الفصل
الثالث
"إبن حظ": طفل تائه (يا أولاد الحلال)
فى
ثوب كهل يعبد ربه
ظهر
عبد ربه التائه فجأة- دون
مناسبة - من وجهة نظرى - فتغير مزاج التلقى عندى بعض الشئ، لست أدرى لماذا، وقد جاء
حضوره وحواراته قبل ظهوره فى ما نشر مسلسلا فى الأهرام، حيث
نشرت الأهرام-خطأ- حلقات قبل حلقات، كان من بينها حلقات
يتكلم فيها عبد ربه التائه مباشرة دون أن نعرف ما هى
علاقته بالأصداء أو بالسيرة ولا متى أو من أين جاء، حتى حسب
من يسمون بأصحاب الحداثه أن ذلك مقصود، وأن محفوظ أصبح
حداثيا (حداثيتهم يعنى)، وحين حصلت على الأصل وسألت المؤلف صحح
الموقف بالشكل الذى نــشر به العمل مكتملا بعد ذلك، وهو نفس
الشكل الوارد فى هذه الدراسة.
أما
لماذا تحفظت على ظهور عبد ربه حتى الرفض أحيانا، فهذا مالم
أدركه حتى الآن تحديدا، وإن كان لابد سيظهر فى قراءتى التالية،
وبداية أعدد تحفظاتى على الشيخ عبد ربه هذا، مجتهدا غير مصر عليها.
أولا:
تصورت أنه بظهوره سنقترب أكثر من السيرة الذاتية، المباشرة، وأنا
كنت ومازلت أفضل أن أعيش الأصداء أرددها وأتردد معها، رافضا
أن أواجه مصدرها الأصلى مباشرة. بحضور الشيخ عبد ربه اقترب
محفوظ شخصيا من وعى القارئ فتراجع خيال التلقى نسبيا.
ثانيا:
توقعت درجة ما من المباشرة، وربما الخطابة أو إلقاء الحكم
أو الأحكام (وقد تحقق بعض ذلك نسبيا).
ثالثا
: ساورتنى مشاعر غامضة نحو حضور الشيخ الطفل هكذا، وقد تبينتها
بعد ذلك، كما سترد مع قراءة الفقرات.
120
- عبد ربه التائه
كان
أول ظهور الشيخ عبد ربه فى حينا حين سمع وهو ينادى
"ولد تائه يا أولاد الحلال"
ولما
سئل عن أوصاف الولد المفقود قال.
- فقدته منذ أكثر من سبعين عاما فغابت عنى جميع
أوصافه.
فعرف
بعبد ربه التائه، وكنا نلقاه فى الطريق والمقهى أو الكهف، وفى
كهف الصحراء يجتمع بالأصحاب حيث ترمى بهم فرحة المناجاة فى
غيبوبة النشوات، فحق عليهم أن يوصفوا بالسكارى وأن يسمى كهفهم
الخمارة.
ومنذ
عرفته داومت على لقائه ما وسعنى الوقت وأذن لى الفراغ، وإن فى
صحبته مسرة وفى كلامه متعة، وإن استعصى على العقـل أحيانا.
لم
أتصور لحظة أن محفوظ الطفل تاه ولا ثانية واحده، ولا أن
ملامحه غابت عن محفوظ عبد ربه، فإن كان قد تاه حتى ضاعت
ملامحه فهو تاه "فى" الشيخ (أكرر "فى") فأصبح الشيخ هو هو
الطفل، ولم تعد ثمة حاجة به إلى طفل بداخله، وبالتالى فقد
تصورت نداء الشيخ "ولد تائه يا أولاد الحلال" ثم
إنكاره معرفة أوصاف الولد هو نوع من التمويه الشعورى أو
اللاشعوري، حتى يصدق الناس أن الطفل اختفى، وبالتالى يأخذون الشيخ
باعتباره شيخا ليس إلا، وهو ليس إلا الطفل الذى أوهمهم أن
يبحثوا عنه ليمارس طفولته على راحته، يجتمع بالأصحاب فى كهف
الصحراء، ويستعذبون المناجاة فى غيبوبة النشوات.
