الفصل
الرابع
حتى رأى وجهه سبحانه، وسمع برهانه
159- المطارد:
قال
الشيخ عبد ربه التائه
هو
يطاردنى من المهد إلى اللحد، ذلك هو الحب.
----
قال
الشيخ عبد ربه التائه
ذاع
فى الحارة أن المرأة الجميلة ستهب نفسها للفائز. وانهمك الشباب
فى السباق بلا هوادة، ومضى الفائز إلى المرأة ثملا بالسعادة
مترنحا بالإرهاق. وعند قدميها تهاوى قرينا للوجد فريسة للتعب.
وظل يرنو إليها فى طمأنينة حتى لعب النعاس بأجفانه.
----
قال
الشيخ عبد ربه التائه.
حتى
أنا شهدتنى حجرة الاستقبال وأنا أنتظر راجيا التوفيق.
ويدخل
الأب وقورا ودودا ولكنه ينذر بالقيود والعواقب ودعانى صوت باطنى
إلى الهرب.
تم
تجيء هى متعثرة فى الحياء فأسقط فى الهاوية.
هذه
فقرة شديدة التكثيف
فالشيخ
عبد ربه "يقول" ثلاث مرات، والفقرة واحدة، فلا بد أن
محفوظ يتناول "تيمة واحدة"، فلنحاول قراءتها كما أراد :
تبدأ
الفقرة الصدى بإعلان أن الحياة كلها مرهونة بدافع لا يهدأ،
هو" الحب"، وهو دافع لا يكتفى بأن يحفز أو يطلق
الطاقة إلى موضوعه، لكنه يلح ويطغى حتى يطارِد طول الوقت، طول
العمر، هذا أول ما قال شيخنا عبد ربه.
ثم
إنه قال: إن هذه المطاردة ليست دفعا للحب، وإنما هى تلويح
بالفوز لمن يستحقه، فلا سبيل إلا للتنافس سعيا إليها، إلى
الحياة الدنيا، اللذة الرائعة الواعدة، لكن ما باليد حيلة،
تستغرقـنا الوسيلة، حتى إذا وصلنا لم يبق فينا ما ينفع، فلا
نحصل على ما بدا لنا مطلبا هو كل شيء،
فننام
دون مطلبنا الذى أصبح -فعلا- فى متناولنا.
لكن
الحكاية لا تنتهى،،،
فالشيخ
الذى يعرف كل ذلك، والذى رسم الخطة وقبـِـل النتيجة، لم ينج
هو نفسه من الأمل فيها، والتوق إليها إلا أنه لم يستغرق فى
لعبة التنافس حتى الإرهاق فالنوم، بل فضل الانتظار أملا فى
نيل الرضا والوصال بإشارة رضا، أو ضربة حظ.
ثم نجد
أنفسنا فى حضرة وفاق جميل بين "الوالد" العاقل المتسامح
الودود، والوقور فى نفس الوقت، وبين الطفل اللاهث المتعجل
اللذة، الفائز بغير جائزة، وفاق يوحى بالتصالح، وإن كان يخفى
احتمال أن الوالد لم يصبح ودودا إلا بعد أن اطمأن إلى خيبة
الطفل وسقوطه نائما (مغشيا عليه) بعد الفوز فى السباق دون أن
يتسلم الجائزة، ويبدو أن الطفل المنهك لم يخدعه الود الوقور،
بل إن ما وصل إليه-رغم ظاهر السماح-هو الإنذار بالـقيود
والعواقب، فيرجح الهرب.
ولكنه
حتى لو نجح فى الهرب من الوالد، الودود الوقور، المهدد
المتوعد فى آن، فإنه يهرب منه إليه، وأقوى الإغراء، وألح
الغواية هو ما تلفع بالتلويح دون التصريح، وما تعثر فى
الحياء دون السفور
فهى
الهاوية، وليفعل "الأب" (الداخلي، كلهم فى الداخل) ما
بدا له
أكرر:
إن كل هذه الشخوص - ما عدا الجميلة الواعدة- بدت لى شخوصا
داخلية، هى "ذوات" الداخل المتعددة التى بدأت تطل فى
الأصداء، بمجرد إعلان حضور الشيخ عبد ربه التائه.(أنظر أول
الفصل الثالث)
160- الحياء:
قال
الشيخ عبد ربه التائه
ما
تجلى لعينى إلا نور الوجنات وعذوبة الحياء
أكرر
السؤال فتغوص فى الصمت أكثر.
تجود
بكل ثمين ولكنها من الكلام تجفل.
يعلمنا
محفوظ هنا كيف نحسن الإنصات للغة الجسد، وكيف نسمع أجمل
الألحان من همس الصمت، ونحن لم نكد نترك الجميلة متعثرة فى
الحياء (فى الفقرة السابقة)، ذلك الحياء الذى ألهمنا أن نقول:
إن "أقوى الإغراء، وألح الغواية هو ما تلفع بالتلويح دون
التصريح، وما تعثر فى الحياء دون السفور"، فيقرنا محفوظ فى
هذه الفقرة التالية مباشرة، مؤكدا أن الجسد حين يعطى بهذا
السخاء الوافر يستغنى عن الإعلان على "يد محضر" يسمى
اللسان والكلام، بل إن الكلام قد يكون حاجزا فى مثل هذه
المواقف، وهى إذ تجفل من الكلام هنا، تجفل خشية أن يحول
دون الجود بكل ثمين غال.
161- الضيف:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
كان
بيتنا عامرا بالأحباب، وذات يوم نزل بنا ضيف لم أره من
قبل
وحرصا
على راحته أرسلنى أبى لألعب بعيدا
ولما
رجعت وجدت البيت خاليا فلا أثر للضيف ولا للأحباب.
