الفصل
الثانى
فى مقام الحيرة، والدنيا تضرب تقلب!!
لست
متأكدا من سلامة المنهج، لكننى ممتلئ باستمرار المحاولة، وحين
قرأت قراءتى للفقرات الثلاث التالية 55، 56، 57، ووجدتنى قد وصفتها جميعا
بالفتور، تساءلت، فلماذا إذن أثبتها أصلا؟ لكننى عدت وتذكرت
تأكيدى على ضرورة إثبات هذا التراوح بين الاختراق المبدع، وبين
التراخى الفاتر، وأن ذلك فى ذاته علامة دالة تستأهل إشارة
نقدية، فقد دأبنا على تصور المبدع بما نريد، أو بما نتوقع،
أو بما ينبغى، حتى يصل بنا الأمر إلى نوع من التقديس (أو
التفويت)، وخاصة إذا أضيف عامل عاطفى شخصى مثلما هو الحال معى
حالا، وبالتالى فإننا قد نرى حسنا ماليس بالحسن، ولن يضير
مبدع أن يفـتـر هنا أو يخمد هناك، فمازلت أذكرنى
وأنا أقرأ حديث القس زوسيما فى الأخوة كرامازوف وأنا محتج على
ديستويفسكى أشد الاحتجاج، محتج على هذا الإطناب الممل، وهو أمر
تكرر فى كثير من أعماله، ثم إننى أنوى الرجوع - فى الفصل
الرابع - إلى الأصداء مكتملة، آملا حينذاك أن الفقرات التى زعمت
أنها فاترة، أو التى وصلتنى فاترة، قد تنبض فى سياق آخر،
فإذا لم تنبض فلن يضار العمل كله بداهة.
وبعد
كل هذا التردد الذى كاد يوقفنى، ولإجهاض احتمال التراجع قررت
أن أنشر القراءة فى الجزء الثانى دون ربط أعلى، ثم لننتظر إلى
الفصل الرابع، لعل.
آمل بصدق أن يتحملنى القاريء مهما اختلف معى.
55
- النصيحة
"كان لنا جار من المريدين، وكان يدعو شيخه
كل ليلة خميس لإقامة الذكر والإنشاد. وكنت واقفا مع الصبية
المتجمعين وراء المدعوين المتربعين على الأبسطة. وكان الذكر
يمتعنا والإنشاد يطربنا، ومرة سأل الشيخ سائل من المريدين
"نراك وجيها فى منظرك، بادى الصحة والعافية، تحب الأكل
والشرب ولست كالشيوخ الزاهدين؟ "فقال الشيخ بصوت سمعه
الجميع" نحن قوم نعمل لنرتزق، ولا نتسول، نقبل على دنيا
الله ولا نعرض عنها، قرة أعيننا فى العشق والسكر وسياحتنا
الليلية فى التأمل والذكر.
فجأة
وجدتنى أمام صوت فاتر يقول إن الزهو ليس هو المطلوب، وأن
زينة الدنيا ليست فقط حلالا زلالا إنما هى سبيل آخر، أو
سبيل أول، للوصول، نعم كان الصوت فاترا ولم ينقذنى
"العنوان" إذ جاءنى أكثر فتورا : مجرد "نصيحة"
وتمنيت لو لم أقف عند هذه الفقرة أصلا، ورحت أطمئن نفسى أن
هذا حقى.
56 - الدرس
"كنت منطلقا مهرولا لأشهد حلقة الذكر - مررت
فى طريقى بعجوز رث الملبس تعيس المنظر وهو يبكى.، صرفت نفسى
عن الانشغال به أن يفوت على قصدى. ولما احتل الشيخ مكانه
وسط حلقة الذكر نظر فيما حوله حتى وقع بصره على، فأومأ إلى
لاقترب منه، ومال على آذنى هامسا. أهملت العجوز الباكى فأضعت
فرصة للخير، لن تحظى بمثلها باستماعك إلى درسى اليوم.."
تأكد
لدى جو الفتور ، فرحت أتهم فتور التلقى من فرط رهبتى من افتراض
فتور الإبداع، ففى هذه الفقرة نصيحة مباشرة أخرى تقول: إن عون
الناس الخفى هو أهم وأبقى عند الله من حلقة الذكر، ومن سماع
درس الوعظ أو ترديد ألفاظ الحكمة. إذن ماذا؟
57 - ليلة القدر
"زيـنا حجرة الاستقبال بالورود، وتسلل البخور
من نوافذ بيتنا إلى عرض الطريق، وأعددنا من أسباب السرور ما
يلذ السمع والبصر والذوق، وأملنا كالآخرين أن ينزل الشيخ فى
ضيافتنا ويسهر عندنا ليلة القدر، واستغرق والداى فى التلاوة
وجعلت أذهب وأجيء بين النافذة والباب المفتوح، وفجأة تعالت فى
جلال الليل زغرودة من بيت أحد الجيران. وتبادلنا نظرات الأسى
فى صمت وقال أبى متنهدا: لا يريد الحظ أن يبتسم بعد."
وهنا
أيضا، لم يصلنى من علاقة انتظار الفرح والحظ فى ليلة القدر،
أى جديد، فلا فكرة الانتظار فى وقت بذاته من أوقات السنة
جديدة بما فى ذلك بابا نويل"، ولا فكرة الانتظار كلها
جديدة (بما فى ذلك المهدى المنتظر)، ولاشيء اللهم إلا لمحة
عابرة لحقد مشروع على حظ الجيران دونهم.
58 - همسة عند الفجر
تسير
وأنا فى مقدمها أسير حاملا كأسا كبيرة مترعة برحيق الحياة. فى
مرحلة حاسمة من العمر عندما تنسم بى الحب ذروة الحيرة والشوق
همس فى أذنى صوت عند الفجر.
-
هنيئا لك فقد حم الوداع.
وأغمضت عينى من التأثر فرأيت جنازتى
ها
هى الأصداء تصدح من جديد: تتكثف اللحظات فى ذروة الحيرة، ويصاعد
الحب، لا إلى ذروة السعادة بل إلى ذروة أروع، ذروة الحيرة
والشوق، فنتعلم التمييز بين حب مخدر حتى السعادة وبين حب
منتش بالحيرة محاط بالشوق، كل ذلك عند الفجر: البداية الباكرة
المشقشقة، فتولد الحياة - كما عودنا محفوظ- من الموت، نعم:
عادت الأصداء تمزج الحلم بالحسم وتجسد الموت، وتشق الذات
البشريه ليعلن الواحد منا نهاية "مرحلة حاسمة من
العمر"، ويشاهد نفسه بنفسه، وهو يتقدم المشيعين حاملا
دلالات ولادته الجديدة "الكاس المترعة برحيق الحياة"،
ثم يؤكد ضمنا ما ذهب إليه إدوارد الخراط فى يقين العطش من
أن الارتواء ليس هو اليقين، وإنمما تعميق الحيرة والشوق
أبدا.
59 - الهجر
"لم أشعر بأنه مات حقا إلا فى مأتمه، شغلت
المقاعد بالمعزين، وتتابعت تلاوة القرآن الكريم. وانهمك كل
متجاورين فى حديث فذكرت حوادث لا حصر لها. إلا الراحل فلم
يذكره أحد، حقا لقد غادرت الدنيا أيها العزيز كما أنها قد
غادرتك".
لم
أكد أفرح بعودة الصدى يتردد ما بين الحلم والحسم، ما بين
النعش والكأس، حتى عاد الفتور يقول فى رتابة بدت لى مقررة:
"إن الحى أبقى من الميت"، وأنه مابكت الدنيا لفرقة أحد،
ولاتعطلت الأعياد والجمع، وتساءلت أين اختفى منى الصدى.
60 - البلهاء
"كانت الخادمة بلهاء ويدعونها الشيخة، وكانت
الست وحيدة فى الحلقة السادسة، وكان البيت يضطرب أحيانا تحت وطأة
الرغبة. وتسلل الاضطراب إلى روح الخادمة البلهاء فاستحوذت عليها
الكآبة، وسألتها الست وكانت تعطف عليها. ما لك يا شيخة؟
فأجابت بتأفف. أنا ذاهبة. فانزعجت الست وتساءلت. وتتركينى وحدى
يا شيخة؟ فقالت بحدة. لست وحدك يا فاجرة."
