد
ألمسه حتى فاحت رائحة كريهة، فكرت أن آخذ زجاجة النبيذ وأمضى مستعوضا الله فى كيلو
الكباب، لكننى قررت أن أتخلص من لفة الكباب وكأنها ستدل علىّ، فى أقرب صندوق
قمامة، حملتها بعيدا عنى ما استطعت تجنبا للرائحة، وإذا بسرب من القطط المتوحشة تهجم على اللفة فى يدى فتركتها تسقط وهممت أن أعدو بعيدا
إلا أننى تسمرت فى مكانى وكأن شللا أصابنى، هجمت القطط المتوحشة على اللفة تنهشها
نهشاً، وخفت أن يأتى الدور علىّ وأنا فى هذه الحال من الشلل. وإذا بى أجد مجموعة
أكبر من الكلاب المتوحشة تقترب عدوا من أقصى الشارع، فتدور معركة دموية بين القطط والكلاب، وأنا أزداد رعباً
وأزداد عجزاً، وفجأة لاح لى قادم من
بعيد أنست له وكدت أستغيث به، ثم تبينت
أنه الرجل الذى فتح لى الباب، وحين لمحنى وتأكد من أننى أنا، أشار للكلاب والقطط
بيده إشارة سحرية غامضة، فتوقفت المعركة، وانصرفت الكلاب إلى ناحية، والقطط إلى
ناحية، فتنفست الصعداء، اقترب منى الرجل وقال: إنى آسف، حسبتك أحدهم، لكن
"فلان أفندى" صاحب الشقة صححنى بعد انصرافك، وقال لى إنه كان ينتظرك
فعلا، وقد أرسلنى لأستدعيك وأعتذر لك، كدت أقول له أننى لا أعرف شخصاً بهذا الاسم
أصلاً، وأنها ليست الشقة التى كنت أقصدها، لكننى خفت أن يُرجع الكلاب والقطط
المتوحشة بإشارة سحرية أخرى مثلما صرفها، فوافقت، وسألته: طيب والسيدة؟ هل هى
موافقة؟ فقال إنها هى التى قالت للرجل أن
يرسلنى للاعتذار واستدعائك.
تبعت الرجل فرحا وأنا أسرع الخطى لألحق به، لكن المسافة ظلت تزيد بيننا بشكل متسارع، حتى
اختفى، ووجدت نفسى فى شارع آخر، به عمارات أخرى، وكأنى فى زمن آخر، لكننى سمعت
نباح الكلاب ومواء القطط وهى تدنو أكثر فأكثر، فعرفت أن المؤامرة قد حبكت أطرافها
أوثق مما كنت أتصور، وسلمت أمرى لله.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
78)
يالها من جنازة كبيرة، لا أدرى كيف انضممت إليها، فإنى
لا أعرف أحدا من المشيعين. بل لا أعرف الميت، والأغرب أن
الجنازة سلكت طريقا لم تسلكه الجنازات من قبل، فقد اتجهت
نحو شبكة من قضبان السكة الحديد. وعبرنا بها إلى الخلاء حيث
توقفت عن السير طلبا للراحة، على حين واصلت القطارات سيرها
نحو الشمال ونحو الجنوب وعلا جدل بين الملتفين حول النعش.
فريق يرى أن يحمله إلى الجنوب. وفريق يريد أن يحمله إلى
الشمال، وكلا الفريقين يزعم بأنه ينفذ وصية الراحل، وصاح أحد
العارفين يذكر القوم بأن الراحل ولى من أولياء الله الصالحين،
وأنه لن يسمح لأحد بحمله إلى جهة لا يرضاها، وأمن القوم على
قوله. وجرب فريق الجنوب حظه ولكنه عجز عن حمل النعش وجرب
فريق الشمال فمنى أيضا بالفشل .. عند ذاك أدرك الجميع أن ولى
الله يأبى أن يغادر الموقع الذى هو فيه وسطا بين الجنوب
والشمال.
التقاسيم:
.... مع الوقفة التى طالت بلا حل قريب، أخذ بقية المارة يتجمعون ويتساءلون،
بعضهم يحظى بإجابة كاملة لكل الذى حدث والآخرون لا يجدون جوابا لأنهم يسألون من لا
يعرف، وتوقف المرور، وأخذت الصيحات تتعالى "ماهذا؟ نريد أن نذهب إلى
مصالحنا"، "أفسحوا لنا طريقا إلى القطار الذى سيفوتنا"، وفعلا
سمعنا صوت صفير القطار وهو يتهادى أهدأ فاهدأ نحو المحطة واكتشفت أن الجمع قد
تزحزح بالعرض بما فى ذلك حملة النعش الذين أنزلوه إلى موقع فوق القضبان، وفجأة
انطلق القطار بسرعة فائقة على غير العادة، فانصرف من تبقى جريا فى كل اتجاه،
وامتلأت قلوب الجميع رعبا أن يدوس القطار جثة ولى الله، فتلحق اللعنة بكل الناس
وهم يعلمون ما كانت له من معجزات وكرامات، لكن المعجزة حدثت فعلا، فقد توقف القطار
فجأة برغم سرعته القصوى على بعد أمتار من النعش، فهلل الناس وكبروا، وقرروا فى
أنفسهم أن يقيموا لولى الله مسجدا فى هذا الموقع، يدفن فيه دون الشمال أو الجنوب،
ثم حدثت معجزة أخرى وهى التى ما زال الناس يتحدثون عنها فى حيرة، وفرحة، ورفض،
وتسليم، إذ صدر صوت من داخل النعش يدندن بشكل واضح، "فيك عشرة كوتشينة، فى
البلكونة" فرد صوت من داخل القطار "لا تكثر لهمّكْ ماقدِّرْ يكون، الله
المدبِّر، والدنيا شئون".
وانتظم الناس فى حلقات ذكر على مديح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لم
يسمع أحدهم مثل جماله وأنغامه فى حياته.
وانتظمتُ معهم أذكر الله وأنا فى حال.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
79)
جلست فى شرفة الفندق الصغير المطلة على البحر. غاب عنى
المنظر الجميل لشدة استغراقى فى انتظار فتاتى. ولما طال الانتظار
جاءنى مدير الفندق وهو أيضا صديق صباى واقترح على أن أعالج
حالتى بالمشى. ذهبت إلى الشاطئ ورحت أسير ذهابا وإيابا. وإذا بى
ألمح فتاتى فى سباق سباحة مع نفر من الشبان أحدهم مضى بها
إلى الصخرة ليستريحا بعيدا عن الأعين، تلقيت طعنة فى القلب
وغرقت فى إحباط لا قرار له وأدركنى المدير الصديق وقال:
- هذا هو حال الدنيا فلا تستسلم للحزن.
فقلت له:
- أنت تعلم أننى عرفت أشياء كثيرة ولكنى لم أتعلم
السباحة، وأخذنى إلى ركن هادئ فى حديقة الفندق، وبقيت ساعة فى
غم وهم. وإذا بمفاجأة غير متوقعة بحال، رأيت فتاتى تقبل نحوى
متهللة الوجه بالسعادة، وتوثبت لإفراغ شحنة من غضبى. وإذا بى
أتلقى مفاجأة جديدة. غير متوقعة وغير مفهومة وتستعصى على أى
إدراك، فقد غمرتنى بغتة فرحة شاملة مسحت عن صدرى الأحزان كلها
وكأن ما كان لم يحدث وهكذا تقابلنا كما نتقابل كل مرة،
وذهبنا للتجول فى المدينة كالعادة، ولما مررنا بمحل بيع
الهدايا دخلنا دون تردد واتجهنا إلى القسم المخصص لهدايا
الخطوبة والأفراح، وقلبت فتاتى عينيها فى الهدايا التى لا تحصى
وقالت:
- ليس لدينا من الوقت ما يكفى.
فقلت ببراءة:
- لدينا وقت
يكفينا للأبد.
التقاسيم:
قالت: يكفينا لنفعل ماذا؟
قلت
لها: يكفينا لننسى
قالت:
ولماذا ننسى؟
قلت:
حتى لا نتذكر
قالت:
وهل تصدق أن هذا ممكن؟! نحن نضحك على أنفسنا، نحن لا ننسى شيئا أبداً.
قلت لنفسى وقد أُغلقت مسام فهمى: أفضل ما يمكن أن أفعله هو أن أصمت، ودعوت
الله فى سرى أن تصمت هى أيضاً، وطالت وقفتنا حتى نظر إلينا بائع الهدايا وسألنا أن
نطلب ما نريد، أو أن نفسح لمن بعدنا حتى نستقر على قرار، قلت لها: أنت التى
تختارين الهدية التى تحبينها، قالت: لابد أن أسأله أولا، قلت: تسألين من؟ قالت:
خطيبى. فامتلأت زهوا وأنا أتصور أنها ترد لى المجاملة، وتطلب أن أقوم أنا
بالاختيار، واعتبرتها تمزح وهى تتكلم عنى بضمير الغائب، فقلت لها: أين هو؟،
"وانتظرتُ أن تشير إلىّ أو تقبّلنى، لكنها قالت: فوق الصخرة، قلت فى بلَهٍ
ذاهل: أية صخرة؟ قالت: هل نسيت؟ واختفت من أمامى وكأن الأرض ابتلعتها. شعرت كأن
العالم انتهى فى تلك الثانية، وحين أفقت وجدت نفسى أتساءل: أى منظر من كل هذه المناظر
كان حلما وأيها كان الحقيقة؟
وتحسست خنجرا قديما كنت قد خبأته بين لحمى وقميصى، وانطلقت أبحث عنها فى كل
مكان حتى الآن، وأنا أترحم على والدى.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
80)
جمعتنا الحجرة القديمة أنا وأمى وأخواتى الأربع وما أن أغلق الباب علينا
حتى تصاعدت الشكوى من الزمان والناس، فأقبلت أمى علىّ قلقة وأقسمت بكل يمين أنه ما
من قول قالته أو فعل فعلته إلا بدافع الحب الخالص فتساءلت أصوات: إذا كيف حدث ما
حدث؟
فقالت أمى بعتاب: عليكم أن تحاسبوا أنفسكم أيضاً وألا تقولوا معى إنه
المقَّدر والمكتوب.
التقاسيم:
وراح كل منا يحاسب نفسه بصوت بعضه مسموع والباقى نستسنتجه
قالت أختى الكبرى: أنا مسئولة عن أننى أحببت، ووثقت فيمن أحب.
قالت أختى الأصغر منها: وأنا مسئولة عن أنى لم أستطع ان أحب.
وقالت أختى التى تليها: وأنا مسئولة عن أنى لم أصدق أن أحدا يمكن أن يحبنى.
وقالت أختى الصغرى: وأنا مسئولة عن أنى صدقت أن كل الناس تحبنى.
أما أنا، فقد وجدتُنى أعيد ما بدأت أمى به وأقول لنفسى ولهم: أنا أيضا لم
أفعل ما فعلتُ إلا بدافع الحب الخالص، إذاً، كيف حدث ما حدث؟
قالت أمى وكأنها تفخر بنا، أو لعلها تَـمنّ علينا، أنا التى أنجبتكم فى
الدنيا هكذا، فما دخل المقدّر والمكتوب؟
فاتجهت انظار أخواتى نحوها الواحدة تلو الأخرى بالتتالى، وفى كل نظرة من كل
واحدة منهن ما فيها من عتاب، واحتجاج، وألم، وندم، وسماح، ورفض، ودهشة.
وحين جاء الدور علىّ جريت نحو أمى واختبأت فى صدرها أنهنه، وأنا أردد: أنا
آسف، والله العظيم أنا آسف، لم أكن أقصد.
قالت: بل أنت هكذا دائماً.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
81)
أخيراً ذهبت إلى القصر ورجوت البواب أن يبلغ الهانم أن الفائز بجائزتها
حاضر ليقدم الشكر بنفسه إذا تنازلت وسمحت بذلك ورجع الرجل بعد قليل وتقدمنى إلى
بهوٍ راعنى جماله وضخامته ولم تلبث أن عزفت الموسيقى لحن الإقبال فأقبلت الهانم
تتهادى فى أبعادها الفتَّانة فقمت لألقى خطاب الشكر ولكنها بحركة رشيقة من يديها
كشفت عن ثدييها وأخذت من بينهما مسدساً أنيقا وصوبته نحوى فنسيت الخطاب... وأخذت
أنصهر من قبل أن تلمس الهانم زناد المسدس.
التقاسيم:
....انصهرت فوجدتنى فراشة تتمايل تعزف بألوان جناحيها
المبرقشين لحنا جديدا شجيا لم يخطر على بالى ولم أكن أحسب أن كل ذلك الجمال كان
بداخلى، فحُمْت حول ثدييى السيدة، وحططت فى الخندق الدافئ بينهما فلم تفزع ولم
تهشنى، وكان المسدس مازال مصوبا نحو المكان الذى كنت واقفا فيه، أخذت أتنقل بين
الثديين وابتسامة السيدة تتسع مرحبة، ثم انتفضتْ حتى تصورت أنها الذروة حين سقط
المسدس من يدها، فعدت فورا إلى صورتى الآدمية، والتقطت المسدس وقذفت به من
النافذة، وأخرجت شهادة الجائزة من أوراقى، وكذا ميداليتها فى العلبة الأنيقة،
ووضعتهما على المنضدة أمام السيدة الرائعة،
وانصرفت دون ان أنظر خلفى
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
82)
أسعدنى جدا أن يتولى شئون المؤسسة المدير الجديد على الرغم من أننى لم
أشارك فى انتخابه. ولكن كلما أثنيت عليه، تصدى لى إخوان بالسخرية، فسرت حائرا بين
الإعجاب من ناحية والسخرية من ناحية أخرى ولكنى رفضت اليأس رفضاً تاماً.
التقاسيم:
... وحين اشتدت الأزمة والحيرة وألح الأمل، والمدير يتمادى فيما هو فيه
وحوله برغم كل المقاومة والمعارضة والرفض، دفعت الباب ودخلت عليه دون استئذان
وكأنى اقتحم حصنا، وبمجرد أن رآنى همَّ أن يقوم ووجهه كله غضب، ربما ليطردنى، لكن
المكتب كان شديد الاتساع فعاد إلى مقعده واستعاد هدوءه وسألنى:
- من أنت؟
قلت: أنا ممثل أصحاب المصلحة
قال وهو ينظر إلى الباب: وأين السكرتير
قلت: ليس على مكتبه
قال: سأريه.
قلت: ليس ذنبه فحاجة الناس
لقضاء حوائجهم، تبرر اختفاءه.
قال: ليس ذنبه؟؟! إذن ذنب
من؟
قلت: ذنب الذين انتخبوك،
وذنبى
قال: هل تشك فى الديمقراطية
قلت: أنا أشك فى نفسى، ثم
إنى لم أشارك فى الانتخابات
قال: أحسن
قلت: لو كنت شاركت فى
الانتخابات لانتخبتك، وتحملت المسئولية معك.
قال: رأيتَ كيف؟!
قلت: مسئولية أن أخلعك وأرفع
الظلم عن الناس
وإذا به يقوم قومته الأولى، وبدلا من أن يتجه نحوى، فوجئت أنه يختفى من على
الكرسى، واكتشفت أن الحجرة كانت خالية منذ دخلت،
ولم أياس، ولم أتراجع.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
83)
رأيت الكارتة مقبلة حاملة فاتنة درب قرمز ويجرها جواد مجنح، اتخذت مجلسى
فيما وراءها وفرد الجواد جناحيه فابتدأت ترتفع حتى علت الأسطح والمآذن، وفى ثوان
وصلنا قمة الهرم الأكبر وأخذنا فى عبوره على ارتفاع ذراع، فجازفت وقفزت إلى قمته
وعيناى لا تتحولان عن الفاتنة وهى تعلو وتصعد، والليل يهبط والظلام يسود حتى
استقرت كوكبا مضيئا.
التقاسيم:
تمددتُ
وحيدا على قمة الهرم لا أجرؤ أن أنظر إلى الكوكب الذى أصبحتْه، والذى ظلّ يغمرنى
بنفس الدفء الذى كنت أشعر به فى حضنها، وقلت فى نفسى "هكذا أضمن"، اعتدلت ونظرت إلى أسفل وفوجئت أننى أرى حجارة
الهرم حجرا حجرا منفصلة لا تجمعها كتلة واحدة، فتجسد القبح واختفى الهرم كأنه تشظى
حجارة كيفما اتفق، حاولت أن أَنزل ولو درجة واحدة، فلم أستطع، وملأنى الرعب
المثلج.
أرجعت بصرى
إلى السماء، إليها، مازالت تضئ، وتأكدت أنها سوف تظل تضئ بنفس الوفرة، وأنها سوف
تساعدنى فلا تنزلق قدمى أثناء الهبوط، قلت لها بعينى، ولماذا الهبوط؟ أليس الأسهل
أن تشدينى إليك؟ قالت على العين والرأس، لكننى لا أعرف أين اضعك بعد أن أشدك وأنت
لا تدور معنا.
قلت: سوف
تعلميننى، وسوف ندور.
قالت: أنت
لا تدور إلا حول نفسك.
قلت: ما
أعرفه أن أى كوكب يدور حول نفسه ليدور مع غيره حول وفوق الكون.
قالت: أنت
تحفظ كل قوانين الحب والفلك والرياضة، لكنك لا تمارسها.
قلت: دعينا
من النقاش الآن وقولى لى إلى متى أظل هكذا وحيدا فوق قمة الهرم، أنا أخشى أن أموت
جوعا لما لا أعرف هكذا.
قالت: فاقفز
إلى السطح على بركة الشيطان، وابدأ ...
فقفزت فرحا
بالنجاة، والوعد الجميل.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
84)
رأيتنى فى شارع الحب كما اعتدت أن أسميه فى الشباب والأمل. ورأيتنى أهيم
بين القصور والحدائق وعبير الزهور. ولكن أين قصر معبودتى؟. لم يبق منه أثر. وحل
محله جامع جليل الأبعاد. رائع المعمار. ذو مئذنة هى غاية فى الطول والرشاقة.
ودهشت. وبينما أنا غارق فى دهشتى انطلق الأذان داعيا إلى صلاة المغرب. دون تردد
دخلت الجامع. وصليت مع المصلين ولما ختمت الصلاة تباطأت كأنما لا أرغب فى مغادرة
المكان. لذلك كنت آخر الراحلين إلى الباب. وهناك اكتشفت أن حذائى قد فقد. وأن علىّ
أن أجد لنفسى مخرجا.
التقاسيم:
....أخرجت التليفون المحمول ورحت أحاول أن أتذكر رقم معبودتى وأنا
أعرف أنها لم يدخل التليفون العادى إلى قصرهم أبداً، والعجيب أنها ردّت، وتعرفتْ
على صوتى دون أن أذكر اسمى، قلت لها أريد حذاء مقاس 44، قالت ماذا؟ أين أنت الآن؟،
قلت قرب باب مسجدكم، قالت ليس لنا مسجد، قلت: المسجد الذى حلّ محل قصركم، قالت:
وليس لنا قصر، ولم يكن أبدا لنا قصرا قلت: قصركم فى شارع الحب والشباب والأمل.
قالت: وهل
صليت المغرب جماعة.
قلت: وضاع
حذائى.
قالت:
أحسن.
وانقطع
الخط، وظهرت علامة أن الشبكة مشغولة، فأعدت المكالمة فرد علىّ صوت رجل غريب،
فأقفلت السكة وأعدت الطلب فرد علىّ صوتها (ليس الصوت المسجل) أن الرقم المطلوب غير
موجود بالخدمة وأن علىّ أن أحاول فى وقت لاحق، وارتفع أذان العشاء وعرفت أن هذا ما
كانت تعنيه "بوقت لاحق"، وحين ختمت صلاة العشاء وهممت بالخروج، وجدت
حذائى فى نفس المكان الذى كان اختفى منه.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
85)
هذه محطة ترام وأنا حائر بين
أبعادها لانتظار مجئ ترام ما، ولكن ترقبى لسطوع القمر فى النافذة المطلة على
المحطة حيث أختلس نظرة بعد نظرة. وأتمادى فى الطلب وما أكثر الأصدقاء الذين
يسألوننى. حتى متى تبقى وحشتى. ولكن أنا فى رحلة لا مفر منها كأنها قضاء وقدر،
والحق أنها رحلة شاقة مرهقة وأطول مما تصورت وعند العودة لم يتبين لى إلا قفص مربع
هو النافذة ووجدتها بموضعها ولكنها بدت واجمة لا تستجيب ولا تجيب، وكما كنت
بالأمس، وقفت تحت النافذة منتظرا غير عابىء بالمارة وأخيرا هبط على صوت حديث كالهمس
يتخلله ضحك مكتوم.
ثم سمعت صوتاً يتساءل:
- ما حكاية الرجل الذى يقف
تحت النافذة؟
فأجابه صوت ضحكتها:
-
إنه يبكى عن ذكرى حبيب ومنزل.
التقاسيم:
...شككت
فى نفسى، فأنا صحيح أقف من مدة تحت النافذة، لكننى لم أصدر أى صوت، ولا أنا بكيت
أصلاً، فالتفت إلى يمينى فوجدته يبكى بحرقة وتساءلت كيف لم أسمعه وهو بكل هذا
القرب؟ ورحت ألوم نفسى أننى لست أنا الذى كنت أبكى، وتصورت أنه كان علىّ أن أبكى
وأنشج بصوت مرتفع حتى تسمعنى، وقد تتعطف علىّ بإطلالة، أو على الأقل أنال نصيبى من
هذه التعليقات الحانية الساخرة معا.
لاحظت أن
دموع الرجل بجوارى تسيل فعلا بغزارة، وهو غارق فى صمته، ثم أخذت الدموع تتجمع،
وتتوالد، وتتكاثر، ثم تتدفق بسرعة مذهلة، وكأنها شلال يهدر، حتى راحت تحفر فى
الأرض مجرى سرعان ما اتسع وصار نهرا جاريا يتلألأ ضوء القمر على صفحته، فقفزت إلى
الزورق الذى اقترب من الشاطئ وكأنه يدعونى شخصيا إليه.
وجدتنى
بين الأصدقاء الذين كانوا يسألوننى عن وحشتى وحتى متى تبقى، ودون أن أجيبهم وصلهم
جوابى، مؤتنساً بهم، فأداروا جرامافونا راح يصدح بصوت عبد الوهاب "أنا راح
زمانى هدر، ولا كانش عندك خبر"، فتغيرت حالى، وأفقت ممتلئاً رعباً، ورحت أجرى
حتى قفزت إلى الماء دون تردد، وعجبت أنهم لم يحاولوا أن يحولوا بينى وبين ذلك، ولا
حاول أحدهم اللحاق بى لإنقاذى.
يتغير
المنظر لأجدنى فى ترام آخر، ليس تراما تماما، وسمعت الميكرفون يعلن وصول الديزل
الأسبانى إلى محطة طنطا، ووجدتها تركب القطار وتتجه إلى الكرسى الوحيد الخالى
بجوارى، فتزحزحت قليلا نحو النافذة، لكنها مضت فى الممر حتى تجاوزتْنى، واستمرت
حتى نزلت من باب العربة الناحية الأخرى
وقام
القطار مواصلا رحلته إلى الاسكندرية وقد عاودنى رعب الزورق والأغنية، ونظرت من
النافذة، لكن القطار كان يسير بأقصى سرعته.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم 86)
كلفت بحمل رسالة إلى المرحوم الدكتور حسين فوزى، فقلت له إن معى عرضاً
لإعادته فى الخدمة مع زيادة ملموسة فى الراتب. وتخصيص حجرة فاخرة لمقامك.
ضحك الدكتور وقال إنه لا يهمه الراتب ولا الحجرة، ولكن يهمه احترام فكره
وكرامته.
ورجعت وفى يقينى أن مهمتى قد فشلت.
التقاسيم:
... فرحت
بفشلها وكنت تمنيت ألا تنجح، لكن ما أن وصلت إلى منزلى حتى دق جرس التليفون، ووجدت
أن المتحدث هو الدكتور حسين فوزى، ودق قلبى خوفا من شئ ما، تحققت مخاوفى حين سألنى
دون مقدمات تبريرية: هل عندك فكرة كم ستكون الزيادة فى الراتب، فأجبته أننى لست
متأكدا ولكنى سمعت أنها ستكون إلى الضعف، فقال لى: قل لهم أننى قبلت العرض على شرط
أن أقتسم الزيادة مع صديقنا توفيق الحكيم، أبديت دهشتى ولم أقل له، وماله توفيق
الحكيم بالموسيقى، فقال: عندى مشروع سرى أنا وهو لم نخبرك به لأننا نعلم أنه لا
تُبَلُّ فى فمك فولة، قلت معترضا، مع أننى أعرف صدق قوله: أنا؟ قال نعم، ومع ذلك
سوف أقوله لك: إنه مشروع تحديث الحضارة الغربية بما يليق بهم.
قلت له فى
دهشة بالغة: بهم أم بنا؟
قال
مؤكدا: بهم، مالنا نحن والحضارة من أصله!؟
قلت:
أليسو هم أولى بتحديث أنفسهم؟
قال: نعم!
قلت:
فماذا إذن؟
قال:
خلاص، أنا عند رأيى الأول، أبلغهم أننى رفضت العرض جملةً وتفصيلا، الآن ومستقبلا.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
87)
فى الصباح الباكر اكتشفت الجريمة الوحشية. وما لبثت وحشيتها أن صارت حكاية
على كل لسان. ولكنى لم أجد موضعا للاختباء إذ أن المكان كله يتقاسمه رجال الشرطة
وطبيبات المرض النفسى. وأصبحت فريسة للقلق حتى استدعتنى إلى حجرتها كبيرة
الطبيبات. وقالت لى الأكثرية هنا يفسرون وحشية هذه الجريمة بالقسوة الكامنة فى
طبيعة القاتل. أما أنا فأفسرها بقلة خبرته وجهله للأصول العلمية الحديثة لفن
القتل. لذلك قررت إلحاقه بالمعهد العصرى للجريمة. والله ولى التوفيق!
التقاسيم:
...حين رجعت إلى منزلى رحت أبحث فى دليل التليفونات على المعهد
العصرى للجريمة، فطلبت الدليل العالمى فأكد لى أنه توجد معاهد كثيرة تؤدى هذه
المهمة لكنها لا تحمل هذا الاسم حرفيا، وأن عيبها جميعا أنها تدرس بطريقة جديدة
جدا، وسرية أيضا، وأن مصاريفها باهظة تماما، فطلبت منهم أن يدلونى على أرخص واحد
فيهم، فأعطونى رقم تليفون مكون من تسع وعشرين رقما تتخللها بعض الحروف
(حوالى7)
فى شارع
عدلى سلمت الرقم للموظف ليقوم بطلبه بمعرفته فانتفض واقفا وترك مقعده وانصرف من
أمام الشباك وهو يقول لى: "مستحيل، دقيقة واحدة،" وظللت منتظراً على
الشباك الخالى من الموظف حتى شعرت بمن يلمس كتفى فالتفت فإذا به نفس الموظف ومعه
اثنان من رجال الأمن يحيطون بى، فخفت خوفاً جباناً حتى كدت أختفى أمام نظراتهم
الساحقة.