مرة
أخرى يظهر الموت، ولكن ليس بوجهه الجميل وإنما فى صورة ضيف
مهم (لابد من الحرص على راحته، وإبعاد الأطفال عنه) ثم إذا
به يأخذ الأحباب ويمضي. المهم هنا هو أن الضيف لم يأخذ
فردا عزيزا واحدا مثل الجدة فى أول الأصداء (فقرة 2)، وإنما
لمّ الأحباب كلهم، ولم يتضح إن كان الوالد قد ذهب مع
الأحباب أم لا، والأرجح أنه فعل.
وهذا
الموت الذى "يقش الجميع" ليس هو الموت الحقيقى الذى اختطف
الجدة من حفيدها فى أول الأصداء، ولكنه الوعى بالموت، فحين
تكون الحياة عامرة بالأحباب، يتمنى الطفل الفرح دوام الألفة
وخلود الوصال، فيقفز التنبيه: "عندك، فالكل زائل، والضيف
قادر على أن يخلى البيت من أهله جميعا، ولولا أن الطفل طفل،
لما سمح له "بالتزويغ" حتى ينهى الضيف مهمته.
162- حزن الحياة:
سئل
الشيخ عبد ربه التائه هل تحزن الحياة على أحد.
فأجاب:
نعم،. اذا كان من عشاقها المخلصين..
العلاقة
بالحياة علاقة جدلية مركبة، فمثلما تعطيها تكون، ومثلما تحزن
عليها تحزن عليك، والدنيا تبكى على من يفارقها، لو أنه أخلص
فى عشقها (أو لا تبكى: ماتوا فما بكت الدنيا لفرقتهم)
إلا
أنه ينبغى أن ننتبه إلى أن عشق الدنيا الذى تعلمناه من هذه
الأصداء خاصة، ومن محفوظ عامة، ليس هو عشق اللذة المنفصلة،
أو الشهوات المؤقته، لكنه عبادة الولادة والتجدد، وفرحة الكشف
ودفء الصحبة، طائرا مع شهد اللذة، فى رحاب قداسة الجسد، كل
ذلك دون أن ننفصل عن كشف المعرفة ومغامرات الرؤى وكيف لا
تحزن الحياة على مثل هذا الوجود الذى يجعل لها معني، أى معنى
؟!!
163- القبر الذهبى:
قال
الشيخ عبد ربه التائه
رأيت
فى المنام قبرا ذهبيا قائما تحت شجرة سامقة غاصة بالبلابل
الشادية، وعلى صدره نقشت بأحرف جميلة واضحة كلمات تقول:
هنيئا لمن عاش ومات فى بوتقة الهجران.
صدر
هذه الفقرة مكرر تماما (فقرة 48) وبنفس العنوان "القبر
الذهبى" [1]إلا
أنه فى تلك الفقرة كان النص يقول " هنيئا لمن كانت
نشأته فى بوتقة الهجران"، وقد شرحنا إذ ذاك كيف أن الهجران
متغير ضرورى فى التنشئة، وأنه بعكس الشائع عن تأثيره غير
المحدود على الصحة النفسية هو حفز رائع لحيوية من استطاع أن
يتحمل وعيه بآلام نار الهجران وهو يتقلب فى بوتقته دون أن
يطفئها بالتخدير أو الإلهاء أو الاغتراب، لكن المسألة هنا
تخطت النشأة، إلى ممارسة الهجران طول العمر حتى الموت
"هنيئا لمن عاش ومات فى بوتقة الهجران"، هنا يصح لنا
أن نراجع ولا نتراجع فنقول: إن أهمية الوعى بالمسافة بين
الذات والآخر (وهذا هو المعنى الإيجابى للهجران، والحفاظ عليها
هو أن نتجنب المحو والتلاشى فى المحبوب (مثل قولهم: أموت فيه
ويموت فىّ)، وعادة ما يصاحب الحرص على الإبقاء على هذه
المسافة درجة من اليقظة الحادة، تحفز إلى سعى متصل.
لعل
هذا ما أراده محفوظ وهو يعدل النص الأول حتى نظل نتقلب على
جمر بوتقة الهجران طول العمر وليس فقط فى التنشئة الأولى،
بمعنى أنه ما دام الإنسان ما زال يعيش فهو ما زال هاجرا
مهجورا فى مواجهة آخر واعد حاضر لا يمحى، وهكذا ولا تنتهى
هذه المعاناة الرائعة حتى الموت.
أما
القبر الذهبى، والبلابل الشادية، فوق الشجرة السامقة، فليس لها
علاقة بروعة الواقع الجمر فى بوتقة الهجران (فى كلتا الفقرتين)،
بل إنها - رغم جمال الصورة- قد تعلن أن من تصور أن الهناء
هو بالوصل دون الهجران، فليحصل عليه فى قبره هذا الجميل
هكذا، أما الحياة، فهى أتون جميل آخر.
وإن
كان قد خطر لى تفسير إضافى يقول: إن جزاء من تحمل جمر
بوتقة الهجران هو نهاية جميلة وسكون ختامى شاذ.
164- الكمال:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
الكمال
حلم يعيش فى الخيال، ولو تحقق فى الوجود ما طابت الحياة
لحي.
السعى
إلى الحقيقة، إلى التكامل، إلى الله، هو الوصول نفسه، هذا
المعنى تكرر فى فقرات سابقة سنعود إليها فى القراءة الجامعة،
حين نتجول فى العمل كله معا. هذا
التأكيد المتكرر على أن الحركة هى الحياة، وأن الوصول خدعة
هامدة إذا تحقق قبل الموت، يفهمنا أن الكمال إنما يكتسب
قيمته الرائعة من عدم تحققه، ولا تكون الحياة حياة، بمعنى
السعى المثابر، والجدل الخلاق إذا تحقق الكمال فى أى مرحلة قبل
الموت.