يكاد
يتأكد لى باستثناء الفقرة "58" أن هذه الفقرات كتبت فى
لحظات خفوت رتيب بشكل أو بآخر، حتى خِفتُ أن تفقد الأصداء
شيئا ما كان ينبغى ألا تفقده، إلا أنى توقفت أنتبه إلى أن
مثل هذا الاتهام - من الخادمة إلى سيدتها فوق الخممسين- حين
يأتى من بلهاء قد يكون ذا مغزى آخر يختلف عنه إذا ما صدر
من عقلاء يتمتعون بأخلاق الشطارة ويسارعون بالحكم على الآخرين،
أما البلهاء فإن ما أثارها - فى نظرى - لم يكن موقفا أخلاقيا
يصدر حكما فوقيا، وإنما شعورها بالإثارة، فالاحباط، فالظلم، فلم
تملك إلا أن تنسحب معلنه، أنها ليست شيئا جمادا تستعمله
سيدتها بين الزائر والزائر، وكأنها بقولها "لست وحدك"
(يا فاجرة) تعلن أنها هى الأولى بالشكوى من الوحدة الحقيقية
وكل من سيدتها وزوارها ينكرون وجودها بشرا حياله له مشاعره
ورغباته وجسده الجائع أيضا، فمن الوحيد إذن؟
61 - الطاهر
"رأت الشيخة رجلا حائرا وهى تسير فى السوق
بجلبابها الأبيض وخمارها الأخضر فسألته. عم تبحث يا رجل؟"
فأجاب بصبر نافذ: أ"بحث عن ماء طاهر" فقالت بلهجة
لم تخل من عتاب. لا يوجد ما هو أطهر من عرق
المرأة."
تلحقنى
هذه الفقرة لتؤكد لى دفاع الأصداء عن حق الجسد فى الارتواء،
وأن هذا هو الطهر بعينه، ولا تميز الأصداء فى ذلك بين حق
الرجل (فقرة 55 : قرة عيننا فى العشق والسكر") وحق المرأة هنا:
"لايوجد ما هو أطهر من عرق المرأة"، ومن أجمل مارق
بالمسألة أن هذه الجملة قيلت "بلهجة لم تخل من
عتاب"، وليس بلهجة غواية أو نداء!!
62 - الحياة
"أجبرتنى ظروف الحياة يوما لأكون قاطع طريق، وبدأت
أولى ممارساتى فى ليلة مظلمة فانقضضت على عابر سبيل وارتعب
الرجل بشدة شارفت به الموت وهتف برجاء حار: "خذ جميع
ما أملك حلالا لك ولكن لا تمس حياتى بسوء".
ومنذ
تلك اللحظة وأنا أحوم بروحى حول سر الحياة"!.
فى
الحياة ذاتها - دون أى مبرر أو معنى أو متعة أو بعد - سر
يحفظها، تشاهد ذلك فى سرب نمل يمشى على الحائط، وفى صف من
الأسماك الصغيرة يتلوى تحت الماء، بل إنى أقف امام مريض من مرضاى
انقطع عن العالم منذ عشرين سنة، وعن الحوار ولو بلفظ واحد
حتى مع من حوله من المرضى، وعن الشكوى، وعن الأمل، ولم يبق
فيه إلى عينان لامعتان تطل منهما الحياة كأقوى ما يكون، وجسد
يتحرك يؤدى طقوس الأكل والنوم والقيام والجلوس، أقف أمام هذا
المريض أسبح والأسئلة لاتكف عن الدوران، لماذا يستمر؟ إذن
ماذا؟ وماذا بعد؟ وما الفائدة التى يجنيها من الاستمرار هكذا؟
وما سر كل هذا الحرص؟ وأذكر كيف حضرنى مثل
ذلك وأنا أزور المرحومة خالتى المطلقة العاقر وقد تجاوزت عامها
السبعيين وهى وحيدة تماما، تكاد لاتتحرك، ومع ذلك فأكاد أجزم
أننى لم أر مثل تمسكها بالحياة، والأصداء مليئة بحيوات لها
زخمها الذى يعلن عنفوانها فى ذاتها، أما أن يكون التساؤل حول
سر الحياة مبعثه أن الرجل المهاجم فضـل تسليم ما معه لقاطع
طريق فهذا ما لم يستوقفنى حتى تذكرت أنه ليس مجرد قاطع طريق
عابر، ولكنه الراوى نفسه، وأنه لم يكن قاطع طريق محترف، بقدر
ما هو شخص قد أجبرته "ظروف الحياة" أن يقطع طريقها،
أو طريق عابر سبيل بها، فانتبهت لاحتمال أن تكون الحكاية
كلها داخلية، وأن يكون أحد الشخوص الداخلية هو الذى انقض على
الذات الأخرى المغتربة فى مكاسب لامعنى لها، وبدلا من أن تتمادى
المعركة (التى ربما تنتهى بالقضاء على الاثنين: بالانتحار) رجـحت
كفة الحياة - فى ذاتها - على كفة الـملكية للتملك، والتى يمكن
أن تتمادى على حساب الحياة إلى اغتراب لا نهاية له.
وهكذا
تصالحت - بالعافية - مع صدى هذه الفقرة
63 - الذكرى المباركة
"سألنى صديقى الحكيم عن حلم لا أنساه فقلت:
وجدتنى فى خمارة وسط جماعة من أهل الخير والبركة، نشرب ونغنى
وسأل سائل "ترى من يكون صاحب الحظ السعيد؟" وانزاحت
الستارة المسدلة على باب الخمارة، ودخلت امرأة عارية تموج
برحيق الحياة وفتنتها. ووقفنا ذاهلين ننظر وننتظر، واتجهت
المرأة نحوى حتى التصقت بى، وحلت عقدة شعرها المعقوص فانصب
حولنا كموجة عاتية فغطانا. وثمل الجميع بسعادة شاملة وأنشدنا
معا. "بشرى لنا، نلنا المني"."
يعود
الحلم يخوض فى طبقات الوعى، فيتردد الصدى أبعد وأكثر اختراقا،
فيجمعهم يشربون ويغنون، وكما يتحفنا الحلم عادة (أو دائما)
بأبعاد تتخطى المعتاد، نرى هنا هذه المفارقات الرائعة المفيقة،
فهم يجتمعون فى خمارة، ومع ذلك هم من أهل الخير والبركة.
ومن ناحية أخرى كان التنافس لاختيار واحد فقط هو صاحب الحظ
السعيد، وإذا بالراوى هو المختار.
إلى
هنا كان يمكن أن نرضى بقسمة القدر، وأن نبارك له قائلين
"حلال عليك"، أو ": يا بختك، إلا أن الحلم الصدى
يتخطى هذه الصدفة السعيدة لتصبح موجة الحياة غير قاصرة على
واحد دون الآخرين، وإذا بشعرها المعقوص الذى حلت عقدته يحيطهم
جميعا بعد أن كانت قد التصفت به وحده.
فـتنبهنى
هذه الفقرة الحلم/ الصدى إلى رسالة تقول: إن صاحب الحظ السعيد،
لا يكون كذلك إلا أن تغمر السعادة الجميع: "بشرى لنا،
نلنا المني".
