الفصل
الخامس
الطفولة:
نبضٌ متجدد دائم
(الفصل
الأول من الدراسة الجامعة)
استهلال:
حين
أنهيت الفصل الرابع من القراءة التشريحية لفقرات السيرة الذاتية
لنجيب محفوظ، تصورت أنه لم يبق عندى إلا فصل واحد، أحاول
فيه أن أجمع بعض ما لاح لى أثنآء تلك القراءة (الفصول
السابقة)، ثم تركت العمل برمته ما يقرب من عام كامل، وحين
طلب منى بعض الأصدقاء/القراء أن أكمل الفصل الخامس، كنت -وما
زلـت - متصورا أنه فصل واحد، إلا أننى مع الدخول فى العمل
ومراجعتى للعناوين التى انهيت بها الفصل الرابع تبينت أن كل
عنوان منها يحتاج إلى جمع واستدلال واستشهاد وتأويل وقراءة
متأنية مما نبهنى إلى أن أترك العمل يحدد حجمه وشكله مع
اضطراد المحاولة ونموها حتى لا أضطر إلى أن أحشر ما خطر لى
حشرا فى فصل واحد، وقد يكون مناسبا أن أعدد بعض العناوين
التى يمكن تناولها ربما كل فى فصل مستقل، لست متأكدا: (1) الطفولة نبض دائم
(2)الجنس، والجسد، والحس، واللذة (3) الحب والصداقة والعلاقة
بالموضوع (4)الصمت، والنداء (النداهة) والخلاء، والكهف (5) الغيب،
والامتداد، والكون، والمجهول (6) السعى، والحركة (7)الذاكرة، واستحضار
الوعى (8) الـله والوجود (الدين، والإيمان) (9)العمر والشيخوخة
والموت والخلود (10)التناهى، واللحظة، والنبضة، والهمسة (11)البعث،
والولادة.
وبعد
أن تصورت أن هذه العناوين تكفى، قفزت إلى هوامش قد لا تأخد
حقها من خلال هذه العناوين مثل: (ا)التركيب النفسى، والطبيعة
البشرية (ب)الدروشة والدراويش (جـ) التصوف (الخاص منه والشعبى)
(هـ) الحزن والدموع (و) العقل والجنون.
هذا
الفصل الأول فى الدراسة الجامعة (الخامس هنا) هو عن الطفولة المتجددة الدائمة. هل
هى طفولة نجيب محفوظ (أصداء السيرة الذاتية) ام نجيب محفوظ الطفل المازال ينبض بكل
طزاجته وشطحه وخياله وإبداعه حالا؟ أعتقد أن كلا الاحتمالين وارد.
علاقة
هذا العمل بوجه خاص بسيرة صاحبه الذاتية علاقة ملتبسة، تحتاج أن أوجز موقفى الخاص
من علاقة الإبداع بالمبدع شخصا بيننا يمشى فى الأسواق:
أولا:
تصورت فى فترة سابقة أن من الأمانة أن تكون الكلمة تعبيرا
حقيقيا، ومعادلا موضوعيا لصاحبها، فإن لم تكن كذلك، فهى خدعة،
ونفاق وكذا وكيت.
ثانيا:
راعتنى كلمات رائعة مضيئة هادية نبية فتخيلت أصحابها كذلك، أو
رسم خيالى أنهم لا بد أن يكونوا كذلك، ولم أجد ذلك صحيحا
عند التحقق، ذلك أنه تصادف أننى عرفت بعض هؤلاء شخصيا، فإذا
بهم ليسوا كذلك (تماما، أو أصلا).
ثالثا:
تصورت بعد ذلك أن المبدع، لا يمكن أن يكون هو ما أبدعه،
بل إن الأكثر معقولية هو أن يكون ما لم يستطع أن يبدعه
واقعا فخطه رمزا عوضا عما عجز عنه، وذلك باعتبار أن الأدب،
والفن هما بديلان عن الحياة، فهما من ناحية إكمال لنقص
فيها، ومن ناحية أخرى رسما لصورة لـها لم يمكن تحقيقها حالا،
ومن ناحية ثالثة فإن ما يبدعه المبدع هو أبقى للناس من
شخصه.
رابعا:
تماديت بعد ذلك إلى أقصى هذه الناحية (اختلاف المبدع شخصا عن
إبداعه) فسمحت وتوقعت أنه قد يكون عكس ما يكتب وليس فقط
خلافا لما يكتب، وأنه بذلك يكفـّـر بما يكتبه عما يعيشه،
عـما "هو"، وبألفاظ أخرى: إن المبدع- تبعا لهذا الفرض
الأخير- إنما يحقق فى إبداعه ما كان يرجو أن يكونه وعجز عن
تحقيقه، حتى لو وصل الأمر أن يكون إبداعه "عكس ما هو
عليه شخصيا".
خامسا:
تراجعت عن كل ذلك، ووصلت إلى أن سيرة المبدع الذاتية تسير
على عدة محاور "معا" على الوجه التالى:
الأول:
مايظهر فى ظاهر سلوكه اليومى العادى
والثانى:
ما يعرفه هو، ويتذكره عن نفسه
والثالث:
ما يظهر فى بعض إبداعه قصدا غير مباشر
والرابع:
مايظهر فى بعض إبداعه بالرغم منه
والخامس:
ما يظهر فى إبداعه عكس ما هو (تعويضا أو تعبيرا عن نقيضه
الذى هو هو، أو هو ما يكمله)
والسادس:
ما يظهر فى إبداعه باعتباره صورة ذاته، وليست هو (صورة الذات
غير الذات).
ولنا
أن نتسائل بعد كل ذلك:
أولا:
أين تقع أحاديث رجاء النقاش (التى اعتبرت سيرة ذاتية، وأثارت ما أثارت) من كل هذا؟
ثانيا:
وأين يقع "نص" أصداء السيرة الذاتية من كل هذا ؟
ثالثا:
أين تقع القراءة التشريحية (الفصول الأربع السابقة) ثم الجامعة
"لأصداء السيرة " من كل هذا؟
قبل
أن أجيب، لا بد أن أنبه إلى أن أى محور من هذه المحاور
ليس جامعا مانعا لما هو دونه، وأن أى تداخل أو تعدد أو
تراوح بين واحد وآخر هو وارد حسب وجهة نظر قارئ السيرة،
وعمق رؤيته، وموضوعية تحيزه!!! (المشروعة)
أحاول الإجابة عن هذه التساؤلات الثلاث كما يلى:
(1) قد يقع عمل النقاش على المحورين الأول والثانى
-مايظهر من ظاهر السلوك، وما يعرفه ويتذكره المبدع عن نفسه،
(هذا إذا تجاوزنا عن التقريب والتعميم والتشويه، بدون قصد، بل
وبحسن نيه غالبا!!)
(2) فى حين يقع "نص" أصداء السيرة الذاتية
متداخلا مكثفا ليشمل بعض المحور الثانى (ما يعرفه محفوظ وما
يتذكره عن نفسه)، وكثير من المحور الثالث (ما يظهر فى
إبداعه قصدا غير مباشر)، وقليل من المحور الرابع (ما يظهر
بالرغم منه)، وأيضا قدرا من المحورين الخامس والسادس (عكس
"ماهو"، ثم "صورة ذاته"، وليس ذاته.