لكن
المشكلة فى هذه الفقرة هو فتور الشكل، فكأنها حكمة ملقاة بلا
شعر ولا أصداء. فـلماذا؟
165- السحر:
قال
الشيخ عبد ربه التائه
تبدو
الحياة سلسلة من الصراعات والدموع والمخاوف، ولكن لها سحر
يفتن ويسكر.
حكمة
أخرى فاترة، وخاصة إذا وصل المعنى مؤكدا هذه الـ"لكن"،
أى أنه كما أن فى الحياة صراعات ودموع ومخاوف، فإن فيها سحر
يفتن ويسكر، أما إذا نظرنا مليا لنفترض أن "لها" تعود
على "الصراعات والدموع والمخاوف"، وليس على
"الحياة"، إذن لاختلف الأمر، ولأصبح لزاما علينا أن
نحاول أن نرى فى جوف الصراع روعة الحركة، وفى سيل الدموع رقة
الوجد، وفى بؤرة المخاوف جمال اليقظة،
هذا
وحده هو ما ينقذ هذه الفقرة من فتورها.
166-
الوفاء فى الملاح:
قال
الشيخ عبد ربه التائه
آه
من تلك المرأة الجميلة التى لا وفاء لها
لا
هى تشبع ولا عشاقها يتعظون
هى
هى نفس المرأة: الغاوية، الواعدة، الملوحة، الجميلة، القريبة
لتبتعد جاذبة نداهة، قد تكون الشهوة، وقد تكون الحياة، وقد
تكون الحقيقة
ولكن
لماذا هى -أيا كانت- لا وفاء بها ؟
ربما
لأنها تعد بالوصل، فإذا وصلنا لم نجد إلا وعدا جديدا بوصل
تال. فلا نشبع، لكنه يقول إنها هى التى لا تشبع، وليس ثمة
تعارضا، فهى لا تشبع من الوعد غير القابل لـلوفاء، وعشاقها
لا يشبعون لأنه لا وفاء إلا بوعد جديد، وهكذا. فمن أين تأينا العظة
؟
بل
إنه قد بلغنى أننا ليس علينا أن نتعظ أصلا، لأننا لو
اتعظنا عظة نتعلم منها أنه لا وفاء لها، وبالتالى لا ينبغى
تصديقها، فسوف نتوقف، أى نموت.
فأى
عظة تلك التى عاقبتها الموت.
لا
بد أن نقرأ "ولا عشاقها يتعظون" بصورة خبرية تقريرية،
لا إنشائية استنكارية.
167- طبيعتنا:
قلت
مرة للشيخ عبد ربه التائه
قد
أرحب بتعب عام متصل ولكنى أضيق بعطلة شهر واحد، فقال:
طبعنا
على حب الحياة وكره الموت.
إيحاء
مباشر أن: "التعب هو الحياة والراحة هى الموت". فهل
هذا صحيح ؟ وهل هذا ما يريد أن يقوله محفوظ عن تصوره عن
الطبيعة البشرية؟ (عنوان الفقرة: طبيعتنا !!)، إن كان ذلك كذلك
فـ"لا"،
طبيعتنا
هى التأكيد على التناوب بين التعب والراحة (العطلة)، بين النوم
واليقظة، بين التقدم والتراجع. نحن نحب الحياة لأنها ترتكز على
هذين الذراعين الذين يحركاننا طول الوقت، ونكره الموت لا لأنه
عطلة، ولكن لأنه يبدو سكونا نهائيا.
لو
أن محفوظ لم يشر إلى "طبيعتنا" فى العنوان لأمكن تخريج
تبرير ينبه إلى احترام المتعة التى فى التعب، وإلى عدم التمادى
فى تصور فائدة أوهام الراحة، فقد يكون شهر عطلة، وليس إجازة،
هو مدة أطول مما يحتمل إنسان حى ينبض بالفعل رائحا غاديا
طول الوقت.
168-
الكذب الصادق:
قال
الشيخ عبد ربه التائه
بعض
أكاذيب الحياة تتفجر صدقا
لاحظ
أن العنوان هو عن الكذب الصادق، وليس الكذب الأبيض كما قد
نلتقطه فى عجالة، ثم إن هذه الفقرة لا تنفى عن هذا الكذب
كذبه بل إنها تؤكده، لكنها تنبهنا أن الصدق يتفجر من خلال
هذا البعض من الأكاذيب، بما هى أكاذيب فعلا، وهذا ليس مجرد
تأكيد معاد لتلاحم المتناقضات، بل إنه وصلنى باعتبار أن عمق
النظر فيما يبدو كذبا، بل إلى ما هو كذب فعلا، قد يوصلنا
إلى صدق أعمق وأصدق.
169- المشيئة:
قال
الشيخ عبد ربه التائه
فى
الكون تسبح المشيئة وفى المشيئة يسبح الكون
إذا
أردت أن تصلك هذه الطلقة، فجدير بك أن تتوقف عن محاولة
تعريف كل من "التسبيح "و"المشيئة"، و"الكون
" ابتداء، فقط: إنتبه إلى أن التسبيح لا يقتصر على الإنسان
وإنما على كل شيء (كل له صلاته وتسبيحه) وأن مشيئة العبد هى
أيضا مشيئة الله، وأن الكون هو قاسم مشترك أعظم نحن بعض
لبناته لكننا نحتويه فى آن، ثم اترك لخيالك العنان لينبض مع
هذ التسبيح المتصاعد المتبادل بين المشيئة فى الكون، وبين
الكون فى المشيئة، ولك أن تشاء كما تشاء فيتحقق، لأن من
عباده من هو أشعث أغبر، لو أقسم عليه (بمشيئته) لأبره،
ولأنه على الجانب الآخر يمارس "كــن" بمشيئته، فنكون.