64 - فى الحجرة الواسعة
""فى المنام رأيتنى فى حجرة واسعة عالية
السقف، خالية من الأثاث عدا مائدة مستديرة فى الوسط حولها
كرسيان متقابلان، جلست على كرسى وجلس على الآخر صديق حميم،
وأمام كل منا فنجان قهوة، وثمة باب يفضى إلى حجرة أخرى مظلمة
جدا لا أدرى شيئا عما بداخلها. وقال صديقى: علينا أن ننجز
المهمة. فقلت موافقا. لابد من إنجازها. وفجأة قام صديقى فمضى
نحو الحجرة المظلمة واختفى، وتبين لى بعد ذهابه أن القهوة
اختفت من فوق المائدة فناديت عليه، لم أسمع ردا ولكن ظهر
شخص غريب فجلس مكانه وقد لفت انتباهى بعباءته البيضاء. ورغم
أننى لم أكن أعرفه إلا أننى قلت لنفسى إن وجوده خير من
عدمه أما هو فقد وضع أمامه كأسا وكاسا أمامى وقال: لنشرب
نخب الضوء والظلام. فرفعت الكأس لأشرب ولاحت منى التفاتة إلى
داخلها فرأيت وجه صديقى الغائب يرنو إلىّ، فارتعشت يدى وقلت
للجالس أمامى. "لابد من إنجاز المهمة."
يستمر
الحلم، وقبل أن أكمل الفقرة أفرح لمجرد قراءة البداية "فى
المنام"، ربما لعلاقتى الخاصة بإبداع محفوظ حين يدخل من
باب الحلم، كما تعلمت خاصة أثناء قراءتى عمل محفوظ السابق
"رأيت فيما يرى النائم" وربما لأن الحلم السابق مباشرة
(فقرة 63) طمأننى ضد توجس خفوت صوت الأصداء، وربما لأن الأحلام
فى هذه الأصداء لم تخذلنى أبدا (حتى الآن على الأقل) وفعلا لم
يخب ظنى[1] : سوف
أعود إليها فى دراستى المقارنة مع أحلام فترة النقاهة
بمجرد
أن يبدأ الحلم أجد نفسى بين شخوص الداخل أكثر، الواقع
الداخلى: تنفرط الذات إلى ذواتها، وتبدأ الحوارات، هنا نجد
أنفسنا أمام "حوار المواجهة"، تبدأ المواجهة بيقظة
متبادلة بين الذوات وبعضها، وفنجان القهوة أمام كلٍّ، لكن -
وبالرغم من محاولة الاتفاق على المهمة (رحلة العمر) يختفى أحد
المواجهين، وأتصور ذلك ترجمة لرحلة الكبت الضرورية لاستمرار
مسيرة النماء على مراحل، لكن الاستمرار الأحادى بلا مواجهة وبلا
حوار - بعد كبت الذات الأخرى - هو وهم ضد الطبيعة البشرية،
فيتشكل الداخل فى محاور جديدة (ذوات أخرى) إذ يستبدل فنجانى
القهوة، بكأسين، ويتعمق الحوار ويتحدد لتصبح المهمة أقل غموضا
وفى نفس الوقت أصرح تناقضا، "نخب الضوء والظلام"
(مازلت فرحا بكثافة هذا الحلم).
أصبحت
المواجهة جدلا خلاقا يعترف بحق كل من المتحاورين بنصيبه من
الظلام والضوء فيشرب الجميع نخبهما معا، وإذ يتمادى الجدل، لا
يحتاج الأمر إلى قاهر آخر يمارس كبتا جديدا (فقد اختفى فى
الحجره ومعه أدوات يقظته النشطة : فنجان القهوة)، وهذا الجدل
الحيوى الداخلى هو الذى يحقق التكامل، فى حين أن الصراع التناقضى
لايحله إلا إلغاء أحد شقيه، أو اللجوء إلى تسوية ساكنة، توقف
النمو والحركة معا.
لكل
ذلك فقد قرأت فى هذا الحلم أن نجاح طرفى المواجهة فى مواصلة
الجدل دون إلغاء أحد الشقين أو الرضا بالتسوية لم يحقق فقط
تحمل التناقض بل سمح بالاعتراف بالذوات الأخرى التى كانت قد
اختفت، فهذا هو الصديق الغائب يظهر فى الوعى من جديد، يظهر
أقرب فى قاع الكأس مباشرة ويصبح إنجاز المهمة واستمرار الحياة
إلى غايتها التكاملية أقرب وألزم وأروع، وكأنه يقول إن إنجاز
المهة رحلة الحياة - لايكون بالغاء الذوات الغامضة أو المهددة
أو الممختلفة، وإنما بمواجهتها وتناولها نحو تكامل ممكن.
65 - اللحن
"فى حلم ثان وجدتنى فى حجرة متوسطة يضيئها
مصباح غازى يتدلى من سقفها، فى ركن منها جلس جماعة من الرجال
والنساء على شلت متقابلة يتسامرون ويضحكون بأصوات مرتفعة، لم
يكن فى الجدران باب ولا نافذة إلا فتحة صغيرة فى اتساع عين
منظار مرتفعة بعض الشيء، فلم أر منها إلا سماء تتوارى وراء
المساء. شعرت برغبة شديدة فى العودة إلى أهلى ودارى. ولم أدر
كيف يمكن أن يتيسر لى ذلك،. وسألت السمار: أكرمكم الله كيف
أستطيع الخروج من هنا؟ فلم يلتفت إلى أحد وواصلوا السمر
والضحك، وغزت الوحشة أعماقى. عند ذاك لاح لى من خلال الفتحة
وجه غير واضح المعالم وقال لى: إليك هذا اللحن أحفظه منى
جيدا، وترنم به عند الحاجة، وستجد منه الشفاء من كل هم
وغم."
مثلما
يذيب دفء الشمس "شبورة الصباح"، أرى الفتور الذى هددنى
فى بداية هذا الفصل وهو ينقشع هذه الأحلام المتلاحقة تصلنى
كدفقات اقتحام شروق الشمس غيامة الضباب.
يظهر
فى هذا الحلم "رحم الدنيا"، وتولد قصيدة قصيرة
"سماء تتوارى وراء المساء"، وتتأكد لى العلاقة بين
الموت والعودة، فكرة العودة أصيلة فى الوجود الإنسانى سواء كانت
فى تعبير "أن يسترد الله أمانته" كما يفهم الموت عند
أهل التقوى، أو أفادت أن يرجع الجزء المنفصل إلى الالتحام
بأصله كما يشير المتصوفة عادة، العودة إلى الأهل والدار وصلتنى
هنا باعتبارها العودة إلى الأصل" الكل"، وحين تستحيل
العودة إراديا (إلا بالانتحار، وهو ليس عودة وإنما إجهاض)
ينبغى أن نتكيف ونحن "فى الانتظار" حتى يحين الأوان.
هذا
اللحن الذى هبط عليه من الفتحة التى تبدو منها السماء وهى
تتوارى وراء المساء، يمكن أن يكون "دينا" له طقوس
وأنغام، ويمكن - وهذا مستبعد نسبيا - أن يكون اغترابا له أيضا
فعل التنويم والتسكين، وأما الشفاء من الهم والغم (أو اختفاؤهما)
فهو يتحقق بالتوجهين معا: ولكن واحدا إلى أعلى وواحدا إلى
أسفل، يعزف اللحن العبادة التصعيدية فيزول الغم، أو نتخدر
بالإلهاء العامى فيغوص الهم، وشتان بين هذا وذاك، لكن
الاحتمالين قائمان.
66 - الفتنة :
"كنت أتمشى عند الباب الأخضر فصادفت درويشا
منتحيا جانبا بامرأة، كانت وسيطة العمر ريانة الجسم فواحة
الأنوثة محتشمة النظرة. ولما اقتربت منهما سمعتها تقول:
"يا سيدنا إنى أرملة، أعيش مع شقيقتى، مستورة والحمد لله،
ولكنى أخاف الفتنة". فقال لها:" أدى الفرائض. فقالت
بصدق. لا تفوتنى فريضة وأضافت". وأسمع تلاوة القرآن لدى كل
فرصة. فقال: " لن يمسك الشيطان". فقالت: ولكنى أخاف
الفتنة".