قلت
للموظف: عفواً فيه ماذا؟
قال
اطمئن، فقد استجابت كبيرة الطبيبات النفسيات لالتماسك، وقررت أن تقوم بنفسها
بإجراء عملية الخصاء لك. فزعت، وأقسمت أننى لم أقدم التماسا، ولم أوقّع بالموافقة
على أية عملية، فقال إن هذا هو السبيل الوحيد لإنقاذك من الحكم الذى صدر بإعدامك
لارتكابك الجريمة الوحشيةٌ، تبلدت حَتى الجمود، وعرفت أنه لا فائدة من الاستمرار
فى الحوار فسكت، فأضاف: "ثم إنها شخصيا فى حاجة إلى خصْيتيك لعمل
اللازم،" قلت: "وأنا؟ كيف أقوم بعمل اللازم؟": قال: "هذا آخر
ما يهم، المهم هو القضاء على الجريمة وليس على المجرم"
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
88)
فى قريتنا كل فرد ينتظر رسالة قد تقرر مصيره. وذات يوم
تلقيت رسالتى فقرأت فيها أن الحكم صدر بإعدامى شنقا. وذاع
الخبر كعادة تقاليدنا. فاجتمع أعضاء نادى القرية وقرروا الاحتفال
بالأمر فى حينه أما فى بيتى حيث أعيش مع أمى وإخوتى وأخواتى
فقد انشرحت الصدور وعم السرور. وفى اليوم المنتظر دقت فى
النادى الطبول. وخرجت أنا من بيتى فى أحسن زينة محاطا بأفراد
أسرتى، ولكن أمى شذت عن حالنا فدمعت عيناها وتمنت لو كان
العمر امتد بأبى حتى يشهد بنفسه هذا اليوم السعيد.
التقاسيم:
....تم
إعدامى فى احتفالية غير مسبوقة، وتأكدت من ميزة نظام الرسائل المغلقة التى تقرر
مصيرنا الرائع هذا الواحد تلو الآخر، وكانوا قد سألونى وأنا على منصة المشنقة، وكل
أهل القرية يهللون فرحين بالحدث السعيد، إن كان لى طلب قبل التنفيذ، فطلبت منهم أن
يدعوا لى الحبل حول عنقى، وأن يتركوا معه طولا كافيا، ولم أقل لهم كافيا لماذا،
لأننى لم أكن أعرف حينذاك.
بعد أن
طلعت روحى، رحت أتحسس الحبل وأنا فرح أننى امتلكته، ونزعته برفق من حول رقبتى وأنا
شاكر لهم وفاءهم بالعهد، وحين التقيت عددا من الأصدقاء والأحباب فرحوا أننى أحضرت
الحبل معى، لأنهم جميعا ماتو موتة ربنا، بلا حبل ولا مقصلة، ولم أفهم سببا لفرحتهم
تلك، وحين سألتهم قالوا إن زوجة أحدهم حامل، وهذا حدث نادر هناك، وأنهم كانوا
يبحثون عن حبل يقوم مقامِ الحبل السُّرى للجنين الذى فى بطنها، لأنهم يحتاجون
الحبل السرى الطبيعى لأغراض أهَم.
وحين
سألتهم عن هذه الأغراض الأهم، قالوا:
- أنْتَ
مالك؟
وما أن
سلمتهم الحبل حتى طلعت روحى مرة ثانية، فَطِرتُ وراءها بلا تردد.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
89)
من موقعى فى الحديقة رأيت سيدة فى الستين مقبلة نحوى
متجهمة الوجه وقالت بنبرة غاضبة:
- بسببك خسرت الجائزة.
وتذكرت السيدة ووجهها الحزين ولكنى لم أفهم لقولها معنى
واستمرت تقول:
- اللجنة
استبعدت قصتى بحجة أنها نسخة من قصتك المطبوعة منذ أربعين
سنة.
وضح كل شئ وعرفت أن الحظ السيئ مازال يتعقب المرأة
وواصلت حديثها.
- أقسمت لهم
أن قصتى لا يجوز أن تتهم لسبب بسيط وهو أنها قصة حياتى.
فقلت بانفعال:
- صدقت: أنا
اقتبست قصتى من واقع حياتك الذى شاركت فيه أسوأ مشاركة.
فقالت وهى تضحك بسخرية:
- فرصة أن
أكون ضحية لك فى واقع الحياة لا فى الخيال.
التقاسيم:
قلت: أنت
غير آخذة بالك أن عشرات الأعوام قد مضت.
قالت: أنت
اقتبست حياتى قبل قصتى، قبل أن أعيشها منذ أربعين سنة حتى الآن، فعشتُها أنا حتى
كتَبْتُها قصة واقعية دامية، ثم حرمتُ حتى من نيل الجائزة بسببك.
قلت: أنا
لست القدر.
قالت:
أنتَ ألعن من الشيطان نفسه.
قلت:
وماذا كنت ستستفيدين بالجائزة بعد كل ما جرى؟
قالت:
كانت ستعطينى فرصة أن أبدأ من جديد.
قلت: فى
هذه السن؟
قالت: فى
أى سن، الله يلعنك.
قلت:
آمين، إن كان هذا يرضيك.
قالت : لا
شئ يرضينى.
قلت: ولا
الجائزة؟
قالت:
ملعون أبوك على "أبو الجائزة".
قلت: الآن
اطمأننت عليك، أنت لا تتغيرين أبداً، هيا بنا.
قالت: بنا
إلى أين؟
قلت: نبدأ
من جديد.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
90)
تم بناء البيت فكان تحفة معمارية جاء إليها الناس من
جميع الأطراف وكل يأمل امتلاكها.. وكثرت المساومات واشتد الجدل
حتى شق الجموع عملاق وهو يقول بصوت جهير: إن القوة هى الحل.
ووجم الناس إلا واحدا تصدى له فقامت بينهما معركة حامية حتى
تمكن العملاق من توجيه ضربة إلى رأس خصمه فهوى فاقد الوعى ثم
اقتحم العملاق البيت وأغلق البيت بإحكام. وتمر الساعات فلا
يفتح فى البيت منفذ اتّقاء للانتقام أما الواقفون فى الخارج
فلم يأتوا بحركة مجدية ولكنهم فى الوقت ذاته لم يتفرقوا.
التقاسيم:
قال
أحدهم: ماذا يفعل فى الداخل؟ فردّ آخر: أنا لست متأكداً أنه فى الداخل، أخشى أن
يحل الظلام ونحن هكذا، رد الأول: إننا لا نملك خياراً، إما أن ندخل نبحث عنه
ونخرجه قبل حلول الظلام، وإما أن نسلم أمرنا أن "القوة هى الحل".
قال ثالث:
ننتظر حتى يموت من الجوع والوحدة.
قال رابع: ثم بعد ذلك لمن سوف يؤول البيت
ملكاً؟
فجأة
انطلقت صفارة الانذار، وكأنها آتية من البيت التحفة، وبدلا من أن يجرى الناس إلى
المخابىء دارت معركة مستعرة بين الجميع، وسالت دماء، وكُسِرت أطراف، وشُجّت رؤوس
وبدا أن الناس قد نسوا البيت ومَنْ بداخله، وحين انطلقت صفارة الأمان، من البيت
أيضا، توقف الناس جميعا عن الشجار وهم ينظرون إلى بعضهم البعض فى دهشة، ويلملمون
ما تبقى منهم، وإذا بالعملاق يطل من أعلى نافذة، وهو يقهقه:
ألم أقل
لكم "إن القوة هى الحل".
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
91)
فى البدء كانت العربة. كنت أدفعها أمامى بقوة ومرح. وذات
يوم وجدت على سطح العربة طفلة فازددت نشاطا ومرحا وتتابع
القادمون حتى غطوا السطح فاستنفدوا قوتى ومرحى. وشعر الراكبون
بمعاناتى فعزمت على ترك العربة حالما تسنح فرصة طيبة. وبمرور
الأيام خلا السطح، رجع إلى أصله. أما أنا فلم أرجع بل
ازددت ضعفا وأخيراً ركنت العربة ورقدت إلى جانبها.
التقاسيم:
...
لا أعرف كم كان عدد السنين التى مرت بى قبل أن أتذكر تلك الطفلة التى اكتشفتها فى
بداية الطريق والتى كانت سببا فى زيادة فرحتى ومرحى أول الأمر، رحت ألوم نفسى
وأتساءل كيف غادرت الطفلة سطح العربة، وكيف لم أتذكرها طوال هذه السنين منذ أن خلا
السطح وخارت قواى، فحزنت أسفا حتى غلبنى النوم وأنا أتصور العربة بجوارى خالية
قديمة، لا تصلح لشئ.
كفٌّ صغيرة لمست كتفى مع آذان الفجر، فاستيقظت فزعا
فوجدتها، لم تكبر يوما واحدا، سألتنى: أنت طلبتَنِى؟
قلت لها: طبعا،
أين كنت طوال هذه السنوات؟
قالت: كنت
أنتظرك.
قلت: بعد
ماذا؟
قالت: هل مازلت
تحبنى.
قلت: وهل يمكن
أن يكون الأمر غير ذلك؟
قالت: يُمكن
ونصف.
قلت: كيف؟
وسمعنا المؤذن يختم آذان الفجر: "الصلاة خير من
النوم"
قالت وهى
تنصرف:
أما آن لك أن تعرف ما هى الصلاة، وما هو النوم؟
وانصرفتْ.
ورحت أنادى عليها وهى تسير بخطى واثقة.
لكنها لم تلتفت ولا مرة واحدة.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
92)
وجدت نفسى فى بهو جميل، وبين يدىّ وعاء ذهبى ملئ بما لذ
وطاب.
فذكرنى هذا بسمار الليالى من أصدقاء العمر الراحلين، وإذا
بى أراهم مقبلين تسبقهم ضحكاتهم المجلجلة. فتبادلنا السلام
وأثنوا على الوعاء وما فيه. غير أن سعادتى انطفأت فجأة
وصارحتهم بأننى لن أستطيع مشاركتهم حيث منعنى الأطباء من
التدخين منعا باتا، وبدت الدهشة على وجوههم ثم ركزوا أبصارهم
فى وجهى وتساءلوا ساخرين:
- أمازلت تخاف
من الموت؟!
التقاسيم:
...
قلت لنفسى، ما دام الأمر كذلك، فما الداعى لكل هذا الحرص؟ ونويت أن أظل معهم وما
يحدث يحدث، قلت أستأذنهم وأعرف الشروط التى تبقينى واحداً منهم.
قال أحدهم: أن تنسى
أنك حى.
وأكمل آخر: بل وأنك
كنت حيا.
قلت لهم:
"لكنكم مازلتم أحياء أمام ناظرى!"، قالوا: "لأننا قبلنا الشروط
ونفذناها حرفيا"، قلت: "لست فاهماً!"، قالوا: "أحسن":
قلت "فماذا أفعل حتى أنجح؟".
قال أكبرهم:
عليك أن تفعل عكس كل ما تتصور أنه ضرورى ومفيد.
قال أوسطهم:
وعليك ألا تدع الأطباء يتدخلون كثيرا فى صحتك.
وقال أصغرهم:
وعليك ألا تفعل ما قاله كبيرنا وأوسطنا معاً.
قلت: أنا عاجز
عن أىٍّ من ذلك.
ويبدو أننى سوف أظل أخاف الموت.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
93)
على سطح بيت قريب رأيت أثاثاًً يرتب وينمق فسألت، قيل
لى إن صاحب ذلك البيت حول بيته إلى معهد ثقافى بالمجان قانعا
بالمعيشة فوق السطح فأعجبت به وأكبرته وعزمت على حضور بعض
دروسه ووجدت المكان غاصاً بالبشر وقال الرجل إن درس اليوم
سيكون عن الثور الذى يحمل على قرنه الأرض، وصدمنى قوله بشدة
ففرت منى ضحكة ساخرة فاتجهت نحوى الوجوه شاخصة بالغضب. أما
الرجل فرمانى بنظرة عابسة وهو يشير صامتا إلى باب الخروج.
التقاسيم:
... لم
أخرج ولم يُصِرّ، ومضى الرجل فى درسه ووجهه يتحول أمامى إلى وجه ثور بقرن واحد لكن
ليس عليه أى شئ، لا أرض ولا سماء، ويبدو أننى ابتسمت فسكت الرجل وزغر لى، ثم
أكمل...
وحين
انتهت المحاضرة، همست إلى الذى كان جارى، هل رأيتَ ما رأيتُ أنا؟ قال طبعا دون أن
تسألنى ماذا رأيت، فمضيت أكمل: وهل لاحظت أنه لا توجد كرة أرضية فوق القرن؟
فانزعج
الجار وصاح بى: "هل أنت أعمى"؟
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
94)
خمسة انقضوا علىّ شاهرين المطاوى فسلبوا نقودى وفروا بسرعة مذهلة ولكن بعض
ملامحهم انطبعت على ذاكرتى ومنذ وقوع هذا الحادث تجنبت المشى منفردا فى الشوارع
الجانبية غير أن الشارع الرئيسى لم يكن يخلو من متاعب. فذات يوم وجدت المرور
متوقفا والناس متكدسين على الجانبين وما لبث أن جاء طابور من سيارات عديدة ولما مر
أمام ناظرى مؤخرة الطابور لمحت وجها انشق لمرآه قلبى فجعلت أنطق "يخلق من
الشبه أربعين".
التقاسيم:
سألت أحد
الوقوف بجوارى ينتظر مرور الموكب حتى نعبر الشارع آمنين "موكب من هذا؟"،
قال لى: "ألا تعرفه"؟ قلت له: لقد وقع لى ذات يوم حادث سطو بالإكراه
وأنا فى طريقى إلى منزلى، وهو طريق جانبى لا تمر به سيارات، قال لى: "ما دخل
هذا بذاك"؟ أنت الآن فى الطريق الرئيسى الوحيد، قلت لكن "الشبه" هو
هو!!! وأنا لا أشك فى ذاكرتى" قال لى: "شبه من يا هذا؟ هذا موكب يفسح
الطريق ويختبر الأمن لزفة كسوة الكعبة" قلت له: "ولكننا فى
ديسمبر"، قال: "ما دخل ديسمبر برمضان الكريم"؟ قلت له: الله أكرم.
ومضيت بعيدا
عن الموكب وعن الرجل وعن الشارع الرئيسى وعدت إلى طريقى الجانبى انتقل من حارة إلى
حارة أضيق فأضيق حتى وجدتنى فجأة قد انتهيت إلى ميدان كبير جدا، وقد اشترك كل
الناس بالآلاف فى ذكرٍ راقصٍ واحد، وعرفت أنه المسجد الأحمدى، والذكر يقوده بإنشاد
عذب سيدى أحمد البدوى شخصيا احتفالا بفك قيد الأسرى جميعا، وحل طلاسم الفلسفات من
كل الملل والأديان والمذاهب.
قلت لنفسى:
الحمد لله، عوضنى ربى عن نقودى وعن خيبتى معاً.
قال واحد
واقف بجوارى: عوضك بماذا؟
قلت: أنت
مالك!
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 95)
تمت الموافقة على بدء الرحلة فتلقى الأهل الخبر بالرضى وسارعوا إلى إمدادى
بالمال فذهبت من فورى إلى التزرى لتفصيل بدلة على أحدث موضة وقام الرجل بعمله
كأحسن ما يكون ولم يكتف بذلك. بل جاء بعمامة أنيقة ووضعها على رأسى وهو يقول: إنه
بذلك تصبح البدلة على أحدث موضة.
التقاسيم:
لم أُظهر
احتجاجى لشدة حرصى على الرحلة، وعلى البدلة فى نفس الوقت، ونويت أن أخلع العمامة
بمجرد أن أنصرف من عند الترزى، خاصة وأن أحدا لم يرنى لابسها من قبل، فليست عندهم
أية صورة لى وأنا بالعمامة، لكن يبدو أن الترزى قد قرأ أفكارى فصاح بى وأنا خارج
"إياك إياك"!، فأجبته دون تردد "حاضر، لا تخش شيئا".
انصرفت من
عنده، وعند أول منعطف دخلت شارعا جانبيا، وخلعت العمامة ووضعتها فى صندوق قمامة
وأنا أتلفت حولى، وحين وصلت إلى المنزل وجدت وجوما على كل الوجوه، فسألت عن الأمر، فقالوا لى إنهم مشفقون آسفون أن يبلغونى
الخبر، ذلك أن الرحلة ألغيت فى آخر لحظة، وأنه مطلوب منى أن أدفع ضعف مصاريف
الرحلة التى كانوا سيصرفونها علىّ، قلت لهم أنهم لم ينفقوا مليما واحد بعد، فأنا
لم أذهب أصلاً، لكنهم قالوا: "إن القانون هو القانون"، قلت: "وماذا
يقول القانون فيمن لا يملك ما يطلبون"؟
قالوا:
"الدفع أو الحبس"
قلت: وهل
أملك خياراً !
وحين دخلت
إلى الزنزانة فوجئت بوجود الترزى، وحين سألته ما الذى أتى به إلى هنا، قال:
العمامة التى ألقيتها فى صندوق القمامة هى التى دلتهم علىّ.
قلت: هل
كان بها شىء محظور؟
قال:
طبعا!
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 96)
اشتد العراك فى جانب الطريق حتى غطت ضجته ضوضاء المواصلات
ورجعت إلى البيت متعبا وهناك تاقت نفسى إلى التخفف من التعب
تحت مياه الدش فدخلت الحمام فوجدت فتاتى تجفف جسدها العارى
فتغيرت تغيرا كليا واندفعت نحوها ولكنها دفعتنى بعيدا وهى تنبهنى
إلى أن ضجة العراك تقترب من بيتى.
التقاسيم:
.. لم
أتراجع، وأخبرتها أن العراك يجرى هناك بعيدا فى الشارع، وأننا بداخل المنزل، بل
داخل الحمام، وأنها بذلك تفسد كل شئ، وتضيع الفرصة تلو الفرصة، قالت لى أنت لا ترى
إلا جوعك، كيف أترك لك نفسى وكل هذه الأصوات الغاضبة تصيح حولنا، وتقترب منا؟ قلت
لها الحب يصنع المعجزات، قالت: إيش عرفك أنت بالحب أو بالمعجزات؟ ثم لفت جسدها
ببشكير زاد من مفاتنها، وأسرعت إلى حجرة النوم، وحين تأكدتُ أنها لم تغلق الباب بالمفتاح،
وصلتنى الدعوة بعد الدلال، فرجعت إلى الحمام للتخفف من التعب والغبار أولا، وحين
عدت إليها كانت الضوضاء قد اختفت تماما، لكن باب حجرة النوم كان موصدا من الداخل،
نظرت من ثقب المفتاح فلم أستطع أن أتزحزح عن موقفى برغم وجع ظهرى، وظللت كذلك مدة
لا أعرفها، وحين رفعت رأسى وجدتهم يحيطون بى من كل جانب، وقال كبيرهم: "سلم
نفسك".
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 97)
هذه حجرة السكرتارية حيث أمضيت عمرا قبل إحالتى إلى
المعاش وحيث زاملت نخبة من الموظفين شاء القدر أن أشيع
جنازاتهم جميعا واسترقت نظرة من داخل الحجرة لأرى من خلفونا
من الشباب فكدت أن أصعق لأنى لم أر سوى زملائى القدامى
واندفعت إلى الداخل هاتفا سلام الله على الأحباب متوقعا ذهولا
واضطرابا ولكن أحدا لم يرفع رأسه عن أوراقه فارتددت إلى نفسى
محبطا تعسا ولما حان وقت الانصراف غادروا مكاتبهم دون أن
يلتفت أحد نحوى بما فيهم المترجمة الحسناء ووجدت نفسى وحيدا فى
حجرة خالية.
التقاسيم:
...حاولت أن أتأكد أننى لم أخطئ المكان، اتجهت نحو نتيجة الحائط أتأكد
من التاريخ، فوجدت كل أوراقها بيضاء تماما، وحين التفتُّ ورائى وجدت المدير العام
خلفى، وهو الذى كنت أحترمه ويقدرنى، فسألنى ما الذى جاء بك إلى هنا فى هذا الوقت
الحرج؟ فحكيت له ما كان، فقال لى، لكن أغلب من تحكى عنهم قد رحلوا إلى جوار ربهم،
فقلت له: "أعلم ذلك، لكن هذا هو الذى حصل"، وهنا لمح نتيجة الحائط التى
كنت مازلت أقف بجوارها، ونظر إلىّ نظرة ملؤها الشك برغم ما بيننا من تقدير
واحترام، وأخذ ينزع الورقة تلو الورقة فلا يجد إلا بياضا وخلفه بياض، فالتفت إلىّ
وقد ازداد شكه وتغيرت ملامحه وسألنى متّهِماً: "هل أنت الذى مسحت البيانات من
على أوراق النتيجة؟" قلت له بسرعة: "سيادتك هو المدير هنا، وسيادتك سيد
العارفين أنه لا أحد فى الدنيا يستطيع أن يفعل ذلك".
قال بهدوء: فى الدنيا نعم، لكن فى الآخرة يُمكن ونصف.
قلت له: وهل نحن فى الدنيا أم فى الآخرة؟
قال: وكأنه يتراجع عن اتهامى: إيش عرفنى؟!!
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 98)
من موقفى على الطوار أرسلت بصرى إلى الحديقة من خلال قضبان السور الحديدية،
وهناك رأيت مالكة فؤادى وهى توزع شيكولاته على المحبين فاندفعت جهة باب السور حتى
بلغت مدخل الحديقة وأنا ألهث وواصلت الجرى فى الداخل ولكنى لم أعثر للمحبوبة على
أثر فهتفت بحدة لاعنا الحب. وحانت منى التفاتة إلى الخارج فرأيت الفتاة فى الموضع
الذى كنت فيه وهى تتأبط ذراع شاب بدا أنه خطيبها، وهممت بالرجوع من حيث أتيت ولكن
أقعدنى الإرهاق وطول المساءلة وفوات الفرصة.
التقاسيم:
...
وانصرفت إلى حيث كنا قد تواعدنا لتناول العشاء، وكأن الذى جرى ما كان، ونسيت ما
حدث، وكأنه لم يحدث، ولم أعرف كيف نسيته، وحين حضر النادل وسألنى ماذا أشرب قلت له
"كاساتا بالكريمة، قال.. "ماذا؟" فانتبهت وتأسفت وقلت له"
"أعنى أيس كريم مع سلطة فواكه، فقال: .."يا سيدى أنت تعلم أن هذا محل
أسماك، وأننا لا نقدم إلا ما هو اختصاصنا، ويمكن أن تبحث عن مطلبك فى مكان
آخر"، وقبل أن يتم كلامه دخلت علينا مالكة الفؤاد وعلى وجهها ضحكه واسعة
رائقة، وراحت تعتذر بأن الطريق كان مزدحما وأنها لم تترك العمل إلا متأخرة وأنها
كانت متلهفة على رؤيتى طول الوقت لترتيب اللمسات النهائية لحفل خطوبتنا، وأنها
نسيت المحمول بالمنزل، ففضلت أن أصدقها، وأنا أقول لنفسى يخلق من الشبه أربعين،
لكن الشاب
الذى بدا لى أنه خطيبها وأنا خارج سور الحديقة دخل فى إثرها وجاء إلى مائدتنا
مباشرة فقامت تستقبله بحرارة، وعرفته علىّ ثم عرفتنى به باعتباره خطيبها، فسألتها
وأنا أدور حول نفسى: "ونحن"؟ قالت: "نحن مالنا"؟ هل عندك
مانع؟ أخذت أقلب النظر بينها وبينه وفى نفسى، ثم قلت كأنى مخدر:
"أبداً".
فتأبطتْ
ذراع الشاب، وقبّلتنى يمينا ويسارا على خدى، واستأذنا، وانصرفا.
وبقيت فى
مكانى حتى جاء النادل فطلبت سمكا مشوياً حارا بالردّة دون تنظيف.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 99)
هذا فناء مستدير تتوسطه نخلة رشيقة
وتقوم فى جوانبه بيوت صغيرة وعند العصارى تفتح الأبواب وتخرج النساء للسمر تحت
النخلة ويدور الحديث غالبا حول البنات والزواج، وأنزوى أنا بعيداً لأتابع الحديث
بشغف وعندما يهبط المغيب يعضنى الجوع ولم يكن يعلم بحالى سوى صديقة طفولتى تتسلل
إلىَّ حاملة طبقا صغيرا نصفه مملوء بالجبن البيضاء والنصف الآخر مفروش بالبقدونس
ونتعاون معا على معالجة الجوع على أنغام حديث الزواج.
التقاسيم:
قالت لى:
متى تتزوج؟ قلت لها: تقولين تتزوج أم نتزوج؟ قالت وما دخلى أنا بزواجك، قلت: ألم
نتفق؟ قالت: على ماذا؟ قلت: على أن نتزوج، قالت: لا أذكر، وليس معنى أننى أحضرت لك
الجبن بالبقدونس أننا أصبحنا عريساً وعروساً، فقلت لها، وماذا أفعل أنا؟ قالت: أنا
مستعدة أن أتزوجك حتى تجد حلاًّ، قلت لها أنا موافق.
قالت: يا
رجل كنت أمزح.
أشرت إلى
طبق الجبن والبقدونس وقلت:
فلماذا
هذا؟
قالت: لا
تشغل بالك.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
100)
هذه محكمة وهذه منضدة يجلس عليها
قاض واحد وهذا موضع الاتهام يجلس فيه نفر من الزعماء وهذه قاعة الجلسة، حيث جلست
أنا متشوقا لمعرفة المسئول عما حاق بنا، ولكنى أحبطت عندما دار الحديث بين القاضى
والزعماء بلغة لم أسمعها من قبل حتى اعتدل القاضى فى جلسته استعدادا لإعلان الحكم
باللغة العربية، فاسترددت للأمام ولكن القاضى أشار إلىّ أنا ونطق بحكم الإعدام
فصرخت منبها إياه بأننى خارج القضية وأنى جئت بمحض اختيارى لأكون مجرد متفرج، ولكن
لم يعبأ أحد بصراخى.