170-
الحب المتبادل:
قال
الشيخ عبد ربه التائه
إنهما
اثنان، بقوته خلق الأول الآخر، وبضعفه خلق الآخر الأول.
تقول
هذه الفقرة شيئا هاما وخطيرا، فهى تقر أن قدرة الخالق سبحانه
وتعالى هى أصل الحياة، لكنـها تنبه إلى الوهم الشائع القائل أن
الإنسان اخترع فكرة الله ليغطى بها ضعفه، وهى فقرة أخف من
الفقرة السابقة (169)، إلا أن بها مغالطة جميلة، مقصودة فى
الأغلب:
فالأول
الذى خلق الآخر، غير الآخر الذى خلقه الأول
الأول
الذى خلق الآخر بقوته هو القادر الخالق الوهاب
والآخر
الذى خلقه الأول بضعفه، هو تصوّر خائب، قد يوصله إلى الأول
الحقيقي، وقد لا يوصله.
يتم
الوصال من العنوان " الحب المتبادل"، نفس التبادل الذى
شاهدناه حالا بين الكون والمشيئة، والحب المتبادل هنا أشبه
بالتسبيح المتبادل فى الفقرة السابقة، وحين يتعمق الحب وبتجلى
التسبيح، يمكن أن يكون الاثنان واحدا، والواحد كُـثْـر، فى
تخلق متجدد.
171- العقل:
قال
الشيخ عبد ربه التائه
لقد
فتح باب اللانهاية عندما قال " أفلا تعقلون"
يتصور
كثير من عبدة العقل أن العقل قد أغـلق باب الميتافيزيقا، مع
أن العقل الخلاق هو السبيل الفائق إلى الانفتاح على ما لا
نعرف، الانفتاح على اللانهاية، وقد وصلنى ذلك مترادفا مع
الإيمان بالغيب، ضد ما يزعم "سجناء عقولهم المحدودة أن
الإيمان بالغيب ما هو إلا " التسليم للخرافه.
هنا
تأكيد جديد على غلبة الحفز إلى السعى بلا توقف لتكون الحياة
إبداعا بلا اكتفاء.
172- برقية:
قال
الشيخ عبد ربه التائه
فى
إحدى ليالى الكهف التى لا تنسى غلبنى السكر بعد أرق وحيرة، وإذا
بذرة هائمة فى أعماق الكون تهمس فى وجدانى أن أطمئن.
هذه
البرقية "الهامسة" المطمئنة التى ترسلها ذرة هائمة فى
أعماق الكون، يتردد هـمـسـها متصاعدا حتى يملأ الوجدان والكون
معا، فيتردد الصدى شعرا هذه المرة، فنشاركه نشوة خمر الثقة فى
كأس همس التناهي، وهكذا تحيطنا طمأنينة الشيخ عبد ربه بقدر
ما أرقـنا معه حيرة وسعيا،
وحين
يصل الوعى البشرى إلى عمق همس الذرة، فلا بد أن ننتبه كيف
سبق حدس الإبداع اكتشاف كاميرا الفانتو ثانية (زويل)، وكيف
أكد باشلار على حدس اللحظة، وأن السبيل إليه أكثر اختصارا
وعمقا من كل البراهين والأدلة العقـلية المزيفة أو الحقيقية.
173- لقاء فى الظلام:
قال
الشيخ عبد ربه التائه
وأنا
فى مطلع الشباب حلمت هذا الحلم:
رأيت
الصحراء مترامية أمامى فأوغلت فيها ثملا بحريتي، ولما أدركنى
المساء أردت أن أرجع ولكننى ضللت سبيلى وضعت فى الظلمة كنسمة
هائمة. واستحوذ علىّ الخوف واليأس ونظرت إلى السماء فلم تقل لى
النجوم شيئا. وانتبهت على تردد أنفاس تلفح وجهي، فجعت وتساءلت.
من هنا؟
فأجاب
صوت هاديء
أتبع
شبحي...
فتبعته
مسلما أمرى للمقادير. وكلما مر الوقت دون وقوع ما يريب
اطمأننت، ودس الشبح فى يدى قارورة وطلب منى أن أشرب فشربت
شربة روية سرى تأثيرها من الرأس إلى القدمين وسألت:
- أى شراب هذا؟
فأجاب
الشبح
- خمر صنعتها فى بيتي
وكدت
أرتعب لولا أن طارت بى النشوة فوق الهواجس.
وهلت
بشائر الشروق ونحن نسير ولمحت وجهه على ضوء أول شعاع فإذا
به وجه امرأة لم أشهد لحسنها مثيلا من قبل.
ورجوتها
أن تقف لحظة. وركعت أمامها فى خشوع، وأحطتها بذراعي.
حين
قرض محفوظ الشعر فى الفقرة السابقة، فرحت أنه تراجع قليلا عن
الحكمة المباشرة، ثم زاد فرحى وهو يطلق سراح الحلم هكذا:
ترتبط
الصحراء - عند محفوظ وغيره- بالحرية والضياع المستكشف معا.