ثم
إن هذا الذى يحكى عن عبد ربه وهو ينادى -تمويها - عن طفله
التائه، الذى أخفاه بتقمصه كما ذكرنا، هذا الذى يحكى هو ثالثهم،
أى أنه -فى تقديري- هو شخص ثالث (حالة ذات ثالثة) وبالتالى
يكتمل ثالوث "إريك بيرن "صاحب مدرسة التحليل التفاعلاتى
بظهور حالات الذوات الثلاث: الطفل(التائه) /الناضج(الحاكى)/ الوالد (المنادى)([1])
وهو الناضج (الكاتب) الراصد الذى يمـسك بالقلم ويصف الاثنين
الآخرين: وهو إذ يصف عبد ربه الشيخ، يصفه وهو يتصالح معه
أشد التصالح وأنقاه، "وإن فى صحبته مسره، وفى كلامه
متعة"
ثم
نأتى للجملة الأخيرة "وإن استعصى على العقل أحيانا" فيكاد
محفوظ أن يعترف بغموضه المقصود نسبيا، وهو يختبيء فيه قصدا
أو عفوا وعلينا نحن الباقي.
ليكن،
قبلنا أن نلقف الكرة.
121- التعارف
وكان
لى صديق خطاط ومن مريدى الشيخ، فرجوته أن يقدمنى إليه فمضى بى
إلى الكهف مخترقين صحراء المماليك، وهناك رأيته وسط صحبة يتبادلون
أنخاب المناجاة فى نشوة هادئة نقـية، فقدمنى صديقى بين يديه
ولكنه استمر فيما كان فيه غير ملتفت إلى مما أضرم الحياء فى قلبي، ولكن صديقى
أخذنى من يدى وجلسنا فى آخر الصف، وهمست فى أذنه:
- الأفضل أن نذهب...
فهمس
فى أذني:
- لقد قبل صداقتك، ولو كان رفضك لطردك بإشارة
من يده
وختمت
الليلة بغناء طويل جميل، ولدى العودة سألنى صاحبي:
- ما رأيك فى المكان وأهله؟
فقلت
- دخلوا قلبى بلا وسيط، عروتهم ساحرة، أصواتهم
عذبة، والمكان جذاب هاديء ورائحته زكية..
هنا
يتأكد التصالح الذى تم بين الذوات الثلاثة، وقد أكد إريك
بيرن أن المعركة لا تنتهى بانتصار ذات على أخرى، وإنما بتصالح
خلاّق، وهنا نرى أنه لم ينتصر الوالد (الشيخ) على الطفل كما
لم يستبعده، ولا سادت بلادة وحسابات وشطارة الناضج على حساب
تلقائية الطفل وحكمة الوالد، ولا طاح الناضج فى الاثنين (الشيخ
والطفل).
للتصالح
شكلان أساسيان:
(أ)
تصالح
بالتبادل التوافقى، إذ يحل الطفل فى الوعى الظاهر،
ويمسك الدفة فى الوقت المناسب لظهوره، وفى الموقف السامح لشطحة،
وبين الجو المحتمل لشقاوته، فى حين يحل الوالد فى الشعور
الظاهر ليقود الدفة حين يحتاج الأمر إلى الرعاية والحكمة أو
إلى النهر والكف، أما الناضج فيقود ويحل فى الوعى حين
يحتاج الأمر إلى حاسب واقعى لا ينفعل إلا للمصلحة ولا يتمنطق
بإطلاق الحكم المثالية أو إظهار التضحية، وهذا التصالح بالتبادل
يحدث عند أغلب الناس الأصحاء، وهو يتم تلقائيا دون تفكير أو
قرار، ولكن مع مضى الزمن والتقدم فى العمر يصبح التبادل
محسوبا وإراديا أكثر وأكثر، دون أن تختلط الأدوار أو تتداخل.