(3) وأخيرا: أين تقع قراءتى للأصداء هذه،
وخاصة ما أقدمه فى هذا الفصل، من كل هذا؟ قبل أن أصل إلى
هذا التنظير، كنت قد وجدت نفسى فى حرج شديد وأنا أواصل هذه
القراءة النقدية، وخاصة حين وصلت إلى ما أسميته" القراءة الجامعة" والتى
أحاول من خلالها أن أتعرف على الجانب الأعمق من وجود هذا
المبدع كما ظهر فى إبداعه هذا.
وقد
بلغنى من خلال المعاشرة الشخصية المباشرة والحميمة ما كان
جديرا أن يـعتـم رؤيتى وأنا أواصل قراءة هذا العمل ناقدا،
وخاصة حين أتناوله باعتباره سيرة ذاتية، ناسيا أنه أصداؤها
ليس إلا..، ذلك أنه قد بدا لى أن حضور الكاتب قريبا منى
لحما حيا متحركا يملأ وعيى كثيرا، ويبهرنى أحيانا غير قليلة،
ويدهشنى أقل، وأرفضه أحيانا، كل ذلك، إنما يبعدنى قليلا أو
كثيرا عن النص الذى بين يدى، إذ يحل محله صاحبه دون إذن
منى.
فإذا
أضفنا إلى ذلك ما لاح لى من ضرورة ربط هذه القراءة، إن
عاجلا أو آجلا، بأعماله الأخرى تبين حجم المعاناة، ومقدار
التحدى.
ملحوظة:
بعد كتابة مسودة هذا الجزء، وجدت تعارضا ما بين بعض أجزاء
الدراسة التشريحية، وبين هذه الدراسة الجامعة، ولم أجد حرجا فى
التراجع عن بعض ما ذهبت إليه مجزءا، فالسياق العام غير
الأبجدية المتناثرة (أنظر نهاية الفصل الأول مثلا).
"..... فالطفل الذى بقى نابضا ولم يغب أبدا رغم
اختفاء أوصافه هو طفل نجيب محفوظ وليس طفل الشيخ عبد ربه
الذى تاه منه، ذلك أننى وأنا أبحث عن معالم الطفل فى الأصداء
اكتشفت أنه بقدر ما حضرت الطفولة بشكل مباشر وغير مباشر فى
النصف الأول من الأصداء([1])
توارت بشكل واضح منذ ظهور الشيخ عبد ربه([2])، إذن فقد
تاه الطفل فعلا، لا لأنه تكامل فى "الشيخ عبد ربه"
حتى أصبح لقبه (عبد ربه التائه)، - وهذا ماخطر لى سالفا فى
القراءة التشريحية بل لأن الشيخ عبد ربه قرر أن يتنازل عن
خدمات هذا الطفل الجميل، وراح يلقى علينا الحكمة مباشرة......"
هل
نحن نعرف ما هى الطفولة؟
نحن حين نعيش طفولتنا بحقها لا نعيها بما هى، ولا ينبغى أن
نفعل، حتى لا ننتزع منها سلاستها وتلقائيتها، وحين نتجاوزها،
نتصور أننا نتذكرها ونحن نحكيها من بعيد، لكن الحقيقة أنها
تختفى خلف رموز الكلمات ومضامينها العجوز، فضلا عما يصيبها من
تشويهات وتباديل من فعل فذلكة الذاكرة وتزييفها بوصاية تصوراتنا
عنها (عن الطفولة).
فما
العمل؟ وكيف السبيل أن نعرف ماهية ما هو طفل، وما هى
طفولة، الأمر الذى لا غنى عنه فى مجال العلم والتربية، فضلا
عن مجال الفن والإبداع، ثم إنه متعلق حتما برؤيتنا وتخطيطنا
للمستقبل.
فى
دراسة سابقة عن منهج دراسة ما هو طفولة، أشرت إلى الصعوبات
التى تكتنف هذه المسألة، وقارنت بينها وبين الصعوبات التى تكتنف
دراسة الجنون([3])،
وانتهيت إلى أنه يكاد يستحيل التعرف على ما هو طفولة إلا من
خلال المنهج الفينومينولوجى (وهو غير المنهج الاستبطانى طبعا)،
وأن ذلك شديد الندرة بالغ الصعوبة
ثم
فى دراسة نقدية لاحقة لعمـلين من أعمال ديستويفسكى غير المشهورة
(نيتوتشكا نزفانوفنا، والفارس الصغير) حاولت أن أبين كيف أن
الفن أقدر على تناول ما هو طفولة بطريقة صادقة وعميقة
وتفصيلية أكثر من ادعاءات أغلب مناهج العلم، ولا يحتاج الأمر
إلى التذكرة بأن الكتابة عن الطفولة غير الكتابة للأطفال([4]).
ثم إن الكتابة عن طفولة طفل فى قصة (مثل نيتوتشكا نزفانوفنا
لديستويفسكى) ([5])
هى غير الكتابة عن طفولة الكاتب نفسه فيما يسمى السيرة
الذاتية.
وبالنسبة
لنجيب محفوظ فإنه كان من أكثر المبدعين أمانة حين أعلن أنه
حاول أن يكتب قصصا للأطفال، وأنه وجد صعوبة بالغة أوقفته
بعد محاولة واحدة أو بضع محاولات، إلا أن حضور الأطفال فى
كل إبداعاته كان شديد الحساسية شديد الدلالة، ولعل من أروع
تجليات ذلك ما جاء فى وصف طفولة كمال أحمد عبد الجواد فى
"بين القصرين"، ولعل المتتبع لنمو كمال أحمد عبد
الجواد وتطور أحواله يتعجب - لأول وهلة- مما صار إليه هذا
الطفل الظريف الجميل الولع بالغناء المتجرئ حتى على والده بما
تيسر، كيف آل هذاالطفل إلى ذلك الشاب الانطوائى الكثير الفكر
البالغ الحياء، لكن هذا التطور هو من عظمة الفن حقيقة
وفعلا، وقد كنت دائما أخشى أن يـستدرج المبدعون ليستشيروا أهل
علم النفس فيما يفعلون، أو أن يغالوا فى تصديق ما يـكتب فى
التربية وعلم النفس والتحليل النفسى، لأن محفوظ لو كان قد
فعل ذلك مثلا فى حالة كمال أحمد عبد الجواد لكان لزاما
عليه أن يرسمه طفلا منطويا "نموذجيا" مطيعا إلى آخر
ما تقوله كتب علم النفس فى وصف "الطفل النموذجي"Model Child الذى يمكن أن يخرج منه هذا الشاب الحيى المستغرق
فى الذاتوية والتفكير الباطنى (كمال).
نجيب
محفوظ لم يخلق طفلا ظهر فى رواية من رواياته إلا وأولاه
حقه وصفا وإحاطة بما ينبغى، كما ينبغى.
فإذا
حددنا الحديث عن أعماله التى فيها رائحة السيرة الذاتية (وكلها
تكاد تكون كذلك) فإننا نركز خاصة على حكايات حارتنا، (أكثر
من المرايا)، "والباقى من الزمن ساعة"، "وحديث
الصباح والمساء" مع أنها كلها زاخزة بما أريد إيضاحه هنا،
وهو أن محفوظ لا يعرف هذه المرحلة بحقها فحسب، بل هو يحافظ عليها حية معاشة
بشكل أو بآخر طول الوقت.