كما
يرتبط الخلاء - عند محفوظ أساسا- بالحرية والامتلاء الواعد (فى
أغلب الأحيان)
إلا
أننى كثيرا ما دفعنى خلاء محفوظ، من أول ما لاح مع انطلاقة
عمر الحمزاوى (الشحاذ) فى صحراء الهرم، حتى تكرر نداؤه لعاشور
الناجى الكبير فى الحرافيش، كثيرا ما دفعنى أن أتجول ما تجولت
فى صحراء "الداخل" قبل أن أتلفت حولى خارجا. وقد وجدتنى
أفهم هذا التجوال فى الداخل أكثر من تعرفى عليه فى الخارج،
ولعل كل هذا يلهمنا إلى ما فعلته الصحراء بالأنبياء، كما قد
يفسر لنا شغف رحلات "البر"، والسفارى التى يقوم بها
المغامرون الأحدث. فى هذا الخلاء الذى فتح آفاقه هذا الحلم
نجد أنفسنا من جديد مع النسمة الهائمة (قارن الذرة الهائمة
فى الفقرة السابقة، والإشارة إلى أعماق الذات/ الكون). ومع
النداء المتكرر، ولكن النداء لا يأتى هذه المرة من الماء،
وإنما هى أنفاس تقترب من الوجه دون أن نتبين مصدرها، وحين
يتبع الشيخ عبد ربه الصوت، وهو بعد شاب صغير، يتسحب إليه
الاطمئنان متصاعدا تدريجيا، أولا بدون عامل مساعد، ثم يصاعد
ويتجاوز إذ يرتوى من شربة خمر الطمأنينة
والدليل على ما ذهبت إليه من أن المسألة هى فى
الداخل أساسا، أن الهاتف يؤكد أن هذه الخمر هى من صنعه هو،
فى بيته هو "صنعتها فى بيتي"
وتظهر
المرأة مع ظهور الضوء ولا تمضى هذه المرة تاركة إياه يتبعها مطمئنا
أو ملهوفا، وإنما هى تقف وتسمح له أن يحيطها بذراعيه راكعا
خاشعا.
الفرق
هنا بين النداهات السابقة ونداهة الشيخ عبد ربه هذه، يعلن
احتمال صحة الفرض الذى طرحناه سابقا من أن الأرجح أن ظهور الشيخ
عبد ربه إنما يعلن التصالح الداخلى الذى يحققه الإنسان النامى
على أعلى مدرج سلم النمو (الراشد الناضجintegrated adult
بلغة
إريك بيرن، أو التفرد individuation بلغة يونج)
174- شهيق وزفير:
قال
الشيخ عبد ربه التائه
مع
شهيق الكون وزفيره تهيم جميع المسرات والآلام
أشرنا
وكررنا أن الحياة لا تكون كذلك إلا بتواصل انتظام إيقاع
البسط (الدفـق) والامتلاء، إلا بتوالى إيقاع المد والجزر، إلا
بتلاحق إيقاع الليل والنهار، إلا بتكامل إيقاع الذهاب والعودة،
وأيضا: إلا بتفجر الصدق من الأكاذيب، ومواصلة السعى نحو الذى
لا يتحقق إلا ليجدد السعى إلى ما يعد بالتحقق، ثم يأتى محفوظ
هنا يطمئننا إلى ترجيح سلامة ما وصلنا إليه، وذلك بالتأكيد
على أن للكون، أيضا وأصلا، شهيقه وزفيره، وأنه لا ألم ولا
مسرة إلا فى رحاب هذه الحركة النابضة الغامرة النشطة.
أريد
-ربما مبالغا- أن أوضح هذه الصورة بعكسها: فكل مسرة منفصلة
عن نبض الكون، هى استرخاء ميت، وكل ألم يسرى مستقلا عن
أنفاس الكون، هو شظايا صاعقة مظلمة بائسة.
أما
جميع الآلام والمسرات، فهى تهيم مع شهيق الكون وزفيره.
175- الحرية:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
أقرب
ما يكون الإنسان إلى ربه وهو يمارس حريته بالحق.
معادلة
صعبة: "يمارس حريته بالحق" قضية تحتاج لعدة مجلدات من
الشرح والترجمة والبحث والتفسير، ثم هى تحتاج إلى عدة فروض
للاختبار والمراجعة، لكنها قضية تستأهل، لأن ثمن تحقيقها هو
أن يكون الإنسان أقرب ما يكون إلى ربه.
ولعلها
الفرصة المناسبة التى أعلن فيها ما اهتديت إليه من علاقة
الحرية بالإيمان، إذ لا حرية حقيقية إلا حين يكون للإنسان
امتداد فى الكون بلا نهاية، وربما هذا ما يوازى قول شيخنا:
أقرب إلى ربه، ثم أنتبه إلى أن الشيخ لم يستعمل تعبير
"حرية حقيقية "، وإنما "حريته بالحق"، وهو تعبير
أدق، فعلا، وخصوصا إذا تذكرنا كيف أنه لا توجد حرية مع
وقف التنفيذ، كما أنه لا توجد حرية دون عدل ظاهرا وباطنا،
وبالتالى فالحرية بالحق، بالعدل، بالفعل، أى أنها مشروطة
بالممارسة المفتوحة دون ظلم.
176- السر:
ولم
يكن الشيخ عبد ربه التائه يخفى ولعه بالنساء وفى ذلك قال: الحب مفتاح أسرار
الوجود.
من
أهم ما يلفت النظر فى هذا العمل خاصة، وفى أعمال محفوظ
عامة، تأصيل علاقة الجنس بالحب، ونجيب محفوظ من أكثر من ربط
بينهما ربطا وثيقا جميلا، وهو هنا لا يقرنهما ببعضهما فحسب،
بل يسلسل الأمر من الولع بالنساء، إلى الحب، إلى المعرفة، ولم
ينتبه الكثيرون كيف يكون متصل: الجنس-الحب- المعرفة- الإيمان
(باعتبار الإيمان نوعا من تجليات المعرفة الأعمق) كيف يكون كل
ذلك تكاملا متناغما متكاملا لا فصام له.
(ولعل هذه الفقرة، على قصرها، تضع عنوان قضية
جديرة بأن تأخذ حقها فى القراءة الجامعة").