خوف
الفتنه لا يأتى من خارج (لن يمسك الشيطان) والعبادات لا تمنع
الخوف من الفتنة، وإن كان يمكن أن تمنع الوقوع فى الفتنة،
وهذه اللقطة السريعة تشير إلى عمق هام، وهو أن الوعى بالنزعات
الداخلية الحقيقية لا ينبغى أن يـرفض أو يساء فهمه أو حتى
أن يعزى إلى وسوسة الشيطان، هكذا ببساطة
67 - المعركة
"رجعت إلى الميدان بعد زيارة للمشهد الحسينى،
رأيت زحاما
يحدق
براقصة وزمار، الزمار يعزف والراقصة تتأود لاعبة بالعصا، والناس
يصفقون والوجوه تتألق بالسرور والنشوة، فكرت غاضبا كيف أفض
الجميع، ولكن فى لحظة نور رأيت فى مرمى الزمن الجميع وهم
يهرولون نحو القبر، كأنهم يتسابقون حتى لم يبق منهم أحد. عند
ذلك ولـيتهم ظهرى وذهبت".
لم
يجذبه زحام النشوه فى ميدان المشهد الحسينى كما اعتاد، ويبدو
أنه نجح أن يغطى الرغبة بعكسها، فوقف موقفا أخلاقيا رافضا
رغم اعترافه أن الوجوه كانت تتألق "بالسرور والنشوة".
وحين عجز عن أن يتمادى بالرفض، ظهرت وسيلة أخرى تحميه من
المشاركة، وهو أن يرى أن كل هذا زائل (وقبض الريح) فالجميع
سوف ينتهون إلى الموت، فما جدوى أى شيء، فتركهم وذهب: مادامت
هذه هى نهايتهم فهذا يكفى.
بدا
لى هذا الموقف - هكذا - غريبا وخاصة إذا قورن بما غلب على
الأصداء من حب الحياة والنصح بالإستجابة إلى نداءات النشوة
وساعات الحظ، ويلاحظ هنا أن الكاتب لم يؤيد نزعة الانسحاب،
ولا وافق على الموقف الحكمى الأخلاقى الفوقى الذى يرفض ويشجب
الرقص والتأود والنشوة والفرحة، ولكنه فى نفس الوقت لم يشارك
فترك الأمور للزمن، بالرغم من أنه لم يكسب هو مكسبا ظاهرا.
وقد
خيل إلى أن هذا أقرب إلى موقف الخوف من اللذه، أو ما يقال
عنه عدم القدرة على التمتع anhedonia، لكن لا يمكن
الاكتفاء بذلك وعنوان الفقرة هو "المعركة"، أية معركة
وهو لم يواجه أى آخر بالخلاف أو بالاختلاف؟ فهى المعركة
الداخلية : يقدم؟ يشارك؟ يواصل الحرمان؟ يدمغ؟ يؤجل؟ ينسحب؟
وحين انسحب، لم تنته المعركة، لأنها داخلية، أو لأن أى جانب من
كل هذا لم يرجح بوضوح.
68 - الأضواء
"استعدت الكاميرا فى موقعها، وضبطت الأضواء
وأشار المخرج ببدء التصوير: تلاقى حبيبان ودار حوار، انتهى
تصوير اللقطة.:همس الموزع للمنتج وهما يجلسان على مبعدة يسيرة
وراء الكاميرا. لن تصلح لأدوار الحب بعد اليوم، قلبى
معها..أشعلت الممثلة سيجارة لتريح أعصابها من عناء التمثيل.
ووقف المؤلف فى زاوية بعيدا عن الأضواء يصغى ويتابع لا يبالى
به أحد."
رغم
أن آثار الزمن تُـفقد هذه الممثلة التى تعتمد على شبابها
وجمالها (فقط!) فرحها تدريجيا (قارن فقرة 31) وخاصة إذا كان
الحكم هو الجمهور والأضواء، فإن الخلفية قد أظهرت دورا آخرا
بدا خافتا منذ البداية، وهو دور المؤلف الذى لا يبالى به
أحد، لكنه يـذكرنا أن المؤلف سيظل مؤلفا سواء كان تحت
الأضواء أم لا، أى أنه الأبقى بمعنى أو بآخر، وكأنه ينبهنا
أن البقاء للأصل، لا لمن تقع عليه أضواء الظاهر.
69 - على مائدة الرحمن
."عمرت مائدة الرحمن بالصائمين ولما ترامى
إليهم الآذان تأهبوا وسلموا وهتف رجل ذو شأن. طعامنا حرام
على من بقلبه زيغ.. وندت عن رجل ضحكة عالية لفتت إليه
الأنظار. أمسك عن الضحك وقال. "عندى غذاء أجمل فاصغوا
إلىّ! ولكنهم أقبلوا على الطعام وهم يسخرون من الرجل. ولما
أمتلأت البطون ثقلت الأجفان فغفوا إغفاة قصيرة ورأوا فى نومهم عالما
يفتن ويسحر، ولما استيقظوا توجهوا نحو الرجل الضاحك فلم يجدوا
له أثرا. وترك الغائب فى كل قلب لوعة."
ثم
طعامان معروضان للاختيار: طعام من "ذى شأن" شرطه ألا
يكون فى القلب زيغ، وطعام أجمل (يبدو دون شروط)، فيقبل
الجميع على الأول، لكن يبدو أنهم لم يلتفتوا إلى الشرط أو
هم لم يستوفوه، فغلبهم النوم تخمة، فرأوا - فى منامهم - لذة
الطعام الآخر، فانتبهوا، لكن كان الأوان قد فات، وهكذا تقول لنا
الأصداء أن الاختيار ليس سهلا، فالأمان الشكلى (شكلى مادام فى
القلب زيغ) لا يملأ الوجدان بالنشوة العليا، بل يملأ البطون
بما يؤدى إلى الغفلة، وعلى الجانب الآخر، فإن المتعة الحقيقية
الأروع، لا تنتظر، والحلم بها لا يكفى، فعلى الذى يختار، أن
يختار، وإلا فليس أمامه إلا تخمة مخيـبة (رغم الوعد بطعام
أجمل).
ومن
لم يحدد موقفه أو "يوفق أوضاعه" فلن يبقى فى قلبه -
بعد ضياع الفرصة - إلا الحسرة: "ولم يترك لهم إلا لوعة
فى القلب".
70
- البلياردو
"جلست فى ركن المقهى الذى تقوم فيه مائدة
البلياردو وجاء رجل نشط وراح يلاعب نفسه فيرمى الكره مرة
ويرد فى الأخرى. وقلت له بأدب: "هل تسمح لى أن الاعبك
فهو أجلب للمتعة" ؟ فقال دون أن ينظر إلى:" بل
المتعة أن ألعب وحدى وأن يتفرج الآخرون. ونظرت حولى فرأيت
جميع الزبائن يغطون فى النوم"
ما
هو الأسلم، أن يلاعب الانسان نفسه، يحاور نفسه، يحاول مع
نفسه مقسمة إلى ذواتها، أم أن يحاول مع آخر ويعترف به إذ
يتبادلان المغامرة والتفاعلات؟
العرض
هنا رجح الاختيار الأول : أن يلاعب الواحد نفسه، ولكن بشرط
ألا ينفصل عن الآخرين، ولكن ما إن يروى حاجته إلى الشوفان
إذ يتفرج الآخرون عليه، حتى تتأكد وحدته، لكن الآخرين ليسوا
رهن إشارته، وهو يرفض أن يلعب معهم، وفى نفس الوقت يطلب أن
يروه، يشوفوه، يعترفوا به، فجاء رفضهم بأنهم ناموا، انسحبوا،
رفضوا التوقيع على عقد تعيينهم شوافين محترفين مهمتهم أن
يؤكدوا وجود لاعب ذاتوى منغلق، فى الملعب الذاتى المنغلق،
والنتيجة هى أن يخسر اللاعبان فى النهاية، لأنهما واحد لا
أكثر.
71- اللؤلؤة
"جاءنى شخص فى المنام ومد لى يده بعلبة من
العاج قائلا: تقبل الهدية. ولما صحوت وجدت العلبة على الوسادة.
فتحتها ذاهلا فوجدت لؤلؤة فى حجم البندقة. بين الحين والحين
أعرضها على صديق أو خبير وأسأله : "ما رأيك فى هذه
اللؤلؤة الفريدة."؟ "فيهز الرجل رأسه ويقول
ضاحكا:،"أى لؤلؤة.. العلبة فارغة". وأتعجب من إنكار
الواقع الماثل لعينى.