التقاسيم:
... وحين سألونى وأنا على
منصة الإعدام عما أطلبه قبل إعدامى، قلت أطلب معرفة مصير الزعماء المتهمين وهل حكم
عليهم بالبراءة أم ماذا، قالوا: هذا ليس مطلبا شخصيا، إنه يتعلق بآخرين، إن المحكوم
عليه يجاب إلى المطالب الشخصية فقط، قلت فمطلبى الشخصى هو أن أعرف اللغة التى كان
يتكلم بها القاضى مع الزعماء، وأنا أطلب تأجيل التنفيذ حتى تخبرونى يقينا عن تلك
اللغة، ولا أعرف كيف اقتنع المنفذون بمنطقى، وأجلوا التنفيذ الفورى على أن يعودوا
إلى رؤسائهم للمشورة. ولم أطمئن طبعا، حتى أننى اكتشفت أن داخلى ربما كان يفضل
التنفيذ على التأجيل، وبعد أسابيع حضر مدير الأمن وأخبرنى ان التنفيذ تأجل إلى أجل
غير مسمى، وأنه إذا مضى على ذلك سنة كاملة فسوف يفرج عنى، وحين استفسرت عما سيجرى
فى هذه السنة، قال إنهم يستعينون بخبراء أجانب من الصين والعراق وفنزويلا والصومال
وأيرلندا لفك شفرة هذه اللغة، لأنه لا الزعماء ولا القاضى يعرفون معنى حرف واحد
منها، برغم أن المحاكمة من أولها لآخرها كانت مسجلة صوتا وصورة، وأنهم رجعوا إلى
التسجيل عدة مرات قبل أن يصدروا حكم البراءة.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
101)
زيَّنا البيت ترحيبا بالابن العائد
بعد غياب، أصبح فيه نجما من نجوم المجتمع وأمضينا السهرة فى الشرفة التى تمد الشقة
بالمنظر الجميل والهواء النقى وأتحفنا العائد بالأشعار والألحان حتى انتصف الليل
وفى الصباح وجدت مدخل الشرفة مسدودا بدولاب عملاق فخجلت، ولكن الابن لم يخف حزنه
إذ ثبت له أن اناسا من صميم أسرته لا يستلطفون وجوده ويكرهون عمله الجميل.
التقاسيم:
... قلت له: لا عليك، وسوف
نستطيع معا أن نزيح الدولاب العملاق، فيظهر المنظر من جديد وتصدح الألحان ويتواصل
الغناء، قال دون تردد: "هيا"، وحين رحنا نزحزح الدولاب لم يتحرك
سنتيمترا واحدا، لكن ضلفته انفتحت وأخذ يخرج منها طابور من أقزام لا يزيد طول
الواحد منهم عن متر، لكن عضلاتهم تبدو متينه وجاهزة، لم ينزعج الشاب بقدر ما
انزعجت أنا، وقال لى انتظر، فهؤلاء هم الذين كانوا سببا فى ثقل الدولاب وحين ينتهى
خروجهم سوف نستطيع زحزحة الدولاب، لكننى لاحظت أن قزما أطول قليلا يعلو كتفه على
رؤوس بقية الأقزام قد غمز للشاب بعينه، فالتفت إلىّ الشاب وقال عن إذنك وخرج من
الغرفة مسرعا، وظلت الأقزام تخرج تباعا دون انقطاع.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 102)
أخيراً اهتديت إلى مأوى فى الدور
التحتانى من بيت قديم ولكن سرعان ما ضقت برطوبته وسوء مرافقه فسعيت من جديد حتى
نقلت إلى الدور الفوقانى وهو أفضل من جميع النواحى غير أن السماء أمطرت بغزارة غير
معهودة فانسابت المياه من الأسقف فاضطررنا إلى تكويم العفش وتغطيته بالأكلمة
وغادرنا الشقة إلى بير السلم فشعر بنا ساكن الدور التحتانى الجديد فخرج إلينا
ودعانا بإلحاح وبشدة إلى الداخل حيث الدفء والرعاية.
التقاسيم:
اعتذرتْ
أمى، وفضلت أن تقضى الليلة هى وإخوتى عند خالتى، وقبلت أنا الدعوة، وحين دخلت
فوجئت أن زوجته السمراء الفاتنة لا تستر جسدها إلا غلالة رقيقه تظهر أكثر مما
تخفى، ولاحظ الرجل الكريم دهشتى، وقال لا عليك، أنت أخ كريم ورجل طيب، وزوجتى أكثر
منى كرماً فى الترحيب بالضيوف، ولم تمض دقائق حتى استأذن الرجل ليحضر شيئا من سوق
العاصمة، وخرج وهو يخطرنا أنه سوف يتأخر مرغماً، وأعددت نفسى كى أتمتع بالدفء
والرعاية، لكن دق جرس الهاتف فأشارت لى الزوجة الأبنوسية دون أن ترفع السماعة: أن
الهاتف لى، وإذا بأمىّ تكلمنى من عند خالتى، وتقول لى: لا تنس أن تقرأ الفاتحة
للمرحوم والدك.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 103)
ماذا جرى لبيتنا؟ جميع المقاعد تلاصقت وسمِّرت قوائمها فى الأرض وخلت
الأسقف من المصابيح والجدران من الصور والأرض من السجاجيد فماذا جرى لبيتنا؟
قالوا بأنه إجراء لتأمين البيت لتعدد حوداث السطو على المنازل فقلت دون
تردد إن السطو أحب إلىَّ من القبح والفوضى.
التقاسيم:
رحت أحاول
تحريك المقاعد وتحريرها من المسامير بكل أدوات النجارة والحدادة التى عثرت عليها
بالمنزل، وهم يثنونى عن ذلك لكننى كنت مصمما، ووعدتهم بتعويضهم بأى مبلغ يطلبونه
مطمئنا لما عدت به من عملى فى الخارج طوال هذه السنين، فصدقونى وتركوا لى البيت
مطالبين أن أتصل بهم حين تنتهى المهمة. رحت أواصل عملى بجهد لا يلين لكن المقاعد
والآرائك كلها تكسرت وأصبحت أشلاء لا تصلح لشئ دون أن تتلخلخ مساميرها من الأرض.
وعلمت أن مهمتى فشلت، وأخرجت محفظتى لأعد ما بها وقد كنت قد سحبت كل مدخراتى فى
البنك لشراء شقة بعد عودتى استعدداً للزواج، وقررت أن أؤجل المشروع وفاء للشرط
الذى التزمت به، ولم أجد لا محفظتى ولا النقود، لكننى وجدت جواز السفر، فقررت
العودة للشقاء والذل حتى أدفع التعويض، وحين حضروا وأخبرتهم عن عزمى على السفر
أشفقوا علىّ، لكنهم لم يتنازلوا.
فرحت
أردد:
كله إلا
القبح والفوضى.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
104)
رأيتنى فى حى العباسية أتجول فى رحاب الذكريات وذكرت بصفة خاصة المرحومة
عين فاتصلت بتليفونها ودعوتها إلى مقابلتى عند السبيل وهناك رحبت بها بقلب مشوق
واقترحت عليها أن نقضى سهرتنا فى الفيشاوى كالزمان الأول وعندما بلغنا المقهى خف
إلينا المرحوم المعلم القديم ورحب بنا غير أنه عتب على المرحومة عين طول غيابها
فقالت إن الذى منعها عن الحضور هو الموت فلم يقبل هذا الاعتذار وقال إن الموت لا
يستطيع أن يفرق بين الأحبّة.
التقاسيم:
ثم التفت
إلىّ المعلم وقال: وأنت ما الذى منعك عنا، فقلت له: إنه نفس السبب الذى قالته لك
المرحومة عين، فقال محتجّاً ولكنك لم تمت.
فقلت له:
إيش عرفك؟
فقال:
نظرات المرحومة، وقلقك البادى.
فالتفتُّ إلى المرحومة لأعرف ماذا فى نظراتها
يدل على أنى لم أمت وكيف قرأها المعلم بهذا الوضوح، فوجدتها قد اختفت.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 105)
جميع الرجال فى حيٍّنا يحلقون
رءوسهم فى صالون عم عبده انجذابا للحسناء الجالسة خلف صندوق النقود وتمنينا جميعا
أن تتحسن حالتنا المالية فنحلق ذقوننا كل صباح فى رحاب الجمال وذات يوم وجدتنى
أسير فى طريق متألق الجمال والنقاء وإذا الحسناء مقبلة نحوى من بُعد قريب حتى إذا
حاذتنى التفتت إلىّ فجأة وأخرجت لى لسانها وبسرعة مذهلة تحول وجهها إلى كتلة خشبية
سميكة ملونة فذعرت وسارعت مبتعدا غير أنه ترامى إلىّ صوت ضحك فنظرت ناحيته فرأيت
الحسناء تراقص الأسطى وهما فى غاية الحيوية والمرح.
التقاسيم:
...كان الرقص على الرصيف فى أول الأمر، فتوقفت تحت شجرة ليست بعيدة
بحيث أراهما ولا يريانى، وأنا أمتلئ غيظا وحسدا يتزايدان، وتمنيت أن يعود وجهها
الخشبى ليراه الأسطى مثلما رأيته، لكن كان وجهها يزداد تألقا ومرحا، أما الأسطى
فأخذته النشوة، ويبدو أنه لمحنى فأراد أن يغيظنى أكثر فانطلقا يرقصان وسط الشارع
الخالى نسبيا غير عابئين بالمارة، وفجأة ظهرت عربة من عربات الشباب ذات الباب
الواحد وكأن الأرض قد انشقت لتظهر ومرقت مسرعة وصدمتهما وهما فى حال، لم أفرح أو
أشمت، بل أسرعت إليهما أنقذ ما يمكن، كذلك فعل بعض المارة، نظرت فى وجهها فرأيت
نفس تعبير المرح والسعادة، لكن جسمها الراقص الجميل هو الذى أصبح كتلة من مطاط
بارد مع أن الدم كان ما زال يسيل منه، التفت لأرى ما أصاب الأسطى فلم أجده، ووجدت
الناس ينظرون نحو السماء ففعلت مثلهم، فإذا به يعلو فوق الأشجار صاعدا وهو يرفع
قبضته وإصبعه الإبهام إلى أعلى علامة التفوق والجودة.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 106)
غزا الوزارة نبأ بأن انقلابا قد وقع فى الصباح الباكر فتجمع الموظفون حول
التليفزيون واستمعنا إلى البيان الأول فقال موظف قديم أنه سمع هذا البيان فى مطلع
شبابه أما أنا فاكتشفت فى زعيم الانقلاب صديقا حميما ومن فرحتى أعلنت الخبر فأسر
لى صديق بأن الحياة سوف تضحك لى، فقال الموظف القديم أنه قد تضحك لى الدنيا وقد
أعدم بدون محاكمة.
التقاسيم:
.. سألته وهل لى فى ذلك دور أستطيع أن أقوم به لأتجنب المصيبة وأحظى
بالمراد، قال: نعم، طبعا، قلت: ماذا أفعل؟ قال: تفعل مثلما فعلت أنا حين سمعت
البيان الأول فى الزمان الأول، قلت له وماذا فعلت؟ قال: قفلت
التليفزيون ولم أعد إلى فتحه أبدا.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 107)
ياله من ترام عجيب ففى حقيقته يرقد نعش كتب عليه أن هذه جنازة فلان تنفيذا
لوصيته وفلان زميل قديم اشتهر بتجدُّد حظه السيئ فعلى كثرة مؤلفاته لا يكاد يعرفه
قارئ وجاء المشيعون والمتفرجون حتى بلغ الترام المدافن وسط مظاهرة لم تشهدها جنازة
من قبل وما جاء المساء حتى كان اسم الراحل يتردد على كل لسان.
التقاسيم:
قال
أحدهم: هكذا يحق الحق ولو بعد حين، وها هو أخيرا نال حظه، وقد تقدمت ثلاثة دور نشر
تتنافس لإعادة نشر مؤلفاته.
وقال آخر،
ياله من ولى متواضع، أخفى ولايته عنا حتى مات، وروحه هى التى قلبت الترام نعشا.
ونظرت فى
مظاهرة المشيعين فوجدت أشباحا ليسوا كالناس وهم يرفعون كتبه بدل المصاحف على سيوف
من خشب، وما أن توارى نعش الفقيد فى القبر حتى توجهت هذه الأشباح دون الناس إلى
الترام وقد استدار راجعا وراح الجميع يهللون فرحين بالتخلص من الكتب والسيوف
والأشباح والفقيد معا.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 108)
غادرت القطار الجميل وقلبى مفعم
بالأشواق ولكنى وجدت نفسى فى خلاء مخيف فأين إذن الحديقة التى لا يوجد مثلها فى
البلاد. وأدركنى رجل وجيه تذكرت وجه الرجل الذى تزوج من حبيبتى منذ سنوات فاعتذر
عن التأخير فى بدء العمل لتعاقب الحروب وأكد أن الرأى استقر نهائيا على أن يعود
هذا الأسبوع وعلى أن يتم عمله فى شهر واحد تعود بعده الحياة لأجمل حديقة فى
الوجود، وبخلاف المتوقع فإننى صدقته آمِلاً أن يجئ يوم تجمع الحديقة بينى وبين
حبيبتى كما جمع بيننا حى واحد فى الزمان الأول.
التقاسيم:
قال لى
الرجل الوجيه، أنا موافق، هذا جائز، ففى الحديقة التى لا يوجد مثلها فى البلاد
يسمح بتعدد الأزواج، وحين أنتهى من عملى سوف تحقق أمنيتك مع زوجتى حبيبتك. فزعت،
لكننى عدت وفرحت ما دام هو قد سمح بكل هذا الكرم، لكن يا ترى هل أسمح أنا له أن
يظل زوجها، فتراجعت واعتذرت، قال أحسن لأن الحروب لم تنته، وأنه لا داعى لاستكمال
العمل حتى نعْرف مصير الأرض بعد أن بلغ نصف قطر ثقب الأوزون حجم القمر.
قلت له: يعنى ماذا؟ قال: مالك أنت وقد تخليت؟
قلت له:
عن ماذا؟
قال: عن
المخاطرة.
قلت: وهل
تضمن لى أنت شيئا؟
قال:
طبعا.
قلت: تضمن
لى ماذا؟
قال:
انتظر حتى أذهب وأسألها.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 109)
هذا تلميذى يتلقى عنى علوم الموسيقى والألحان وسرعان ما أصبح تلميذى نجماً
ثرياً وظللت أنا فى الظل منسيا فتركت عملى الجميل الشاق واشتغلت بتدريس الآثار،
وكف تلميذى عن التعلم والعلم وأدمن المخدرات وعرض صوته للتلف وحدث أن جمعنا حفل
ساهر فلا هو عرفنى ولا أنا عرفته وأخذت أتساءل مع كثيرين عن تدهورنا وما جرى لنا.
التقاسيم:
قال لى
جارى: تدهورٌ ماذا؟ وجرى لنا ماذا؟ ألن تكف عن الحكم على الأمور بكل هذا التخلف،
قلت له ماذا تعنى؟ قال: لا حكم إلا بعد التجربة، ثم سحبنى إلى الشرفة، وأخرج
"سيرنجة" فض كيسها بسرعة وركنها إلى ناحية، ثم أخرج ورقة مطبقة من جيبه
وفتحها بهدوء وثقة، ثم أخرج من جيبه الآخر ليمونة وقسمها، وعصرها على ما بالورقة
وأنا أتابعه وأنا فى حال، سألته: "ماذا تفعل"؟ قال سوف أثبت لك أن حالنا
لم تتدهور، بل العكس.
وتعجبت
حين جاءنى صوت تلميذى من الداخل وهو يشدو
بأجمل الألحان التى علمتها له قبل أن يحدث ما حدث.
قال
صاحبى: رأيت كيف؟ ألم أقل لك؟ هاأنت ذا قد رأيت بنفسك ونحن لم نضرب بعد ولا إبرة
واحدة بعد.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 110)
إنه مشوار مرهق وعند نهايته وجدت بوابة الفتوح مغلقة فاستجمعت قواى وجعلت
أرفعها حتى استجابت فرأيت وراءها بحيرة تنطلق منها صواريخ كلما بلغ صاروخ الفضاء
انفجر باعثا من الظلمة وجها عزيزاً محبوباً، امتلأ الفضاء بالأحبة ومع ذلك فما زلت
أنتظر سطوع الوجه الذى علمنى العشق وألهمنى الخلود.
التقاسيم:
وطال
الانتظار، وإذا بصوت الرعد ينطلق يهزنا هزاً، حتى انخلعت بوابة الفتوح، ثم بدأ
البرق يلمع فى السماء فيضىء الدنيا ويجعل سطح البحيرة يلمع كأنه فضة ذهب، لكنه
سرعان ما يختفى فيسود الظلام؟ فقررت أن أترك المكان بأسرع ما يمكن، ولكن كيف أتمكن
من ذلك وسط كل هذا الظلام، ثم جاءنى الفرج حين سمعت صوتها يهمس: هذا بسبب كذبك،
أنا لم أعلمك العشق والخلود معا، أنت الذى طلبت ذلك، وأنا خيرتك: إما العشق وإما
الخلود، فقلت لها: والآن؟ قالت: لا نجاة لك إلا أن تختار، قلت: العشق طبعا، ومضيت
مسرعا أستهدى بصوتها وهى تضحك فى سعادة ليس كمثلها شىء، حتى غمرتنى نشوة قصوى
جعلتنى ألعن سيرة الخلود، وما أضاعه من عمرى.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 111)
فى الجو غيم وفى الصدور قلق
ويترامى إلينا من بعيد صوت لا يتوقف، وقال صاحبى وهو يحذرنى بأنهم يستهدفون حياتنا
فقلت له إنى عرفت أخيرا سبيل الخلاص ولا أنكر أنه وعر كثير المقاومة ولكن ليس عندى
خير منه فاتبعنى إن شئت وتفكر صاحبى طويلا ثم تبعنى وهو يقول إن الأعمار بيد الله
وحده.
التقاسيم:
.... مضينا بخطى ثابتة، أنا فى المقدمة وهو يتبعنى، لكننى لا أسمع
صوت خطاه بين الحين والحين، فأتمهل، فيعاود السير، فأمضى دون أن ألتفت إليه وأنا
أتساءل لماذا ورطت نفسى هذه الورطة حتى صدقنى، وعلمت أنه لا مخرج من هذا المأزق
إلا أن يلحقنا هؤلاء الذين كانوا يستهدفون حياتنا، وحين يتلهون بالانقضاض عليه سوف
أطلق ساقى للريح ولن يلحقنى أحد، لكننى فوجئت بأننا وصلنا إلى شاطئ النيل والمكان
خال، فلم أتردد أن أمضى بنفس الخطى حتى غاصت قدماى فى مياه الشاطئ، وأنا أمضى،
والماء يعلو، وهو ورائى وسمعته ينادى: يا هذا إلى أين؟ ألم تعدنى بالخلاص؟ فقلت
له: هذا هو الخلاص يا غبى.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 112)
يالها من ضوضاء فثمة أصوات متضاربة
وخطوات تهرول حيناً وتركض حيناً وصرخة هنا وصرخة هناك، طلقات نارية وامرأة تستغيث
بالله .. أذهلنى التشابه بين صوتها وصوت المرحومة أمى ومن فورى هرعت إلى السطوح
حيث اجتمع إخوتى وأخواتى وحدثت أخى الأكبر عن الاستغاثة والصوت فقال لى بتيقن بأن
الصوت هو صوت أمنا دون غيره وليس آخر يشبهه.
التقاسيم:
قلت له
فماذا ننتظر؟! فقال إسأل نفسك، فمضيت أنزل السلالم أربعا أربعا، وأنا أتصور أنه
يتبعنى، إلا أن أحدا لم يكن ورائى، وحين انتهيت إلى الشارع سمعت أصواتاً جديدة
وهرولة جديدة، لكن الصرخة هذه المرة كانت صرخة رجل سرعان ما تبينت أنه أخى، وحين
وصلت إلى الشارع وجدت المرحومة أمى جالسة على الرصيف وهى تحتضن رأس أخى على صدرها
وكأنها ترضعه، فاختلط على الأمر بين الفرحة بلقائها بعد كل هذه السنين وبين الأسى
على أخى المصاب ولست أدرى ماذا به، انحنيت وقبلت يدها فبللت دموعها خدى، وهى تنهنه
وتردد: لماذا تعجّل أخوك هكذا! كانت أمامه فرصه! فنسيت كل شىء وقلت دون تفكير:
آخذها أنا يا أمى بدلا منه، فزغرت لى زغرة هائلة، ولم تعقب.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 113)
أخيرا حضر الوزير الجديد فقدمت له نفسى باعتبارى سكرتيره البرلمانى ولكنه
لم يفهم كلمة من كلامى فحاولت شرح عملى ولكنه نهرنى بحدة وأمر بنقلى من وظيفتى
وهكذا بدأت المعاناة فى حياتى ثم شاء القدر أن يجمع بينى وبين الوزير فى مكان غير
متوقع وهو السجن وبعد أن أفقت من ذهولى أخذت أذكره بلقائنا الأول وما جرى فيه حتى
تذكر وتأسف واعتذر وانتهزت وجودنا فى مكان واحد كى أشرح له عمل السكرتير
البرلمانى.
التقاسيم:
قال لى
بعد أن انتهينا من شرب قصعة العدس معا، فلماذا أنت هنا ما دمت تعرف تفاصيل عملك
هكذا؟ قلت له: وأنت يا معالى الوزير ألم تكن تعرف تفاصيل عملك أحسن منى ألف مرة،
ولهذا أمرت بنقلى؟ فقال نعم، فقلت فلماذا أنت هنا إذن؟ قال لأننى عرفت تفاصيل عملى
أكثر من اللازم، قلت له: ومن الذى يحدد مقدار اللازم؟
قال: مدير السجن.
قلت: عليك
نور يا معالى الوزير.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 114)
جاءت الشغالة الجديدة مصحوبة ببعض أقربائها وكأنهم أرادوا أن يشاهدوا
المكان وأهله لتطمئن قلوبهم على ابنتهم الوسيمة، غير أن الوسيمة لم تمكث عندنا إلا
نصف يوم ثم ذهبت تاركة فى النفوس غضبا وبلبلة حتى كان ذات مساء فرأيتها تخرج من
عمارة قريبة وهى على حال من الانحراف الصارخ فصعقتنى الحقيقة الغائبة وأدركت عمّ
كانوا يبحثون فى اللقاء الأول.
التقاسيم:
ثم انتهى
إلى سمعى صوت زفة عرس قادمة من الشارع الجانبى، فنسيت ما كنت فيه ورحت أتفرج،
وفجأة حل بى سرور ونشاط غريبان، وكأنه فرح أختى الصغرى التى أحبها حبا لا حدود له،
أو كأنه فرحى أنا شخصيا، واقتحمت طريقى بين المعازيم وهم يوسعون لى، وربما ظنوا
أنى من أهل العروس، وحين وصلت إلى الزفة كنت قد وصلت إلى حالة من النشوة لم أستطع
معها التحكم فى أى شىء، فسحبت العريس من "الكوشة" وأنا فى غاية الطيبة
والبهجة، ورقَّّصته فرقص معى حتى انتشى وهو يجذب العروس إلينا فصرنا نحن الثلاثة
نرقص كمحترفين جاؤوا خصيصا لإحياء الليلة، وفرح الناس بنا وراحوا يصفقون، فكدت
أطير، ثم رحت أتخلص من ملابسى وأنا أرقص معهما والناس تصفق، حتى لم يبق علىّ إلا
السروال، وحين هممت بأن أتخلص من الباقى زغرت لى العروس باسمة، فتراجعت وأنا أتبين
أن وجهها هو هو وجه الشغالة الوسيمة، ففرحت لها، وأمسكت بكلتا يديها دون العريس
وواصلت الرقص معها وهى تشاركنى بنشاط جميل، والعريس يصفق لنا.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 115)
فى البدء التهب الخصام حول إصلاح البيت بين الساكنة فى الدور التحتانى
ومالكة البيت المقيمة فى الدور الفوقانى وترامت الأصوات إلى الحارة الصغيرة
ففُتحتْ نوافذ وأبواب وأيَّد البعض مالكة البيت. أما الكثرة فأيَّدت الساكنة
واحتدم الجدل ثم تطايرت الشتائم حتى أنذر الغضب الأحمر بسفك الدماء.
التقاسيم:
... لكن
باب السطح انفتح عن الرجل الذى يسكن وحيدا فى حجرة فى السطح، وأخذ ينزل الدرج
بهدوء لا يتناسب مع نار الشتائم ونذر الحريق الذى على وشك الاشتعال، وحين وصل إلى
بئر السلم حيث تدور المعركة، قال بنفس الهدوء: ما الحكاية يا جماعة؟ أنا سوف أحلها
لكم. فقالت ساكنة الدور التحتانى: كيف ستحلها يا روح امك؟ فلم يهتز ولم يرد، فقالت
مالكة البيت: نعم سيحلها ونصف، أنت لا تعرفينه. قالت ساكنة التحتانى: طبعا أنت
التى تعرفينه، قالت المالكة: إخرسى، أنت حين تعرفينه ستعرفين كيف يحلها، قالت:
التحتانية للرجل: أرنا شطارتك يا سيد الرجال. قال الرجلِ للمالكة: أنت تقومين
بإصلاح البيت وهى تقوم بعمل اللازم. قالت المالكة: وانت إن شاء الله ؟؟!!
قال الرجل: بإذن الله.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 116)
ذهبت لتهنئة صديق قديم على الوزارة ولكن بخلاف المتوقع قوبلت فى المكتب
بفتور واضح ثم طال انتظار المقابلة دون جدوى فتسلل إلى ظنى أن بعضهم افترى علىَّ
فرية أفسدت الود القديم، وأخيرا غادرت مجلسى لا أرى ما بين يدى واستقبلنى زميل
يبقى على وده وقال لى: لعنة الله على ألسنة السوء فسألته ولِمَ لم يقابلنى ويتحقق
من الأمر فقال إنه مضى زمن والقانون معطل اكتفاءً بأقوال الشهود.
التقاسيم:
رجعت لتوى
وأنا مصمم على لقائه دون المرور بالسكرتارية أصلاً، فعلاقتنا تسمح بذلك وأكثر،
مهما قالت ألسنة السوء، وحين يتأكد الجميع أننى ما جئت إلا للتهنئة سوف يخجلون مما
ذهبت بهم إليه الظنون، وما أن دخلت عليه مقتحماً والسكرتير يجرى ورائى خائفاً من
عاقبة ما فعلت حتى فوجئت بأن الوزير قام من على مكتبه واتجه نحوى وكأنه على وشك أن
يأخذنى بالحضن، وفجأة صفعنى صفعة أذهلتنى استدرت بها نصف دائرة، فوجدت صدغ
السكرتير فى كفى وأنا أصفعه صفعة أقسى، فصرخ مولولا واستدار بدوره وهو يكاد يقع من
طوله، ليجد مساعدته تقف مذهولة فتسنده حتى
لا يقع فيأخذها فى حضنه دون تردد، وانفجر
الجميع فى ضحك ليس له مثيل.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 117)
كنت جالسا فى المقهى وإذا بفتوّة الحى يجلس إلى جانبى دون استئذان فرحّبت
به مرغما فقال: إنه اختارنى للزواج من ابنته المطلقة فارتعشت أطرافى وقلت: إننى
سأتزوج من ابنة عمى فى نهاية الأسبوع فقال ببساطة وثقة: أنت ستتزوج من ابنتى وأنا
سأتزوج من ابنة عمك.
التقاسيم:
نظرت إليه
فى تسليم وأنا أحسب أنه يمزح، فهو لم يتزوج حتى الآن لأسباب يعرفها كل أهل الحى
برغم أنه الفتوة، بل إن فتونته تجعله يحصل على من يشاء وقتما يشاء حسبما يشاء، فما
الذى فتح نفسه للحريم أخيراً؟! قلت له، ولى خبرة معه لا يمكن أن ينساها،
"ولكن يا معلم"، وغمزت له بعينى اليسرى ولم أكمل!! فلم يهتز، ولم يخجل،
وإنما مضى يؤكد لى أنه اتفق مع ابنته على كل شىء، وغمز بدوره بعينه اليمنى.