177- حديث الموت:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
رأيت
الموت فى هيئة شيخ فان وهو يقول معاتبا "لو كفـفت عن
عمـلى عاما واحدا لانتزعت منكم الإقرار بفضلي"
يعود
إلينا الموت الجليل المجتهد، ليذكرنا بفضله، يحضرنا هذه المرة شيخا
مجسدا، فأتساءل عما حوّله إلى هذه الصورة هكذا وقد عودنا أن
يحضر ضيفا فتيا (خطيرا)، أو قدرا راسخا، إلى غير ذلك من
صور سبقت، أهو إسقاط من كهولة الشيخ عبد ربه؟ لكن الشيخ
لم يصبح كهلا أصلا، المهم أن ما وصلنى من هذه الفقرة لم
يكن جديدا أصلا (أهمية الموت حتى لا يفنى النوع، وحتى لا يطغى
الكبير الأضعف على حق الصغير الأقوي)
لا
لم يكن-حضور الموت هكذا- محفوظيا خاصا، كان تقليديا، تقريريا
(علميا أكثر).
178- التفاؤل:
سألت
الشيخ عبد ربه التائه:
- لماذا يغلب عليك التفاؤل؟
فأجاب:
لأننا مازلنا نعجب بالأقوال الجميلة حتى وإن لم نعمل بها.
معنى
آخر، جميل مفيد، يذكرنا به الشيخ، هو أن للكلام الصحيح
والجيد والمتماسك والدال فائدة فى ذاته، جمال بما هو، حتى لو
لم يـترجم إلى فعل، وأن مجرد الإعجاب به هكذا "جميلا"
فى ذاته هو موقف إيجابى يدعو للتفاؤل، وبالتالى علينا أن نخفف
من غلوائنا حين نصر على قياس جدوى الكلام بناتجه فعلا على
أرض الواقع، إن مجرد الإعجاب بالأقوال الجميلة، هو اعتراف
بغلبة الخير إذ يشرف الانتماء إليه وإعلانه، ثم إن تكرار
الأقوال الجميلة يحمل وعدا ضمنيا باحتمال تحقيقها، مهما تأخر
ذلك، وكل هذا قادر على الحفاظ على التفاؤل لمن أراد أن
يتحمل مسئوليته (مسئولية التفاؤل).
179-
ما تشاء:
أثار
الشيخ عبد ربه التائه عجب بعض المريدين بإغراقه فى الحياة
الدنيا، فقال لهم "أفعل ما تشاء بشرط ألا تنسى وظيفتك
الأساسية وهى الخلافة".
يضيف
هنا الشيخ عبد ربه شرطا على السماح الذى غمرتنا به الأصداء
منذ البداية، السماح بالاغتراف من الحياة الدنيا بلا حدود:
الملذات، والمرح والرقص والرفاهية هما "زفة" الحياة
هكذا، ولم لا، و الشرط الهام الجديد المضاف هنا هى ألا ننسى
وظيفتنا الأساسية وهى "الخلافة" !!
أى
تحد وأى التزام؟ هكذا يصبح كل ما يمكن أن نسميه من"
الدنايا" هو مكارم صاخبة، لأنها سوف تقاس بمقاييس التعمير
والاستخلاف والإبداع والامتداد (أليست هذه هى الخلافة ؟)
180- المهزلة والمأساة:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
من
خسر إيمانه خسر الحياة والموت.
أولا:
تلاحظ كلمة "خسر" إيمانه مع وضع خط تحت خسر،
فالإيمان نعمة بدئية وليس مكسبا مكتسبا لاحقا بإعمال العقل،
وكل ما على الإنسان هو أن يحافظ على هذه النعمة، وينميها،
والإنسان الذى يفرط فى هذه النعمة يخسرها، فإذا ما خسرها، فهو
لا يخسر الآخرة فحسب، كما نحب أن نختزل المسائل بتأجيل
العقاب، وهو لا يخسر مزايا الحياة المؤمنة فحسب، بل إنه
يخسر الحياة نفسها، ثم إنه أيضا يخسر الموت، وإذا كان سهلا
علينا أن نفهم كيف يخسر الإنسان (غير المؤمن، أو ضعيف
الإيمان الحياة)، وإذا كان سهلا علينا أن نفهم كيف يخسر هذا
الإنسان ما بعد الموت (الآخرة) فكيف يخسر الإنسان الموت ؟
سبق
أن أشرنا إلى فضل الموت على "حفظ النوع" (الفقرة قبل
السابقة) كما أشرنا إلى روعة الموت، وقوة حضوره، ودلالة حسمه.
لكننا لم نبين بشكل مباشر فضل الموت على الفرد نفسه (اللهم
إلا فى دراسة للحرافيش حيث أوضحت كيف أن الحياة لا تكـتسب
روعتها، ولا تنبض بحقها إلا من خلال الوعى اليقينى بالموت،
والرفض الحاسم للخلود)، ولعل المقصود هنا هو التأكيد على أن
الوعى بالموت هو إثراء للحياة حالة كونى مؤمنا، وبالتالى فمن
خسر الإيمان لم يخسر الحياة فحسب، وإنما يخسر الموت والحياة
جميعا.
181- السرعة:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
ما
نكاد نفرغ من إعداد المنزل حتى يترامى إلينا لحن الرحيل.
والتنبيه
هنا غير مباشر، أتصوره يقول: إنه ما دام الوعى
بالموت هو أصل الحياة، أفلا يجدر بنا أن نعايشه فى وقت
باكر نوعا ما، وألا نؤجل ذلك إلى قرب الرحيل توهما بضرورة
إعداد المنزل، دون أن نفكر بدرجة كافية: نعده لمن، أو نعده
لماذا، ثم إن هذا التحذير جاء رائقا رقيقا، فهو ليس نذير
النهاية، وإنما هو لحن الرحيل.
182- المستشار:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
حبا
فى الهداية قررت زيارة صاحبكم الذى ضجت الأرض من ظلمه
وفساده.طلبت مقابلته فاستقبلنى مستشاره، قدم لى القهوة. والتقت
عينانا لحظة فعرفت فيه إبليس متنكرا. لما أحس - أننى عرفته
ضحك قائلا:
- خسرت هذه الجولة فالعب غيرها...