وصلتنى
هذه الطفولة من الأصداء ناضجة دائمة الإبداع، حاضرة التجلى:
منذ أول حلقة نشرت فى الأهرام حيث كتبت عن ذلك سنة 1994 ما
يلى بالنص:
".. لكن هذا العمل..... تجد فيه ذكرى عابرة
تبدو عادية، لكن حين يحكيها شيخ - بفرحة طفل - تبدو رائعة
وخاصة ومتميزة"
إلا
أننى فى هذه الدراسة الجامعة أنتقل من الانطباع إلى التحديد،
فأضع لهذا الجزء من هذا الفصل (!!) فروضا أساسية - لها
تفريعاتها - كما يلى:
أولا:
إن الطفولة ليست مرحلة تاريخية
نعيشها ثم ننتقل منها إلى ما بعدها، وإنما هى مرحلة بدئية
تتطور فينا وبنا حيث:
(ا) تتداخل فيما بعدها متكاملة فى النضج السوى،
(ب) أو
تختفى مُنكرة أو منسية([6])
ثانيا:
إن مرحلة الطفولة قد تظهر مستقلة عند الشخص العادى جدا (فرط
العادية) ([7])
فى الحلم أساسا، أو قد تفبرك إذا تعسفنا تذكرها بالتزييف دون
أن ندرى، سواء ظهر ذلك فيما يسمى السيرة الذاتية، أو حكيت
فيما يسمى التحليل النفسى، أو رويت بزهو عنترى زائف أو لطيف إذا ما
حكيت للأولاد أوالأحفاد مثلا (!!)
ثالثا:
إن هذه المرحلة (الطفولة) تظل نشطة نابضة عند المبدعين خاصة،
لكنها لا تنشط مستقلة، وإنما تتكامل فى النشاط الناضج الراصد
القادر، فيتخلق الناتج الإبداعى الأصيل، فالطفولة - متكاملة- تصبح
مسئولة عن إثراء المحاولات الإبداعية بنبض الطزاجة واستمرار
الدهشة، وأحيانا ما تساهم فى رسم بعض تجليات الطفولة مباشرة إذا
ما كان فى العمل الروائى أو المسرحى أطفال من نسج خيال
المبدع.
رابعا:
فيما يتعلق بما يسمى السيرة الذاتية التى يغامر بعض المبدعين
بالإقدام على تسجيلها، لا يكون حضور مرحلة الطفولة فى شكل
ذكريات هو الحضور الموضوعى الذى يمكن أن يعلن لنا كيف نشأ
المبدع -مثلا- وكيف أثرت طفولته فى مسار إبداعه، ومهما كان
المصدر بادى المصداقية ظاهر الأمانة، فإن هذا الحكى تتداخل فيه
ألعاب الذاكرة لا محالة، وبالتالى يتدخـل أثر الوعى الآنى
المباشر بما يحكى عن نفسه، ولو بدرجة غير مشوهة.
خامسا:
إن أصداء السيرة الذاتية لنجيب محفوظ قد قدمت لنا صورة
فائفة التوليف بين عدة مستويات، ففى الوقت التى هى ليست ذكريات
خاصة، وفى الوقت التى هى ليست حكيا عن طفل فى قصة أو رواية،
فإنها قد صاغت نبض الطفولة الحاضرة حالا (حال كتابة الأصداء)
فى تجليات مجسدة راحت تتردد كرجع الصدى، لتعلن عدة مستويات
معا (على الوجه التالى):
(1) حضور طفولة المبدع شخصيا، فى تجليات تعاش أكثر
منها ذكريات تحكى، بمعنى أن الطفل الذى "نراه" فى
الأصداء نراه "حاضرا" وليس "ماضيا".
(2) الحفاظ على كم الطزاجة والدهشة حتى (وخاصة!) فى
مواجهة الكوارث والموت.
(3) انسياب الخيال الخصب الموجز الذى يجمع بين شدة
البراءة وعمق الرؤية.
(4) تناول ما هو طفل، وطفولة، وطفلى، بشكل يكشف
عن معلومات أساسية (الكشف المعرفى بالإبداع الروائى) بما يمكن أن
يضيف إلى المعارف النفسية ما تحتاج إليه حتما.
وتفصيل
ذلك:
(1) حضور الطفل منذ البداية
ظل
الطفل "نجيب محفوظ" (وليس طـفل نجيب محفوظ) رائعا حاضرا
متكاملا طول الأصداء، حتى بعد أن استولى عليه الشيخ عبد ربه
التائه، ويبدو أننى تحسست ذلك فى الدراسة التشريحية حين عنونت
الفصل الأول هكذا "الطفل يرحب بالشيخوخة ويغازل
الموت"، ثم كان الفصل الثالث (الممتد فى الفصل الرابع)
بعنوان "إبن حظ":طفل تائه (ياأولاد الحلال) فى ثوب
كهل يعبد ربه.
كتبت
فى الفصل الأول: شارحا أول فقرة: "دعاء" ([8])
(1) ما يلى :
تبدأ الأصداء بطفل قبل السابعة، يحمل بذور
الثورة الفطرية الجميلة، التى أسماها "حنين للفوضي"،
تواكبها كآبة نتيجة للإحاطة المحكمة ما بين خادمة تحرسه، وقهر
يسوقه...إلخ
وأكرر
هنا الآن أن الحضور الحى للطفل بهذه الصورة الصريحة لا
يعني-مباشرة- أن هذا هو محفوظ طفلا، فعلينا أن نستقبل هذا
الطفل الذى سنتحدث عنه باعتباره تجليات الطفل الآنى عند محفوظ
حالة كونه يكتب الأصداء، فالفرض الذى نحاول إثباته هو أن طفل
محفوظ تكامــل فى كاتب الأصداء، حتى يمكن أن نرجح أننا نقدم طفلا
آنيا حاضرا، وليس ذكريات مضت يستعيدها مبدع يتذكر.
(2) حضور الطفل حتى النهاية
تنتهى
الأصداء، أو تكاد تنتهى (فقرة الطائر الأخضر 208) بخيال طفلى رائق فى مواجهة
"المغيب"، وذلك حين يوجز الشيخ عبد ربه التائه حياته،
وكيف أنه قضاها فى حب ونجاح وغناء فى الليالى البدرية، إذا
به يعلن حلاوة النهاية، وبدلا من أن يطلق علينا قذيفة
وعظ حكيمة، يستدعى طفله (وقليلا مايفعل ذلك الشيخ عبد ربه،
عكس محفوظ - أنظر بعد)، يستدعى طفله ليستعيد إبداع الطفولة
الفخور بالجهل المعرفى
"وعند المغيب هبط الطائر الأخضر فغرد وأشجانى
دون أن أفقه له معنى."
إن
من أكبر ما يميز الطفولة هو ما يمكن أن يسمى الجهل
المعرفى، ولعله هو هو الغيب الذى على المسلم أن يحافظ على
"الإيمان به" حرصا على طزاجة فطرته، وقد أشرت فى
الدراسة التشريحية إلى قراءتى مغزى الطائر الأخضر فى هذه الفقرة،
متصورا أنه يقابل بشكل :" ماكان أهلنا يقولونه لنا صغارا
فى قريتنا: من أن "الذبابة الخضراء" التى تحوم أحيانا
حولنا، هى "روح عزيز"، فأحببناها، وصالحنا الموت من
خلالها". ([9])
لا
أريد أن أسبق الأحداث لأعلن اختلاف حضور الطفل فى الأصداء قبل وبعد ظهور الشيخ عبد ربه
التائه، فسوف يأتى هذا فى حينه، فقط أريد أن أنبه هنا إلى
أنه بالرغم مما سنرى ماذا فعل الشيخ عبد ربه بطفل محفوظ،
فإن حضور الطفل لم ينقطع أبدا ولو بشكل غير مباشر.