****
نص
اللحن الأساسى: (حلم 118)
وجدتنى فى ميدان محطة الرمل المزدحم دوما بالبشر ولمحت فى ناحيته الرجل
الذى تردد كلماته الألوف وهو يغازل غانية، فهمست فى أذنه "إذا بليتم
فاستتروا" فقال: وهل ثمَّ ستر أقوى من ملابسها.
التقاسيم:
قلت له: نعم هناك
ما هو أقوى.
قال: وما هو؟
قلت: تسترها
برجولتك.
قال: الرجولة
لا تكتمل إلا بالأنوثة، وهذا هو معنى إكمال نصف الدين يا غبى.
قلت: نصف
الدين أم نصف الدنيا.
قال: وهل
هناك فرق؟
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 119)
وصلت إلى المحطة فى الوقت الحرج واتخذت موقعى فى الطابور الممتد إلى شباك
التذاكر. وظللنا بين القاطرة والشباك حتى انطلقت صفارة الإنذار الأخيرة ومازلت على
مبعدة من الشباك، وهكذا فاتنى القطار.
التقاسيم:
لم ينفض
الناس من الطابور برغم صفارة الإنذار، فهى لم تكن إنذارا بقيام القطار الأوّل،
ولكن بغارة مفاجئة مجهولة الهوية، وقال أحد الواقفين إنها صفارة النجدة وليست
صفارة الإنذار؛ فقال آخر: لقد أعلنت إسرائيل الحرب على حزب الله؛ فقال الذى فى
مقدمة الطابور: وما لنا نحن؟ هل ستنقلنا مدرعات حزب الله إلى القاهرة؟ فقال الذى
يقف خلفه: ما هو انت فى القاهرة، انت تقصد الإسكندرية. فردت عليه ناهرا: إيش عرفك
ماذا أقصد؟ ثم إيش عرفك أننا فى القاهرة؟ فقالت امرأة منتقبة كانت تتململ طول
الوقت فى الطابور: أليس فيكم رجل واحد يخفف عنى ما أنا فيه؟
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 120)
قمنا برحلة إلى المملكة التى تغنّى بروعتها الشعراء وهناك انضم كل فرد إلى
المرشد الذى اختاره ينتقل به من مشهد إلى مشهد ومن جبل إلى بحيرة ومن متحف إلى
مقبرة وقال المرشد: إنه لم يبق من الرحلة إلا الحديقة البللورية ودعانا إلى شئ من
الراحة والتأمل كى لايصدمنا الانبهار فسألنا: وهل ثمّ انبهار يفوق ما شاهدنا من
أحياء وأشياء، فابتسم المرشد وواصل السير ونحن فى أثره.
التقاسيم:
لم نعرف
كيف يمكن أن نرتاح أو نتأمل ونحن ننتظر انبهارا أكبر من قدرة خيالنا على الانبهار،
ثم بدأ الركب فى التحرك، وكان لا بد من السير على الأقدام فالطريق إلى الحديقة غير
مصرح بسير السيارات فيه، ولا هو صالح لذلك، وطال المسير دون أى أمل فى الوصول، حتى
بدأ بعضنا يتسرب من الجمع، ويقف تحت ظل شجرة، أو بجوار غدير، وخاف المتبقون أن يحل
الظلام وقد قاربت الشمس على المغيب، وحين وصلنا إلى الساحة الكبرى، نظرنا فى الأفق
فإذا قرص الشمس قد احمر حتى صار مثل الجمر المشع، وقد لامس الأفق، وبدلاً من أن
يتوارى رويداً رويداً حتى يغيب، وأغلبنا يقاوم خوفه من حلول الظلام قبل أن نصل إلى
الحديقة البللورية، إذا بقرص الشمس يرتفع رويداً رويداً نحو وسط السماء من جديد،
والسحب تحيط به وكأنها تحتضنه فى حنان رقيق دون أن يفقد لونه الأرجوانى، وجلجل صوت
يقول: هذه هى الحديقة البللورية، فهلل الجميع وكبروا وحطّ حمام كثير فى الساحة
الكبيرة، واستطالت الأشجار حتى كادت تلامس الشمس.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 121)
رأيتنى أسير فى شارع كورنيش الإسكندرية مستهدفا العمارة التى أرى فى إحدى
شرفاتها السيدة الأنيقة بصحبة زوجها وأبنائها الشبان فلما فتر الهدف ذاب المنظر
ذوباناً سحرياً ناعماً حتى اختفى وحل محله شارع العباسية ومازلت أسير نحو العمارة
الجديدة التى تطالعنى من إحدى نوافذها الفتاة التى لا تُنسى ولكنى وجدت النافذة
خالية فقررت الانتظار كالعادة فى محطة الترام ولكنى لم أجد للمحطة أثرا ولا لقضبان
الترام أثرا على طول الشارع.
التقاسيم:
...
قرصتُ جلد ذراعى فشعرت بألم معقول، عضضت على سبابتى بأسنانى فقفزت أن
"آه"....فرحت بالألم وشعرت أننى أصبحت أملك الأزمنة والأماكن والأشياء،
رأيتنى أنا الذى فى شرفة الشقة فى عمارة كورنيش الاسكندرية، ورأيت أن فتاة
العباسية هى ابنتى ترفل فى ثوب زفاف لم أر مثله من قبل، وهى تزف إلى أحد الشبان من
أبناء الشرقية، وذهبنا معا إلى مطار العلمين نودع أخاها إلى كندا، وحين عدت ركبت
مترو الأنفاق الذاهب إلى المرج وإذا بجوارى السيدة الأنيقة تبتسم لى فى أدب جم،
وحين أقدم الكمسارى ورآها بجوارى ابتسم لها وحيانى، ولم يطلب التذاكر، وعادت فتاتى
تطل من النافذة وسمعت صوت الترام يتهادى الناحية الأخرى، وهدهدتنى يد والدة حانية
تربت على كتفى وهى تقول:
أنقذتنا يا بطل بالعدم من العدم.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 122)
الليل سجى فاحتوتنا غرفة وهبتنا الظلمة راحة عابرة وفرحاً حميماً وترامت
إلينا من الطريق ضجة فهرعت إلى خصاص النافذة فرأيت قوما يحدقون بشخص مألوف الهيئة
وينهالون عليه باللعنات واللكمات وهو مستسلم لا يقاوم حتى شعرت باللكمات تخرق
جسدى.
التقاسيم:
أسرعت
بالنزول وأنا أشعر أنه مظلوم، وبمجرد أن خرجت من باب العمارة إلى الشارع حتى أشار
إلىّ صائحا: ألم أقل لكم؟ ها هو ذا، فالتفت الجميع ناحيتى، وتركوا الرجل، ثم
اتجهوا إلىّ جميعا كالمسحورين سيْراً، فهرولةً، فركضاً، فوضعت ذيلى فى أسنانى ورحت
أجرى وأنا أسمع ضحكات الرجل المألوف الهيئة تتعالى قهقهة حتى ملأت السماء كلها،
توقفت فجأة، فتوقف الجميع وبينى وبينهم مسافة أخذتْ تزداد ونحن لا نتحرك، ثم
استداروا وعادوا إلى الرجل الذى كف عن الضحك ينهالون عليه باللعنات واللكمات
ونسونى تماماً، ولم أشعر هذه المرة باللكمات تخرق جسدى، لكننى لم أشعر أيضا بلذة
التشفى أو فرحة الانتقام، فقد كان يشبهنى تماماً.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 123)
هذا ميدان الأوبرا وفيه أسير متجها نحو مقهى الحرية فأدهشنى أن أجدها خالية
من روادها اللهم إلا شخص منكب على قراءة أوراق مبسوطة بين يديه وسرعان ما تبين لى
أنه أستاذى الشيخ مصطفى عبد الرازق فانشرح صدرى واندفعت نحوه مشتاقا إلى لقاء حميم
غير أنه التفت إلىّ متجهما فهبط قلبى وأشار الأستاذ نحو الأوراق وقالى لى: آسف إنه
قرأ اسمى بين شهود الإثبات فلم أدر ماذا أقول ولا كيف أعتذر.
التقاسيم:
..كله
إلا الشيخ مصطفى عبد الرازق، هذه أوراق مدسوسة عليه، فأنا لم أكن قد ولدت بعُد
أيام أنْ حدث الحادث، وفى نفس الوقت يستحيل أن أراجعه أو أخطِّئه، دخلت من الباب
الخلفى للمقهى ناولت النادل ما تيسر فأعارنى معطفه الأصفر وسمح لى أن أحمل القهوة
للشيخ، وحين اقتربت من منضدته تعثرتُ قصدا فانسكبت القهوة على الأوراق، وعجبت أنه
لم يغضب، بل انحنى يجمعها ورقة ورقة ويمزقها دون أن ينظر فيها ويضعها فى سلة
المهملات بجواره بهدوء دون أن ينظر ناحيتى، ولا أعرف كيف تأكد أننى أنا، وحين
انصرفت من باب مطبخ المقهى الخلفى قابلت عباس العقاد وكأنه كان ينتظرنى، وبادرنى
بمزيج من الفرحة والحسد قائلا: لم أكن أعرف أن شيخنا يحبك لهذه الدرجة.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 124)
كثيراً ما اجتمعنا بمكان يقع بين الحقول من ناحية والطريق العام من ناحية
أخرى، حتى قال لى صاحبى إن هذا الموقع لا يضمن السلامة فى كل الأحوال ومن لحظتها
سكن القلق فى صدرى حتى استيقظت ذات صباح
على ضجة وصياح فقمت إلى النافذة فرأيت جموعا لا يحصرها حصر وجماهير لم أميز فيها
سوى الغضب الأحمر.
التقاسيم:
دخلت بسرعة وهاتفته خائفا معاتبا، أنه مادام الأمر كذلك، وهو يعرف كل
ذلك، فلماذا واصلنا الاجتماع فى نفس المكان لنفس الغرض؟ قال لى: أى غرض؟ قلت: أنت
تعرفه جيدا. قال لى: لا تخف؛ فالغضب الأحمر لا يخصك أنت، وهذه الجموع لها وجهة
أخرى، فانتظِرْ هادئا حتى تنصرف، ثم نرى. قلت له: نرى ماذا؟ قال: نرى إن كان هناك
داع للاجتماع أصلا أم لا.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 125)
توجهت إلى مسكنى فوجدته يمور بالحركة ولا شئ من الأثاث فى موضعه وثمة غلمان
وبنات لا أعرفهم يلعبون هنا وهناك دون أن يحسوا بحضورى فانقبض صدرى ودلفت إلى
الشرفة المطلة على حديقة قريبة منى وفيها شجرة ضخمة تمتلئ أغصانها بالعصافير
المزقزقة وكانت الزقزقة وحركة العصافير قد أنستنى كل شئ غير صوت العصافير وهى
تغرد.
التقاسيم:
....
لكن الغلمان والبنات انطلقوا فجأة من المسكن إلى الحديقة، وأخذوا يقذفون العصافير
المزقزقة بحجارة صغيرة لا تؤذى، فزادت الزقزقة رقة، وطارت العصافير نحو مسكنى وكأنها
اشتركت فى اللعبة، وكأنها قد اتفقت مع الغلمان والبنات أن يتبادلوا الأداء
والأماكن، واحترت إلى أى الفريقين أنتمى، ودعوت الله أن يضعنى حيث يرى أنه الأصلح
لى، وإن كنت شخصياً أفضل الزقزقة.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 126)
ذهبنا لتهنئة الوزير الجديد بوصفنا أصدقاء قدامى فرحب بنا ووجدنا أحباء
آخرين فرجعنا معهم إلى عهد الصبا وفى الصباح التالى أذاع الراديو البيان الأول
لحركة الجيش وعندما ذهبنا إلى السكرتارية للترحيب قال لنا لا تسهبوا فى الترحيب
قبل أن تعرفوا القادم.
التقاسيم:
... لم
تكن الوزارة قد استقالت أو أقُيلت بعد، فلم تمض على الحركة سوى ساعات، ثم وجدت
نفسى واقفا فى صف طويل أمام مجمع التحرير، ونظرت فى الساعة التى فوجئت أنها ضخمة
جداً وقد وضعت فوق النصب الخالى وسط الميدان، وإذا بها تعلن تاريخ اليوم وعقرب
الثوانى فقط هو الذى يدور بسرعة فائقة كأنه يسابق نفسه، وامتلأ الميدان بعربات
المطافئ الحمراء، وتلفتّ حولى فلم أجد أى
حريق، لكن أصوات أبواقها وأجراسها لم تكف عن الإزعاج، ثم صمتت فجأة، وانطلق
ميكروفون كبير يؤذن لصلاة الظهر عصراً، وراح يكرر أن "الصلاة خير من النوم"،
فسألت أصدقاءنا القدامى: ما الحكاية؟
فقال أحدهم: لقد تغير كل شىء، وأصبح نوم القيلولة أهم من قيام الليل.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 127)
فى حديقة هذه الفيلا نجتمع مساء للسهر والسمر فى حرية شاملة، ولكن صاحب
الحديقة تغير فجأة فاستبد بكل شئ فهو يختار موضع الجلسة وموضوع الحديث والأكل
والشرب وحسبناها دعابة ولكنه استمر وتمادى فضقنا به ذرعا غير أننا أخفينا مشاعرنا
إكراما للموقف. إلا واحد لم يستطع إخفاء مشاعره وذات مساء انفجر غضبه المكتوم وجن
جنونه فصرخ وأخرج من جيبه مسدسا صوبه نحونا بيد مرتجفة فتفرقنا فى الحديقة تطاردنا
لعناته وشتائمه.
التقاسيم:
... واجتمعنا من جديد فى المكان المخصص لفرقة الموسيقى فى الحديقة،
ونحن نشكر تهوره الذى أنقذنا من كل هذه التبعية والنمطية، ووجدناها فرصة لترتيب
الأوراق والذكريات والخطط الجديدة، وإذا بنا نفاجأ أن كل الخطط الجديدة ليست سوى
الذكريات التى نعرفها، وأن ملفات الذكريات لم تكن إلا أكداسا من صفحات خالية، وإن
كان غلاف مجلداتها عليه أرقام وحروف تبدو كالشفرة بلغة غريبة بين اللاتينية
والهيروغليفية.
وتساءلت: تُرى لو فككنا
الشفرة فهل تمتلىء الصفحات البيضاء بما ينبغى أن تمتلىء به؟
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 128)
هذا محل لبيع التحف يتألق نورا وبهجة وتجلس فى خدمة ضيوفه شابة آية فى
الجمال وطفت به حتى صادفنى مطعم صغير فتناولت ساندوتشا ودخنت سيجارة فى زجاج خفيف
لرؤية الشابة الجميلة لكنى وجدت مكانها امرأة طاعنة فى السن فانقبض صدرى وأرسلت
ناظرى باحثا عن الجميلة فمضيت فى حيرة بمرآة فوقها مشهد به صورة عجوز يتوكأ على
عصا غليظة قد أعياه المشى والقلب والذاكرة.
التقاسيم:
...
وحين أمعنت النظر وجدت أنها ليست صورة أعلى المرآة، لكنها صورتى أنا فى المرآة.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
129)
مازلت فى صباحى مستوصياً
بالصبر والعزم والاستمرار حتى بلغت مرتفعاً أوحى إلىّ بأخذ شئ من الراحة وهنا لمحت
صبياً يكافح للصعود فرق له قلبى ومددت له يدى ولكنه جذبنى بقوة لم تجرنى فى جناحه
فهربت أتدحرج ولا أملك لنفسى شيئاً.
التقاسيم:
واستمر هو فى الصعود، وكأنه لم يكن هو الذى بدا عليه الإنهاك وهو يكافح
منذ قليل، وحين توقفت عن الدحرجة وجدت نفسى على صخرة مستوية، واطمأننت إلى أن
الإصابات طفيفة، رفعت رأسى نحوه فوجدته، يلتفت إلىّ وهو يخرج لى لسانه، فأرسلت له
قبلة فى الهواء.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 130)
صحوت من نومى على أصوات تنادينى غير عابئة بوقار الليل وسرعان ما عرفت منها
أصوات صديقات الزمان الأول وكن يذكرننى بالميعاد الذى لم أنجزه فتلفحت بالروب
وهرولت إلى الخارج ولكنى وجدت الشارع خاليا والصمت سائدا.
التقاسيم:
... ومع
ذلك سرت فى الشارع غير عابئ بالمفاجأة، فهن كثيرات، ولن أعدم واحدة قد تلكأت
واختفت فى بئر سلم إحدى العمارات تنتظرنى بعيدا عن الباقيات. بعد بضع خطوات خرجت
الجميلة من باب عمارة عتيق وأقبلت علىّ بكل الشوق الذى ذكرنى بالزمان الأول، وبعد
حضن اللقاء تأبطت ذراعى، وصفرت بفمها، ففتحت كل أبواب بقية العمارات، وخرجت
الباقيات يزغردن، ويرددن وراء حادية جميلة الصوت، "يا عود قرنفل فى الجنينة
منعنع"، وشعرت أننى محظوظ بجد، وكدت أطير من الفرحة، حتى أننى لم ألاحظ أننى
أفتقد ذراعها التى كانت تتأبط ذراعى، وحين نظرت ناحيتها وجدتها قد اختفت، لكن ظلت
الباقيات فى الغناء، دون أن يلحظن الدموع تنهمر من عيونى.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 131)
لقاؤنا فى هذا الركن من الغابة وحياتنا طرب مستلهم من المواويل، وسماؤنا
سحب من دخان رقيق عاطر، ونحن كأننا نائمون أو غافلون وذات يوم اقتحم هدوءنا غناء
غريب مجنون الإيقاع شديد الصخب فذهلنا ورأى بعضنا إسكاته ولو بالقوة، على حين آثر
البعض التأمل والحكمة، وعلى أية حال فقد استيقظ النائمون وتنبه الغافلون.
التقاسيم:
تقدم أحدنا نحو مصدر الغناء المجنون، فتكشف عن شيخ بالغ الوقار سمح
الوجه، له لحية بيضاء جميلة، ولم نصدق أن هذا الغناء الذى أفسد كل شىء يصدر عن هذا
الشيخ الجليل، وحسبنا أن المغنى المجنون يكمن وراء شجرة أخرى تالية، لكن الشيخ بدأ
فى الحديث فسكت الغناء، فعرفنا أنه هو، فسألته من أين كان يصدر هذا الغناء المجنون
الشديد الصخب وهو مطبق الشفتين، فابتسم أكثر سماحا، وقال: وهل هذا سؤال؟ وأشار
إلينا بيده، واحدا واحدا، فنظر كل واحد فى نفسه وعرف الإجابة، وانطلقنا نقهقه
ونتنافس فى الإقبال عليه نقبل يديه شاكرين.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 132)
هى وأنا ماضيان كالعادة إلى ملهى من الملاهى وفى الطريق استأذن دقيقة ريثما
يشترى سجائره ولما رجع لم يجدها فعلم على ظنه أنها سبقته إلى الملهى المتفق عليه
فذهب إليه ولكنه لم يجدها فراح ينتقل من ملهى إلى ملهى باحثا عنها وحتى هذه اللحظة
لم يكف عن البحث.
التقاسيم:
.... لكنه
نسى أسماء الملاهى كلها، وعناوينها، فوجد نفسه فى زاوية من تلك الزوايا أسفل
العمارة التى تقام فيها الصلوات فى السر، وكان الدخول إليها ببطاقات خاصة، برغم
إقامة الآذان فى المكبر كل الأوقات، لكنه استطاع أن يغافل الحارس ويدخل، وحين
أقيمت الصلاة اكتشف أن الإمام كان طفلا صغيرا وإن ارتدى عمامة جميلة على قدر رأسه،
وتأكد أن الإمام لن يلاحظ أنه يصلى بغير وضوء، وحين ختم الصلاة واستغفر وخرج من
المسجد الزاوية وجدها تنتظره خارج الزاوية وقد تنقبت، ففرح فرحا شديدا، لكن سرعان
ما ساوره شك "إيش عرفه أنها هى؟"، وبدون أن يسأل، رفعت النقاب دون حرج،
وبدا له ما تحته، فأطلق ساقيه للريح وهرب بلا تردد، ومازال حتى هذه اللحظة لا يكف
عن الجرى وهو يتلفت وراءه.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
133)
جائزة مقدراها مائة جنيه لم أعرف
قبلها من النقود إلا راتبى الصغير فأملت أن تكون الخطوة الأولى فى طريق الثراء،
فكم من زميل بدأ من الصفر ثم أصبح من كبار الأغنياء وسألت أحدهم عن الوسيلة فضحك
وقال لا تسل عن الوسيلة فلا يجهلها أحد ولكن سل عن الشخص والزمن.
التقاسيم:
وسألت عن
الشخص أولا، فقيل له إنه يسكن فى حجرة مميزة فى المقابر بعد الخلاء مباشرة،
فانطلقت وأنا أحمل الحقيبة وبها المائة جنيه، وأنا على يقين أننى سأجده، وأنه
سيدلنى على طريق الثراء، وحين وصلت إلى أول المقابر وجدته ينتظرنى، وبادرنى قائلا:
قلت أوفر عليك عناء البحث. ومد يده مباشرة إلى الحقيبة، وكأنه كان يعرف مسبقاً كل
شىء فسلمتها له دون تردد، فاستدار وقال اتبعنى، وكلما جد فى السير وأسرعت خلفه
زادت المسافة بيننا وأنا لا أجرؤ أن أناديه حتى كاد يختفى، لم أستطع صبرا وفتحت
فمى لأصرخ فيه أن انتظرنى، فلم يخرج صوتى أصلا، واختفى الرجل وتوقفت وأنا أتحسر، وتصورت
أنه لو حضرنى فى تلك اللحظة ذلك الذى نصحنى لقتلته، وإذا به يتمثل لى أمامى، فراح
غضبى فجأة، وحل محله عتاب رقيق .
قلت له:
أهكذا؟ قال: أنت بحثت عن الشخص ولم تبحث عن الزمن؟ فقلت له: هل كان ينبغى أن أبحث
عن الزمن أولا؟ قال: بل عنهما معاً دائما. قلت: ولكننى لا أعرف كيف.
قال: ولا
أنا.
ثم قهقهه
وانصرف.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 134)
جمعتنا المواعيد فى الطريق الزراعى فجعلنا ننشد الأشعار ونغنى ما طاب لنا
من الألحان حتى سرقنا الوقت فغاب قرص الشمس ونحن لا ندرى فتذكرنا أنه عند هبوط
الظلام يترامى إلينا عواء الذئاب من جهات كثيرة.
التقاسيم:
.... حلّ الظلام كثيفا وكأنه ظلام عدة ليالٍ
مجتمعة، ولم يصدر من جوف الليل أية إشارة لعواء ذئاب أو حتى نباح كلاب، فلم نطمئن،
وبدا أن ثمة مفاجأة تنتظرنا، ويبدو هذه المرة أن ثَمَّ شعوراً عاما جعلنا نتقارب
أكثر وكأننا قطط صغيرة تحتمى بحضن أمها الغائبة الحاضرة، واتفقنا دون كلام أن نؤجل
التساؤل بل والكلام، لكن بنفس التوافق الجماعى اتفقنا أن نغنى معا أية أغنية
جماعية دون صوت، والعجيب أننا غنينا نفس الأناشيد والأشعار، وكلما انتهت واحدة،
وبدأ أى منا التالية شاركناه دون إشارة، وتمنينا أن نظل على هذه الحال أطول مدة.
ومضى الزمن سحرا ساحراً حتى بدأ حفيف الفجر يتسحب وهو يذيب دفء الظلام، ولاح لنا
قرص الشمس من الناحية الأخرى، فتذكرنا أنه عند طلوع الشمس يترامى إلينا عواء
الذئاب من جهات كثيرة.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 135)
اشتقت لرؤية أهلى فانتقلت من فورى إلى البيت القديم وهالنى أن أجده غارقاً
فى الظلام كأنهم استأنسوا بالظلمة فناديتهم معاتباً رجلاً رجلاً وامرأة امرأة ولكن
لم يجبنى أحد .. رجعت أكرر النداء حتى دمعت عيناى.
التقاسيم:
ما هذه النهنهة الحانية التى تقترب من سمعى على هامش هذا الصمت الطيب؟
جففت عيونى بسرعة وفرحة، فاقترب الصوت أكثر. حاولت أن أميزه من بين أصواتهم رجلا
رجلا وامرأة امرأة، فلم أستطع، وصلنى دفء حانٍ أحاطنى بدعمٍ محيط، ها هو قد شعر
بى.
فهدهدنى أطيب.
وانفرجتْ شفتاى راضيا
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 136)
رقد جثمان أختى على الفراش ووقفت أمامه ومعى حبيبتى خاشعين على حين تربعت
على الفراش صبية جملية تغنى غناء شجيا وجرى الزمن فأصبح الجثمان الراقد على الفراش
هو جثمان حبيبتى ووقفت أنا وأختى أمام الفراش خاشعين وظلت الصبية فى موضعها تغنى
غناءها الشجى.
التقاسيم:
لكن الأغنية كانت هى هى الأولى، فتقدمت إلى الصبية أسألها عن الذى
يجرى، وهل أحزن على أختى أم على حبيبتى، فأشارت لى أن أنتظر، واستمرت فى الغناء،
وحين انتهت قالت فى دهشة: وهل هناك فرق؟ قلت: طبعا، قالت: الفرق كله فى تغيير
الأغنية وليس فى تبادل الجثمانين. قلت لها ولكنها نفس الأغنية. قالت: هذا ما خيل
إليك. قلت: لست فاهما، قالت: تعالى أنا أفهمك.
وأمسكت بذراعى ومضينا بعيدا عن الفراش والبيت ونحن فى أسعد حال.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 137)
يالها من حديقة لا أول لها ولا آخر يقطر من سمائها الصفاء وتتوارى أرضها
تحت الشجر وجلسنا فى ظل شجرة لنأكل ونشرب وإذا بصوت يخبرنا بأن المغنيات والراقصات
آتيات آتيات وصوت آخر يحذرنا من الاستماع إلى الأمثال والحكم التى تذم تقلُّب
الدهر وغدر الأيام وقال إن حسبكم هذه الهبات من الأشجار المثقلة ثمارها بالهناء
والسرور.
التقاسيم:
ابتسمت لنا أخيرا، وكان الشرط سهلا، وحضرت المغنيات، والراقصات فعلا،
لكنهن لم يبدأن الإنشاد، وقال المتعهد إنه لابد أولا من تنفيذ الشروط، فانطلق واحد
من وسطنا وكأنه ليس منا صائحا "المشروطة محطوطة"، وما كدنا نلتفت إليه
حتى انطلق صوت آخر من الناحية الأخرى يردد، بيت شعر قبيح " وماسُمِّى الإنسان
إلا لنسيه، وما القلب إلا أنه يتقلب"، فالتفت بعضنا نحو الصوت الآخر، ولم
نلاحظ أن المغنيات والراقصات بدأن فى جمع الآلات وارتداء أحذيتهن استعدادا للرحيل،
فتوقفنا عن ركل وصفع صاحبىْ الصوتين، وسلمنا أمرنا لله وتعاهدنا على أن ننقى صفوفنا من الجواسيس أولا.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 138)
شارع طويل عريض وأنا أسير فيه على مهل غافلا عما حولى وإذا بيد تربت على
كتفى فالتفت أمامى فرأيت امرأة آية فى الجمال والرشاقة ودهشتُ، فابتسمتْ،
فابتسمتُ، فأسرعتْ نحو بيت أنيق أخضر فاستقر رأيى على أن أتبعها ولكننى التفت حولى
لحظة ليطمئن قلبى وفى هذه اللحظة تدفق جنود الأمن حتى سدوا الطريق سدا وتعذر علىّ
التقدم ولكن عينىَّ لم تتحولا قط عن البيت الأنيق الأخضر.