ثم:
(ب)
تصالح بالاندماج النامى أو التكاملى : مع مرور
الزمن، وسلامة التبادل، يتم تصالح أعلى تذوب فيه الصفات
الطفلية فى صفات الوالدية ويتداخلان بدورهما فى ذات أنضج وأقدر،
ويصبح الإنسان شيخا طول الوقت، يطل من بين ثناياه (وهو شيخ)
طفل ظريف ذكى حاضر فنرى فى عينيه -شيخا- نظرات الطفل وضحكته
وبراءته وإبداعه، ويظل الطفل حاضرا فى تصرف الشيخ بحيث لا
يحتاج إلى نكوص خاص به، لا يمكن ممارسته إلا فى مجال طفلى
مناسب. كل هذا -كما أشرنا- فى حضور وســماح وإحاطــة ما يسمى
"الناضج المتكامل" Integrated
Adult وما رأيناه
فى هذه الفقرة هو تأكيد على أن التصالح الذى وصل إليه محفوظ قد
تم بين الطفل التائه وبين الشيخ الذى قبل الطفل والناضج معا،
هو تصالح أقرب إلى النوع الثانى، وقد تم دون إعلان صريح،
وهذا النوع من التصالح لا يقتصر على الداخل، فهو يظهر فى
السلوك، فيبدو الشيخ طفلا رائعا دون طفولة، ويقفز الطفل بريئا
مبدعا دون عبث، ويذوب الناضج فيهما فلا يتميز بذاته، إذن
فهو تصالح أقرب إلى الاندماج النامى الذى لم يعد يحتاج إلى
تعدد ذوات وتبادل أدوار (اللهم إلا فى تبادل النوم واليقظة)،
وهذا هو تفسيرى لماهية الشيخ عبد ربه، لكنه تفسير غير مطلق،
فاعتراضاتى على حكمة الشيخ المباشرة والسطحية فى أحيان كثيرة -
مثلا- تنفى هذه الدرجة المباشرة من التصالح.
122- عندما التقت العينـان:
مضى
زمن قبل أن يلتفت إلى وتلتقى عينانا، ولما شاعت ابتسامة فى
ملامحه وثبت إلى جانبه وقلت
-
إقبلنى فى طريقتك..
فسألني
-
ماذا يدفعك إلينا؟
فقلت
بعد تردد
- أكاد أضيق بالدنيا وأروم الهروب منها
فقال
بوضوح
- حب الدنيا محور طريقتنا وعدونا الهروب
وشعرت
بأننى انطلق من مقام الحيرة.
تكررت
هذه القيمة فى الجزأين السابقين، كما أعيد شرح كيف أن حب
الحياة هو نوع من العبادة بشكل أو بآخر، وإذا كان الجزء
الثانى من هذه الدراسة -العدد السابق - قد امتلأ بالحيرة فى
الدروب، وبالإصابات فى المعارك، حتى أسميت عنوانه مقام الحيرة،
فالإعلان هنا عن أن هذا التصالح قد حقق الخروج من مقام
الحيرة بشكل صريح ومباشر "وشعرت بأننى أنطلق من مقام
الحيرة"، ولكنه إعلان لا يكفى والخروج من مقام الحيرة ليس
نهاية مسار النضج، وإنما اختلاف نوع وروعة ومساحة الحيرة،
فجاءت الفقرة مكررة أبسط من المرحلة التى رسمت بها عبد ربه.
123- الإنتظار:
ولكن لماذا هذا الكهف بالذات؟ قيل إن سيدة
المكان كانت تطوف بالموقع حول الكهف فى المواسم، وكثيرون قد جنوا
بسحر جمالها وجدّوا فى البحث عنها دون جدوى. وقيل إنها قد
تختار قرينها ذات يوم فى الكهف. وقصد الكهف أناس لا حصر
لهم ولكن عبد ربه التائه ومريديه هم الذين صمدوا إلى
النهاية.
أغلب
أحاديثهم وأغانيهم عن المرأة الجميلة ينتظرون الرضا، ولا يعرفون
اليأس.
هذه
المرأة، سيدة المكان، حاضرة عند محفوظ فى كثير من أعماله، وهى
الحياة مرة، وهى المتعة المتكاملة مرة، وهى اللذة الغامرة مرة،
وهى الوعد الآمر الناهى مرات.