3- الطفل يعيش الجدل، ويتحمل التناقض، ويصالحنا على
الموت
نفاجأ
فى الفقرة (2) التالية مباشرة "رثاء" بإظهار قدرة الطفل على
استيعاب ما لا يستطيعه الناضج، فهو فى حضوره فى مواجهة الفقد
(موت الجدة) يتعرف، ويستكشف، ويجزع، ويشارك، ثم يتجاوز، حتى
نشعر أننا لو تعلمنا منه كل ذلك فى مواجهة الموت، لهان
الموت. الطفل فى هذه الفقرة استطاع أن يتحمل غموض التناقض،
ليثبت لنا أن الطفولة أقدر على التعرف على الموت وتجاوزه، وأن
الموت الذى يتحدث عنه الكهول وينتظرونه ليس مطروحا على من
استطاع أن يحتفظ بطفولته نابضة متجددة، بل إن هذا الموت الذى
استوعبه هذا الطفل ليتجاوزه إنما يعلن -ضمنا- أن الطفولة
الدائمة المتجددة هى بعث متكرر، وأن الموت هو التمهيد الضرورى
للبعث، إذ لا يوجد بعث بلا موت، وهنا يظهر المقابل، حيث
تقفز الولادة (التغير) من خلال الموت!!!
فعلى
الرغم من هول الصدمة الأولى التى عاناها طفلنا هذا وهو يتعرف
على الموت فى أول زيارة له باعتباره "عملاقا له أنفاس
تتردد فى كل الحجرات، إذ راح شبحه يطارد طفلنا دون هوادة،
على الرغم من ذلك فقد راح الطفل يجرى أمامه: لا ليختبئ،
ولكن ليلتقى بالحياة، "الجميلة - ذات الضفيرة"-..إلخ
هذه
البداية الواضحة التى تتوثق فيها الحركة بين الحياة والموت،
إنما تعلن بشكل مباشر أن الذى ينقذنا من الموت
(الموت/الفناء) هو الاندفاع المتجدد نحو إعادة الولادة (تجديد
الطفولة فينا)، ومحفوظ يعبر عن ذلك من خلال وصفه لاندفاعة
الطفل الهارب من الاستسلام لأسى الفقد (الموت/الاختفاء) إلى
الجميلة ذات الضفائر فى وصفه لحركته بأنها حركة "مباغتة،
متسمة بالعنف، متعطشه للجنون".
أى
طفولة حية هذه التى يسترجعها صاحب الأصداء بهذا الوضوح حتى
يعلمنا جمال انفجارات وعى الأطفال الداخلية، تلك الانفجارات التى
تـغلف بالجنس دون أن يكون بالضرورة جنسا وإنما حياة (لاتستبعد
الجنس)، فها نحن نفاجأ بطفلنا وهو يجذب الجميلة إليه قادرا،
ولا يرتمى فى حضنها هربا، يجذبها بكل ما يموج به صدره من
"حزن وخوف"!!
طفل
الأصداء، هكذا منذ البداية، ليس ذلك الطفل الذى مسخناه
بأوهامنا عن تقديس البراءة، وحلاوة النكوص، لكنه الطفل الفطرة،
الطفل العملاق الطيب الذى راح يدور حولنا ويأخذ بيدنا بينما
الأصداء تتردد، ليمارس أمامنا ما لا يستطيع الشخص العادى
(وبالذات المفرط فى العادية) أن يمارسه، وكأن محفوظ راح ينبهنا
إلى أن الطفل فينا إذا ما حافظنا عليه، هو الذى يمكن أن
يؤلف بين المتناقضات فى سهولة ويسر، فنتذكر-رافضين-أولئك الذين
يتحدثون عن "الجدل" حتى يحرموا من ممارسته وهم ينسون
أو يجهلون أن جدل الحياة فى التوليف بين المتناقضات هو قبل
الكلام وقبل التنظير، وبعدهما على قمة حركية النضج، فالجدل هو
قانون الطبيعة وليس من علوم الكلام أو الكتابة، وهو -بالتالي-
أقرب إلى الطفولة المتكاملة هذه.
(4) تفجرات الولادة الجديدة منذ الطفولة
ما
زلنا فى الفقرات الباكرة، فنرى فى الفقرة (3) "دين قديم"
- كيف خرج الطفل من أزمة المرض بعد أن فرح بالرعاية المفرطة
حتى كاد يستمرئـها، كيف خرج إنسانا آخر أكثر التزاما
"خــلق بين جوانحى شخص جديد"، علما بأن التفكير المنطقى
العادى السائد يحذرنا من مثل هذه المواقف التى قد تـعلم الطفل
فرط الاعتمادية، تعلمنا: كيف خرج طفلنا هذا من إغراء
الاعتمادية والتمادى فى العجز، خرج ملتزما مدينا بما ينبغى،
"هكذا"، فراح يتفوق غير مكره على "ذلك"!
تحفظت- فى القراءة التشريحية- على احتمال "إعادة
الولادة " فى هذه السن الباكرة، إلا أن هذا الاحتمال قد
نبهنى إلى أن إبداع محفوظ يقترح -صادقا- أن النمو يتفجر حلقات
بعضها من بعض فى أى سن، ومع أية فرصة، وأنه لا توجد فترة
كمون طويلة كما صور لنا فرويد فى هذه المرحلة من العمر (من
خمس سنوات حتى البلوغ)، وأن الطفل إذ يشبع مما يشبه السلبية
(إغراء الاعتمادية والتمادى فى العجز)، قد ينطلق إلى التزام ناضج
غير متوقع يعلن طفرة محدودة على مسار النمو، كما رأينا فى
هذه الفقرة !!
(5) الطفل الفيلسوف الحائر:
نعرف
علاقة نجيب محفوظ بالفلسفة، ونتذكر حيرة اختياره الباكر بين
المسار الأكاديمى فى الجامعة فيلسوفا أو أستاذا للفلسفة وبين
الأدب (والوظيفة التقليدية)، وهو يزعم أنه ترك الفلسفة إلى
الأدب بصعوبة، ولكن بحسم لا رجعة فيه، وكثير من أعماله ترفض
هذا الزعم، ثم تأتى الأصداء لتدعم هذا الرفض، ثم يحضر طفل
الأصداء ليؤكد مباشرة أن نجيب محفوظ لم يترك الفلسفة أبدا،
فإن كان قد تركها، فقد تركها إلى أصلها، أعنى "حب
الحكمة، بتطوير تساؤلات الطفل.
ذلك
أننا نعرف أن أسئلة الأطفال هى هى أسئلة الفلاسفة، لكن الطفل
يسأل ويتساءل ولا يلتزم بمنهج رصين فى محاولة الإجابة، أما
الفيلسوف فهو يسأل ويتساءل ويجتهد ويلتزم ويثابر ويولد الأسئلة
من الأسئلة والفروض من الحيرة..إلخ
الطفل
فى الأصداء لم "يدع فرصة" إلا ورمى فى وجهنا أسئلته
التى تجاوزت مرحلة الفجاجة والاستفهام السلبى، إلى مرحلة التساؤل
الذى يحمل إجابته، كما يحمل مخاطرة التصادم من فرط الإدهاش.