التقاسيم:
تقدم منى أحد رجال الأمن وتصورت أنه سيسألنى، أو ربما يقبض علىّ بتهمة
ما، لكنه تخطانى ومضى فى طريقه، فالتفت ناحية وجهته، فتبينت أن هناك على الناحية
الأخرى نفس البيت الأنيق الأخضر، فتصورت أننى أخطأت فتأخرت خطوتين، ونقلت بصرى بين
الناحيتين وعرفت أننى لم أخطىء، وأنهما بيتان كأنهما توأمان واحترت كيف سأميز أى
منهما التى دخلت إليه المرأة حين ينصرف رجال الأمن الذين ظلوا فى أماكنهم يسدون
الطريق، وفجأة امتلأ الشارع كله على الجانبين ببيوت مشابهة طبق الأصل، خضراء
وأنيقة، قلت كَمُلَتْ، لكننى انتظرت أيضا واثقا أننى حين أناديها بعد انصرافهم
سترد من البيت الذى دخلته دون سواه، وبدأ رجال الأمن يتحركون، قلت فُرجَتْ، لكنهم
بدلا من أن ينصرفوا راحوا يوزعون أنفسهم على البيوت التى تخلقت حتى اختفوا جميعا
داخلها، وظللت فى الشارع وحدى أتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعنى.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 139)
هذا معرض اشتهر بصوره الفنية التى تتغير شكلا ومضمونا كلما اقترب منها
المشاهد، وأول ما طالعنى صورة غابة آية فى الجلال ولما اقتربت خطوة تلاشت الغابة
وحلت محلها صورة امرأة عارية متعددة المحاسن وعند الخطوة التالية غابت المرأة
وظهرت محلها صورة معركة حامية الوطيس اشتعلت فيها كافة أنواع الأسلحة من الأحجار
وحتى الإلكترونات.
التقاسيم:
وحين اقتربت أكثر وجدت صورتى أنا شخصيا ببنطلون قصير، وطربوش مكسر، ثم
فى الخطوة التالية وجدتنى وأنا أمسك مضرب الإسكواش فى يد وفى الأخرى كأس الفوز
ببطولة المعوقين وهذا مافسر لى أن قدم الواقف فى الصورة كانت عصا من الخشب، وحين
تقدمت أكثر، فوجئت أنها أصبحت مرآة تعكس صورتى حاليا، ففزعت واستدرت وأخذت فى
العدو دون توقف.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 140)
هذه امرأة ثرية المحاسن ما إن رأيتها حتى غازلتها وإذا بزوجها ينقض علىَّ
ويأبى أن يتركنى إلا فى القسم ولكن تدخل رجل من حيّنا اشتهر بين خاصة معارفه
بالدعوة إلى الحرية المطلقة ففررت بعد أن لقننى درساً لا ينسى، ويتجسد لى كلما
قابلت امرأة حتى رأيت نفسى وجها لوجه مع المرأة الجميلة فهممت بالجرى ولكنها أقبلت
علىَّ باسمة وتأبطت ذراعى وهى تهمس بأن زوجها اعتنق أخيرا دعوة الحرية المطلقة.
التقاسيم:
....
ضممت ذراعها الذى تأبطنى إلى جسدى وأنا لا أكاد أصدق، وسألتها وأين هو الآن؟ قالت:
هو أيضا يمارس حريته المطلقة. وتذكرت الرجل الطيب الذى هدانا إلى هذا الطريق بعد
أول شطحة منى، وسألتها إن كانت تعرفه، قالت: طبعا إن له الفضل فى كل هذا؟ فسألتها:
وأين هو الآن؟ قالت: تعين إمام وخطيب المسجد الذى فى حينا. قلت: والحرية المطلقة؟
قالت إنه يقوم بمهمته خير قيام بنفس المبادىء، فسكت خشية أن تنسلت ذراعها من تحت
ابطى.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 141)
هذا حينا القديم وهذا أنا أجول فى أركانه حاملا فى قلبى ذكرياته ثم خطر لى
أن أقيم فى البيت القديم حتى تخف أزمة المساكن ولكن تبين لى من أول يوم أنه لم يعد
صالحا للحياة الحديثة.
التقاسيم:
بعد تردد ليس طويلاً قلت لنفسى، ولا أنا أيضا عدت صالحاً للحياة
الحديثة، وقد يكون بذلك هو أصلح مكان أقضى فيه بقية أيامى، وتوكلت على الله، ودفعت
الباب، وإذا بالصرير القديم يصدر منه هادئاً جميلاً ملأنى طمأنينة إلى حسم
اختيارى، وحكمة قرارى، وحين أغلقته خلفى وشممت رائحة الرطوبة العتيقة مؤتنسا، أصدر
نفس الصرير الجميل، لكن ما أن تم إغلاقه حتى امتد الصرير إلى صوت ناى كهربائى ناعم
سرعان ما انقلب إلى صوت أورج صاخب، فتصورت أننى أخطأت لكن أصوات الآلات الموسيقية
الحديثة بدأت تأتينى من كل مكان فى بهجة وصخب وإزعاج محتمل، وحين دلفت إلى الصالة
عرفت أن المسألة تعدت كل تصور، الشباب هائص والبنات نصف عرايا وعرق الرقص يشع
نداءات جنسية جميلة لها أثرها البهيج، عجبت من نفسى أننى لم أرفض أيا من ذلك،
وتقدمت لى فتاة فى غاية النشاط، وخلعت عنى أغلب ملابسى وجرجرتنى دون استئذان لوسط
حلبة الرقص، فلم أعترض ولا ثانية، ورحت أشاركها بتوجيهاتها والسنون تتراجع، وفرح
الجميع بنا وتحوطونا نحن الاثنين يصفقون ويضحكون وأنا لا أتعب، وأنشد "والله
زمان يا سلاحى"، فيتعالى ضحكهم أكثر.
****
نص
اللحن الأساسى: (حلم 142)
هذه القطعة من الأرض الفضاء هى ميراثى
الوحيد وقد أطلق عليها اسم الخرابة لطول ما عانت من إهمالها وما أن رُزقت بعض
المال حتى فكرت جاداً فى تعميرها ولكنى لم أقدم لكثرة ما عرفت من حوادث النصب
وفساد الذمم حتى سألت جارى الحكيم: ألا يوجد فى الدنيا شخص خيِّر؟ فأجابنى بأنه
موجود ولكن يتطلب العثور عليه عزماً وشجاعة وبحثاً لا يتوقف.
التقاسيم:
قلت له: ومن أين لى بكل ذلك. قال: أنا هنا أمامك ماثل. قلت له: لكنك
قلت شروطا لم أنفذها بعد؟ قال: أية شروط؟ قلت: العزم والشجاعة والبحث الذى لا
يتوقف. قال: وهل انت فعلت غير ذلك؟ وإلا ما كان الله وضعنى فى طريقك بهذه السرعة.
فَرِحتُ وسلّمته الحقيبة التى بها النقود التى كنت أعددتها لتعمير الأرض، فأخذها
منى شاكرا، وقبّلنى يسارا ويمينا ثم أخذنى بالحضن، وانصرف دون كلمة وأنا مطمئن،
وحين أنهيت مهامى الأخرى رجعت إلى بيتى وأنا فى غاية الرضا، وقلت أمر على جارى قبل
أن أدلف إلى مسكنى، فأخبرونى أن هذا المنزل خال من سنين، وأن من أسأل عنه قد هاجر
إلى إيطاليا منذ ولادة ابنى الذى وصل إلى الجامعة.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 143)
سمعت صوتاً غير مألوف فمرقت بسرعة إلى فناء العمارة فرأيت
رجلاً غريباً أثار فى نفسى الريب فناديت البواب ولفتُّ نظره إلى الرجل الغريب
فأخبرنى بهدوء أنه موظف ويؤدى واجبه الرسمى وهو أخذ الزائد من الأفراد من المساكن
المكتظة وينقله إلى مسكن يتسع له فاعترضت قائلاً إنه يأخذ فردا من أسرة ويخلف حزنا
وينقله على رغمه إلى مكان لا يرحب به فقال البواب بأن هذا هو القانون ونحن لا نملك
حياله إلا الإذعان والتسليم.
التقاسيم:
نظرت إلى شاربه الكث، وخيل إلى أننى رأيته من قبل فاستوضحته إن كان من
مصر، قال: طبعا، وأنت من أين؟ قلت له: من كفر الشيخ فضحك عاليا وقال: أى شيخ؟ قلت
له: الشيخ الشعراوى؛ فانقلب وجهه جاداً هادئا مثل الأول، وقال: فلماذا تسأل؟ إن
الشيخ الشعراوى شخصياً هو الذى أصدر هذه الفتوى! قلت: أية فتوى؟ قال: فتوى جواز
نقل الزائد إلى الناقص. قلت: لكن الشيخ الشعراوى مؤمن وموحد بالله. قال: وأنا
كذلك. ثم قهقه عالياً ومضى يرتب شؤون مهمته، فاشتد غضبى وهددت بأننى سأبلغ
البوليس. وهنا أخرج لى بطاقته، فانصرفت إلى شقتى مسرعا وأنا أردد: اللهم حوالينا
ولا علينا، وحمدت الله أنى لست متزوجا.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 144)
نظرت فى ظلمات الماضى فرأيت وجه حبيبتى
يتألق نوراً بعد أن دام غيابها خمسين سنة فسألتها عن الرسالة التى أرسلتها لها منذ
أسبوع فقالت إنها وجدتها مفعمة بالحب ولكنها لاحظت أن الخط الذى كُتبت به ينم عن
إصابة كاتبه بداء الخوف من الحياة وبخاصة من الحب والزواج، ولما كنت مصابة بنفس
الداء فقد عدلت عن الذهاب إليك وفكرت فى النجاة فلذت بالفرار.
التقاسيم:
تعجبت،
وفهمتُ وأسفتُ، وفرحتُ، وقلت لها: إذن من المسئول؟ قالت: نحن الاثنان. قلت: ومن
الذى دفع الثمن؟ قالت: نحن الاثنان. قلت: وماذا كان علينا أن نفعل؟ قالت: نحن
الاثنان
فعرفت
أنها لم تعد تسمعنى وانصرفت أفكر فى إجابة للسؤال.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
145)
هذا مهرجان عظيم جمع العديد من رموز الأمم ونادانى رئيس المهرجان وسلمنى
كرة وهو يقول إنها هدية المهرجان لك، وهى من الذهب الخالص وانهالت علىَّ التهانى
ولما رجعت أعلنت نيتى على التبرع بنفس الهدية لأعمال الخير فجاؤوا بمنشار وأخذوا يقسمونها
ولما وصل المنشار إلى باطن الكرة دوى المكان بانفجار مزلزل وتطايرت شظايا الضحايا
من الإنسان والحيوان والنبات والجماد.
التقاسيم:
... وحين بدأ دخان الانفجار ينقشع تبينت أننى لست بين الضحايا،
وأننى سليم تمام السلامة بلا جرح ولا نقطة دم، وأن الكرة هدية المهرجان مازالت فى
يدى، ونظرت إلى حيث المنصة فوجدتها هى أيضا كما هى، وعليها الذين أهدونى الكرة،
فذهبت نحوهم وأنا فى حال من الفرحة بالنجاة والذهول لما حصل. قلت لهم: ما هذا الذى
حصل؟ هل أخطأت أننى تنازلت عن الجائزة لأعمال الخير؟ قالوا: نعم. قلت: كيف ذلك؟ هل
هم جرَّموا التبرع والصدقات أيضاً؟ قالوا: لا، لكننا بحثنا عن الخير فلم نجده
أصلا، فكيف نبحث عن أعماله، وهذا هو ثمن الجهل. قلت: أى جهل؟ قالوا: ألا تعرف أن
أى عدد يقسم على صفر يساوى ما لا نهاية؟ قلت: أذكر أننا أخذنا مثل ذلك فى
الإعدادى. فقالوا: اذهب وراجع دروسك ثانية، وكفاك ما تسببت من خسائر وضحايا.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 146)
انقض العدو واشترط لوقف القتال أن يتسلم تمثال النهضة الذهبى المحفوظ فى
الخزانة التاريخية وذهبت مع فريق لنحضر مفتاح الخزانة المحفوظ بالصندوق الأمين
ولما كشفنا غطاء الصندوق تبدَّى لنا ثعبان مخيف ينذر بالموت كل من يدنو منه
فتفرقنا وأنا أدارى فرحتى وأدعو للثعبان بالسلامة والتوفيق فى حفظ المفتاح.
التقاسيم:
.. لكن فرحتى لم تتم فحين رجعنا سألَنَا مندوب
العدو: هل أحضرتم التمثال؟ قلت: نعم، قال أين هو؟ قلت: لقد رفض أن يحضر معنا،
واشترط أن تذهب سيادتكم بنفسك لاستلامه. قال الرجل ساخطا: من هذا الذى رفض؟ أنا لا
أمزح معك. قلت له: ولا أنا، لكن هذا هو الذى حصل. قال: هل تعرف نتيجة مزاحك هذا؟
نحن متفوقون فى أدوات القتال بنسبة عشرة إلى واحد، قلت: أنا أعرف ذلك، ولهذا قبلنا
شروطكم. قال: هيا معى أرنى الصندوق. وذهبنا، وبمجرد أن دخل باب الحجرة التى بها
الصندوق حتى أغلقتها عليه بالمفتاح وفررت هاربا، وحين عودتى وجدته قد عاد ومعه
التمثال والثعبان والمفتاح والصندوق، وشكرنى بحرارة وصدق.
وحين
عودتى إلى سكنى فتحت المذياع فإذا بأنباء إعلان الهدنة تتصدر الأخبار.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
147)
دُعيت لاجتماع عاجل لسكان العمارة وهناك أطلعونى على قرار صادر ضدى بإخلاء
الشقة ورحت أناشدهم العدل وأناشدهم الرحمة حتى قال لى صاحب العمارة إنه لم يعقد
هذا الاجتماع للبحث عن العدل والرحمة ولكن للتأكد من مطابقة القرار للقانون.
التقاسيم:
قلت له:
ولكن القانون وضع لإقرار العدل، والرحمة جزء من العدل. فقال رئيسهم: إن العدل الذى
فى القانون غير العدل الذى أتحدث عنه، كذلك الرحمة هى من صفات الله تعالى ونحن
لسنا آلهة. واستعجلنى حتى ينهى مهمته، فدعوت عليه بالشلل، فسمعنى وقال: ما هذا؟
قلت: وهل صدر ضدى حكم أيضا يسلبنى حقى فى الدعاء بعد أن سلبت شقتى؟ ولم أكد أكمل
جملتى حتى اهتز جانبه الأيمن وعجز عن النطق، فعرفت أن دعوتى قد استجيبت فجزعت،
وتساءلت: ما ذنبه هو؟ إن هو إلا منفذ للقانون؟! فصدرت منى دعوة غامضة أخرى لم
أتبينها إلا بعد أن انهارت العمارة كلها دون أن يصاب أى من ساكنيها، واستغربت أن
ممثل القانون قام سليما يعدو راقصا من بين الأنقاض، وكأنه لم يكن مشلولا منذ قليل.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 148)
اشتدت المنافسة بين القطارات وبين
سيارات الطرق الزارعية وأخيرا اجتمع المسئولون عن
القطارات وقرروا تخصيص عربة قطار للعربدة والنساء فى نطاق الحرية المطلقة،
كما قرروا إنشاء صالة فى كل عربة قطار للشرب والغناء والرقص ورحت أشرب وأغنى وأرقص
منتظرا فرصة للتسلل إلى عربة المسرات.
التقاسيم:
.. ومع مرور الأيام عزف كل الناس عن ركوب السيارات، وفضلوا قطارات
السعادة والحرية المطلقة، وفى الاجتماع الأخير لنقابة سائقى السيارات قرروا أن
يقلبوا كل السائقين خلال سنة إلى سائقات جميلات عاريات كاسيات من المحجبات اللاتى
تغوص ملابسهن المشدودة تحت جلودهن فى إثارة محسوبة، ولم تنجح الخطة لأن مساحة
السيارة لا تكفى، ومجرد النظر يثير أكثر مما يرضى، فذهب رئيس النقابة واستصدر فتوى
تؤكد أن جلد كراسى القطارمصنوع من لحم الخنزير، وأنه لا يحل لمسلم أو أى من أهل
الكتاب الجلوس عليه، وثار الناس، وتوقفت حركة المرور حتى عدل الجميع عن كل ما كان،
وعادت القطارات القذرة والسيارات القديمة تنقل الناس حلالا زلالا دون تنافس.
****
نص اللحن
الأساسى: حلم (149)
اجتاحت الثورة المدينة وقُتل الملك
وهو يدافع عن مدينته وسرعان ما أولمت وليمة فاخرة لقادة الثورة ودعت الملكة زعيمها
إلى جناحها الخاص وهناك استقبلته عارية تماما كاشفة عن مفاتنها.
التقاسيم:
.. رفض الزعيم العرض بثوريته النظيفة وقال لها: ليس هكذا؟ لست أنا؟
فقالت له: إذن لماذا كانت الثورة؟ قال: كانت من أجل بناتك وليس من أجل جلالتك مع
كل أسفى؟ قالت: لكنهن قاصرات!! قال لها: هذا أفضل.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 150)
اشتدت الأزمة
حتى أشفى التاجر الكبير على الإفلاس ولم يجد من يقرضه فى طبقته التى أنهكتها
الأزمة ولكن تقدم بياع العرقسوس بقرض دون فوائد ولما حان وقت السداد بلغت الأزمة
ذروتها حتى فكر التاجر فى الانتحار ولكن أسعفه بياع العرقسوس بقرض جيد، وطلب منه
أن يعتبر القرضين مهرا لابنته وقالوا إن التاجر وجد أخيرا حلا لأزمته فقال بياع
العرقسوس فى سره أنه أيضا وجد حلا لأزمته التى لم يبح بسرها لإنسان.
التقاسيم:
.. وللأسف فقد كان الحل الذى تصوره بائع العرقسوس ناقصا لم يتبين نقصه
هذا إلا ليلة الزفاف، فاعتذر بأدب شديد للعروس وسألها عما تريد بعد أن حدث ما كان،
فطلبت أن ترجع لأهلها، وبنفس الشهامة أخذها لوالدها متأسفا شاكراً، وحين سأله حموه
هل معنى ذلك أن أرجع لك نقودك مثلما أرجعت لى ابنتى، فأجاب الرجل بالنفى القاطع،
لكنه أيضا طلب منه أن يسأل ابنته فهى صاحبة الرأى الأخير، وحين التفت التاجر إلى
ابنته وجدها تلملم ما حملت معها وتتجه نحو زوجها بائع العرقسوس وتتأبط ذراعه وهى
تقول له: هيا بنا.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 151)
كنا نجلس حوله للسمر الممتع والمفيد تحت الشجرة ويوما استأذن منا دقيقتين
لتناول الدواء وصعد إلى شقته ولكنه غاب فأرسلنا أحدنا ليطمئن عليه فوجد الشقة
مغلقة بالقفل من الخارج. ومن ثم بدأت رحلة البحث غير المجدية عنه فى جميع مناطقه،
وأخذ يساورنا القلق يتساوى فى ذلك المحبون والكارهون والمستفسرون، أما إمام المسجد
فقد دعا إلى أداء صلاة الغائب على روح الغائب.
التقاسيم:
.... أثناء سيرى فى السوق الكبير بعد ربع قرن تقريبا لمحت وجها خيل
إلى أنه يشبهه، وأنا أعلم أنه قد تزوج فى صدر شبابه زواجا لم يدم طويلا، وقد أشاعت
زوجته عنه ما لا يصح مما لا يتعلق بضعف بل بميول لا يجوز ذكرها بعد رحيله، تصورت
أنه ابنه أو على الأقل ابن أخ له وتوجهت دون تفكير نحوه، وناديته باسمه بصوت
مرتفع، فرد على الفور والتفت إلى مصدر الصوت ولم يتعرف على وجهى، فأعدت النداء،
فأقبل علىّ مهللا وهو يقول: ياخبر عرفت صوتك ولم أتعرف عليك. فتأكدت أنه هو، ولكن
كيف لم يكبر يوما واحدا، وأنا قد بلغت ما بلغت؟ وسألته دون خجل، ودون حسد عن سر
شبابه الدائم، فابتسم وقال: السر هو فى القفل خارج الشقة.
قلت فى نفسى: الله الغنى.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 152)
ذهبت مدعوَّا إلى
الدار الشهيرة فى الاحتفال بعيدها الذهبى وهناك وجدت البهو مكتظا بمختلف الطوائف
وجميع أصناف الكلاب ووقف الداعى فرحب وشكر ورجع إلى الذكريات التى لا تنسى حين هجم
عليهم كلب متوحش وكاد يفتك بهم جميعا لولا أن تصدى له رجل جسور فألقى بنفسه عليه
ولأول مرة يعض آدمى كلبا حتى امتص منه وحشيته فتغيرت الطبيعة الكلبية وتغيرت
معاملة الكلاب للبشر وهاهم يجلسون جنبا إلى جنب فى سلام ويتناولون الحلوى وفى
الختام وقفوا جميعا وتغنوا بنشيد بلادى بلادى.
التقاسيم:
خمسون سنة مضت على الاتفاق
على ميثاق الدار، ولم ينفذه طرف واحد من المتعاقدين، ومع ذلك كان هذا الاحتفال
الذى رحنا نردد فيه النشيد "بلادى" "بلادى"، لكنى لاحظت أن كل
واحد قد أخرج من جيبه خريطة بلاده، وراح ينظر فيها وقد انحرف إلى القبلة التى تقع
فيها بلاده جغرافيا، أما الكلاب فقد وقفت جميعها على أرجلها الخلفية وقد فردت
أرجلها الأمامية أمامها، ولم تنبح وإنما راحت ترقص حولنا رقصة دائرية تمنع أى واحد
منا أن يخرج خارج الدائرة، فلم يحاول أحد ذلك حتى انتهى الحفل بسلام.
وتفرقنا ونحن نتواعد على
اللقاء فى العيد الماسى.
نحن والكلاب.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 153)
رأيتنى فى قارب
شراعى مع نخبة من صفوة القوم تحدق بنا المياه من كل جانب فانقبض صدرى لجهلى التام
بالسباحة وارتفع الموج من صمت عميق ينذر بالانفجار فألقت الصفوة بنفسها فى الماء
وراحت تسبح بقوة ورشاقة وازددت أنا انتباها وتذكرت الوقت الطويل الذى ضاع فى اللهو
وكان بعضه يكفى لتعلم السباحة والتدريب على الإنقاذ من الغرق.
التقاسيم:
...
وهدأت الأمواج ولم يحدث الانفجار فلم يحاول السباحون الرجوع، واستمروا يسبحون
بفرحة لا توصف، وأشار لى أحدهم أن أقذف لهم بالكرة، ففعلت وأنا بين الغيظ والحقد
والحيطة والندم، فراحوا يتبادلون الكرة فيما بينهم بعد أن انقسموا إلى فريقين،
والمركب تبتعد عنهم دون أن يلاحظوا، وأنا لا أعرف أى شىء فى قيادتها، وحين بلغت
المسافة ما بلغت، بدأت مخاوفى ترعبنى، فرحت أنادى
عليهم بأعلى صوتى بلا طائل، وظلوا يبتعدون لاعبين فرحين أكثر فأكثر حتى
اختفوا تماما، وحل الظلام، وغلبنى النوم من فرط الرعب، وحين استيقظت فى الصباح
وجدت البوليس النهرى يتجه من الشاطئ نحوى، فيقفز منه ثلاثة أمناء للشرطة، ويقبضون
علىّ دون أن يتفوهوا بكلمة، ولم يسألونى سؤالا واحد، وحين سألتهم أنا عن صفوة
القوم، نظر أحد الأمناء لى شذرا وهو يلتفت إلى زميليه متعجبا:
هل نحن الذين نسألك؟ أم أنت الذى تسأل؟
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
154)
دفعتنى أنا وصديقتى المذيعة أمواج
متلاطمة من البشر حتى توقفت فى ميدان صغير أمام سد من البشر لا يسمح بنفاذ إبرة
ونظرت فرأيت فى الجهة المقابلة محل الحلوانى الذى اعتدت أن أفطر فيه ولكنى لم
أستطع الحركة وقلت لصاحبتى إن برنامجها عن النصر سيتعطل قليلاً، فقالت: على كل حال
أنا عندى خبر مثير، فقد مات فى الزحام المجاهد الكبير مكرم عبيد فخفق قلبى حزناً
على موت البطل وهناك رآنى نادل محل الحلوانى فوضع بعض الأرغفة فى كيس من الورق
ووقف على كرسى ورماه من فوق الرؤوس فتلقفته بلهفة وفتحته ولكن يد صاحبتى سبقتنى
إليه وهى تهمس بالمعذرة، وأنا أكاد أموت جوعاً، ثم مددت يدى داخله فلم أجد سوى بعض
المخلل الأفرنجى.
التقاسيم:
.... التفت إليها وأنا أشك أنها أخذت كل ما كان فى الكيس إلا
المخلل قبل أن تلقيه إلىّ ضاحكة، وسألتها عن ذلك، فقالت إن المخلل هو أنسب للحزن
الذى غلبك، أما أنا فيلزمنى كل ما هو حلو وطازج لأكمل برنامجى عن النصر بعد إزالة
العطل، قلت لها، وهل ستغيرين الفقرات بعد موت الزعيم؟ فقالت لى: وهل هو أفضل من
سعد أو النحاس، لقد ماتا من قبله ومازلنا نحتفل بالنصر، قلت: أى نصر هذا؟ وحتى
المخلل إفرنجى؟ قالت: ألستَ معى أنه أفضل من المخلل البلدى؟ أم أنك تريد أن تتسمم
بلا علاج؟
وافترقنا
دون أن ينصلح العطل.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
155)
بلغنى أن نزلة برد خفيفة ألمت
بأستاذى الجليل الشيخ مصطفى عبد الرازق فقررت أن أعوده ولكنى وجدته واقفاً على باب
دارى والدموع تنحدر على خديه فهالنى منظره الحكيم إذا بكى وقلت له: يا مولاى ما هى
إلا وعكة خفيفة لا تستحق الدموع، فقال لى: أنا لا أبكى على حالى فأدركت ما يعنى من
أن البكاء على حالنا نحن وانتهزت الفرصة وسألته عن العباد؟ فقال: عندكم الكثير من
الصيدليات مليئة بالأدوية إضافة إلى الوصفات الشعبية المجربة.