وصلنى
من هذه الفقرة أن محفوظا يريد أن يقول لنا: إن إبليس ليس
إلا وسائله. ولكن من أين تأتى خسارة الجولة؟ وضعت ضمة على
تاء "خسرت"، وتصورت أن كشف هذه الحقيقة هو خسارة
لإبليس، أما إذا كانت ثمة فتحة على التاء "خسرت"، فإن
المعنى يصبح أكثر تسطيحا لأن الخسارة ترجع إلى فوات الفرصة
لإثناء الظالم -الذى اتخذ إبليسا مستشارا له - عن إفساد
الناس.
183- الخصم القوي:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
يا
من أيقظتن الفؤاد فى دار الفناء، أشهد بأنكن خلقتن الخصم
القوى الذى يتحدى الموت.
هى
دار فناء، نعم، ولكن يقظة القلب هى عمق نبض البقاء والحياة
والاستمرار، ويقظة القلب تحتاج إلى موقظ، بل موقظة إذا كنت
رجلا، بل موقظات. حين تنبض الحياة بما هى، فإن ذلك إعلان
لفضلهن (هن: الحقيقة، والجميلة، والواعدة، والواصلة، والنجوى.
وغير ذلك)، ومن ثم تصبح مواجهة الموت (بالمفهوم السلبى أى
السكون والعجز) ممكنة، ويصبح قبول تحدى الموت وارد.
184- بحر:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
وجدتنى
فى بحر تتلاطم فيه أمواج الأفراح والأكدار.
رغم
بساطة العبارة والإيـهام بأنها معادة، إلا أنها إذا صدرت من
الشيخ عبد ربه هكذا، فى هذا الوقت، وسط كل هذه الأعماق
والأحداث والرؤى والكشف، تصبح لها دلالة جديدة، وكأنها تذكرة
وليست تكرارا.
وأهمية
إعادة اكتشاف موقعنا فى بحر الأفراح والأكدار بموجه الموقظ
الخطر، لا يعدلها شيء، لأن البديل العكس هو الاستسلام إلى
التمدد على شاطئ أو فوق سطح بركة اليقين المسطح، وهو الدعة
الرخوة.
185- شكر:
قال
عبد ربه التائه:
الحمد
لله الذى أنقذنا وجوده من العبث فى الدنيا ومن الفناء فى
الآخرة.
مستوى
آخر يعطى للإيمان قيمة نفعية، وهى قيمة أخرى، لا يجدر أن
نقول أعلى أو أدني، لكنها قيمة عملية على كل حال، وهذا
المستوى يمكن أن يرد على من يعامل الإيمان وضده بحساب المكسب
والخسارة، ولكنه ليس بديلا عن مستوى الإيمان البدئي، أو
الإيمان الفطري، أو الإيمان الحتمي، أوالإيمان الكشفي، أوالإيمان
الإبداعي، وكل هذه التنويعات والمستويات حضرت فى الأصداء بالطول
وبالعرض.
186- خفقة:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
خفقة
واحدة من قلب عاشق جديرة بطرد مائة من رواسب الأحزان.
يذكرنا
الشيخ عبد ربه هنا بما سبقت الإشارة إليه من اهتمام محفوظ
باللحظة، والخفقة، والنظرة، والذرة، والنسمة، وكيف أن هذه
الأويقات هى زاد خالد متجدد قادر على إعادة التوليد والتخلق.
وتأتى
الإشارة هنا إلى أن القلب لا يحتاج لإزالة رواسب الأحزان
(ربما كل الأحزان التى تراكمت عبر سنوات) إلا لخفقة واحدة من
قلب عاشق، ياه !!! إلى هذه الدرجة يمكن أن يكون التواصل
الحقيقي، ولو لجزء من ثانية، جديرا بأن يطرد رواسب الأحزان،
ليس كما يتسحب نور الفجر ليطرد جحافل الظلام، ولكن كما ينقض
برق الوصل ليكشف غباء الركود وخداع الحسرات، ومحفوظ (عبد ربه)
لم يحدد نوع الخفقة، فكلها صالحة، خفقة وجد، أو شوق، أو
رؤية، أو همس، المهم أن تكون من عاشق (آخر حقيقي).
187- أنا الحب:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
كنا
فى الكهف نتناجى حين ارتفع صوت يقول "أنا الحب" لولاى
لجف الماء وفسد الهواء، وتمطى الموت فى كل ركن.
الحب
ضد الموت، مفهوم فرويدى قديم رائع، لكن الموت هنا هو الموت
السلبى وهو غير صور الموت بحضوره، وأفضاله، وزخمه، تلك الصور
التى ظهرت فى سائر الأصداء، والموت السلبى (الذى يعنيه هنا) هو
السكون، أو العدم، أو الجذب بعيدا، وهو الذى لا يتمطى إلا
إذا جف الماء وفسد الهواء.
إذن
فعلينا ألا نتعامل مع الموت (وغيره) عند محفوظ عامة، وفى هذه
الأصداء خاصة، إلا فى سياقه !! (طبعا)
188-الاقتحام:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
حاولت
يوما العزلة ولكن تنهدات البشر اقتحمت خلوتي.
هذه
قصيدة جديدة، تعطى لتنهدات البشر حق الاقتحام
وقد
بدا لى الاقتحام هنا مطلبا لا فرضا
ذلك
أنه لا يوجد حل آخر أمام الإنسان إذ تلوح له المهارب
بالانسحاب، أو يزين له الإحباط أوهام الاستغناء عن الآخرين،
أو تخدعه رفاهية التسبيح عن حاجته للناس، إلا اختراق كل ذلك
دون إلغائه، وفى هذه اللحظة يتمنى الواحد منا ألا يخير، أن
يقتحمه آخر، أن ينقذه الخارج من تلويحات الداخل، والرائع هنا
هو أن يكون المقتحم هو تنهدات البشر، فعلى رقتها بالمقارنة
بصرخة صاخبة، أو استغاثة لاهثة، نجد أن فى رقة التنهيدة اختراقا
مثابرا لأنانية العزلة، ودعوة نبيلة لـلمشاركة.