ولم أجد حتى الساعة من يصدقنى. ولكن اليأس لم
يعرف سبيله إلى قلبى."
الحلم
- كما سبق أن أشرت من قبل ليس هو بالضرورة ما يحدث أثناء
النوم، ولكنه "العالم الآخر" بشكل ما، وحلم هذه
الفقرة يكشف عن تركيبة بشرية أساسية وعميقة، وفى نفس الوقت هى
من أبعد المناطق عن الدراسة والبحث، والفرض الذى أطرحه لتفسير
ذلك يقول:
إن
الوجود البشرى، مهما عرفنا أبعاده ومراميه وتركيباته وأقطابه
لايحكمه وينظمه - فقط - ما نعرف عنه، لأن ثمه منطقة مجهولة
تـسـقط أحيانا إلى الخارج (منذ الفاكهة المحرمة فى الجنة حتى
حكاوى الأساطير)، أو تظل قابعة فى الداخل (نسميها أحيانا
"الذات" ونظل نبحث عن تحقيق الذات دون تحديد عادة
لأى ذات تلك التى نحاول تحقيقها) أو هى - هذه المنطقة الأخرى -
تـُفـعـلـن لتعيد تنظيم "الممكن من المتاح"، وهى هى
مصدر طاقة الإبداع المتجدد باعتبار أن الإبداع هو البحث
المتصل فى اتجاه استكشاف مجهول ليصبح معلوما جزئيا يؤدى إلى
مجهول أكبر، معلوما ناقصا، فمجهول أكبر، وهكذا..، وهذه المنطقة
الأساسية والمحورية والخاصة ليس لها اسم، وهى مرتبطة ارتباطا
وثيقا - من وجهة نظر هذا الفرض - بمفهوم الغيب، وعندى أن
الإيمان بالغيب (تدينا) هو من قبيل الاعتراف الذاتى بهذه المنطقة
الأساسية الجاذبة الموجـهه المفجـرة المجهولة، وهى منطقة، أو
مساحة، أو جوهر، بدون إسم: اسماها سعد الله ونوس الماسة،
وأسماها محفوظ هنا اللولؤه، وهو نفس الاسم الذى أطلقته عليها
فى قصيدة قديمة لى لم تنشر، ويبدو أن جذب هذا الاسم يرجع
لأن اللؤلؤ يكمن داخل جوف القوقع، والناظر من خارج لايراه
أصلا رغم أنه هو المطلوب أولا وأخيرا،
أما
لماذا لايرى الآخرون اللؤلؤة، فلسببين، ربما : الأول أن صاحبها
نفسه يراها بعين اليقين، لا بعين الواقع، فهو لا يراها
تحديدا متصلا وإنما حضورا واجبا واعدا، والثانى أنها لا تـرى
أبدا من الخارج وإنما الذى يرى منها ليس سوى أثارها الإيجابية
(الإبداع) أو آثارها السلبية بواسطة محاولة إخفائها بأعراض
مرضية، أو بموقف سلبى من الآخرين.
ثم
عدت أتوقف عند أن صاحبنا تلقاها "هدية" فى حين أن
ما سبق من فرض يؤكد أنها موجودة كامنة واعدة من البداية
عند كل الناس بلا استثناء، ثمة من يلغيها أصلا، وثمة من
يسمع عنها فينكرها، وثم من يستبدلها بمثيلتها من اللؤلؤ المزيف
- خشية السرقة- فلا يتمتع بها أصلا، فلماذا وردت "
اللؤلؤة" فى هذه الفقرة كهدية (من الخارج)؟
تفسيرى
لذلك أن الهدية لم تكن هى اللؤلؤة، وإنما "الوعى بها"
وبقيمتها وطبيعتها الخاصة الخفية، و "البديع" أعلم...
72 - المصادفة
"تحت التمثال تقابلنا مصادفة توقفت عن السير،
إنه يبتسم، وأنا ارتبك. صافحته بالإجلال الذى يستحقه فسألنى.
"كيف الحال؟" فأجبت بأدب وحياء. "الحمد لله، فضلك
لا ينسى." فقال بصوت لم يخل من عتاب رقيق: "حسن أن
تعتمد على نفسك، ولكن خيل إلى أنك نسيتني!" فقلت بحياء. "لا
أحب أن اثقل عليك ولكن لاغنى عنك بحال".
وافترقنا
وقد أثار شجونى، تذكرت عهدى الطويل معه عندما كان كل شيء فى
حياتى، كما تذكرت فضله وأياديه، تذكرت أيضا أطواره الأخرى مثل
إعراضه وجفائه ولا مبالاته دون تفسير يطمئن إليه القلب. رغم
كل شيء اعتبرت اللقاء مصادفة سعيدة"
وصلتنى
هذه الفقرة وكأنها من أهم فقرات الأصداء، وإن كان يصعب
تفسيرها تفسيرا لا يؤاخذ عليه، فما جاءنى هو قراءة مكملة للفقره
رقم 27، حيث ذكرنا أن الفضل كله كان يرجع إلى الباسط سبحانه
(راجع علاقة المعلم عبد الدايم بعبد الله)، وأن رواد مقهى
المعز قد أنكروه جحودا أو نسوه إهمالا، وأن عبد الله ظل
معترفا بأفضاله بعد وقبل كل الظروف، فإذا عدنا إلى هنا فإننا
نجد أن هذا الاعتراف بالفضل كان مرحلة، ثم لاح الإنكار
(الإلحاد وأنسنة الوجود) فتعملقت قدرات البشر حتى بدوا لهم
أنهم قادرون على الاستغناء عن أفضاله سبحانه، ولم يذكر الملحد
هنا أنه كان مؤمنا لردح طويل من الزمن، وأن هذا الإيمان
أعانه ودعم وجوده، وأنه لم يكن سهلا أن يواصل هذا الإيمان
لافتقاره إلى قواعد موضوعية ونفعية (إعراضه وجفائه ولا مبالاته
دون تفسير) وبالتالى لم يرجع إلى التسليم له حتى لو رأه رأى
العين حتى لو أقر بأفضاله وأهميته، فهو لم يعتبر هذه الرؤية
فى نهاية النهاية "إلا مجرد مصادفة".
73 - الحنين
"كنت ألقاه فى الخلاء وحيدا يحاور الناى ويعزف
لجلال الكون، قلت له يوما "ما أجدر أن يسمع الناس
ألحانك" فقال بامتعاض "إنهم منهمكون فى الشجار
والبكاء"! فقلت مشجعا: "لكل امرئ ساعة يحن فيها إلى
الخلاء".
علاقة
محفوظ بالخلاء علاقة خاصة، تحتاج لدراسة خاصة، الخلاء عند
محفوظ كثيرا ما يحيط بالمقابر (الحرافيش)، وأحيانا يكون فى
الطريق الصحراوى (الشحاذ)، وأحيانا لا يتحدد له مكان أصلا،
وإنما يتردد فى اتساع الداخل، وتتردد الأصداء بين ترامى الخلاء
الخارجى وحركة الخلاء الداخلى، وعموما فإن الخلاء عند محفوظ لم
يكن أبدا فراغا، بل إنه كان دائما مليء بالوعد والحركة
اللذان يكملان ويتجاوزان الحدود المحدودة ظاهرا، وفى هذا الخلاء
(الخارجى والداخلى معا) يتولد شوق ما، شوق إلى المطلق، إلى
الله، إلى "المابعد"، فى الحرافيش تلاشى (اختفى) عاشور
الناجى فى الخلاء الخارجى إذ التحم معه، فى حين كانت التكية
تمثل الخلاء الداخلى المليء بالحركة الحيوية والأنغام.