التقاسيم:
.... قلت له: لقد جربنا وفضيلتكم تعلم. قال: تلك
كانت وصفة صينية مضروبة، جربوا الوصفة الشعبية الحقيقية. فقلت له: مادامت هذه
مازالت رؤيتك الثاقبة فلماذا تلك الدموع وكل هذا الأسى. قال: من البرد. قلت:
فلماذا تركت الفراش وجئت إلى دارى فى هذا البرد؟ قال: يبدو أنك لم تعرف دورك بعد،
المسألة ليست بهذه البساطة.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 156)
أخيراً تنمرت القطة الوديعة وهاجت رياح الغضب وتساقط الشرر يشعل الحرائق
حيثما وقع ولن أجد من أكلمه إلا الرياح فقلت لها عندنا وسائل سلمية كنا على وشك
استعمالها، فقالت ما فات وقته تعطل فعله واستمرت زمجرة الرياح وتساقط الشرر.
التقاسيم:
.... قلت:
فلماذا لم تنبهيننى من الأول حتى أستعد؟ قالت: وهل فى مصلحتى أن تستعد؟ لقد صبرت
عليك طويلا حتى ترى وأنت تتصنع العمى، وليس أمامك الآن إلا الدفاع عن النفس.
ولمعتْ عيناها أكثر، وحاولت أن أندم علانية وأعتذر، فقالت: ليس أقل من التسليم
النهائى. فأعلنته بلا تردد، فقالت: ولا هذا عاد ينفع. فتجمدت رعبا حتى تحولت إلى
تمثالٍ بارد، فعادت إلى وداعتها الجميلة، وراحت تتمسح بأسفل ساقى وهى تموء فى
حنان،
لكن الحياة لم تدب فى التمثال حتى الآن.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 157)
لم يبق فى الحياة إلا أسابيع فهذا ما قرره الفحص الطبى فحزنت حزناً شديداً
ثم تملكتنى موجة استهتار فأقبلت أتناول الأطعمة التى حرمها علىّ الأطباء من سنين
ولازمت صديقتى "س" وعرضت عليها الزواج فدهشت وقالت لى: إنك تفقد صداقة
بريئة عظيمة ولا تكسب شيئاً فألححت عليها حتى رضخت وبعد يومين جاءنى صديق طبيب
يخبرنى بأن هناك أخصائياً عالمياً سيزور مصر وأننا حجزنا لك مكاناً عنده فهنيئاً
لك بفرحة الحياة وغمرنى سرور من رأسى لقدمى غير أننى تذكرت الأطعمة الضارة التى
التهمتها والزواج الذى قيدت به نفسى على غير رغبة فشاب فرحتى كدر وقلق.
التقاسيم:
.... ورفعت السماعة وأخبرتها أنه بعد اتصالى
بالمأذون قال لى إن الزواج لا يجوز لمن يعلم يقينا موعد نهايته، لأن عقد الزواج
المؤقت غير شرعى. ودق هاتفى المحمول، فسمعتها تقول: ألم أقل لك إنك لا تصلح إلا
للصداقة البريئة.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 158)
كلفنى الوزير بالتنقيب فى مخزن الفن التشكيلى بالوزارة تمهيداً لإقامة معرض
فأخذت مجموعة من الفراشين لإزالة الغبار وقتل الحشرات ولاحظت وجود لوحة كبيرة
مغطاة فأزحت الغطاء عنها فطالعتنى صورة الزعيم سعد زغلول جالساً على كرسى الرياسة
وشابكاً يديه فوق عصاته. فتأثرت لإهمال الزعيم الذى تربيت فى مدرسته الوطنية وإذا
بالحياة تدب فى الصورة فترمش عيناه ويبدل يديه فوق العصا ويتجلى فى عظمة لا مثيل
لها وسرعان ما جاءت الوفود من أبناء جيله تحييه وتشكو إليه ما أصابها من ظلم
وسرعان ما نسيت تعاليم الوزير والمهمة التى انتدبت لها وانضممت إلى أكبر مجموعة
وهى التى كان يتقدمها مصطفى النحاس.
التقاسيم:
.... لم أصدق أننى أسير بالصف
الأول على يسار النحاس باشا شخصيا، ولا يفصلنى عنه إلا صاحبة العصمة ومكرم عبيد،
تطلعت إليه دون أن ألتفت، لكن قامتى القصيرة حالت دون أن أرى وجهه، فشككت أنه
النحاس باشا، فالتفت إلى يمينى فلم أجد لا صاحبه العظمة ولا مكرم عبيد، وابتدأت
الهواجس تراودنى، لكن سعد باشا كان أمامى ونحن نتقدم إليه وهو يبدل يديه فوق
العصا، فما أنا فيه حقيقة ماثلة، ولكن أين ذهب الباقون؟ لابد من التوقف أو التراجع
للخلف لأتأكد أنه النحاس باشا، وأنى فى حمايته، وفجأة أطفئت الأنوار، وأحاطنا ظلام
خبيث، وحين أضيئت عرفت أنهم تخلصوا من الصورة بمن فيها ودفنوه حيا، وقبضوا على كل
المعزين بعد نهاية آخر جزء من القرآن الكريم، ولم يهتموا بى لصغر سنى.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
159)
تلقى بعض الحرافيش دعوة من الأستاذ
سعد الدين وهبة فذهبنا إلى مقابلته وهناك رحب بنا وأطلعنا على بيان سيرفعه إلى
كبار المسئولين لتطهير الهيئة من الساسة المنحرفين ودعانا إلى التوقيع عليه
بإمضاءاتنا فاستجبنا بحماس وعند فجر ذلك اليوم اخترق بيوتنا زوار الفجر وساقونا
معصوبى الأعين إلى المجهول.
التقاسيم:
.... فرحنا فرحة لا مثيل لها لأننا بذلك ضمنا أن أسماءنا
لن تكون بين المنحرفين الذين وقعنا بامضاءاتنا على انحرافهم، والذين ظلوا خارج
الأسوار يواصلون انحرافهم ونحن فى المعتقل فى مأمن من شرهم.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
160)
عرفت بمصادفة أنى أستطيع الرؤية
خلف الأبواب المغلقة فدهشت وسررت وذهبت إلى البهو فوجدت الإخوان ملتفين حول مائدة
القمار ودعتنى الفتاة التى تقدم المشروبات إلى كرسى خال فجلست وأنا مطمئن ونظرت
إلى ظهر الأوراق فرأيت باطنها فضمنت الربح ولكن صوتاً قال لى: إن الذى أعطاك هذه
الموهبة قادر على استردادها إذا استعملتها فى الشر فانسحبت من الجلسة إلى البوفيه
وفى آخر الليل جاءتنى الفتاة لتخبرنى أن الذى كسب المائدة وجُد قتيلا مسروقا فدهشت
ثم قالت الفتاة إنها كرهت هذه المهنة فمددت لها يدى ومدت لى يدها وسرنا معاً دون مقاومة.
التقاسيم:
.... طال الصمت بيننا وحين
سألتنى عمّا بى، قلت لها إننى السبب فيما حدث، فقد كنت أرسل له رسائل عن بعد،
أخبره عن باطن أوارق اللعب، على المائدة، وذلك بعد أن وعدنى أنه سيتبرع بنصف ما
يكسبه لبناء المساجد، والنصف الآخر لبناء عدد من دور العبادة بعدد الأديان
السماوية وغير السماوية الموجودة على الأرض الآن، قالت: عليكما نور، فلماذا قتلوه؟
قلت: لأن هذا هو الشر بعينه. قالت لى: وموهبتك؟ قلت: استردوها منى، والحمد لله
أننى مازلت على قيد الحياة، فقبلّتنى فى جبهتى.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 161)
فى البدء حامت حولى
فتاة صغيرة رشيقة ثم أخذتنى من ذراعى إلى ركن منزوٍ توجد فيه عربة كارو مركَّبٌ
فيها حمار وصعدت إليها وأشارت إلىّ فصعدت وتربعت إلى جانبها وتناولت اللجام
وحرَّكته بخفة فقد صار الحمار يشق طريقه ببطء شديد وسط زحام الناس والمركبات حتى
بلغ الطريق الصحراوى فأخذ يسرع ويسرع حتى سبق السيارات والأوتوبيسات وكأنه يطير
طيراناً فذهلت وسألت الفتاة: إلى أين؟ فأجابت: إلى المكان الذى تخور فيه قوى
الحمار فيتوقف.
التقاسيم:
... ذهلت من
إجابتها وتعجبت كيف استطاعت وهى فى هذه السن أن تقرأ غباء رغبتى المتصاعدة، التفت
ناحيتها فإذا بها امرأة ناضجة فى حوالى الأربعين، ليست فائقة الجمال لكنها طاغية
الأنوثة والرجولة معا، سألتها: أين هى؟ قالت: من؟ قلت ابنتك غالبا. قالت: أنا ليس
لى بنات؟ قلت: كيف؟ قالت: كيف ماذا؟ أنا البنات؟ ثم ألهبت سمْع الحمار بفرقعة صوت
كرباج فى الهواء، فزاد من سرعته أكثر، ثم فجأة تعثر ووقع، وانقلبت العربة عليه
ونحن معها، وحين قمت بالكاد أرى ما أصابنى لمحت المرأة والبنت تَعْدُوَان معاً فى
رشاقة مذهلة، كان عدوا كالرقص وهما تبتعدان، فارتد بصرى إلى الحمار أرى ما أصابه،
فوجدته قد
نفق.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 162)
قررت أن أسير من جنوب الوادى إلى شماله مشياً على الأقدام وقابلتنى فى
أوائل الرحلة رفيقة الطفولة والصبا وقد سمنت سمنة مفرطة ونصحتنى بأن أتزوج عوضا عن
هذه الرحلة العقيم فشكرتها وواصلت السير حتى قابلت صديقى متربعا على سجادة الصلاة
فدهشت وذكرته بأيام العربدة والإلحاد فقال لى: الهداية من الله سبحانه ودعانى إلى
الجلوس إلى جانبه فوعدته خيرا وواصلت السير وفى منتصف الطريق أقبلت علىّ وحيتنى
قائلة: إننى طاردتها بنظراتى حتى استجابت وانتظرت أن تتقدم لأبى ولكنك لم تخط خطوة واحدة بعد النظر فما سر ذلك؟ فقلت لها:
إنى مازلت أتساءل مثلك وواصلت السير حتى بلغت الشمال منهك القوى متورم القدمين
فرأيت الحبيية الخالدة نصفها مغموس فى مياه البحر الأبيض والنصف الأعلى يضئ
الأمكنة من حوله وسألتنى بصوتها الرخيم ماذا جنيت من هذه الرحلة الشاقة؟ فسألتها
بدورى كيف يدوم حب بلا أدنى أمل طوال هذا العمر المرير.
التقاسيم:
قالت لى
بنفس الصوت الرخيم: أنت جبان، طول عمرك جبان. قلت لها: طرقت كل الأبواب والبوابات
ولم تفتح لى. قالت: هكذا تظل تكذب حتى نهاية العمر، أنا شاهدة أن كل الأبواب كانت
جاهزة مستقبِلة، وكانت بمجرد أن تتحرك لتفتح لك تردها أنت بسرعة وتجرى. قلت: حضرتُ
من جنوب الوادى لأصل إليك، وحالى كما ترين، ثم تقولين هذا؟ قالت: تريدنى أن أقول
لك ماذا؟
قلت: أى شىء
آخر.
قالت : الله
يخيبك.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 163)
ميدان المستشفى بالعباسية شاهد أول لقاء لى مع الآنسة "ر" واشتعل
الحوار بين الحب واليأس حتى حسمته بقولى: الحب وحده لا يكفى، وكان اللقاء الثانى
فى جزيرة الشاى ولكنه كان مع الأرملة "ر" التى قصدتنى لخدمة تتعلق بوظيفتها
وأيقظ اللقاء العواطف الكامنة فتطرق الكلام إلى حوار بين الحب من ناحيتى واليأس من
ناحيتها حيث كانت ترعى أربعة أبناء وحسمت الحوار بقولها: إن الحب وحده لا يكفى.
التقاسيم:
قلت لها:
وهذا أفضل. ثم أطل علينا وجه الآنسة "ر" بعد أن زالت الحسنة التى كانت
تزين جانب فمها، ودعوناها إلى مشاركتنا دون حرج، فسألتها الأرملة: إذا كان الحب لا
يكفى؛ فما هو الذى يكفى؟ فمالت عليها الآنسة وهمست بما لم أسمعه، وظل النادل يذهب
ويجىء، وفى كل دورة أطلب طلباً مختلفاً وأعطيه بقشيشا كبيراً حتى حل الليل فطلبت
الحساب، وأعطيته ضعفه بالتمام وانصرفت وحدى دون أن تشعرا، وتركتهما وهما منهمكتان
فى الحديث.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 164)
هذا بيت صديقتى الست "ح" وقالت لى ابنة أختها إنها عند الدكتور
وأرادت أن تعد القهوة فأمسكت بيدها وجذبتها إلى جانبى وأوحى لنا خلو المكان بما
أوحى وإذا بالست "ح" تفاجئنا فتغير وجهها وقالت للفتاة ارجعى إلى أمك فى
الحال وحدجتنى بنظرة حجرية وغادرت المكان وأمطرت السماء فأشفقت على الفتاة وغادرت
البيت مستهيناً بكل شئ واخترقت المطر وأنا أناديها وبعد حين سمعت صوت الست
"ح" ينادينى وغرق ثلاثتنا تحت المطر.
التقاسيم:
..... اضطررنا
أن ندخل معاً إلى أول عمارة، وكانت بئر السلم خالية وملابسنا قد غمرتها المياه حتى
وصلت إلى الملابس الداخلية، وكانت حجرة البواب مغلقة بالقفل من خارجها، وإن كانت
"الراكية" التى كان يتدفأ عليها مازالت مشتعلة، دون تردد خلعت الست
"ح" ملابسها المبلولة وأخذت تمررها أمام النار وهى لم تعد إلا بسروالها،
وتبعتها بنت أختها ووقفتا قبالة بعضهما حول نار الراكية وأنا فى ذهول لذيذ، وحين
هممت بأن أخلع ملابسى لأحذو حذوهما، صاحت بى الست "ح": ماذا تفعل: هل
جننت؟
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 165)
قرأت فى المجلة مقال نقد قاس لشخصى وأعمالى بقلم الأستاذ "ع"
وإذا به يمثل أمامى معتذرا ويقول إنه يقصد بالمقال أن يكون أساس حوار بينى وبينه
يحدث ضجة تعيد الغائب إلى الوجود فقلت له: من يصدق هذا الحوار وأنت ميت منذ 15 سنة
فقال إنه يعتمد على أن الأجيال الحديثة فاقدة الذاكرة.
فقلت له: إن المقال أحب إلى نفسى من الانفعال والخداع!
التقاسيم:
قال لى: ومن
أدراك أن المقال خال من الانفعال والخداع؟ قلت: الضمان الوحيد أنك ميت منذ 15 سنة.
قال لى: يا خيبتك وهل صدقت أنه ليس هنا خداع وانفعال؟ قلت: ماذا تقول؟ إذا كان
الأمر كذلك، فما الداعى للمقال أصلاً؟ قال: قلت لك يا أخى أنى أقصد به أن يكون
أساس حوار بينى وبينك.
قلت له:
انتظرنى حتى استرد ذاكرتى.
قال: اطمئن
لن تستردها إلا عندنا.
قلت: هذا
أفضل.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 166)
وجدتنى فى القطار ببلدة النور وكانت العربة خالية فبث الخلو الرهبة فى نفسى
وتحسست محفظتى وناوشتنى المخاوف وعند أول محطة أردت النزول فرأيت على رصيف المحطة
رجالا تنطق وجوههم بالشر والعدوان فتراجعت إلى مكانى وقد ازدادت مخاوفى وإذا بفتاة
وسيمة تصعد إلى العربة وتجلس غير بعيدة عنى فسألتها هل تحرش بها الرجال فأجابت
بأنهم فى غاية التهذيب والأدب فذهلت وساورنى شك فى أنها متآمرة معهم للإيقاع بى
وذهبت إلى آخر العربة متحفزا للدفاع ووصل القطار إلى بلدة النور فغادرته إلى أول
حديقة من حدائقه التى لا تحصى وهناك هفا علىّ نسيم معطر بروائح الورد والفل
والياسيمن والحناء فتسلل إلى جفونى النعاس واستسلمت له متناسيا المحفظة والمخاوف
ونمت نوما هادئا عميقا على أنغام موسيقى تأتى من الداخل.
التقاسيم:
... لم أكد
أفتح عينى حين هزتنى الفتاة لأستيقظ حتى لاحظت أن الرجال إياهم يحيطون بها وقد
تغيرت سحنتهم وامتشقتْ أعوادهم ونبتت لهم أجنحة شفافة بدت لى أنها صنعت من نور،
قلت لها: هل سمعت الموسيقى؟ قالت: طبعا أليست هى التى أيقظتك! قلت لها: لو أنك حقا
سمعت الموسيقى لما أيقظتنى، فأنا لم أسمع مثلها فى حياتى. قالت: هذا كلام فات
أوانه، فلم تعد لك حياة إلا هذه. وناولتنى محفظتى التى كنت قد نسيت أين خبأتها،
وحين هممت أن أفتحها خطفها الرجال الملائكة وطاروا دون إبطاء، فاستدرت إلى الفتاة
وقلت لها: ما العمل؟ قالت: هذا هو ماتستأهله بالضبط.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 167)
هذه شركة إنتاج وهذا مديرها يخبرنى بأن النص الذى قدمته قُبِل وأن المخرج
قرأه وهو راض عنه وإليك العقد والشيك غير أننا جعلنا النص قسمة فاسمك على القصة
واسم الموزع على السيناريو واسمى على الحوار وذلك لصالح الفيلم من الناحية
التجارية وقبلت ذلك على مضض وهنا دخل المخرج واطلع على العقد وصاح أين أنا فى هذه
القسمة فقال له المنتج يمكن أن تضع اسمك على القصة مع المؤلف فاجتاحنى غضب وقلت
أنا متنازل عن القصة كلها ولكن المدير قال لى إنهم يتعاملون مع الناس على أساس من
مبادئ الأمانة والشرف وعليه فلا نقبل حذف اسمك.
التقاسيم:
....قلت له:
ولكننى أقبل حذفه، ثم أنا الذى اقترحت ذلك، ومستعد أن أكتب لكم تنازلا رسميا نشهره
فى الشهر العقارى. قال المدير: ثم تفضحنا بإعلان ذلك فى كل مكان؟ قلت: إذن سوف
أسحب النص برمته وأتراجع عن أى اتفاق. قال المدير: وهل هذا من مبادئ الأمانة
والشرف؟ نحن سوف نقوم عنك بما تريد على شرط أن تسلمنا كل المسودات لنعدمها أولا.
قلت له: لكن النص ليس له مسودة، لقد قلته لكم شفاهة. قال: الآن، أنا تأكدت من
صدقك، يمكنك أن تنصرف وعليك أن تحافظ على مبادئ الأمانة والشرف كما اتفقنا،
وسنخلصك أيضا من المسودة الشفاهية التى فى ذاكرتك فى الوقت المناسب.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 168)
هذه حجرة مدير المستخدمين وأنا واقف أمام مكتبه وأسائله كيف تتخطانى فى
الترقية والقانون معى مائة فى المائة فقال لى: أقم دعوة وستكسب القضية. وذهبت إلى
مدير التحقيقات وقدمت شكوى ولكنه أقر عمل الإدارة ولكن أذهلنى أن وجهه نسخة دقيقة
من وجه مدير المستخدمين وذهبت من فورى إلى المحامى وشرحت مشكلتى فوعدنى خيراً
ودفعت مقدم الأتعاب ولكن ذهلت أيضا أن وجهه نسخة أيضا من وجه مدير المستخدمين
ومدير التحقيقات وذهبت إلى الطبيب ففحصنى بدقة ولكن لاحظت أن وجهه نسخة طبق الأصل
من سابقيه وفى آخر النهار رجعت إلى بيتى وفى الطريق شعرت بجسم بارد يوضع على رقبتى
وسمعت صوتاً يقول لى من وراء: النقود أو حياتك. فسلمته ما معى من نقود فأخذها وهرب
ولما أفقت من اضطرابى سألت نفسى ترى أين سمعت هذا الصوت فمؤكد أنى لا أسمعه لأول
مرة فأين ومتى سمعته؟!
التقاسيم:
...فى اليوم
التالى وجدت على مكتبى ملحق نشرة الترقيات وبها اسمى، واعتذار لم أصدقه عن الخطأ
الذى أدى إلى أن يتخطونى فى النشرة الأصلية، ففرحت وحملتها وأنا أكاد أرقص ورحت
أدور على سائر المكاتب أطلعهم على ملحق النشرة، وتعجبت أنهم لا يعلمون عنها شيئا،
وحين اقتربت من مكتب أقربهم لى، أخذها منى، وراح ينظر فى وجهى متعجبا وليس فيها،
فسألته ماذا هناك؟ فأشار بإصبعه إلى مكان فى ملحق النشرة، ثم قال لى: أين التوقيع؟
تناولت منه الورقة واكتشفت أنها فعلا بدون توقيع، عدت أنظر إليه محسورا أعتذر،
وخيل الى أن وجهه أصبح نسخة من نفس الوجوه التى قابلتها طوال أمس، ورجوته أن يحفظ
الأمر سرا بيننا، فقال: لا تخش شيئا فالقانون معك مائة فى المائة، ونحن كلنا واحد
والحمد لله.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 169)
وقفت مع المدير العام الأجنبى نشاهد سير الزفة بين الزغاريد والطبول
واصطحبنى إلى حجرته فى الفندق وهو يتساءل عن هذه الضجة التى لاشك تؤذى النزلاء من
السواح فقلت له: إنها تقاليد الزفاف المصرى وهى من الموارد الثابتة للفندق فقال
إذن اشترط فى العقد ألا توجد ضجة فقلت: لا أستطيع، فقال غاضباً: هذا أمر وعليك
تنفيذه وذهبت من فورى إلى الإدارة المركزية وعرضت الأمر على المدير فقال إن هذا
الرجل الأجنبى نفعنا كثيراً بعلمه وتجربته فعليك الاتفاق معه أو إقناعه أو تقديم
استقالتك ورجعت وأنا أفكر وأتساءل عن مصيرى؟!
التقاسيم:
....دخلت
عليه وأنا ممتقع كأنى خارج من قبر، فهاله منظرى، وقلت له إن مندوب شركة للصوتيات
يطلب مقابلته، فسألنى: بشأن ماذا؟ قلت: إنه يعرض اختراعا جديدا لمكبرات للصوت لها
خاصية فريدة. قال: أية خاصية؟ قلت: إنها ميكروفونات تصدر ضجة بغير ضجة. رأيت على
وجهه علامة الدهشة، قال: ما جنسية هذه الشركة؟ قلت له: صينية طبعا. قال: ولماذا
طبعا؟ قلت: هم القادرون على إرضاء حاجات كل الناس ضد بعضهم البعض.
وخرجت سريعا
أمزق ورقة الاستقالة، واتصلت من أول هاتف بالشركة الصينية التى تصنع فوانيس رمضان
ماركة أبى لهب ليلة القدر.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 170)
جددت البيت القديم الذى ولدت فيه ولما انتهى العمال ذهبت إليه وتفقدت
حجراته وتذكرت، ثم دخلت الشرفة ومن خصاص نوافذها رأيت ميدان بيت القاضى وقسم
الجمالية وتوابعه والحنفية العمومية وأشجار دقن الباشا ثم سمعت ضجة فى الداخل
فدخلت فرأيت زملاء الصبا الذين توفاهم الله يهرعون إلىّ فرحين ثم رددوا أناشيد
الصبا الوطنية وإذا بضابط ومعه قوة من الجنود يقتحمون البيت فساد الصمت وسأل الرجل
عن الذين كانوا يغنون فقلت ليس فى البيت سواى ففتشوا البيت ثم قادونى إلى القسم
وهناك وجهت إلىّ التهم بالتستر على مجرمين والتحريض على قلب نظام الحكم وقال لى
المحامى فيما بعد: اطمئن فليس لديهم دليل واحد ولكنى لم أطمئن فرحت أتساءل عن
مصيرى؟!.
التقاسيم:
... لم
يمر أسبوع حتى استدعانى رئيس الشرطة وقال لى: أنا مدين لك بالاعتذار، فقد ثبتت
براءتك من تهمة التستر على مجرمين والتحريض على قلب نظام الحكم، لأننا بالرجوع إلى
الملفات الرسمية وجدنا جميع المتهمين هم من الأموات، ومن المستحيل أن يحاول
الأموات قلب نظام الحكم.
وجدت نفسى
دون أن أشعر أقول له:
- بل إن الأموات هم الأقدر على قلب نظام الحكم؟
قال لى:
- هل أنت
عبيط؟ تريد أن تلصق بنفسك التهمة من جديد بعد أن ثبتت براءتك!؟
فشكرته
وهممت بالانصراف، لكنه راح يقلب فى الأوراق،
وقال:
عندك ألست فلانا؟
قلت: نعم.
قال: آسف
هناك تهمة ألعن.
قلت: ألعن
من قلب نظام الحكم؟
قال: نعم.
قلت: ما
هى؟
قال: تهمة
أنك تتساءل دائما عن مصيرك.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 171)
فى هذا البهو يستريح الزملاء وقد جلست ألاعب مدير مكتبى الدومينو وفاجأنا
الوزير وأعلن أنه عين مدير مكتبى فى وظيفتى وأحالنى إلى المعاش وارتاع الزملاء
وفكروا فى الأمر فاتفق الأمر بينهم أن هذا الأمر مخالف للقانون ولكنهم انقسموا بعد
ذلك فرأت فئة الاتصال بالوزير بالحسنى ورأت الفئه الأخرى وجوب إقالة الوزير
لاستهتاره بالقانون واشتد الجدل بينهم وانحدر إلى تبادل السباب والشتائم والضرب
بالأيدى والأرجل وقلت لهم إن سلوككم هذا قد قضى على قضيتى بالفشل فدفعونى حتى سقطت
على وجهى وكان الوزير يتابع مايحدث ويقهقه ضاحكا!
التقاسيم:
أثناء
انتظارى سكرتيرته لمحت فى الدرج الأيسر لمكتبها وهو نصف مفتوح ثلاث علب لورق اللعب
(الكوتشينة)، ولم تكن السكرتيرة تعلم سبب حضورى، فقد غيرت محتوى طلب المقابلة،
وبدلا من أن أكتب التماس عفو، كتبت ".... خاص بأمور مالية شخصية"، مما سمح لى بتحديد موعد. دخلت
وأنا أمسك ورقة الالتماس بيد، وبالأخرى البطاقة التى حصلت عليها من صديقة زوجة
الوزير فى ظرف مغلق. وحين فتح الظرف الصغير، ابتسم فى سعادة لم أتوقعها، ورفع رأسه
وقال: ولكن من الذى أوصلك إليها؟ قلت إنها أعطتنى بطاقتها حين كانت تزور معاليك
منذ أسبوع؛ فاتسعت ابتسامته وكتب كلمات على نفس البطاقة وأغلق الظرف، وقال مبروك.