ولكن
لماذا تطوف "الحياة" هنا حول الكهف هكذا ؟
بدت
لى الحياة /المرأة هنا مثل الرحم الآمن، حاضرة محيطة، تطوف
بالموقع حول الكهف، دون أن تفرض نفسها ظاهرة، فتنقلب عزلة الإنسان
المختارة إلى ائتناس بمن فى مثل عزلته معه وبه نحوها فى
انتظارها، ويلاحظ أن المرأة هنا لا تقتحم الكهف وهى تنادي من
يريدها يدفع مهرها، وهى لا تستجيب تلقائيا لكل من يلبى
النداء، فهى تختار فى النهاية، وسواء كانت هى الحيوية الحسية
التى دافع عنها محفوظ طول العمل (بل طول العمر) أو كانت الحقيقة
الكشف، أو كانت زخم الحياة الكل بلا تفسير، فإن
محفوظ يشير هنا إلى أن المسألة ليست ثمرة تقطف، ولا هى من
نصيب المتلهف المتعجل، وإنما من أراد صحبتها حقيقة وفعلا فإن
مهرها هو الصبر والمثابرة، وقد نجح محفوظ شخصيا فى هذا
المضمار بشهادة الشهود، فهو يتمتع بصلابة الموقف وحب الحياة
وشجاعة الرأى، تحت كل الظروف وفى كل الأزمان،
مهما كان، فهى من نصيبه ونصيب من على شاكلته –إن وجد- .
ومع
ذلك لا يوجد تأكيد على أن المرأة اختارت قرينها من بينهم هو
وصحبه تحديدا، ولا على أنها سوف تختار أحدهم دون الآخر، ومن
هنا هم ينتظرون الرضا ولا يعرفون اليأس، وكأن الوصول الحقيقى
هو فى الانتظار المُصِر، الذى يحافظ على قيمة الهدف وحيويته
بصفة دائمة.
[ملحوظة: تمنيت فى هذه اللحظة أنى كنت كتبت
هذا النقد قبل أن أصبح أحد الحرافيش، كما تمنيت ألا أكون
قد ألزمت نفسى أن أبعد عن بعض ما عرفت من سيرة محفوظ
الذاتية شخصيا مكتفيا بما ورد حرفيا فى الأصداء، ولولا هذا وذاك لقلت ما
عرفت، مما كان يمكن أن يضيء أكثر، ربما......].
124- مأمور:
وجذب
انتباهى شخص لا مثيل لنشاطه فى خدمة الإخوان، فسألت عنه فقال
عبد ربه التائه: له حكاية فاسمعها.
ما
ندرى ذات ليلة إلا وقد اقتحم علينا خلوتنا ويقول:
- صدر الأمر بإغلاق الخمارات !
فقلت
له :
- شرابنا النجوى فاشرب هذه الكأس.
وقدمت
له شرابا. وكان سحر المكان قد شاع فى جسده وروحه فشرب. ثم
تركنا وذهب. وفى ليلة تالية رجع مرتديا ملابس عادية وقال
باستسلام
- تركت الخدمة وجئت إليكم..
فهللنا
وكبرنا. ومن ساعتها وهو مندمج فى مودتنا. وفى المواسم يغنى
ويرقص حتى مطلع الفجر.
يصل
التصالح قمته حين يفرض نفسه حتى على النذير الذى جاء يـغـلقها
فأصبح منهم وقد استبدلوا بالخمر شراب النجوى، والعنوان يذكرنا
أنه كان مأمور القسم فصار أحد المريدين بل وكاد يسبقهم فى
الرقص والغناء - فى المواسم - حتى مطلع الفجر. ومحفوظ يضيف هنا
بعدا آخر لما هو نضج حقيقى، فعندما يكتمل النضج لا
يوجد محل لتأنيب الضمير، (المأمور)، بل إن الضمير نفسه يصبح
صاحب حظ مسئول، وهذا يلفت النظر إلى أنه فى كل الأصداء، لم
نلاحظ مغالاة فى الشعور بالذنب، أو تأنيب الضمير، رغم وجود
الندم، وبعض الأسى لضياع الفرص.
125- داء
قال
الشيخ عبد ربه التائه
بالأمس
وأنا راجع من السهرة قبيل الفجر اعترضنى فى ظلمة الحارة شخص
لم أتبين معالمه وقال لي:
- أنا قادم إليك من وراء النجوم
فهزتنى
العزة قلت بفرح
- من أجلى أنا هبطت؟
فقال
بنبرة لم تخل من امتعاض.
- لم تسلم بعد من الخيلاء!
واختفى
صاعدا بسرعة البرق
فمن
يعيده إلى ومعه الغفران؟!