وفى
الخلاء هنا (أكرر: الذى هو ضد الفراغ) يحدث الشيء، وبما أن
"الشيء هو الشيء"، فلا يمكن أن نفصل الأمر فى ألفاظ دون
أن يُختزل أو يشوه، ورؤية وجه الله سبحانه وتعالى - عند
المتصوفة - والحوار الممكن معه فى الداخل والخارج تتمان فى رحاب
الخلاء الداخلى والخارجى على حد سواء، وهذه المناجاة بين كون
الداخل وكون الخارج; لا يمكن أن تغلق على نفسها، فهى تتردد
أنغاما حوارية على الناى: لتقربنا من جلال الكون لا لننفصل عن
الناس، ثم نعرف أنه يعز على من يطلب وجهه تعالى هكذا أن
تظل الرؤية حكرا عليه، فيتمنى أن يبلغ الرسالة، فلماذا يحرم
الناس من هذا التعيين المباشر، ويجيء الرد بلومهم
(كما فى نهاية الشحاذ: إن كنت تريدنى فلم تركتنى) وينصب اللوم
على أنهم هم الذين لايريدون، هم مشغولون بالشجار والبكاء، لاحظ
لم يقل مشغولون بالدنيا، أو جمع المال، والإشارة هنا إلى
الشجار والبكاء لها دلاله خاصة لأنهما قيمتان غير مرفوضتين،
فالشجار جزء لا يتجزأ من حركة الحياة وأكل العيش، والبكاء
حق للتعبير عن الألم أو الأسى أو الفقد، وما إلى ذلك، إذن
هم مشغولون بما يشغل (وليس بما لايستحق)، ومع ذلك فهذه
الرؤية اليقين التى تأبى أن تقتصر على صاحبها، تعذر الناس
المشغولين وتقرر أنه مهما كان الانشغال فالحنين هو إلى اللحن
الصادر عن الحوار الداخلى الخارجى، ثم إن الخلاء الداخلى/الخارجى،
لايختفى أبدا أو نهائيا مهما اشتد الشجار، وعلا البكاء.
(لا أحد يمكن أن يقرأ هذه الفقرة دون أن يحيط
به جو "زعبلاوي" "والطريق" "وعاشور الناجى
الكبير فى الحرافيش"، ثم وجد عمر الحمزاوى فى الصحراء، (فى
الشحاذ) وريح الجـبلاوى فى أولاد حارتنا).
74 - الطاعة
"لم ترفض فى حياتها طلبا أو تتجاهل إشارة
وكانت تلبى نداء الشوق دون مبالاة بالثمن وأنذرها منذر بسوء
العاقبة، ولكنها كانت شديدة الإيمان بالغفور الرحيم"
نعود
إلى الحياة المعطاء وهى تتجسد فى هذا النوع من النبض الغامر
بالحس الحى الذى يستجيب للجميع دون تفريق، ويضاف هنا: "ودون
مبالاة بالثمن"، كما يضاف أن هذا الفيض الغامر هنا ليس
كرما أو عطاء بقدر ما هو طاعة (العنوان) لقانون خفى يعلى من
شأن هذه الاستجابة العامة غير المشروطة مهما كانت العواقب،
فإذا خالف ذلك ظاهر الأوامر وحدود النهى، فإن الله سبحانه
أعلم بكل القوانين، وبأصول الطاعة الحقيقية، وبالتالى فرحمته
وغفرانه، والتى هى جزء لا يتجزأ من كل القوانين لابد وأن
تعدل الميزان (قارن فقرة 28، وإلى درجة أقل فقرة 55).
75
- ساعة الحساب
جلس
يتناول طعامه فى المطعم الصغير بهدوء وشهية دون مظهر مقبول،
وبوجه مرهق، ولما
حان وقت الحساب قال لصاحب المطعم.
- لا تؤاخذنى ليس فى جيبى مليم واحد، وكنت جائعا لحد
الموت.
بهت
الرجل ولم يدر ماذا يصنع، ولكنه حرص على أن تبقى الواقعة
سرا لا يدرى به أحد.
تختلط
حسابات الواقع بحسابات الخوف، وحين تختفى هذه وتلك يصبح الوجود
الطبيعى أقرب إلى العودة إلى قانون الحياة قبل أن تنشأ
الحسابات:، فمن حق الجائع - مثلا - أن يأكل دون أن يسأل، أو
أن يسأل قبل أن يأكل كم قرشا فى جيبه، وبناء عن هذا الحق
البسيط يظهر الهدوء - غير المتناسب مع احتمال الاتهام بالنصب
أو السرقة - وتتواصل الحكاية، فقد كان جائعا لحد الموت، ورغم
غرابة التصرف الظاهر إلا أن نظرة أعمق - حتى من الذى أخذ
المقلب وهو صاحب المطعم - تلهمه أن ما جرى "هكذا" هو
حق اليقين، لكنه - بحسابات الواقع - يسقط فى يده، ولا يدرى
ماذا يفعل، ولأنه أقتنع بما حدث داخليا فهو يبقيه سرا فيكسب
فخرا خفيا إذ أنه احترم هذا الجانب من نفسه الذى اقتنع بحق
الجائع حتى الموت فى الأكل دون مقابل، وفى نفس الوقت هو لا
يفتح على نفسه باب المعايرة بالخيبة والاستكراد لو أنه اعترف
بما حدث،
ثم
إنى ما إن عدت إلى العنوان " ساعة الحساب"حتى خطر
ببالى أن أقرأ الفقرة من جديد من خلال رمز أعمال الدنيا،
ويوم الحساب فى الآخرة، والغفران الممكن لمن كان عنده حجة
دامغه (مثل الجوع لحد الموت) - لكننى لم أفعل (رغم أنى لم
أستبعد)
76 - الغفلة
كالعصافير
يمرحون فى كنف الوالدين. البيت صغير والرزق محدود ولكنهم لم
يتصوروا نعيما يفوق النعيم الذين ينعمون به. وتمادى يوم حار
من أيام الصيف بأنفاسه المحملة بالرطوبة فهتفت عصفورة."
أف،.. متى يجيء الخريف؟" وغمغم وهو يراقبهم من بعيد"
لماذا تفرطون فى الأيام المتاحة الطيبة؟"
"الآن" عند نجيب محفوظ ليس كمثلة شىء،
وحتى الحنين إلى "المابـعد"، والشوق إلى عزف الناى فى
الخلاء، والاستماع إلى ألحان الكون لايتم "فيما بعد"،
بل هو "حاضر فى الآن".
هذه
الفقرة تؤكد على ضرورة الغوص فى "الآن" طالما هو
مُـرض وكاف، حتى لو كان ذلك نتيجة للنكوص إلى طفولة غير
مسئولة، أو الاختباء فى غفلة لاهية، على أن "الآن" حتى
لو كان طفولة أو غفلة أو نكوصا أو هربا فإن به قدرا
كافيا من المكدرات والمبغضات والمنذرات، ومع ذلك فإن التمادى
للاستجابة للضجر من هذه الضروريات المصاحبة لابد وأن يترتب
عليه حرمان من روعة "الآن" بلا مبرر.
77 - دعابة الذاكرة
رأيت
شخصا هائلا ذا بطن تسع المحيط، وفم يبلع الفيل، فسألته فى
ذهول "من أنت يا سيدي؟" فأجاب باستغراب" أنا
النسيان فكيف نسيتني؟"
عودة
إلى تقاسيم الذاكرة والنسيان، وقبل أن نقرأ هذه الفقرة باسـمين
(فى الأغلب) نتذكر النسيان الانتقائى (فقرة 6) والنسيان العدم
والإعدام (فقرة 11) وقسوة الذاكرة تتجلى فى التذكر كما تتجلى فى
النسيان (فقرة 13)، وهكذا نحسن استقبال كيف يظهر لنا محفوظ
هنا لعبة طريفة ونحن ننسى النسيان الذى يأتى على كل شيء
"بطن تسع المحيط وفم يبلع الفيل"، ولا نملك إلا أن
نعامله بالمثل فننسى النسيان، تجنبا لقسوته التى أشرنا إليها
فى(فقرة 13)؟.
78 - البلاغة
قال
الأستاذ " البلاغة سحر" فآمنا على قوله ورحنا نستبق فى
ضرب الأمثال. ثم سرح بى الخيال إلى ماض بعيد يهيم فى
السذاجة. تذكرت كلمات بسيطة لا وزن لها فى ذاتها مثل: أنت،..