قلت له:
مبروك ماذا؟
قال: إذهب،
وسلمها هذا، وقل لها أن تعتبر الموضوع منتهيا.
قلت: وأنا
قال: وأنت
كذلك.
وحين انصرفت
وجدت مكتب السكرتيرة خاليا، ووجدتها تجلس على مقعد وثير فى البهو وهى منهمكة فى
تفنيط ورق الكوتشينة، فسألتها: هل ستلاعبين نفسك، فضحكت وقالت أنها ستفتح
"البخت".
****
نص اللحن الأساسى: (حلم 172)
ذهبت إلى الحمام العمومى لأزيل عن جسدى وروحى ما علق بهما ودخلت فى حجرة
البخار ووقفت عاريا أنتظر من يدلكنى ولكن دخلت فتاة وسيمة وتعرت عن مفاتنها وراحت
تدلكنى برقة ورشاقة واستاء جميع من علم بذلك ولكنى لم أبال وشكرت الحظ على نعمته!
التقاسيم:
وحين خرجت
احترت هل كان استياؤهم لإزالة ما علق بجسدى، أم لإزالة ما علق بروحى!! وتأكدت من
عماهم، وشكرت الحظ على نعمته.
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 173)
سار معى موظفو مكتبى فرأيت أقبح مدينة فى الوجود واقترحوا تحسين الشوارع
والميادين وإنشاء الحدائق ولما اجتمعت بهم فى مكتبى قلت لهم إن ما يهمنى هو ما
ينفع الناس مثل الصرف الصحى والصحة العامة وتوفير المدارس والمياه والكهرباء ثم
دعوت الأعيان إلى تقديم ما يقترحون من تسهيلات لاستثمار أموالهم فى البناء
والتعمير!
التقاسيم:
عند عودتى
للمكتب وجدت فوقه مظروفاً مغلقا لم يكن موجودا عليه من قبل، وحين فتحته وجدت شيكا
بملبغ مليار، ومائتا مليون دولار موقع من شيخ مشايخ الطرق السريعة، وفيه تحية
رقيقة على فرحته بالأفكار غير المسبوقة، والأوامر المبدعة التى أمرت بها بعد ما
رأيت قبح المدينة، لكن آخر سطر كان عجيبا لأنه اشترط لكى أصرف هذا المبلغ فى ما
خصص له، أن أترك المدينة على حالها من القبح لمدة تسع وتسعين عاماً.
واحترت ماذا
أفعل بالشيك حتى يحين وقت صرفه، ورحت أدقق فى الشيك، وجدت إشارة إلا أنه لا يصرف
إلا لمن نجح أن يعيش حتى تنتهى المهلة دون أن يشكو من أى قبح أو قذارة، فدعوت الله
لنفسى فى سرى دعاءً لم أعلنه وأنا أرجوه ألا يستجيب.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم174)
قال لى صاحبى وهو يحاورنى إن المصرى بطبيعته فلاح أو حرفى أما التقدم فى
الإدارة والسياسة والعلم .. والحضارة فمرجعه إلى الأجانب أو المتمصرين فقلت: لا
دخل للطبيعة فى ذلك ولكن الأجانب والمتمصرين شاركوا فى السلطة والمال ووجدوا
الفراغ للإبداع وقد تغير الحال بمشاركة المصرى فى الثورة ضد الاحتلال الفرنسى
والثورة ضد الاحتلال البريطانى وتأييد عرابى وسعد زغلول وجمال عبد الناصر فأصبح
يشارك فى السلطة وتجلت إبداعاته فى جميع مناحى الحياة!
التقاسيم:
قال لى
صاحبى: حلم هذا أم علم؟ قلت له: إحسبها كما تشاء.
وحين رجعت إلى بيتى وهممت بالمراجعة والتأمل
والندم، رأيتها تتقدم إلىّ منقبة ودهشت لأن النقاب لم يكن أسود كله كما اعتدنا،
لكنه كان من ثلاثة ألوان هى ألوان العلم المصرى، قلت ما هذا؟ فرد صوت رجل من داخل
النقاب العَلَم قائلا: هذا هو تجسيد تخريفك: يا كريم العنصرين.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
175)
رأيتنى مدير قسم الأملاك بوزارة الأوقاف واكتشفت أن بعض السكان لا يدفعون
الإيجار بالاتفاق مع بعض الموظفين فصممت على استرداد المال الضائع وتحويل
المسئولين إلى التحقيق، ولكنى وجدتنى معزولاً ومقدماً للتحقيق بتهمة الإساءة إلى
سمعة الوزارة وكانت معركة.
التقاسيم:
... وحين
ذهبت إلى لجنة التحقيق قالوا لى لمن نُرجع المال الضائع، فقلت لهم للحكومة، قال
المحقق لكنك تعلم أن الحكومة أكثر سفاهة من المتهمين بالاستيلاء عليه، قلت لهم نعم
أعلم ذلك، قالوا فأنت تسلم مال سفيه لمن هو أسفه منه، قلت نعم، وسجل المحقق الاعتراف
ووقعت عليه. وفى اليوم التالى أبلغت بخبر ترقيتى إلى مدير أملاك عموم الساحل
الشمالى وجنوب سيناء.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
176)
رأيتنى ضابطاً مكلفاً بالقبض على الفنان "ى" والحق أنى كنت
معجباً به محباً له رغم احتقارى لإدمانه المخدرات ودعى الفنان لإحياء حفلة غنائية
فذهبت إليها ولكننى أجلت القبض عليه حتى يتم غناءه وراح هو يجود ويكرر:
أمانة يا رايح يمه
تبوس لى الحلو فى فمه
وقل له عبدك المغرم ذليل.
التقاسيم:
....كان
الدخان الأزرق يملأ القاعة، وقد أطفئت كل الأنوار إلا مقصورة خلفية فى أعلى
المسرح، وحين التفت إليها عفوا، وجدت الفنان "ى" وقد احتضن حضرة صاحبة
العصمة فى وضع خارج، وكان أسفل المقصورة من زجاج شفاف، واستغرقا فى قبلة قلقه
لكنها بالغة الإثارة، لم أصدق نفسى وعدت أنظر إلى المسرح فوجدته مازال يتمايل وهو
يغنى "شفتى بتاكلنى أنافْ عرضك"، وزاد تلفتى بين المقصورة وخشبة المسرح
وأنا أتساءل: ماذا أقول لرئيسى لو قبضت على أحدهما وثبت أنه الآخر؟
عدت أنظر
للمقصورة من جديد فوجدت حسين سرى باشا يقسم يمين استلام الوزارة أمام الملك فاروق،
ثم دخل عليهما جمال عبد الناصر هاشا باشا وهو يحمل صينية القهوة، وينحنى فى حياء
مترفع.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
177)
أقيم سرادق كبير للاحتفال بالحزب الجديد وظهر فى المنصة الزعيم مصطفى
النحاس واستقبل بالهتاف وألقى خطابا يشرح فيه مبادئ الحزب وفى مقدمتها الديمقراطية
والعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية ولما رجعنا إلى المكان الذى نجتمع فيه كل
مساء قلت لهم إننى لما رأيتهم يهتفون ذكرتهم بفرحتهم يوم حريق القاهرة وإقالة
وزارة النحاس فقال لى أحدهم إن تلك الفرحة هى خطيئتهم الكبرى وأنهم كفروا عنها فى
اجتماع اليوم.
التقاسيم:
قلت له: إنه
لا يوجد ما يمكن أن يكفر عن خيانة. قال لى: لكن إيش عرف الناس الخائبة أنه هو الذى
دبر المسرحية ليتخلص من الزعيم؟ قلت له: هل تعرفه؟ قال نعم، ومن ذا الذى لا يعرفه؟
قلت له: وهل نال جزاءه من الناس أو من التاريخ؟ قال لى: تاريخ ماذا؟ إنه مازال إلى
الآن يكتب نصوصا جديدة لمسرحيات معادة.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
178)
صدر قرار بأن يتولى الوظائف الممتازة والعليا المصريون ممن ينتمون إلى أصول
تركية أو مملوكية فوجدت نفسى فى الشارع أسير على غير هدى حتى نادانى صديقى صاحب
دكان الحلوانى وعرض على أن أعمل كاتب حسابات فى محله ولكن جاءنا صوت أبيه من مجلسه
بركن المحل قائلا لا تدع العواطف الشخصية تفسد عملك فواصلت السير على غير هدى.
التقاسيم:
... لكننى بعد خطوات عدت إلى صاحب الدكان، وكان صديقى برغم فارق
الثراء، وناديته خارج الدكان، وسألته عن موعد مباراتنا القادمة مع فريق الحواوشى،
فقال لى إنه ممنوع من اللعب بأمر أبيه، وأنه لهذا عرض علىّ الوظيفة ضد القرار
لنلعب فى المحل. قلت له: وهل يقبل أبوك؟ قال: سوف يكون قد مات وأنا الوريث الوحيد.
قلت: وإلى متى انتظر؟ قال: لهذا عرضت عليك وظيفة كاتب حسابات عندنا.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
179)
زارنى المرحوم صديقى الحميم وسألنى عن أسباب حزنى فقلت له إن ضعف السمع
والبصر حال بينى وبين مصادر الثقافة المقروءة والمسموعة والمرئية فمضى بى إلى دار
نشر يديرها أحد زملائنا فى الجامعة وسأله عن كتاب يجمع الأفكار الحديثة فى العلم
والفسلفة والأدب فجاءنا بكتاب ضخم ثم أهدانا طبعة أخيرة من القرآن الكريم قائلا إن
التفسير الموجود به غير مسبوق فأخذناها وفى الطريق قال لى صديقى سأزورك كل مساء
وأقرأ لك سورة من القرآن الكريم وفصلاً من الكتاب حتى نختمهما فدعوت له قائلا:
يرحمك الله ويسكنك فسيح جناته.
التقاسيم:
... قال آمين، ثم أخذ يزورنى بانتظام، وما أن أقدّم له قرص الرحمة
والشاى بالقرفة حتى ينطلق فى قراءة القرآن بصوت الشيخ محمد رفعت، فأسمعه وكأنى
أسمعه لأول مرة، وكأن سمعى قد عاد سليما مائة فى المائة. وما أن يبدأ فى قراءة
التفسير حتى أستعيده بدل المرة ألف، فييأس ويذكرنى أن موقفى من التفسير سوف أحاسب
عليه، قلت له: بالضبط وهذا هو ما أريده. وحين يبدأ فى قراءة كتاب الأفكار الحديثة
أقول له: هل رأيت؟ فيسألنى رأيت ماذا؟ فأقول: إن عدم التفسير يجعل الأمور أكثر
اتساقا، فيقول أنت حر وحسابك على الله فأقول: وهل هناك أفضل وأعدل من ذلك.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
180)
رأيت أستاذى الشيخ مصطفى عبد الرازق – وهو شيخ الأزهر – وهو يهم بدخول
الإدارة فسارعت إليه ومددت إليه يدى بالسلام فصحبنى معه ورأيت فى الداخل حديقة
كبيرة جميلة فقال إنه هو الذى أمر بغرسها نصفها ورد بلدى والنصف الآخر ورد إفرنجى
وهو يرجو أن يولد من الاثنين وردة جديدة كاملة فى شكلها طيبة فى شذاها.
التقاسيم:
... وانصرف وهو يدعو لى، ثم سرعان ما حضر الجناينى، ولم يرنى أصلا،
لا أدرى كيف، ثم راح يقص أفرعا من الورد الافرنجى، ثم يخرج أنبوبة لاصق من حقيبته،
ويلصقها فى بعض سيقان الورد البلدى، ثم يقطف أوراق الورد البلدى ويلقيها فى سلة مشبوكة وراء ظهره،
فكشفت عن نفسى وقلت له: إلى أين ستذهب بمحتويات هذه السلة؟ فقال: إلى صندوق
القمامة. فقلت: لكن استاذى لم يقصد ذلك. فقال: ومن أستاذك؟ قلت له: الشيخ مصطفى
عبد الرازق. قال: من هذا؟ لعلك تقصد مصطفى محمود. قلت له: بل مصطفى النحاس. قال:
تقصد مصطفى فهمى؟ قلت: بالضبط، وانصرف دون أن يضحك.
أما أنا فقد
انفجرت أضحك حتى دمعت عيناى، فأجهشت بالبكاء.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
181)
قال صديقى وأستاذى وهو يودعنى: رحلة طيبة وإن شاء الله تعثر على هدفك وسرت
وانهالت علىّ الخواطر الجميلة التى انعكس جمالها على روحى فحنَّنَ قلوب المحسنين
علىّ فلم أشعر بحاجة إلى غذاء أو شراب أو لباس ولكنى لم أنس مدينتى طول الوقت
وأخيراً رجعت إليها فسألنى صديقى وأستاذى هل وجدت هدفك فأجبته سأجده هنا بين
الآلام والآمال ولكن ببصيرتى الرحالة وبصبرى المقيم.
التقاسيم:
وسألنى أستاذى وصديقى كيف عرفت ذلك
وأنت لم تحدد هدفك بعد؟ قلت له: عرفت كيف أن حركة الرحلة هى ذخيرة الإقامة فى
الصبر، وأن الجمال لا يكون كذلك إلا إذا انعكس على الروح فأغناك عن الغذاء والشراب
واللباس. قال لى: وهذه الآلام والآمال التى تختلط بعضها ببعض فى عبّارة اللاشىء؟
قلت له: يا صديقى وأستاذى أنت الذى علمتنا أنه لايوجد أصلاً شىء اسمه
اللاشىء.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم 182)
زارتنا "س" وهى زوجة
صديق قديم وكانت يوماً خطيبتى وقالت لى: أنت السبب فى إفلاس زوجى فقلت لها أنه
أطلعنى على فكرة وجدتها صالحة كأساس لفيلم سينمائى، ولكنه أبى إلا أن يكتب
السيناريو وينتجها بثروته المحدودة مع جهله التام بكتابة السيناريو والإنتاج فكانت
النتيجة الإفلاس، فقالت لى: كان يجب أن تنصحه، فقلت لها: نصحته كثيراً ولكنه أصر
على الخطأ.
التقاسيم:
قالت: وما العمل الآن؟ قلت لها: إن
الخطأ هو خطؤك أنت فى الأساس، لا أنا ولا هو. قالت: أنا مالى؟! أنا ليس لى فى
السينما ولا فى السيناريو. قلت لها: أنت التى فسخت خطبتنا، وفضلته علىّ. قالت: وما
علاقة ذلك بالفيلم؟ قلت: سوف تعرفين دورك تحديدا فيه بمجرد أن يُتم زوجك كتابة
السيناريو.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
183)
نحن موظفان فى مكتب الوزير ونتطلع
إلى المزيد من القرب منه معتمدين على العمل، إضافة إلى أن زميلى يدس لى بما يسئ
إلى سمعتى، ولكنى لم أقابل الشر بالشر إيماناً بأن القرب يقتضى النقاء، وبعد
اعتماد الميزانية أصدر الوزير قرارين الأول بنقل زميلى إلى وظيفة أخرى بالوزارة،
والآخر بتعيينى سكرتيراً برلمانياً للوزير وهو عمل يتيح لى مقابلة معاليه أكثر من
مرة فى الأسبوع فأدركت أنه عليم بما يجرى فى مكتبه.
التقاسيم:
.... دعانى معالى الوزير بعد استلام عملى الجديد مباشرة وقال لى:
كيف حال البرلمان؟ قلت له: ستجده على خير مايرام بمجرد أن ألم بكل الأوراق، وأقدم
لمعاليك تصورى عن نقاط الضعف ونقاط القوة. قال: أى ضعف وأى قوة؟ ماذا تقول؟ أنا
وزارتى ليس بها ضعف وليس بها قوة، أنا أسألك عن حال البرلمان. احترت ورحت أبرر
موقفى أننى لم يسبق لى أن شغلت هذه الوظيفة ولا حتى سمعت عنها ولا أعلم تحديدا هل
السكرتير البرلمانى يعمل فى الوزارة، أم يعمل فى البرلمان؟ وطلبت منه أن يتفضل بأن
يوضح لى ذلك. فقال: إيش عرفنى أنا؟!
وفى اليوم التالى وصلنى قرار نقلى إلى قسم هندسة
الديكور فى مسرح العرائس .
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
184)
قرأت مقالة الكاتبة "ك" التى تتضمن نقداً لاذعا لى ثم رأيتنى
أسالها فى النادى ألا تذكرين كيف وقفت إلى جانبك فى محنتك؟ فقالت: لا يمكن أن
أنساها إذ كنت الوحيد الذى تصدى للدفاع عنى ضد هجمات النقد الشرسة على كتابى، ولكن
بعد فترة هدوء وتأمل تبين لى أن النقد كان على حق، وأنى استعملت الجنس لأغراض
تجارية ولكنك دافعت عنى لغرض فى نفسك نلته، فسقطت فى نظرى، فلقننى قولها درساً
قاسيا!
التقاسيم:
قابلتها
فى النادى فى اليوم التالى، وقلت لها بعتاب ودود أنها أعطتنى ما أعطت لنفس
الأغراض، ثم أضفت باسما أنها سقطت فى نظرى حينذاك كما سقطتٌُ فى نظرها. فما الذى
جرى حتى تكتب هذا النقد اللاذع هكذا؟
قالت:
اكتشفت أنى أحبك.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم 185)
هذه الإسكندرية واليوم وقفة العيد الصغير وأنا أتنقل من سمسار إلى سمسار
فلم نعثر على حجرة خالية فقررت يائسا الرجوع إلى القاهرة، وفى محطة الرمل قابلت
صديقى "أ" فلما علم بمشكلتى دعانى للنزول فى شقته حتى تنقضى أيام العيد
وهى شقة فى شارع سعد زغلول وتقوم على نظافتها أم زينب، فقبلت دعوته وشكرته وقلت له
إننى قابلته مصادفة ولكنها أسعد مصادفة فى حياتى، وتمر الأعوام حاملة عجائبها
وعندما أخلو إلى نفسى أتذكر تلك المصادفة التى أثبتت الأيام أنها أتعس مصادفة فى
حياتى!
التقاسيم:
.... لا أريد أن أذكر ما حدث، أنا فعلا لا أذكر
تفاصيله، فقط أنا أذكر النتيجة التعسة، فقد حسبتنى أم زينب أننى نفس الشخص الذى
كانت تعرفه سابقا، وبدون أن أطلب دخلت إلى المطبخ وأحضرت كل الطلبات القديمة بما
فى ذلك الشراب والمزات، ثم استأذنت فى الخروج، قالت لى إنها آتية حالا، وانصرفت
قبل أن أنبس ببنت شفة، وحين عادت كنت أنوى أن أعتذر لها، لكنها لم تمهلنى وأشارت
إشارة إلى ورائها، دققت النظر فلم أجد أحدا، فظلت على الباب وهو مفتوح، حتى ظهر
شبح معمم وتحت إبطه حقيبة أوراق، فعرفت أنه المأذون، خفق قلبى رفضاً، لكنه عاد إلى
هدوئه حين تجاوزنا الشيخ صاعدا إلى الدور الأعلى، لكنها لم تغلق الباب، وسمعت وقع
أقدام أخرى كثيرة وثقيلة، ثم دخلت مجموعة من رجال الشرطة وفى مقدمتهم رائد وسيم،
فأشارت أم زينب إلىّ قائلة لهم: "هذا هو"
****
نص اللحن الأساسى: (حلم 186)
أرانى أسير فى جنازة صديق عزيز ورأيت بين المشيعين صديقى "ب" بعد
غياب سنوات فى الخارج فسلمت عليه وهو واسع الثقافة غير أنه غريب الأطوار ومغرم
بالحداثة فى الفنون والحياة وسألته عن حرمه التى كانت تماثله فى كل شئ فأجابنى
بأنه طلقها وتوقفت الجنازة أمام المسجد وحُمل النعش إلى الداخل للصلاة عليه ونودى
للصلاة بين المشيعين وإذا بصديقى يدخل مع الداخلين فلم أصدق عينى وذهلت ذهولاً
شديداً!
التقاسيم:
وما
أن انتهت صلاة الجنازة حتى خطا صاحبى من بين المصلين ورفع غطاء النعش وإذا به خالٍ
وكأنه ينتظره، فاعتلاه صديقى ونام فيه بالطول ثم أغلقه على نفسه وهو يشير بيده إلى
المصلين أنْ هيّا. وعادت الجنازة تسير فى اتجاه مغاير حتى وصلنا إلى ميدان التحرير
ودخلنا من جديد مسجد عمر مكرم، وبدون أن نصلى هذه المرة رأيته خارجا متأبطا شيخا
معه، ثم نادانى وعرفنى على المأذون، وطلب أن أذهب معه إلى المتحف المصرى لأكون
شاهد زواجه الجديد، وحين قلت له كيف سيعقد الزواج فى المتحف، قال أنت تعرف أنها
مغرمة مثلى بالتشكيل، قلت لكن هذا ما أعلمه عن زوجتك القديمة أيضا، قال وماذا فى
ذلك، أنا ليس عندى وقت لأبدأ من جديد.
قلت
له: وهى؟
قال:
ولا هى!
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
187)
عندما رأيت الأنسة "ب" خفق قلبى كما خفق عند أول حب وتابعتها
أنهل من عذوبة الحب ولوعة الحرمان ولا أزيد وأرانى مع ابنة أختى وهى تسألنى حتى
متى تبقى أعزب يا خالى؟! ورشحت لى الآنسة "ب" زميلتها فى المعهد العالى
فأيقنت أن وساطتها جاءت بعد اتفاق مع "ب" واسعدنى ذلك ولكنى شعرت بخوف
لا أدرى كنهه ودفعنى للهروب فغيرت طريقى مختفيا حتى سمعت أنها خطبت إلى شاب لائق
وأرانى واقفا أمام معرض مصور أشاهد الفتاة مع زوجها فى ثوب العرس فرجعت إلى النهل
من عذوبة الحب ولوعة الحرمان ولكن فى إطار من الأمان!
التقاسيم:
.... قلت لبنت أختى: أين أنت؟ قالت: بل أين أنت
يا خالى؟ عندى لك مفاجأة. قلت: خيرا، قالت: صديقتى "ب" لم توفق فى
زواجها وطلقت وهى عذراء، وهى غير ساخطة عليه بل مشفقة، ثم إنها تذكرك يا خالى
بمشاعر لا تخفى. قلت لها: أنا آسف، لقد تمنيت لها السعادة من كل قلبى. قالت: وهى
كذلك لكنك هرّاب، قلت: فأبلغيها عنى أن السعادة الحقيقة هى فى عذوبة الحب ولوعة
الحرمان. قالت: أبلغها أنت بطريقتك.
قلت:
هل تريدننى يا حبيبتى أن أختفى من جديد؟
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
188)
رأيتنى أسير مع الشيخ زكريا أحمد نحو هضبة مغطاة بحمائل الأزهار وتقف فى
مركزها أم كلثوم ووفد أهل الفن الحامولى وعثمان والمنيلاوى وعبد الحى حلمى وسيد
درويش ومحمد عبد الوهاب ومنيرة المهدية وفتحية أحمد وليلى مراد وغنت أم كلثوم
قائلة سمعت صوتا هاتفا فى السحر وأخذت تكرره حتى ساد القلق بيننا ثم أخذ صوتها
ينخفض رويدا رويدا حتى تلاشى وغنت منيرة المهدية قائلة:
ليلة ما جَهْ
فى المنتزَه
يا دوب قعدنا
والكأس فى ايدنا
هف
طلع النهار
وغنى سيد درويش: زرونى كل سنة مرة
حرام الهجر بالمرة
وغنى الشيخ زكريا: يا عشرة الماضى الجميل ياريت تعودى
أما أنا فتلوت الفاتحة!..
التقاسيم:
.....
ثم اقدم علينا الشيخ محمد رفعت يتأبط ذراع الشيخ سيد مكاوى، فسكت الجميع والشيخ
سيد يقوده، وهو يعرف طريقه أكثر من أى واحد منا حتى تصدر المجلس واعتلى الأريكة
وتربع وبدأ يقرأ صورة الرحمن.
وحين
رجعت إلى البيت وجه الفجر جانبنى النوم، فذهبت إلى مكتبتى أقلب كتبها لأختار ما
أتصفحه قبل أن أنام؛ فالتقطت كتاب أصل الأنواع لداروين، وكتاب تفسير الأحلام
لفرويد، وكتاب "رأس المال" لكارل ماركس، فأخذتها جميعا ورصصتها أمامى
وأخذ ناظرى يتنقل بينهما وأنا محتار أيها أختار.
ولم
أفتح ولا واحداً منها، ذلك أننى كنت مازلت مشدودا إلى الأغانى وآيات الذكر الحكيم
التى ملأتنى فى تلك الليلة المباركة، وقلت: يا ربى متى يعرف الناس أن كل شىء هو
ضرورى لكل شىء؟
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
189)
رأيتنى وزيراً فى وزارة يرأسها
مصطفى النحاس وجعلت أفكر فى مشروع إنشاء مدارس أولية وابتدائية وثانوية بلا
مصروفات ولا رسوم للمتفوقين والمتفوقات من أبناء الفلاحين والعمال، على أن نتابعهم
بالرعاية فى الجامعة والبعثات، وعرضت الموضوع على الزعيم فرحب به وأضاف إليه
تعديلاً أن تخصص تلك المدارس للمتفوقين والمتفوقات من أبناء الأمة كلها وطلب منى
أن أقدم المشروع فى مجلس الوزراء القادم ووعد بتأييده.
التقاسيم:
....
واستغرق منى إعداد المشروع أنا ومساعدى شهرا، وحين صار فى حال تسمح بتقديمه طلبت
مكتب رئيس الوزراء فرد صوت غير صوت مدير مكتبه الذى أعرفه جيدا، وحين سألته عن
معالى النحاس باشا قال نحاس من يا حمار، هذا مكتب عرابى وكيل الفنانين؛ فاعتذرت، وتأكدت
من الرقم وطلبته من جديد فرد علىّ صوت آخر، ونهرنى بطريقة أكثر أدبا وقال لى هذا
مكتب الخطيب فى النادى الأهلى؛ وهكذا تكررت معى نفس الردود تنبهنى إلى خطأ الرقم
حتى شككت فى نفسى. وأخيرا ردت علىّ سيدة غاية فى الرقة وقالت إنها حلت محل مدير
مكتب النحاس باشا الذى توفاه الله منذ أربعة عقود، وهى تدير الوزارة الآن لأغراض
لا تذكر فى التليفون.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
190)
علمت أن صديقى "ج" معتصم بحجرته ويهدد بالانتحار فانتقلت إلى
بيته ووجدت إخوته وأخواته مجتمعين فى الصالة الكبيرة وهو يطل عليهم من الشراعة فى
حجرته العليا والحبل يطوق رقبته فقلت له أنت مؤمن والمؤمن لا ينتحر فقال لى: لقد
سدت النوافذ فى وجهى إذا قلت لهم تحركوا لا يتحركون وأعلنت عن رغبتى فى أن أموت
شهيداً فمنعونى من الخروج فلم يبق لى إلا هذا فقلت لهم دعوه وشأنه فالاستشهاد خير
مليون مرة من الانتحار.