فسألته:
- وماذا كنت تنوى أن تطلب منه ؟
فأجاب
متجاهلا سؤالي:
"الحياة فيض من الذكريات تصب فى بحر النسيان
أما الموت فهو الحقيقة الراسخة"
بظهور
الشيخ عبد ربه التائه أمكن أن تتعدد الأصوات (الذوات) أكثر،
فيتم حوار له أطراف متعددة. إن ما
لفت نظرى فى هذه الفقرة هو أن طلب الشيخ عبد ربه من الشخص
(ذلك الطلب الذى حرم من إعلانه أثناء تجليات اللقاء) كان هو
الموت لا الحياة، فبدا لى أنه من الجائز أنه يعلن بذلك
الاكتفاء الراضى، وأنه قد اكتشف أن أى مزيد ليس إلا إضافة
صفحة يقابلها تمزيق صفحة قديمة، فيظل كتاب الحياة هو هو
(ذكريات تصب فى بحر النسيان)، فما فائدة الاستزادة منها، ومع
ذلك فليس ثم يأس، بل ما وصلنى هو ما أسميته "الاكتفاء
الراضي"، أى أنه "يود لو كفي" فتتحقق الحقيقة
الراسخة (الموت).
ورغم
أن هذا يبدو فى ظاهره قمة التصالح إلا أن دلالته ليست فى
نفس اتجاه البهجة والنشوة وشراب النجوى ورقص المواسم الذى غلب
على الفقرات السابقة، ومع ذلك فليس هو اليأس أو السخط أو
الانسحاب كما ذكرنا.
126- الشكوى:
كان
الكهف عامرا بالخلان والنشوة تذيب الأحجار.
ونفخ
نافخ فأطفأ الشموع وترددت الأنفاس فى ظلام دامس
وتهادى
صوت إليهم يقول "فى السماء ضجروا من الأفعال الخسيسة
والروائح المنكرة"
وذهب
تاركا صمتا ثقيلا فقال أحدهم
- أهى رسالة؟
فقال
آخر
- بل هو أمر.
وانطلقوا
فى الأسواق يحمـلون على كل خسيس ومنكر،
وغضب السادة، فزمجرووا بالغضب ولوحوا بالعصى.
وعلى
الرغم من أن نشوة الكهف بدت لنا من أرقى المشاعر، وعلى الرغم
من أن شرابهم النجوى وودهم السماح، إلا أنهم بدوا وقد تخلوا
عن حرب الضلال والانحراف، فجاءهم النذير، لا ناصحا بل آمرا،
فتفجرت فيهم الحمية فالغضب، وهم يمارسون فعل الإصلاح، ويواجهون
السلطة، ويتحملون التهديد.
هل
يريد محفوظ أن يربط بين حق النشوة وشرف الثورة ؟
هل
يريد أن يشير إلى أن عزلة الكهف البهيجة، وروعة النشوة التى
تذيب الأحجار هى فى نفس الوقت وقود رفض الخسة والمنكر؟ بمعنى
أنه لا يكتمل شرف الوجود إلا فى مواجهة السادة، ولو زمجروا
بالغضب ولوحوا بالعصي؟
غالبا.
127- الرقص فى الهواء:
ومرة
قال لى الشيخ إن القصص التى تنشر ليست بالقصص الحقيقية، وأراد
أن يقدم لى قصة صادقة فقال:
فى أحد أصابيح الربيع جذبتنى ضجة نحو الباب
الأخضر. خضت حاجزا من البشر يلتف حول رجل وامرة قيل أنهما
كانا من مجاذيب الحسين، ثم أغواهما الغرام فهجرا دنيا الأسرار
إلى دنيا العشق، ورئيا وهما يترنحان من السكر ويترنمان بالأغانى
الساخنة.
وكاد
الناس يفتكون بهما لولا تدخل الشرطة.
ونسى
الأمر مع الزمن. وذات صباح وأنا أسير فى الصحراء رأيت سحابة
تهبط كالطائرة أو السفينة حتى صارت فى متناول الرؤية الواضحة،
ورأيت على سطحها رجلا وامرأة يرقصان وسمعت صوتهما قائلا:
- متى تصعد يا عبد ربه!
تتكرر
هنا فكرة الغفران للخطاة، لا، ليس هذا فحسب، بل إن الذى
يريد محفوظ توصيله المرة تلو المرة هو أن الخطاة، أو الذين
يسمونهم خطاة، هم فى أعلى عليين وأن الشيخ عبد ربه نفسه
يتوق إلى مرتبتهم.