ا- ففى فقرة "مفترق الطرق" (5) تصورت
أن مفترق الطرق هو الذى جعل أحد الشقيقين (إبنا
العمة)"بيها" (من بيه!!، بك) والآخر فلاحا "لم
يتبوه"، وعلى الرغم من أن الذى كان يحضر بانتظام لزيارة
أمه (عمة الطفل الراوى) هو الفلاح وليس البيه، فقد كانت تساؤلات
الطفل عن "الذى يحضر" لا عن "الذى يغيب"، وكأنه
يعترض أن صاحب الواجب هذا نكرة، وأن الغائب المتمنظر هو
الأصل الذى يـنـسب إليه هذا الحاضر، وأهم ما شدنى فى هذه
الفقرة هو عنوانها"مفترق الطرق"، حتى تصورت أن ما شد
الطفل هو سؤال يقول: "متى افترقت الطرق بالشقيقين؟ حتى
أصبح هذا بيها يُحترم تلقائيا حتى فى غيابه، وأصبح شقيقه
فلاحا تطلب العمة له الاحترام بالأمر من ابن شقيقها- حالة إعلان
وجوده بالحضور العيني!!
فالذى
يتحدث بهذا العمق تحت هذا العنوان الغامض نسبيا عن مفترق
الطرق هو طفلنا الحكيم (الفيلسوف) جدا.
ب-
وفى فقرة "الأيام الحلوة"(6): يصلنا تساؤل الطفل
عن معنى وقيمة "العمر الافتراضي" للقوة الغاشمة، وكيف
أنها تلغى "الآخر" بعيدا أو منفيا أو مجهلا حتى نهاية
العمر. إلا أن طفل الأصداء لا يجعلها تمر هكذا، فهو بادى
التسامح إزاءها عكس ما اعتدنا من إعلاء شأن المبالغة فى مصارعة
القهر وكلام من هذا. هنا طفلنا بالغ التسامح يحكى عن هذه
"القوة الغاشمة" وكيف بلغت نهايتها وهو يتابعها حتى
يرينا محدودية عمرها الافتراضى، وكيف استمر عـمـى صاحبها حتى بعد
أن زالت القوة، ولم تبق غير ذكرياتها التى مازال يعتبرها هذا
الغشيم "أياما حلوة"!!!
جـ إلا أن هذه الحكمة المباشرة
-نسبيا- تتضاءل بجوار الحكمة التى تصلنا خفية رائعة من فقرة
مثل فقرة "المليم" (33)، فالطفل هنا يعلمنا من
خلال نسيانه ما كلفته به أمه أن يشتريه بمليم، وفى نفس
الوقت يقينه أن ما كان مفروضا أن يشتريه لا تزيد قيمته على
مليم، يعلمنا أن علينا أن نمارس الحياة ما دمنا فيها، وأنه
ليس ضروريا أن نحدد "محتوي" ما تتيحه لنا الحياة
بقدر ما هو مهم أن نتيقن أننا لن نحصل منها إلا بما
تسمح به هذه الأدوات التى أعطتنا إياها، لا أكثر ولا أقل.
(6) الطفل الشيخ:
حين
التقى "بها" وهى تلاعب حفيدها وهو يبنى قصره الرملى
(فقرة "فرصة العمر" -24)، بدا لى أن الشيخ قد
توحـد بحفيدها، ثم إنه حين تحسر على الفرص التى ضاعت منه،
بعد أن حكت له ما حكت، بدا لى وكأنه يبنى قصورا طفلية
جديدة من رمال أقل تماسكا، فعاد هذا الشيخ الجميل الشبقى
طفلا من حقه أن يزور قصوره الرملية القديمة، يعاود فتح
حجراتها أو حتى يأمل فى تجديدها، بل ومن حقه أن يبنى لنفسه
قصورا جديدة من الرمال أيضا، مادام قد نجح هكذا فى الحفاظ
على طفله نشطا فى هذه السن، وهل لبناء قصور الرمل أوان؟
(7) تجاوز الأوديبية:
لا
يخفى -بصفة عامة- كيف أن نجيب محفوظ يحمل لسيجموند فرويد
قدرا مناسبا من الاحترام والاعتراف بالريادة، إلا أنه لم
يستدرج -مثل إحسان عبد القدوس مثلا- فيسمح للفكر التحليلى
النفسى أن يأخذ دورا محددا أو مباشرا فى إبداعاته، بل إنه
تناول فرويد فى "حارة العشاق" بشكل مباشر أكثر مما تأثر
بفكره، ولعل أثر فرويد على إبداع نجيب محفوظ هو أنه سمح له
أن يطلق نبض الجسد، ولغة الجنس بسلاسة حاضرة، وحيوية فياضة،
لا أكثر.
أما
علاقة شخوص محفوظ بالأم - عامة- فهى علاقة عظيمة الدلالة يمكن
إرجاعها إلى علاقته شخصيا بأمه دون أن نقصرها على ذلك ،
والباحث من مدرسة التحليل النفسى عن أوديب فى أدب نجيب محفوظ لا
بد أن يتعسف حتى يجده، اللهم إلا فى السراب، وقد أوضحت فى
دراستى السابقة لهذه الرواية ([10]) كيف أن
العلاقة فى السراب كانت بادئة من الأم إلى الإبن وليس العكس
كما يزعم فرويد (وهذا هو أحد التفسيرات التى عرضناها للموقف
الأوديبي)([11])
وعلى الرغم من كل ذلك فيصعب أن نتكلم عن الطفل فى الأصداء
دون أن نعرج إلى استقصاء الموقف الأوديبى:
فى
فقرة المهمة (90) لم يفصح صاحب الأصداء ولم ينف الموقف
الأوديبى، ولم تكن العلاقة مع الأم - هذا إن كانت علاقة
أصلا- بل مع بديلة لها "الجارة"، وكان الأهم فى
الفقرة هو ما ذهب الطفل لإحضاره، من الجارة (بديلة الأم)،
وليس ما كان من تفريج الجارة له أرجاء بيتها حتى "مضى
الوقت مثل نهر جار"، ولم تختف أمه الحقيقية (الأصل) عن
هذه الصورة للأم بل "كانت..ترد على خاطرى أحيانا فأتخيلها
وهى تنتظر" أمـه الحقيقية، تنتظر ما ذهب لإحضاره، أم تنتظر
ما لم يصرح به محفوظ؟ بل إنه من المحتمل أن انتظار الأم
هكذا كان رفضا للموقف الأوديبى المحتمل وليس ترجيحا له.
وهكذا
يبدو كم تكون قراءة هذه الفقرة -أوديبيا!! - تعسفا لا مبرر
له.
لكن
فى فقرة النهر (فقرة 97) تصرح العجوز التى التقى بها بعد فترة
وهى تذكره بنفسها " كنت أول تجربة لى وأنت تلميذ
"و" لم يكن ينقصنا إلا خطوة!"، فإننا لا نستطيع -
رغم حذق محفوظ فى التخفى- إلا أن يخطر ببالنا هذا الميل إلى
الأم البديلة، لكن ليست كل علاقة بين صغير وكبيرة (سنا) هى
أوديبية أصلا، فليس هنا ثمة تنافس مع أب، وليس ثمة محرمات
وليس ثمة عمى عن طبيعة العلاقة.
وقبل
ذلك، فى فقرة "المتسول"(36) أطلت إطلالة جنسية بين فتى
فى العشرين وجارته - الرحبة السخية الأنوثة - فى الخمسين، ومع ذلك،
لا يمكن اختزال هذه العلاقة إلى المستوى الأوديبى فحسب.