فيم تفكر ؟... طيب،. يا لك من ماكر... ولكن لسحرها الغريب
الغامض جن أناس،.. وثمل آخرون بسعادة لا توصف،..
على
صغر هذه الفقرة، فإنها تطرحنا أمام قضية نقدية لأعمال محفوظ،
أنا لست متأكدا من أنها نالت حقها من الدراسة، وهى قضية
اللغة، وإن كنت قد قرأت أكثر عن علاقة يحيى حقى باللغة،
مبدعا، وإلى درجة أقل ناقدا، فهنا ينبهنا محفوظ إلى نوع من
البلاغة تستأهل الوقوف عندها، وأنها ليست أبدا، ولا أصلا ذلك
البريق الذى ينبعث من ظاهر الألفاظ أو زينة الأسلوب، وليست هى
أيضا : الحكم الرصينة المختصرة التى تنطلق من مثل أو بيت
شعر، بل إن الحديث بالأمثال والاستشهاد بالشعر قد يصبح ضد
البلاغة بالمعنى الذى تتناوله هذه الفقرة، وربما بالمعنى الذى قال
فيه صلاح عبد الصبور "يأتى من بعدى من لايتحدث
بالأمثال"، أما البلاغة التى يقدمها لنا هنا محفوظ فهى أن
يحمل اللفظ - أى لفظ - معناه تماما، فيصبح سحرا قادرا أن
يثمل به الناس فى سعادة لا توصف، وأن يجن فى صحنه آخرون،
أية ألفاظ هذه التى تـسكر وتـجن؟ ألفاظ غاية فى السذاجة، هى
فى ذاتها كأصوات - أبعد ما تكون عن البلاغة مثل
"أنت" هكذا فقط : "أنت"، أو "فيم
تفكر"؟ نعم "فيم تفكر" أو "طيب" أكرر :
إنه لفظ "طيب" ثم "يالك من ماكر"،،...... أعنى
"يالك من ماكر"، هل أدعوك - عزيزى القاريء - أن تتوقف
عند هذه الألفاظ فتكررها أنت للمرة الثالثة بصوت مرتفع، ثم
تترك كل لفظ (أو تعبير) منها يرن فى وعيك شخصيا دون محاولة
أن تكمل، ودون محاولة أن تتذكر حوله أو به أو منه شيئا،
إذا فعلت ذلك "هكذا"، فسوف تعرف علاقة محفوظ باللغة،
وربما تتصالح عليها وربما[2]
79 - الطرب
يا
له من زمن، زمن الطرب
ترسل
الحناجر الذهبية أنغامها فتنتشر النشوة كالشذا الطيب النفاذ،
وتتحلق فى هالة الطرب امرأة جميلة تعشقها القلوب البيضاء
ولكنها لا تعثر لها على أثر فى غير دنيا الطرب،. لقد اختارت
قلب الطرب مقاما لها لا تبرحه.
ينبهنا
محفوظ هنا إلى أن المصلين فى هذا المحراب - حد العشق - هم
أصحاب القلوب البيضاء، أوهم القلوب البيضاء نفسها، ومن ثم فإن
زمن الطرب هو حق هذه القلوب الذى يسمح لهم بعشق هذه
الجميلة، ولا أريد أن أتمادى لأقول إن الجميلة عند محفوظ
(كما تكررت فى مواقع أخرى)، هى الحياة أو هى "الدنيا"،
لأن الحياة موجودة أيضا ولازمة فى مقام الشجن، ومقام الألم،
ومقام الشوف، وهى ليست قاصرة على مقام الطرب، وأرجح أن لكل
مقام امرأته الرائعة، وبالتالى فنحن نعود إلى تعميق
"الآن" دون فصله عن ما قبل وما بعد.
ويأتينى
تعقيب ختامى لأقارن بين وصف مثل هذا المقام الطروب بأنه مقام
"الليالى الحمراء"، وبين إصرار محفوظ على أن هذه
الجميلة تعشقها القلوب البيضاء" ولا أزيد،
80 - على الشاطىء:
وجدت
نفسى فوق شريط يفصل بين البحر والصحراء، شعرت بوحشة قاربت
الخوف. وفى لحظة عثر بصرى الحائر على امرأة تقف غير بعيدة
وغير قريبة. لم تتضح لى معالمها وقسماتها، ولكن داخلنا أمل
بأننى سأجد عندها بعض أسباب القربى أو المعرفة. ومضيت نحوها
ولكن المسافة بينى وبينها لم تقصر ولم تبشر بالبلوغ، ناديتها
مستخدما العديد من الأسماء والعديد من الأوصاف، فلم تتوقف ولم
تلتفت.
وأقبل
المساء وأخذت الكائنات تتلاشى ولكننى لم أكف عن التطلع أو
السير أو النداء.
النداهة
تعود من جديد، وهى فى هذه المرة ليست امرأة حسناء، أو وجه
مشرق، لكنها المجهول الذى لم تتضح معالمه، هنا : هى أقرب إلى
النداء المعرفى "داخلنا أمل بأننى سأجد عندها بعض أسباب
القربى والمعرفة" ونلاحظ قبل أن نستطرد كيف بدأت الفقرة
بضمير المتكلم الفرد ثم انتقلت إلى ضمير الجمع وجدت
نفسي"، داخـلـنا، ثم يعود إلى ضمير المتكلم، وقد يكون هذا
مجرد مصادفة، وقد يعنى أنه يعرج إلى ذواته فى وسط المناجاة،
ثم يعود إلى تفرده الشعورى، المهم أن السعى إلى المعرفة هنا
يزداد كلما أوغلنا فى اتجاهه، وهذه طبيعة رائعة: أنك كلما
ازددت معرفة أزددت شوقا إلى معرفة أرحب، بلا توقف.
81 - سر النشوة
حلمت
بأننى صحوت من نوم ثقيل على أنفاس رقيقة لامرأة أية فى
الجمال، رنت إلىّ بنظرة عذبة وهمست فى أذنى "إن الذى أودع
فى سر النشوة المبدعة قادر على كل شىء، فلا تيأس أبدا".
يعود
إلينا الحلم هذه المرة أقرب إلى العلم "حلمت بأنى
صحوت!!" لتظهر فيه امرأة أخرى، ولكنها محددة المعالم، فهى
آية فى الجمال، إلا أنك تشعر مباشرة أنه جمال مختلف عن
جمال المرأة التى اختارت قلب الطرب مقاما لها (فقرة 79)، وهى
لا تنادى أو تغرى وإنما تنظر بعذوبة، وفيها سر النشوة المبدعة
(وليس النشوة فى ذاتها، وليست النشوة فقط). كل هذه الرقة
المبدعة قادرة على أن تذيب أى جمود أو تجهض أى هرب، ليس
فقط بما هى، ولكن بما تدل عليه من قدرة من أودعها هذا
السحر المخترق، فكيف يتأتى أن يتمادى اليأس؟
82 - الانبهار
ذاع
عنه أنه عالم بكل شيء وقصدته الجموع فى ركن الطريق الذى
يجلس على أريكة فيه وقال وسيط خير.""لا وقت للأسئلة
السهلة، هاتوا ما لديكم من أسئلة مستعصية".
وانهالت
عليه الأسئلة المستعصية حقا. وساد صمت عميق ليسمع كل الجواب
الذى يغيثه. لم أر حركة تدب فى شفتيه ولم أسمع صوتا يند
عن فيه، ورجعت من عنده وسط جموع قد انبهرت بما سمعت لحد
الجنون.