هذا
وقد استقبلت نداء "متى تصعد يا عبد ربه" باعتباره
إسقاطا منه وحنينا للصعود، للموت التكاملي، دون رغبة فى الموت
الذى نعرفه، وهو ما يؤكد ما ذهبت إليه من أن تمنيه طلب
الموت -لا الحياة من الهابط من السماء،-(فقرة 125) هو طلب
للحياة أكثر منه هربا فى الموت، ولا أملك إلا أن أكرر
بإلحاح مرة أخرى أن الموت هنا ليس هو الموت النهاية،
وليس هو الموت العدم، ولكنه الموت الرضا، الموت الكفى
شبعا وحمدا...الموت الصعود
128- عبير
من بعيد:
قال
الشيخ عبد ربه التائه
ساقتنى
قدماى إلى القبر المهجور الذى رحل جميع من كانوا يعنون بتذكره،
وجدته آيلا للسقوط، وعليه طابع العدم. وصدر نداء خفى من
الذاكرة، فأقبـل نحوى جمع من النساء والرجال كما عهـدهم الزمان
الأول. وردد أحدهم ما قاله لى مرارا "لا أغير ريقى قبل
أن أسمع أغنية الصباح فى الإذاعة"
حين
قدم لنا محفوظ الشيخ عبد ربه التائه، قال يصف كلامه (فقرة
120) "وإن استعصى على العقل أحيانا"، وقد استعصى كلامه فى
هذه الفقرة على، فلم يعد عندى إلا أن أطرح تساؤلات محددة
تقول:
هل
يمكن أن تكون هناك علاقة بين هذا القبر المهجور الذى رحل
جميع من كانوا يعنون بتذكره، وبين موجة الإلحاد المرحلية التى
سادت حين التهى الناس بإنجازاتهم الحاضرة، وملك الغرور الكائن
البشرى حتى استغني، ثم دفن كل ما عداه، ثم راح ينسى أو ينسى
نفسه حتى ساكن القبر؟
هل
يذكرنا ذلك بإلحاح نجيب محفوظ على إحياء الجبلاوى الذى قتله عرفة
صدفة، ثم راح ينذر بقية حياته لإحيائه، وهذه الفقرة هى نذير
بأن عرفة انصرف عن محاولته، ولم ينجح ؟
هل
يمكن أن يكون ترديد أحدهم لهذا القول البسيط "لا أغير
ريقى حتى أسمع أغنية الصباح فى الإذاعة"، ترديدها فى هذا
المقام بالذات، هو تنبيه إلى أن هروبنا من الأسئلة الصعبة،
وعدم عنايتنا بتذكر القبر، أو صاحبه، (بفرض أنه مات، أو اننا
أنكرناه حتى حسبناه مات) هو تنبيه ضمنى إلى أن أبسط الأشياء هى الجديرة
بأن تصل بنا إلى أعمق الوجود؟
شئ
أشبه بإيمان العجائز، لا تسليما، ولكن يقينا بسيطا لا يحتاج
ليقين آخر يثبته
هل
يمكن أن يكون بعض ذلك كذلك ؟
ربما،
دون حسم !!!
129- الخلود:
قال
الشيخ عبد ربه التائه
وقفت
أمام المقام الشريف أسأل الله الصحة وطول العمر، دنا منى
متسول عجوز مهلهل الثوب وسألنى "هل تتمننى طول العمر حقا؟
".
فقلت
بإيجاز من لا يود الحديث معه
-
ومن ذا الذى لا يتمنى ذلك؟
فقدم
لى حـقا صغيرا مغلقا وقال
- إليك طعم الخلود، لن يكابد الموت من يذوقه!
فابتسمت
باستهانة، فقال
- لقد تناولته منذ آلاف السنين ومازلت أنوء بحمل
أعباء الحياة جيلا بعد جيل.. فغمغمت هازلا:
- يالك من رجل سعيد!
فقال
بوجوم
- هذا قول من لم يعان كر العصور وتعاقب الأحوال
ونمو المعارف ورحيل الأحبة ودفن الأحفاد.
فتساءلت
مجاريا خياله الغريب
- ترى من تكون فى رجال الدهر؟
فأجاب
بأسي
- كنت سيد الوجود، ألم تر تمثالى العظيم؟ ومع
شروق كل شمس أبكى أيامى الضائعة وبلدانى الذاهبة وآلهتى الغائبة!