التقاسيم:
فصاحوا
من ورائى أنه غير جاد، وأنه يضع شروطا للاستشهاد، فهو يريد أن يستشهد على شرط أن
يستشهد معه من لايريد أن يستشهد، وقد خيرناه إما أن يستشهد وحده وإما أن يعدل عن الفكرة،
فكان ما كان. نظرت إليه وكان يسمعنا، وقلت له: ما رأيك؟ قال: أنا لست أنانيا، ولا
أريد أن استحوذ على الشهادة لنفسى فقط. قلت له: دعهم يختارون نوع ووقت شهادتهم
بأنفسهم. قال: فأنت تدعونى إذن للانتحار!! قلت له: بل للشهادة. قال: وكيف أميز بين
هذا وذاك إذا ذهبت وحدى دون صحبة أو شهود؟
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
191)
قال لى الدكتور "م" إنه يرغب فى الزواج من "ع" ولما
كنت جاراً لها وصديقاً لإخوتها فأنا خير من يحدثه عنها وأنا أحب "ع"
بدون أدنى أمل فتماسكت وقلت له أما عن جمالها فقاطعنى دع هذا فهو فى متناول عينى وحدثنى
عن الأمور الأخرى فقلت له: إنها فى كمالها لا تقل عن جمالها فقبلنى فى رأسى
ووجدتنى فى بهو يموج بالكثير من رموز المجتمع وفيه غناء ورقص فسمعت وشاهدت وتوقع
قلبى الضربة القاضية.
التقاسيم:
..... وما أن بدأت دقات الزفة حتى سمعت هرجا
ومرجا، والعروس واقفة وحدها، والجميع يبحثون عن الدكتور الذى قيل إنه استدعى فجأة
لحالة طوارىء وقد استأذن من العروس وقال لا توقفوا الزفة وسأحضر حالا لكنه غاب
وجاء من يقول إنه فى حجرة العناية المركزة ينقذ مريضا كاد أن يغرق فى إفرازات
رئته، ثم جاء آخر يقول إنه يبلغ العروس أسفه أنه لن يستطيع أن يحضر وأن عليها أن
تكمل العرس مع أى من الحاضرين بديلا عنه، فأسرعت حتى صرت فى مجال بصرها، وأشارت
إلىّ فتقدمت بسرعة وأنا لا أكاد أصدق، فقالت إذهب وقل له إننى فى الانتظار وأن
الزفة مستمرة إلى أجل غير مسمى .
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
192)
هذه حديقة الحرية التى تروى أزهارها بدموع العاشقين وأنا أتجول فى جنباتها
بين آهات الحب وهتاف المناضلين وقد عاهدت نفسى على أن أزود النسيان عن الحب
والنضال.
التقاسيم:
ثم سمعت دق
الدفوف ورنين الصاجات وبدأت العربات الكارو تعبر الممر الأوسط فى الحديقة، تجرها
أحصنة وبغال قوية وقد ازدانت أجسادها
بالشرائط الملونة تتدلى منها الأجراس والخلاخيل، وكل عربة عليها ممثلو حرفة معينة،
هؤلاء الحدادون وهؤلاء مبيضو النحاس وهؤلاء النجارون ثم تهادى ابراهيم باشا الكبير
على حصانه الأشهب ووراءه فرقة الفرسان، ثم أحمد عرابى ووراءه "موسيقى
الجيش"، وأخيرا لاح الهودج يترجّح فوق سنام جمل، يمسك بلجامه قيس بن الملوح،
فتوقعنا أن ليلى العامرية هى التى بداخل الهودج، وما أن أزاح الهواء بعض ستائره
حتى أطلت علينا طلعة امرؤ القيس وقد ملأت البثور وجهه، وبعد أن دارت عينيه بين
الجموع توقفت عندى، وقال: "وهل يستطيع أحد أن يزود النسيان عن الحب والنضال
ياغبى".
****
نص اللحن
الأساسى: (حلم 193)
هذه هضبة الأهرام وهذا هو سير ريدر هجارد فهرعت إليه ورحبت به وقلت له إنه
كان فردوس طفولتى وصباى برواياته الفاتنة عن عائشة وكليوباترا وصلاح الدين وكنوز
الملك سليمان، ثم سألته عن كنوز الملك ألها أصل فى الواقع أم أنها من صنع الخيال
وحده؟ فرأيتنى أسير إلى جانبه فى غابة إفريقية وفى موضع منها أخرج من جيبه مفتاحاً
وانحنى حتى غاب فى الحشائش وإذا بباب ينفتح عن معرض طويل عريض ملئ بالجواهر وسقطت
أشعة الشمس على سبائك الذهب فانعكست نوراً أضاء لى عالم الغيب.
التقاسيم:
... رحت أتجول غير مصدق، وإذا بيد تلمس كتفى
فالتفت فوجدت أبو طويلة يبتسم لى ويدعونى للرقص، فقلت له إننى لا أعرف الرقص،
وأخجل أن أفعل ذلك ونحن فى عالم الغيب. وسألته عن بطوط فصفّر بفمه، ولكن بدلاً من
أن يدخل بطوط دخلت زيزى ومن وراءها أولاد أخت بطوط، وتحوّطنى الجميع وهو يجذبوننى
لأشاركهم الرقص، وما أن فعلت حتى دخل عم دهب وراح يفحص سبائك الذهب بعدسة مكبرة
فاشتركت معهم مغنياً، "يا راجل يا عجوز مناخيرك قد الكوز" وعم دهب يضحك
وقد اطمأن إلى قيمة الكنز الحقيقية.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم 194)
من أمواج الضياء انبثق المرحوم صديقى "ط" فسلمت عليه وقلت له إنه
مات فلا نشر له نعى أو أقيم له عزاء مناسب وجاء العمال وأقاموا السرادق ولكن لم
يحضر أحد للعزاء ولا جاء المقرئ فصعد صديقى إلى أريكة وتلا بصوت عذب سورة الرحمن.
التقاسيم:
وتذكرت صورة
الرحمن التى تلاها الشيخ محمد رفعت فى عقب نزهتنا مع الشيخ زكريا أحمد وصحبه، وقلت
لصديقى "ط": هل حقا فيها فاكهة ورمان؟ قال: إيش عرفنى، لقد تأجّل اتخاذ
قرار فى شأنى حتى ينشروا النعى ويقيموا السرادق بما يليق بما أسديت فى الدنيا
والآخرة. قلت له: وماذا أسديت فى الآخرة؟ قال: الصبر.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
195)
أعددت المائدة الصغيرة بما لذَّ
وطاب ولما دقّ الجرس فتحت الباب اندفعت صديقتى إلى الكنبة، وما لبثت أن ماَل رأسها
على المسند واسترخت ذراعاها فهرعت إليها وربت خديها وجسست رسغيها ثم قلت بفزع يا
إلهى إنها ميتة وتخايل لعينى شبح الفضيحة والجريمة ولكنى حملتها بذراعى وسرت إلى
المطبخ وألقيتها من النافذة المطلة على فناء المنزل ووقفت أرتجف من رأسى إلى قدمى،
وفى ضحى اليوم التالى وجدتنى واقفاً مع بعض السكان وصاحب البيت يحدثنا عن الست
التى نقلت إلى المستشفى فقلت إنها ميتة، فقال: كلا والطبيب قال لى: إن الأمل كبير
فى إنقاذها والنيابة تنتظر اللحظة المناسبة للتحقيق فعاد يتخايل لعينى شبح الفضيحة
والجريمة.
التقاسيم:
... وفى التحقيق، استدعى كل من كان فى العمارة إلا أنا، وتعجب
الناس، وتساءلوا لماذا هذا التمييز، فقالوا لهم إننى لا شأن لى بالحادث أصلاً وأن
هناك شهود عيان شاهدونى فى مسجد السيد البدوى أثناء الحادث، ومن بين هؤلاء الشهود
رئيس مباحث بوليس الآداب فى محافظة الغربية شخصيا، فضحك الجميع وهم يحسدوننى وقد
امتلأت قلوبهم حقدا،
ودعوت الله بالستر فيما يتعلق بحالة المصابة
وخجلتِ وأنا أستغفره جداً جداً.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم 196)
دعانا أستاذنا للغداء وبعد تناول الطعام جلسنا حوله نطرح الأسئلة ونناقش
الأجوبة وإذا بالشرطة تقتحم المنزل وتسوقنا إلى المعتقل، حيث مكثنا ستة أشهر دون
محاكمة ثم أفرج عنا دون أن نعلم السبب الذى اعتقلنا من أجله وحتى اليوم كلما تذكرت
عذاب المعتقل تساءلت عن السبب الذى من أجله اعتقلنا.
التقاسيم:
... ولم أتساءل أبدا عن سبب عدم اعتقال أستاذنا
معنا، لأننى أحبه حباً جماً، وأرفض كل الإشاعات التى أثيرت حوله قبل الاعتقال
وبعده مهما كان، وحين جاء لزيارتنا فى المعتقل جاء باسم مستعار، فسأل أحدنا بعد
انصرافه: كيف أدخلوه علينا باسم مزيف غير ما هو مثبت فى بطاقته؟ فرد آخر قائلا:
ومن أدرانا، ألا يجوز أن يكون هذا هو اسمه الأصلى، ونحن الذين عرفناه باسم مزيف؟
****
نص اللحن الأساسى: (حلم 197)
بيوتنا تقع على حافة الصحراء وكل بيت له فناء نضع فيه زيراً للمياه العذبة
فيدخل العطشان يروى ظمأه ويدعو لنا .. ويوماً اندست عصابة بين الداخلين وهاجمت
بيتاً فقتلت وسرقت وهربت فأغلقنا الأبواب ولكن علمنا أنهم يحفرون نفقاً للوصول
إلينا وعند إحدى الحفريات تفجر ينبوع ماء وتدفق حتى غطى الصحراء وبشر بالخير
العميم وهتف حكيم بيننا أن افتحوا الأبواب وانعموا بحسن الجوار.
التقاسيم:
... فتحنا الأبواب غير مطمئنين تماما، وكلما مرت الأيام، صدقنا
الحكاية وابتدأنا نتمتع بحسن الجوار، واخضرت الصحراء وأخرجت من النباتات والثمار
ما لم نكن نتصور أنها قادرة على إنباته ولو رويت بماء الجنَّة، وحين أخذت الدنيا
كلها من حولنا زخرفها وازّينت، قالوا إن اعصاراً أشد من أعاصير أمريكا سوف يجتاح
المنطقة كلها، فأغلقنا البيوت وتركنا المكان للجيران الأشجع، برغم علمنا أن رجال
العصابة يحفرون أنفاقا جديدة من الناحية الثانية، ولكن من يدرى، لعل ينبوعا آخر
يتدفق أيضا فيعوض خسائر الإعصار القادم، فينعمون بحسن الجوار.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم 198)
كلفنى المنتج السينمائى بكتابة قصة
كوميدية فتصورت مدينة يكافح أهلها فى سبيل لقمة العيش ويشقون بما بينهم من خصومات
ويعانون الأمراض والحوداث ثم يجئ بعد ذلك زلزال مدمر فيقضى على البقية الباقية
منهم ويمحو من الوجود ذكرياتهم فكأنهم لم يوجدوا فضحك المنتج وقال حقا إنك فارس
الكوميديا.
التقاسيم:
وفرحت أنه
التقط الكوميديا التى قصدتها بكل تفاصيلها، وسألته كيف وصل إلى ذلك بهذه السرعة
ومن أين له كل تلك الألمعية؟ فقال وهو يقلب فى أوراق مسودة القصة: لقد وصلنى من ذكرياتهم التى نجحت ألا تندثر كيف
استطعت أن تخفى مصير المومسات هناك، وكيف تحايلت على رسم دور الأخريات والآخرين من
إنسٍ وغير ذلك.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم 199)
رأيتنى أتجول فى حديقة الحيوان مع
صديقة ثم جلسنا فى ركن خال بجزيرة الشاى وكلما ترامى إلينا زئير وخوار أو عواء
ازددنا التصاقاً حتى ذُبنا ذوباناً!
التقاسيم:
وحين جاء
النادل للحساب لم يجدنا، فأمعن النظر فى كوب الماء الممتلئ إلى نصفه، وغطاه بمفرش
خفيف، وثبت طرفيه على المائدة بزجاجة العصير الفارغة، ودعا لنا وهو يبتسم، فدعونا
له بالستر كما سترنا.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
200)
قالى لى صديقى "ص" إن
قوانين الإصلاح الزراعى أصابت والده بانهيار فى وعيه وهو يريد مقابلة وزير المالية
وأنا اخترتك لتمثل دور الوزير بوصفك أعز أصدقائى ووجدت الإقطاعى الكبير فى حال
يرثى لها واستقبلنى قائلاً يا معالى الباشا هل حقا ستصادرون أراضينا فنفيت ذلك
كلية وقلت له إن هى إلا شائعة أطلقناها لكسب قلوب الناس وعندما خرجنا من السراى
شكرنى صديقى وهو يجفف دموعه فقلت له مواسياً: إن كل تقدم فى المجتمع يقتضى ثمناً
ولا تنس أنك كنت من دعاة الاشتراكية فقال بحدة: إن الكتابة شىء والتطبيق الفعلى شئ
آخر.
التقاسيم:
..... وتعجبت أن صديقى هذا لم يعايرنى أننى أيضا
كنت من غلاة دعاة الاشتراكية، وتصورت أنه يعرف جيدا أننى مازلت كذلك بعد اطمأننت
أن أى واحد يمكن أن يكون من غلاة دعاة الاشتراكية، دون أن يفهم حرفا فى الرأسمالية
التى يمارسها عشوائيا باشتراكية أحدث جدا.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
201)
ياله من بهو عظيم يتلألا نوراً
ويتألق زخارف وألواناً وجدتنى فيه مع إخوانى وأخواتى وأعمامى وأخوالى وأبنائهم
وبناتهم ثم جاء أصدقاء الجمالية وأصدقاء العباسية والحرافيش وراحوا يغنون ويضحكون
حتى بحت حناجرهم ويرقصون حتى كلت أقدامهم ويتحابون حتى ذابت قلوبهم والآن جميعهم
يرقدون فى مقابرهم مخلفين وراءهم صمتا ونذيرا بالنسيان وسبحان من له الدوام.
التقاسيم:
...... ثم إن الجميع قاموا معا من مقابرهم
وراحوا يتثاءبون، ثم يتمطون فى نشوة الذى شبع نوما، وأخذوا ينفضون عن أكفانهم
التراب، وعطس أحد الحرافيش فقال له آخر يرحمكم الله
فرد
مقهقها:
-
الحمد لله.
وعاد الغناء والرقص برغم غلبة النسيان، وسبحان
من له الدوام.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
202)
تأبطت الجميلة الشابة ذراعى ووقفنا أمام بياع الكتب الذى يفرش الأرض بكتبه
ورأيت كتبى التى تشغل مساحة كبيرة وتناولت كتاباً وقلبت غلافه ففوجئت بأننى لم أجد
سوى ورق أبيض فتناولت كتابا آخر وهكذا جميع الكتب لم يبق منها شئ واسترقت النظر
إلى فتاتى فرأيتها تنظر إلىّ برثاء.
التقاسيم:
سألتها:
ما الحكاية؟
قالت:
أرثى لك لأنك متخلف، أوَ لم يصلك بعد نبأ الطباعة الحديثة؟ فسألتها عنها، قالت:
إنهم يطبعون الكتب بدون أحبار، وتظل الأوراق خالية كما رأيتها، وتباع ومعها عدسة
إشعاع القراءة، وعليك أن تضىء العدسة بنور عينيك أولا، ثم تمررها على السطور،
فيظهر لك المطبوع بحجم الحروف الذى تريده، وبالبنط الذى تفضله، وبالكلام الذى
تتمنّاه.
قلت
لها: وما الفائدة، ثم إننى كنت أتصفح كتبى القديمة التى سبق أن بعتها للرجل شخصيا،
وكلها كانت مطبوعة بالطريقة القديمة. قالت: أنت تحمد ربك أن الأمر مرَّ كذلك، فهم
يحاكمون الآن كل من احتفظ بأى كتاب حروفه ظاهرة حتى لو كان عمره ألف عام. قلت لها:
وكتبى فى المنزل؟ قالت: لقد أحرقُتها جميعا أثناء سفرك حرصاً على سلامتك.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
203)
رأيتنى أقرأ كتاباً وإذا بسكارى رأس السنة يرمون قواريرهم الفارغة فتطايرت
شظايا وينذروننى بالويل فجريت إلى أقرب قسم شرطة ولكنى وجدت الشرطة منهمكة فى حفظ
الأمن العام فجريت إلى فتوة الحى القديم وقبل أن أنتهى من شكواى هب هو ورجاله
وانقضوا على الخمَّارة التى يشرب فيها المجرمون وانهالوا عليهم بالعصى حتى
استغاثوا بى.
التقاسيم:
... ثم تحول
رجال فتوة الحى إلى رجال الأمن وأحاطوا بهم بعد أن انضم إليهم المجرمون والصاخبون،
وانهال الجميع على رجال الأمن وهم يقسمون بأغلظ الأيمان أنهم لن يتركوهم، حتى
يتوبوا، وراح رجال الأمن يتعهدون أنهم لن يحافظوا على الأمن ثانية لأنهم مطمئون
الآن أن للأمن رجال تحميه، وانطلقت زغرودة من وراء ستار، فتوقف الضرب والصراخ
وتحاضن الجميع دون استثناء وهم يتبادلون القبلات .
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
204)
رأيتنى مديراً لشئون السينما
وجاءتنى الفنانة "ف" تطلب إعفاءها من العمل مع الممثل "أ"
فانزعجت وقلت لها إن هذا سيغير الخطة كلها، ولكنها أصرت على موقفها ثم جاءنى
الممثل "أ" وطلب منى الضغط عليها فاعتذرت، وراحت هى تقول للوسط الفنى
إننى أضغط عليها لتعمل مع الممثل "أ" صديقى على رغم إرادتها وراح يقول
إننى سهلت لها التحرر من العمل لغرض فى نفسى فلعنت اليوم الذى توليت فيه هذا المنصب.
التقاسيم:
... رفعت السماعة بعد أن دق جرس الهاتف طويلا، وسمعت صوتها يقول:
أين أنت؟ ولماذا تأخرت فى الرد هكذا؟ قلت لها إننى لم أتوقع أن تكونى أنت، ثم أننى
هذه الأيام أتجنب الإشاعات كما تعلمين، قالت لى: ولكنها ليست إشاعات كما تعلم .
****
نص اللحن الأساسى: (حلم 205)
رأيتنى أشاهد دورية من الجنود
الأجانب فضربتها بحجر وصعدت إلى السطح وعبرت إلى سطح الجيران وهبطت السلم لأهرب من
باب البيت فوجدته مسدوداً بجنود شاهرى السلاح.
التقاسيم:
تصنعت
الهدوء، وقلت للضابط ومن حوله من الجنود "عن إذنك"، فأفسح لى بأدب،
وتركنى أمر وهو يدعو لى بالسلامة، نظرت خلفى بعد بضعة خطوات، فلم أجد أثرا للبيت
من أصله، واختلط الجنود الأجانب بالجنود المحليين، فلوحت لهم بيدى، فقهقه الأجانب،
وغمز المحليون بعيونهم، ومضيت فى طريقى وأنا ألعّب حواجبى ناظرا الناحية الأخرى.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم 206)
رأيتنى أعد المائدة والمدعوون فى
الحجرة المجاورة تأتينى أصواتهم أصوات أمى وإخواتى وأخوانى، وفى الانتظار سرقنى
النوم ثم صحوت فاقدا الصبر فهرعت إلى الحجرة المجاورة لأدعوهم فوجدتها خالية
تماماً وغارقة فى الصمت وأصابنى الفزع دقيقة ثم استيقظت ذاكرتى فتذكرت أنهم جميعاً
رحلوا إلى جوار ربهم وأننى شيعت جنازتهم واحداً بعد الآخر.
التقاسيم:
... لم
أحزن، فقد سبق أن حزنت عليهم بما يكفى، ثم أكملت جولتى أحاور الاثاث والأشياء،
وبدأ يغمرنى حزن جديد من نوع غريب، فقد تذكرت أننى رحلت أنا أيضا ولم يحزن علىّ
أحد مثلما حزنت عليهم، وعرفت أن حزنى الجديد هو تعويض مناسب لى، وترحمت على نفسى.
****
نص
اللحن الأساسى: (حلم 207)
جلجل الهتاف بالانتخابات فسرت
النشوة فى قلب المطرب الشعبى وصاح مرشحاً نفسه فأقبلت عليه الجماهير حتى رفعوه على
الأكتاف لنجاحه وطلبوا منه الكلمة فوقف على المنصة وعزف بالربابة وغنى:
حلو يا زين يا صعيدى
اسمك منقوش على إيدى
التقاسيم:
وانطلقت
الغازية ترقص كما لم ترقص من قبل، ولكن الصمت حل على الجميع فجأة وهم يفسحون الطريق
لمرور جنازة مهيبة، وسألت عن المرحوم فقالو لى إنه المطرب الشعبى، فسرت فى الجنازة
وأنا أردد.
مضناك جفاه مرقده
وبكاه ورحم عوده
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
208)
نجح الأستاذ "ل" فى
الانتخابات فذهب إلى أسرته وقال إنه لايشرفه الانتماء لهؤلاء القوم وأنه ينوى
الاستقالة فقالت له سيدة: الاستقالة معناها العداوة وسوف ينكِّلون بك وبنا فافرح
أو تظاهر بالفرح وألق كلمتك فوقف "ل" على المنصة وقال: إن تاريخ مصر
يظهر بظهوركم على المسرح وما قبل ذلك فظلام فى ظلام.
التقاسيم:
وحين نزل
وخرج ليركب سيارته وجدها جالسة فى المقعد الخلفى، وحين وجه نظره للسائق متسائلا،
قال له إنها أخبرته أنها أوامره، فشكره وطلب منه شراء بعض الأشياء من السوق وأن
يلحق به إلى المنزل فهو سوف يقود السيارة بنفسه، وبعد أن غادر الشارع العام أوقف
السيارة وسألها عن سبب ادعائها أنه هو الذى دعاها إلى انتظاره فى سيارته، قالت له:
أردت أن أكمل خطبتك، فقال: ولكنها خطبة بناء عن توصيتك أنت تعرفين بقيتها أحسن
منى، فقالت: ولهذا جئت آخذ حقى.
فقال لها:
وأنا أيضا أريد أن آخذ حقى.
قالت:
اتفقنا.
****
نص اللحن الأساسى: (حلم
209)
وجدتنى مع صديقى "ت" فى
حجرة بالفندق واقتحمها علينا بعض الجنود وساقونا لنقف أمام ضابط أجنبى الذى سأل
صديقى: لماذا لم يجند؟.. فأجاب: لأنه يرفض الحرب، فأمر بتجنيده وقال لى: إلزم الحجرة فقد تقتضى الظروف
تجنيدك رغم شيخوختك!.
التقاسيم:
... نادونى بعد قليل وسألونى عن سنى، فقلت لهم ست وسبعون، قالوا
هذا هو السن المناسب،
فسألتهم: مناسب لماذا؟
قالوا: أنتَ مالكْ؟
****
خاتمة:
نص اللحن الأساسى
(وصلنى متأخرا – غير مكتوب- بتاريخ 6 نوفمبر
2009)
... كأنّ كفا حانية لمست خلف كتفى اليمنى مسّا رقيقا أحاطنى حتى
امتلأتُ به، لم أحاول أن ألتفت نحوها خشية أن تتراجع، امتدت يدى اليسرى إلى كتفى
الأيمن لأطمئن أننى لا أحلم، أرجعتها بسرعة حرصا على استمرار ما هو، الرضا يتسحب إلىّ يملؤنى أرحب وأعمق، تغمرنى نشوة مختلفه، أفرح بأنى لم
أشعر بمثلها من قبل، أجدنى فى الحجرة المعدة لذلك ، لست متأكدا هل كانت حجرة
مستديرة بلا جدران، أم كان فضاء دائريا على بساط أخضر يانع، ترتفع بى الأرض وهى
تتمايل فى دلال، ابتعد عنها طائرا سابحا راقصا فى نور ليس كمثله شىء، تحيطنى
الأنغام وهى تزحف إلى أعماقى فى رقة حانية حتى صرتُ نغما خالصا، دون أن أختفى،
ثم إنى ...!! ما هذا ..؟
ما كل هذا؟ ما أجمل كل هذا..، بلا أول ولا آخر،
...ماذا.....؟
نعم ؟؟!!
حاااضر!
التقاسيم:
(11-12- 2003)
من وحى
أحلام النقاهة سيدى نبضت خلايا داخلى:
"
فحلمـتُ أنِّىَ حاملُ،
وسمعتُ
دقــا حانيا وكأنه وعدُ الجنينْ.
جاء المخاض ولم يكن أبدا عسيرا،
وفرحت أنِّىَ صرتُ أمـًّا طيبة،
لكننى قد كنت أيضا ذلك الطفل
الوليد،
فلقفت ثدى أمومتى،
وسمعتُ
ضحكا خافتا
....
وسمعت صوتا واثقا من عمق أعماقى يقول:
"المستحيل هو النبيل الممكنُ الآن
بنـا".
لمستْْ
عباءتكَ الرقيقة جانبا من نبض وعيي،
فـعلمـتُ أنـك كـنـتَـهُ.
وصحوت
أندمُ أننى قد كنت أحلم.
يحيى الرخاوى
3- محمود محمد شاكر، قصيدة "القوس العذراء" ردا على قصيدة الشمّاخ
بن ضرارٍ الغطفانى، القاهرة، مكتبة الخانجى.
[5]- نشرت الدارسة فى "مجلة القاهرة" (العدد 58) 15/4/1986
8- حين قرأت اسم الشيخ زكريا أحمد فى هذا الحلم تذكرت بعض ما حدثنى شيخى
عنه، فعدت إلى أوراقى، وقلت أقتطف هذه الأسطر مما سجلته آنذاك، (وهو مقتطف ليس له
علاقة مباشرة بالحلم)
الخميس:
19-1-1995
.... ثم
عاد الأستاذ يهاجم مرض السكر ويذكر الشيخ زكريا أحمد, وأنه كان
مصابا بالسكر حتى ظهرت له دمامل في كل جسمه، وأنه كان يذهب
ليعوده في الفجالة، فيفتح الشيخ زكريا الصوان فى حجرة نومه
ويريهم ما تفضل عليه أهل المزاج بالهدايا المناسبة تقديرا
لفنه، وحين زاره محمد عبد الوهاب، وأطلع علي ذلك فزع خائفا
وتراجع ... الخ.
...
وتوالت الذكريات بشكل هاديء رائع ولم أستطع أن أتابع كل ما
قيل من أسماء وأغاني ومخرجين، حتى قال الأستاذ: هذه هي الفترة
التي كنا فيها واقعين في أسر الشيخ زكريا أحمد ونكثر من
التردد عليه.