الإجابات
الصامتة عن الأسئلة الصعبة هى الإجابات الحقيقية الباهرة، وهى
إجابات تأتى من الداخل /الخارج مباشرة بيقين ليس كمثله شيء،
ولايخفى على أحد أن الأسئلة المستعصية لابد وأن تدور حول الله
والخلود والجدوى، وكل هذه الأسئلة لاردود عليها فى مرحلة بذاتها
إلا بهذا اليقين الصامت وكل الردود العقلية، والعبادية،
والإثباتية، والمنطقية هى هوامش جيدة إذا ظلت فى حدودها، لكن
كل هذه الردود الرصينة قد تنقلب إلى قيود وحواجز يختفى وراءها
هذا الحكيم "العالم بكل شيء" والجالس على جانب" فى
ركن الطريق"، والذى يلقى بالأجوبة الصامتة التى تصبح يقينا
فى القلوب لا يحتاج إلى حركة الشفتين، أو خروج الصوت،
ولأنه يقين، ولأن الأسئلة كانت مستعصية، ولأن الإجابات كانت
يقينية رجعت الجموع من عنده وقد انبهرت بما سمعت لحد
الجنون. (ملحوظة : رفضت العنوان دون تبرير).
83 - الذكرى
فى
يوم السوق بحارتنا اخترقت الجموع امرأة عارية تتهادى، تسير فى
ترفع وتذيب مفاتنها الصخور، كف الناس عن البيع والشراء ووقفوا
ينظرون بأعين ذاهلة. كذلك مضت حتى غيبها المنعطف الأخير، وأفاق
الناس من ذهولهم فركبتهم حال جنون واندفعوا نحو المنعطف،
فتشوا فى كل مكان ولكنهم لم يعثروا لها على أثر.
كلما
خطر ذكرها على القلوب أكلتها الحسرة.
يحذق
محفوظ - كما ذكرنا كثيرا- لعبة تقديم الفرص الواعدة ثم
الإسراع بإخفائها، بنفس القدر الذى يتوقف به عند اللحظات
العابرة الدالة والملوحة، وهذه المرة يقدمها لنا فى صورة امرأة
مترفعة فاتنه، وعارية أيضا، هل هى الحقيقة البسيطة المجردة
المليئة بالوعد والتكامل؟
النظرة
الأولى المترفعة التى لا تحتاج إلى ستر أو ادعاء تقول إنها
فاتنة فى ترفع خليق بقيمتها، ولم ينقص العرى من هذه الفتنة
المتعالية، بل زادها جمالا؟ وهى بهذه الصورة، تلوح لتذكـر،
تظهر لتختفى، تذكرنا أنها موجودة لنواصل السعى نحوها، لا لنصل
إليها، وقد تأتى لحظات أو فترات إبداع أو نبوة أو كشف،
فتمكث معنا أطول قليلا، لكنها سرعان ما تختفى فى المنعطف
الأخير، تختفى لا تمـحى، ولا يبقى علينا إلا أن نواصل السعى
طالما أننا رأيناها رأى العين هكذا: فاتنة مترفعة واعدة
أكيدة.
84 - الندم
حملت
إلى أمواج الحياة المتضارية امرأة ما إن رأيتها حتى جاش الصدر
بذكريات الصبا، ولما ذابت حيرة اللقاء فى حرارة الذكريات
سألتها: " هل تتذكرين"؟ "فابتسمت ابتسامة خفيفة
تغنى عن الجواب". "فقلت متهورا". "التذكر يجب
ان يسبق الندم"! فسألتنى: "كيف تجده؟" فقلت بحرارة:
"ذو ألم كالحنين" فضحكت ضحكة خافته ثم همست: "
هو كذلك، والله غفور رحيم!"
".... ذو ألم كالحنين" قصيدة جديدة تعيدنا
إلى ملعب الذاكرة المليء بمناورات عذبة من دلال ووصل الكر
والفر، والمتلفع بهمس الحيرة ودفء الحنين، هذا التذكر الذى يجب
أن يسبق الندم والذى ألمه كالحنين هو شيء آخر غير الشعور
بالذنب، وقهر الاستغفار، هو شيء أقرب إلى العودة للتجربة بكل
مالها وما عليها، عودة إرادية حاضرة حية، وحتى نهاية الفقرة
جاء طلب الرحمة بديلا عن الاستغفار ونفيا للذنب، هو يقين
بالغفران وبالتالى استقبلته باعتباره إضافة إلى "ألم
الحنين" وليس نكسة إلى شعور بالذنب.
85 - المعركة
"فى عهد الصبا والصبر القليل نشبت خصومة بينى
وبين صديق. اكتسح طوفان الغضب المودة، فدعانى متحديا إلى معركة
فى الخلاء حيث لايوجد من يخلص بيننا. ذهبنا متحفزين وسرعان
ما اشتبكنا فى معركة ضارية حتى سقطنا من الإعياء وجراحنا تنزف
بغزارة. وكان لابد أن نرجع إلى المدينة قبل هبوط الظلام".
"ولم يتيسر لنا ذلك دون تعاون متبادل لزم أن نتعاون
لتدليك الكدمات، ولزم ان نتعاون على السير. وفى أثناء الخطو
المتعثر صفت القلوب ولعبت البسمات فوق الشفاه المتورمة، ثم
لاح الغفران فى الأفق".
مواجهة
أخرى، داخليه أصلا، وهى لم تكن مواجهة هادئة تكاملية تبدأ
بفنجانى قهوة وتنتهى بكاسين (راجع فقرة 64) لأنها مواجهة باكرة
حدثت فى عهد الصبا فلزم العراك (فى الخلاء أيضا) العراك جسدا
لجسد، ليحل الإعياء وتنزف الجروح لكن نهايتها تؤكد ما أشرنا
إليه سالفا من أن التكامل داخل الذات، إنما يتم بالتصالح،
لا بالتسوية (الحل الوسط) ولا بترجيح جانب على الآخر.
هذه
الفقرة تذكرنا أن الصراع الصريح هكذا رائع حافز، وأن التصالح
ممكن، وأن التنظيم التبادلى بين الذوات محتمل، وكل ماعدا ذلك
مما يغرى بالإسراع فى التخلص من جانب لحساب الأخر هو تشويه
معطل لا يكتمل معه النماء، ولابد من التفرقة بين صراع يتنامى
حتى التصالح هكذا وبين صراع يستمر بل ويزداد مع كل معركة
تاركا وراءه وعدا بالثأر وحفزا للانتقام، هذا النوع الأخير هو
الذى يمكن أن يقال عنه "صراع قتالي" لكن المعركة هنا
هى من نوع آخر لعلها أقرب إلى ما يمكن أن يسمى "صراع
الجدل الخلاق".
86 - حوار الأصيل
إنه
جارنا فنعم الجيرة ونعم الجار. عند الأصيل يتربع على أريكة
امام الباب متلفعا بعباءته، بذلك يتم للميدان جلاله وللأشجار
جمالها. وعندما تودع السماء أخر حدأة يرجع أبناؤه الثلاثة من
اعمالهم. وعشية السفر إلى الحج نظر فى وجوههم وسألهم:
"ماذا تقولون بعد هذا الذى كان؟" فأجاب الأكبر:
"لا أمل بغير القانون" "وأجاب الأوسط".
"لا حياة بغير الحب". "وأجاب الأصغر".
"العدل أساس القانون والحب". فابتسم الأب وقال:
"لابد من شيء من الفوضى كى يفيق الغافل من غفلته".
"فتبادل الاخوة النظر مليا ثم قالوا فى نفس واحد"
"الحق دائما معك"؟.
قصيدة أخرى يتمم فيها الحضور الحيوى لهذا الجار الحكيم جلال الميدان وجمال الأشجار، ثم نجد أنفسنا فى مواجهة الأسئلة "غير المستعصية" (قارن فقرة 82 حيث تمت الإجابة عن الأسئلة "المستعصية" بالصمت اليقين) أسئلة تبدو سهلة، وإجابات تبدو بديهية، إلا أن المسألة ليست هكذا تماما، إذ مهما كانت الإجابات محددة، حتى بموافقة الحكيم المزمـع على التنحى (عشية السفر للحج، وأيضا الوقت عند الأصيل) فإنه يستحيل تحديدها "هكذا" لا بالقانون، ولا بالحب، ولا بالعدل أساس كل من، القانون والحب، وقد شعرت أن الموافقة على هذا الظاهر هى أشبه بالشعار منها إلى الإجابة، وكأننا نقول : الحب هو الحل، أو العدل هو