هنا
إيجاز يكاد يكون مباشرا لفصل "جلال صاحب الجلالة" فى
ملحمة الحرافيش، ومن يرجع إلى حوار جلال مع شاور الساحر يجد
الحوار هنا يكاد يتطابق، الفرق الوحيد الذى يستأهل وقفة ما،
هو أن الخالد هنا كان سيد الوجود، حتى غابت آلهته فلم يبق
إلا هو، وأن هذا الخالد لم يدفع ثمن هذا الضلال الذى
اختاره كما دفعه جلال صاحب الجلالة. فقط عوقب بالتسول
والحرمان من دورات النهاية البداية.
نلاحظ
كيف تأتى هذه الفقرة هنا بعد تمنى الموت الراضي، ونداء الصعود
التكاملي، فى مقابل الخلود الغبى.
130- السمع والطاعة:
قال
الشيخ عبد ربه التائه:
قلت
له بخشوع وعيناى لا تفارقان طلعته
- لم أر احدا فى مثل بهائك من قبل، فقال
باسما.
- الفضل لله رب العالمين.
- أريد أن أعرف من تكون يا سيدي،
فقال بهدوء وكأنه يتذكر
- أنا الذى كان يوقظك من النوم قبل شروق الشمس
أصغيت
باهتمام فواصل
- أنا الذى ناصرتك على الكسل فانطلقت مع العمل.
فكرت
بعمق فيما قال واستمر هو
-
أنا الذى أغراك بحب المعرفة
فهتفت
- نعم،. نعم
- وجمال الوجود، أنا الذى أرشدتك إلى منابعه
- إنى مدين لك إلى الأبد
وساد
صمت متوتر، وشعرت بأنه جاء يطالبنى بشيء فقلت
- إنى طوع أمرك
فقال
بهدوء شديد
- جئت لأضع فوق عملى نقطة الكمال.
فى
محاولة للتعرف على الشيخ عبد ربه أكثر، نجد السائل هنا قد
سأله نيابة عنا عدة أسئلة أجاب عنها إجابات مرشدة ومحيـرة فى
نفس الوقت، فالذى أيقظ، وحفز ضد الكسل وأغرى بحب المعرفة
وأرشد إلى منابع جمال الكون لا يمكن أن يكون شيخا (والدا)
هاديا وجدا جاهزا هكذا، وبالتالى لابد أنه ليس مجرد شيخ
والد، وأن الشيخ الذى يلبسه يمثل فطرة إيجابية سابقة، تجلت
فيه (فى داخل النفس وخارجها، وهنا فى داخلها أساسا)، وأن هذه
الفطرة الإيجابية لا تبتعد كثيرا عما يسمى فى علم النفس
الإنسانى (أبراهام ماسلو مثلا) "الوجود شبه الإلهى"God-like existence، بمعنى أنه
التكامل بين كل الذوات مجتمعة (ما يقابل الناضج المتكامل عند
إريك بيرن) وهو احتمال حفزى ليس للتحقيق، وإنما للجذب طول
الوقت، ذلك لأنه غاية دائمة الدعوة لتحقيقها، وأن هذا وذاك
مرتبط باللحن الكلى للفطرة السليمة التى تهدى إلى كل ما قال،
فهو وجود لا يتحقق أبدا، وإن كان التوجه إليه يكفى لاعتباره
قد تحقق.
إذن
ما العمل وكيف النهاية بعد كل هذا الدفع الحسن، وأيضا بعد
الاعتراف بالجميل هكذا. لم تبق إلا نقطة الكمال يضعها فوق
عمله، ولعلها الموت النبيل إلى أعلى.
131- سؤال عن الدنيا:
سألت
الشيخ عبد ربه عما يقال عن حبه النساء والطعام والشعر
والمعرفة والغناء، فأجاب جادا.
- هذا من فضل الملك الوهاب.
فأشرت
الى ذم الأولياء للدنيا فقال
- إنهم يذمون ما ران عليها من فساد.
تكرار
لفقرة (122) ولكن على لسان عبد ربه هذه المرة، فجاء بالنسبة
لى أكثر فتورا، وحتى العنوان الذى خفف من الفتور قليلا فى
الفقرة 122 جاء هنا ماسخا.