من
كل ذلك نستطيع القول إن محفوظ الطفل فى الأصداء (وغالبا فى
غير الأصداء) لم يركز بشكل مباشر أو غير مباشر على العلاقة
الأوديبية ودورها فى نمو أو تشويه الطفل، وإن كان قد تناول
العلاقات الأمومية الطفلية بكل عمق، كما تناول العلاقات الجسدية
والعاطفية والجنسية بكل إحاطة.
إن
التنبيه إلى الفصل المقصود بين أسطورة أوديب وبين نمو الطفل ليس
إنكارا مباشرا لعقدة أوديب، لكنه تأكيد على أبعاد أعمق وأرحب
لمسار الطفل النامى، وهو إشارة إلى أن توجه بعض الرغبات
الحيوية أو العاطفية أو الجنسية إلى الأقربين من الجنسين، أو
إلى من هو أكبر سنا، لا يحتاج إلى كل هذه الأساطير شبه
العلمية، بل إنى شعرت أن المغالاة وربما سوء الفهم أو سوء
التأويل التى قرأ بهما فرويد أسطورة سوفكليس يمكن أن يكون
حائلا دون فهم نمو الطفل بالمعنى الذى أردنا أن نقدمه فى هذه
الدراسة، وبيان ذلك:
إنه
ليس من المفروض ولا هو مطلوب أن ينتصر الطفل على والده بعد
منافسة جنسية تمر بالتقمص حتى يستقل، أما أن ينتصر الوالد على
الطفل، وهذا وارد فى أى صراع، فهو لابد أن فينفيه أو ينبذه، حلا
للموقف الأوديبى، إن المسار الأرجح الذى نتبناه، وهو ما أكده حضور
الطفل فى الأصداء، هو أن الطفل يتطور فى طفرات، وأنه إذا تقمص
الوالد فإن ذلك مرحلة مؤقتة سرعان ما يخلع بعدها هذا القميص
من خلال اضطراد نموه، ليصبح كيانه الطفلى (الذى كان طفليا)
إثراء للكيان الكلى وجزءا منه، وكل هذا لا يحتاج إلى تأويل
أوديبى أو خصائى أو جنسى أصلا.
(8) إيجابية الهجران، وازدواجية النداء:
تنتهى
فقرة "القبر الذهبي"(48) بأنه: "هنيئا لمن
كانت نشأته فى بوتقة الهجران". ومع أنه كان مناما، ومع
أن النقش كان على قبر، ومع أن القبر كان ذهبيا، إلا أن العبارة
لم تفقد معناها الدال، فمنظر القبر تحت أغصان شجرة سامقة
مغطاة بالبلابل الشادية، لا يعلن الموت مهما أوحت الألفاظ،
ومن منطلق ما تدعونا إليه الأصداء لإعادة النظر فى إشاعات
التربية، فإن هذه الفقرة تشير إلى دور "الهجران
الإيجابي" (إن صح التعبير) فى مقابل وفرة الرعاية وإحاطتها
من جهة، والحرمان النبــذى أو اللامبالى من جهة أخرى، وقد ذكرت
فى الدراسة التشريحية كيف يزعم رهط من علماء النفس، وإلى درجة
أقل علماء التربية، أو من يسيئون فهم هؤلاء وأولئك، كيف
يزعمون أن: ".....الهجران - خاصة فى الطفولة - كله شر،
وأن "الطفولة السعيدة" هى القادرة أن توصلنا إلى
"الصحة السعيدة" التى تحيطنا ونحن نرفل فى "مجتمع
الرفاهية"، وهى التى تتم بعيدا عن "بوتقة الهجران"،
وكل هذا يضربه محفوظ فى جملة واحدة.
الواقع
الذى نستلهمه من هذا الإعلان "هنيئا لمن كانت نشأته فى
بوتقة الحرمان: هو أن الطفل ينشأ سويا نابضا بقدر ما
تتناسب وتتبادل جرعات الهجران مع جرعات الرى والحنان، وأنه لا
مفر من الممارسة المتصلة لحركية "الهجران فالإحاطة"
وهى المقابل لما يسمى برنامج "الذهاب والعودة"In and out program والذى يشير إلى أن النمو لا
يسير فى خط طولى، وإنما يضطرد فى بسط متناوب حين يمضى الطفل
-والكائن الحى بصفة عامة - فى حركية لا تهدأ.
بوتقة
الهجران تشير هنا إلى ما يصل وعى الطفل بأى درجة بما يفيد:
التهديد بالانفصال، بالخروج من الرحم (الجسدى ثم النفسى)= بالخروج
من الجنة الأولى، وكل هذا هو من آلام الولادة (ولادة الذات)
وليس من واقع التهديد بالبتر (الخصي=عقدة الخصاء عند فرويد).
أما
الهجران السلبى المدمر لنشأة الطفل السليمة فهو أقرب إلى
"محرقة" الحرمان" منه إلى "بوتقة الهجران" التى
حياها محفوظ هنا، وللتمييز فإن محرقة الحرمان يمكن أن تتمثل
فى موقفين على طرفين متباعدين:
(ا) الأول: الإهمال برودا أو نبذا أو
إنكارا.
(ب) الثانى: الحيلولة دون الانفصال عن الأصل
(أى دون الولادة النفسية) تحت زعم فرط الرعاية حتى الاحتواء
الملتهم، ومن ثم الحرمان من السير على طريق التفرد سعيا
لمواصلة جدل الاستقلال المحاور.
الأصداء
هنا مثل كثير من أعمال محفوظ، تكشف ضرورة الحفاظ على أهمية
الحرمان الإيجابى بشكل أو بآخر.
هذا
الانفصال/ الاتصال النمائى ليس ضد الحنين إلى العودة، فهو
(الانفصال) لا يحول دون الاحتفاظ بحق النداء الواعد بالتلاشى فى
رحم كون أكبر، بل إنه يحفزه ويحافظ عليه طول الوقت، وهذا
ما تعد به أغلب الأديان والرؤى التكاملية أو التصوفية، يظهر
هذا فى الفقرتين التاليتين مباشرة بعنوان "الرسالة (49) ثم
النداء (50).
فى
فقرة الرسالة يجد كلمة واحدة فى الورقة الملقاة المطوية "تعال..ستجدنى
كما تحب"، وهو يتلقى الدعوة على الرغم من أنها ليست
موجهة إليه، فيستجيب بأن يــقبل على الدنيا "التى لا
ينضب فيها معين الحب" ليتجاوز تردده فيبدأ إجراءاته
ليكون له مدفن خاص فى هذه المدينة المترامية "، وهنا
تصبح الدعوة إلى اقتحام الدنيا الواعدة بالحب، وليست دعوة إلى
النكوص إلى الرحم الواعد بالحماية دون الحياة، كما تتأكد مسيرة
الإقدام بالاستعداد الراضى بالنهاية الطبيعية بديلا عن أوهام
الخلود والتأجيل.
هذه
الاستجابة للرسالة بالإقدام على الدنيا، فى نفس الوقت: والرضى
بالموت، هى النتاج الطبيعى للأثار الإيجابية التى يـكافأ بها من
"نشأ فى بوتقة الهجران"، حيث قلنا فيما سبق من دراسة
تشريحية : و".....ظهر لنا المدفن وكأنه حقيقة الحكاية
المتجددة، وليس مضجع الجثة النهاية"
أما
فى الفقرة التالية "النداء" (50) فإن الدعوة تتجاوز الوعد
بأنه "ستجدنى كما تحب" إلى "أترك كل شيء
واتبعني"، وهى ليست دعوة لترك الدنيا والطرب ولا هى دعوة
للعصيان، بل هى دعوة حوارية، وليست قهرا مفروضا وحتميا، حيث
تنتهى الفقرة بـ"كلانا لم يعرف اليأس بعد".