189- الحب والحبيبة:
قال
الشيخ عبد ربه التائه
قد
تغيب الحبيبة عن الوجود أما الحب فلا يغيب
طالما
درست، وشرحت، وأعدت: إيضاح أن الحب غير القدرة على الحب، وأن
المهم فى الوجود هو أن تستمر طاقة الحب فى حيوية متجددة، ثم
تتوجه إلى "الموضوع" الممكن، وأن الفرق بين الحب،
والقدرة على الحب، هو الفرق بين البطارية والمولد (الدينامو)،
فالبطارية تفرغ بدوام السحب منها، أما الدينامو فهو يشحن
بتشغيله، فتتجدد طاقته. ثم يجيء نجيب محفوظ ليقول كل ذلك،
وأكثر، فى نصف سطر هكذا، وهو بذلك، ومن أقصر الطرق، يدعونا
للحفاظ على طاقة الحب، وعلى قدرتنا على التواصل، حتى لو لم
يوجد حبيب مناسب لفترة تطول أم تقصر.
وكيف
لا يوجد حبيب مناسب، والدنيا ملأى بكل هذا النبض بالناس
والأشياء.
190- لا تلعن:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
لا تلعنوا
الدنيا فهى تكاد ألا يكون لها شأن بما يقع فيها.
.... فالشأن شأن مـن (إذن!!) ؟ شأننا نحن.
فأتذكر
حديثا قدسيا لعله يقول: "لا تسبوا الدهر، فأنا الدهر"،
ولكن لا ننسى أن محفوظ تحفظ ضد التعميم فقال "تكاد ألا
يكون لها شأن" وليس" فإنها ليس لها شأن.."، وهو
لم يقل لنا من نلعن إذن، أنفسنا، الحظ، القدر، أحسب أنه
ينهانا عن لعن الدنيا، من نفس الموقع الذى نبهنا فيه أن
"علامة الكفر الضجر".
191- واجب العزاء:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
جاءنى
رجل شاكيا فسألته عما به فقال
- إنى غريق فى بحر المتع ولا أشبع!.
فقلت له: سأزورك يوم تشبع، لأقدم لك واجب
العزاء.
قرأت
هذه الفقرة ثلاث مرات:
مرة
باعتبار أن الموت هو الحل الوحيد لمن لا يكف عن شرب الماء
المالح، فالمتع التى لا تروى صاحبها فتجعله يطلب المزيد لا
تؤدى وظيفتها فى الإرواء، ومن ثم يصبح تعبير "غريق فى بحر
المتع" بديلا عن "أشرب من نهر المتع"، وبالتالى
فالموت، الذى يدل عليه "واجب العزاء"، هو الإيقاف
الوحيد الممكن لهذه الحلقة المفرغة.
ثم
قرأتها ثانية باعتبار أنه إذا شبع هذا الغريق، وحياته ليست
إلا هى الجوع المستمر، فقد مات، ومن ثم يحق له واجب
العزاء.
ثم
قرأتها مرة ثالثة باعتبار أن عدم الشبع هو دليل الحياة، فما
انتهى أرب إلا إلى أرب، وأن الغرق فى بحر المتع ليس عيبا
إن كان هو الحياة، لأن ضد ذلك هو الموت.
وهذه
القراءة الأخيرة تؤكد معانى السعى المستمر ورفض الوصول إلا
للعود على بدء.
إلا
أن الذى يحذر من هذه القراءة الأخيرة هو أن المسألة ليست
سعيا على سطح بحر الحياة، بل هى غرق فى بحر المتع، ومع ذلك
فالغريق الذى لم يمت، ليس غريقا (أليس كذلك؟).
192- الدنيا والأخرة:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
إذا
أحببت الدنيا بصدق أحبتك الآخرة بجدارة.
معنى
مكرر، ولكنه قيل هنا برقة نفعية جميلة، صفقة على مستوى أعلي،
فكما أشار محفوظ عبد ربه سابقا إلى أنه: كيف تحزن الحياة
على عاشقيها (فقرة 162) فهو يذكرنا هنا أن الآخرة قادرة على
حب أهلها، وربما كان هذا معنى أرقى للثواب فيها. ثم انظر
كيف يجعل حبنا للدنيا سبيلا إلى حب الآخرة لنا، وهو معنى
مواز للعمل للدنيا كأننا نعيش أبدا، وليس موازيا للعمل للآخرة
كأننا نموت غدا.
محفوظ
هنا أزال التناقض ليس بتسوية متوازنة، وإنما بتوثيق علاقة
مضطردة، وكأن حب الدنيا -بحق- هو هو السبيل إلى التصالح مع
الآخرة، نعم إلى هذه الدرجة يصالحنا على الدنيا دون أن يفصل
هاماتنا عن المابعدها.
وأظن أن الدنيا هنا (عند محفوظ) هى الحياة
ذاتها، وليست بالضرورة: الحياة الدنيا.
193- بلا ترحيب:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
الصديق
الذى يندر أن نرحب به هو الموت.
حكمة
أخرى فاترة نسبيا، ولا نجد غرابة فى أن يكون الصديق صديقا ثم
لا نرحب، ولن تتضح هذه المفارقة العابرة إلا حين نرجع إلى
دراسة الموت فى كل الأصداء، نكتفى هنا فقط بالتنبيه على أن
الموت، رغم عدم الترحيب، هو صديق ما من صداقته بد.!!
194- السر
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
كما تحب تكون.