132- المشى فى الظلام:
قال
الشيخ عبد ربه التائه
عرفت
الرجل فى طورين فى حياته الطويلة :
عرفته
فى شبابه محبا للعبادة ملازما للمسجد مأخوذا بسماع القرآن
الكريم، وفى شيخوخته ساقه قدره الى الخمارة فأدمن الخمر متناسيا
مالا يهمه، وكان يرجع الى بيته فى الهزيع الأخير من الليل
ثملا يترنح ويغنى أغانى الشباب خائفا الظلمة الحالكة.
وحذره
محبوه من المشى فى الظلام فقال.
- حراس من الملائكة يحيطون بي، ويشع من رأسى نور
يضيء المكان،
[ملحوظة: مازالت علاقتى بظهور عبد ربه التائه
فاترة أو رافضة، يخطر ببالى أحيانا أن أشطب البداية التى تقول:
"قال الشيخ عبد ربه التائه" من كل الفقرات التى لا
يظهر فيها الشيخ محاورا بشكل صريح مباشر داخل الفقرة وليس فى
أولها، ونجحت الفكرة، ووجدت نفسى أقرب إلى النص مما لو بدا
بهذه الوصاية، لأن النص يرجع - بذلك إلى الكاتب مباشرة، وهناك
فرق حتى لو كان عبد ربه هو الكاتب، وهذا هو الأرجح].
ما
قاله الشيخ الذى أدمن الخمر وهاص بها ومعها على كبر، ما
قاله فى النهاية من أن الملائكة يحيطون به.. إلخ. لا يضيف
شيئا إلى ما سبقت الإشارة إليه من أنه ليست كل الأخطاء
بالضرورة علامة الضياع أو الفساد أو الكفر، وأنه يوجد مع
الخطأ احتمال الوعى الأعمق والتماس الغفران، إذن فهده الفقرة
لم تضف شيئا، بل إنها هزت هذه القيمة التى دافع عنها محفوظ
سابقا بذكاء وعمق، لأن صورة هذا العجوز السكران الخائف من
الظلام تجعلنا نأخذ زعمه هذا باعتباره مجرد هذيان سكران.
ربــما
!!
133- قول:
قال
الشيخ عبد ربه ذات ليلة فى سهرة الكهف
ما
أجمل قصص الحب، عفا الله عن الزمن الذى يحييها ويميتها.
الجملة
الأولى مقبولة بفتور "ما أجمل قصص الحب"، فتور لأنه
لا يذكر "أيام" الحب أو "عهد" الحب، أما
الجملة الثانية "عفا الله عن الزمن الذى يحييها
ويميتها"، فهى تحتاج إلى وقفة لأن الموقف الذى يسمح بتذكر
قصص الحب (وليس أيامه أو عهده) يجعل الزمن هو خالقها
وقابضها، جمال قصص الحب لا يكون جمالا حقا إلا من خلال
بعد الزمن الدوار الذى يرتفع بها وينخفض، فلا جمال لدوام،
ولا جمال لسكون حتى لو كان الخلود ذاته.
ملاحظتان للتذكرة:
إن الشيخ عبد ربه هو أحد سهرانى الكهف
وأن
العنوان هو: قول - مجرد قول، بما يوحى بالتأكيد على أن قصص
الحب غير الحب، أو لعل الحب ليس إلا قصصا لا تتحول إلى
واقع إلا بفعل زمن يحييها ويميتها.
134- تعريف:
سألت
الشيخ عبد ربه
- ما علامة الكفر؟
فأجاب
دون تردد
- الضجر
فجأة، ليس فجأة تماما، اكتشفت أننى
أصالح الشيخ عبد ربه أكثر فأكثر جدا !!!! "علامة الكفر
الضجر"، وهل تحتاج هذه الفقرة إلى تعليق؟ نعم تحتاج إلى
بعض التباديل والتوافيق هكذا (شكرا يا عمنا الشيخ) :
كل
ضجِـر كافر، فهل كل كافر ضجِـر ؟
وإن
كان ثم كفر دون ضجر، فما علاماته الأخرى؟
وهل
الكفر المعنى هنا أكثر هو الكفر بنعمة الله أم هو الكفر بالله ؟