كل
ذلك يؤكد أن الطفل (فالإنسان) لا يكف عن الحوار مع البدايات
والنهايات أبدا، وأن "بوتقة الهجران" هى جزء لا يتجزأ
من حيوية الجدل الحيوى، وأن نداء الدنيا التى "لا ينضب
فيها معين الحب " لا ينفصل عن نداء الموت الذى لا ينتهى
معه جدل التحدى الواعد بتخليق الممكن فى أرض يقين النهاية.
فمزاعم
وجوب الحب الدائم، وضرورة الرعاية المتصلة للأطفال، وحتم
الاستجابة لهم طول الوقت، وتجنب حرمانهم، (قال ماذا؟) من
متطلباتهم (التى لا نعرفها) كل هذه المزاعم تتعرى أمام
هذاالإبداع المؤكـد على حـتمية الهجران، وعلى أهمية تلقى رسائل
الحياة مع استعياب نداء الموت فى آن واحد.
وبالنسبة
للتأكيد على "أين يقع هذا من الطفولة" ومعرفتنا بها،
فإن الإبداع الحقيقى ينبهنا إلى أن الطبيعة إنما تـلهم كل أم
(و: أب) بهذه المسيرة الطبيعية لطفولة الإنسان ومتطلبات نمائه
(التى لها ما يقابلها فى سائر الأحياء)، وأنه علينا أن نخفف
من غلوائنا فى إسقاط ما نحتاجه نحن من رعاية ورفاهية على
متطلبات الأطفال واحتياجاتهم.
وهكذا
يمكن أن يهدينا الإبداع الأصيل إلى تعديل خططنا التربوية بشكل أو
بآخر.
(8)
التأكيد على جدل النمو
من
المناسب أن نتذكر كيف يقفز الموت (بصورتيه: السلبية والإيجابية)
كلما اقتربنا من وعى الطفولة أو تعمقنا فى طزاجة الحركة،
وأيضا كلما استبعدنا الاستسلام لليأس، وأرى أن ذلك تأكيد لهذا
القانون الأساسى لجدل رحلة الحياة، يتضح ذلك بشكل يكاد يكون
مباشرا فى فقرة (104) حيث تبدأ الفقرة هكذا:
أحببت
أول ما أحببت وأنا طفل، ولهوت بزمنى حتى لاح الموت فى الأفق،
وفى مطلع الشباب عرفت الحب الخالد الذى يخلفه الحبيب الفاني
فتأمل
كيف يلهو الطفل بأمان فى رحاب التوجه إلى الموت الخاص:
"لاح الموت فى الأفق"، ثم انظر كيف يتفجر الخلود
بالحب من الأسى لفناء الحبيب، إلى أن تنتهى الفقرة بجدل متجدد
يقول:
وتبين
لى أن بينى وبين الموت عتابا، ولكننى مقضى على بالأمل.
فنلاحظ
دقة التعبير ودلالته، وكيف أنه "مقضى عليه بالأمل"،
وليس بالموت. ومتى يكون الواحد مقضى عليه بالأمل إلا أن يكون
حوارا لا ينقطع، وجدلا يتخلق أبدا؟
هنا
يؤكد محفوظ من جديد أن الحياة -بدءا من الطفولة- هى الصراع
المتصل نتيجة لــ"حتمية الأمل"
وهذا
بعض ما نعنيه بما قصدنا إليه من تعبير "دوامية
الطفولة"
(9) علاقة الطفولة بالـ "فطرة"
مثل
كلمات "الحقيقة، و"السعادة"، والحرية" وغيرها، تلك
الكلمات الكبيرة الرائعة الغامضة الضائعة الملتبسة، تطل علينا
كلمة "الفطرة"، وهى كلمة تتردد كثيرا مع ذكر الطفولة
والبراءة والبدائية (و البدئية)، كما تتردد مع ذكر
"الإيمان" و"التلقائية" و"الطبيعة "كذلك،
وكل هذا يضعنا فى حرج شديد ونحن نستعمل بعض هذه الكلمات
لنصف هذا الجانب من الطفولة
فـفى
حديثنا عن دوام نبض الطفولة نقترب أكثر من حيوية
"الفطرة"، وهى ما يمكن أن نصيغها فى ترديد الصوفى
البسيط: "ربى كما خلقتني"، وحين أحاول تعريف
الفطرة شخصيا أجتهد قائلا: إنها "قوانين الحياة الحاضرة
والمتخلقـة من جدل النمو وطفرات التطور".
فأين
يقع الطفل من كل هذا؟ وأين يقع دوام نبض الطفولة من كل
هذا؟ وماذا تضيف الأصداء إلى مفهومنا هذا؟
إن
ما نعنيه بدوام نبض الطفولة- كما أشرنا- هو ألا تختفى
الطفولة لحساب ما بعدها من مراحل النمو، وإنما تظل نابضة
داخل/ ومع / ومن / وبـ: كل مرحلة تالية، يتجلى هذا الفرض
خاصة فى فقرة "سيدتى الحقيقة" (116) فمحفوظ يبدأها من
سعيه المعرفى "فى منازل الحقيقة فى عصر الفطرة"، وهو
يتدرج من طفل يرنو إلى المرأة وهى تقرفص أمام طشت الغسيل،
ويداه تلعبان فى الماء، وعيناه تسترقان النظر، إلى طفله وهو
يلهو فوق السطح فى الليالى البدرية ويمد يده فى الفضاء ليقبض
على وجه القمر، إلى أن يخترق نظره (نظر الطفل) جدار القبر
ليتعرف على ما وراءه بما يفاجئنا أنه ليس ظلاما ولا ترابا
وإنما رفقة طيبة، ومنزل من منازل الحقيقة، يمتلئ بشغف حى
لاشك أنه دافئ موقظ معا.
كل
ذلك يحكيه الطفل المستمر مع محفوظ، ذلك الطفل الذى تجاوز
البراءة الساذجة، وتداخل فى كل مرحلة نمو لاحقة، إذ راح يترجح
متعبدا مستكشفا ما بين بؤرة جسد امرأة، وحضور وجه القمر،
لينتهى إلى جمال وجه الموت، وأنس نبض القبر.
فهل
يمكن أن يكون ذلك كذلك من طفل ساذج غفل بريء كما نصوره
غالبا، أم أنه نبض الطفل -فينا- حاضرا طول الوقت من الولادة
حتى الموت، بل وبعد الموت
"عندما نزور القبر فى المواسم أركز عينى على
جداره لأرى.
"نعم الرفيق الشغف والمنازل"
الفطرة
هى هذا الطفل المستمر النامى - مع كل ما يليه، وهو فيه- دون
تشويه، وطبقات المعرفة ومنازل الحقيقة هى الإبداع الأصيل الذى
يختلط فيه المجرد بالعيانى، والخيالى بالواقع.
(10) الشيخ عبد ربه "يخفى الطفل ويدعى
"تــوهه":
حين
ظهر الشيخ عبد ربه التائه أثناء نشر الأصداء فى الأهرام ظهر
بترتيب خاطئ بعد أن كان قد حضر وتحدث وأفتى وتذكر، وحتى بعد
أن ترتب الوضع وصحح، فى الطبعة المتكاملة، ثم بعد ذلك وأنا
أكتب الدراسة التشريحية فقرة فقرة، وحتى وقتنا هذا، على طول هذا
المدى كنت غير مرتاح لظهور هذا الشيخ عبد ربه، وقبل أن
أقترب كثيرا من نجيب محفوظ -شخصيا - عبرت له عن مشاعرى نحو
هذا الشيخ، حتى أننى قلت له مباشرة أننى لم أحبه، ولم أرحب
بحضوره، ولم يكن محفوظ قد صرح لى بعد، بأنه هو شخصيا الشيخ
عبد ربه، (وقد ذكر مثل ذلك فيما بعد فى بعض أحاديثه الصحفية)، وقد خجلت -
بأثر رجعى - من ذلك التصريح بعدم حبى للشيخ عبد ربه، فما
دام محفوظ قد رضى أن يتقمص هذا الشيخ أو يتقمصه الشيخ،
فربما أكون قد أوصلت إليه أننى لا أحبه، مع أننى – والله العظيم -
أحب نجيب محفوظ رغم أنف الشيخ عبد ربه، فكان لزاما على أن
أفصل بينهما دون إذن من خالقه المبدع.
بينت
فى دراستى التشريحية للأصداء لماذا تحفظت على ظهور هذا الشيخ
هكذا دون دعوة من القارئ (أنا) حتى خيل إلى أنه كان عليه
أن يسأذننى قبل ظهوره، وقد استبنت أسباب التحفظ وراء رفضى
هذا، وهو خوفى أن تنقلب أصداء السيرة الذاتية إلى سيرة ذاتية
فحسب، وبالتالى تختفى أصداؤها أو تخفت، وكذلك خوفى من الحكمة
المباشرة على لسان شيخ لا أستطيع أن آنس له إلا وهو مـليء
بطفولته، الأمر الذى افتقدته عند الشيخ عبد ربه دون
"محفوظ".
ثم
أضيف هنا أنه قد خيل إلى أنه منذ ظهور الشيخ التائه وهو
ينادى على "ولد تائه يا ولاد الحلال"(فقرة 120) انشق
الطفل مستقلا عن كلية الوجود، إذ حل محله ذلك الشيخ الطيب
الذى غلبت حكمته على طزاجته، وأيضا غلبت مباشرتـه على شاعريته.
وقد
رفضت - فى قراءتى التشريحية الأولى - زعم محفوظ أن طفله تاه
منه منذ سبعين سنة، وافترضت أنه إذا كان الولد تاه، فهو
قد تاه "في" الشيخ (أكرر "في")، ولم يته
"منه"، وحين زعم الشيخ عبد ربه أنه فقده ; منذ أكثر
من سبعين عاما" فغابت عنه أوصافه شرحت ذلك باعتبار أن
الطفل (الذات الطفلية) حين تذوب تكاملا فى الكل النامى، لا
يعود لها أوصاف مستقلة، إلى آخر ما ذكرت فى اجتهاد الدراسة
الأولى التى شرحت فيها ذات عبد ربه إلى مفرداتها الثلاث: إلى
شيخ يطلق الحكمة، وناضج يستمع ويصف ويسجل الحكمة،،وطفل ضال
يبحث عنه الشيخ دون جدوى بسبب ضياع معالمه، مفترضا أنه ضاع
حين استوعبته حكمة الشيخ، ولكن هأنذا أتراجع قليلا عن هذا
التفسير وإن لم أنكر مبادئه الأساسية، وإليك ما عن لى تعديلا
وإضافة:
فالطفل
الذى بقى نابضا ولم يغب أبدا رغم اختفاء أوصافه مباشرة هو
طفل نجيب محفوظ وليس طفل الشيخ عبد ربه الذى تاه منه،
ذلك أننى وأنا أبحث عن معالم الطفل فى الأصداء اكتشفت أنه
بقدر ما حضرت الطفولة بشكل مباشر فى النصف الأول من الأصداء
(الــ 119 فقرة الأولى من 224 فقرة) توارت (الطفولة) بشكل واضح
منذ ظهور الشيخ عبد ربه، إذن فقد تاه الطفل فعلا، والآن
أصحح قائلا: لا، إنه لم يتكامل (تماما) فى "الشيخ عبد
ربه" حتى أصبح لقبه (عبد ربه التائه)، بل لأن الشيخ عبد
ربه قرر أن يتنازل عن خدمات هذا الطفل الجميل، ومضى يلقى إلينا
بالحكمة مباشرة. اختفى طفل عبد ربه بطزاجته المندهشة، وإضافاته
الأصيلة، ليحل محله الشيخ عبد ربه الذى لا يخلو من طفولة،
ولكنها طفولة تطل من عباءته أحيانا، وتمتنع عنا كثيرا.
ذكرنا فى الدراسة التشريحية تفاصيل أنواع العلاقات
بين حالات الذات: الطفلية والوالدية والناضجة، وتصورت أن ثمة
تصالحا قد تم بالاندماج بين الوالد والطفل (=الذات الوالدية
والذات الطفلية)، وهو الذى خلق لنا الشيخ عبد ربه التائه
(كما يوحى اسمه) لكننى تحفظت على هذا الاحتمال حين أنهيت تأويل
تلك الفقرة قائلا:
وهذا
هو تفسيرى لماهية الشيخ عبد ربه، لكنه تفسير غير مطلق،
فاعتراضاتى على حكمة الشيخ المباشرة والسطحية فى أحيان كثيرة
-مثلا- تنفى هذه الدرجة المباشرة من التصالح.
ثم
إنى حين جئت إلى هذه الدراسة الجامعة، تأكد لى هذا الغياب
الغالـب لما هو طفل وطفلى بكل صور تجلياته مع ظهور الشيخ عبد
ربه، فأيقنت أن تفسيرى السابق ليس فقط تفسيرا غير مطلق،
وإنما الأرجح أنه تفسير غير صحيح، فقد حل الشيخ محل الطفل
(بغير وجه حق)، ولعل هذا هو ما جعلنى لا أحب الشيخ كثيرا،
فأتحفظ على ظهوره.
ثم
إنه يحق لى أن أضيف - الأن- أنه:
ولو
أن الشيخ عبد ربه أزاح الطفل ليبلغنا بحكمته ما كان الطفل
يوقظنا إليه بطزاجته ودهشته وحبه وانسيابه وشقاوته وحيرته، فإن
ذلك لا ينطبق على نجيب محفوظ شخصيا، كما نعاشره "هنا
والآن" وكما تجلى طفله فى بقية أصداء سيرته الذاتية التى تتخلق
معنا - أطال الله عمره، إنه -شخصيا- ما زال محتفظا بكل
حيوية طفولته الخلاقة، وهو لم يستطع أبدا أن يلبس ثوب
الحكيم المتوازن، إلا أحيانا أمام غرباء، مثلا:فى بعض
"وجهة نظر الأهرام"، وبعض مواقفه السياسية العاقـلة
جدا" (زيادة عن اللزوم)، وهو فى هذه الأحوال يبدو وهو
يمسك العصا من منتصف نصفها تماما، فى حين أنه إذا اختلى بنا
أمسك بها من أسفلها وراح يديرها فى الهواء وهو يلقى بآرائه
الحرة الحلوة هنا وهناك، فيبدعنا وكأنه يمزح، فنتخلق أطفالا
حول طفله أكثر حبا وقدرة فى نفس الوقت. ربما جاء من هنا
تحفظى على الشيخ عبد ربه، ليس لأنه بلغ مبلغ محفوظ
"الأهرام" دون محفوظ الإبداع، ولكن لأنه بدا لي- فى
أحيان كثيرة- وصيا على طفلنا الجميل بلا مبرر.