الفصل الأول
الطفل يرحب بالشيخوخة
ويغازل الموت
1-
دعاء
دعوت
للثورة،. وأنا دون السابعة ذهبت ذات صباح إلى مدرستى الأولية
محروسا بالخادمة، سرت كمن يساق إلى سجن، بيدى كراسة وفى عينى كآبة
وفى قلبى حنين للفوضى، والهواء البارد يلسع ساقى شبه العاريتين
تحت بنطلونى القصير.. وجدنا المدرسة مغلقة والفراش يقول بصوت
جهير: بسبب المظاهرات لا دراسة اليوم أيضا،
غمرتنى
موجة من الفرح طارت بى إلى شاطيء السعادة ومن صميم قلبى دعوت
الله أن تدوم الثورة إلى الأبد !
تبدأ الأصداء بطفل قبل
السابعة، يحمل بذور الثورة الفطرية الجميلة، التى أسماها
"حنين للفوضي"، تواكبها كآبة نتيجة للإحاطة المُحْكمة
ما بين خادمة تحرسه، وقهر يسوقه إلى سجن النظام
"المدرسة"، فتنقذه المظاهرات من هذا وذاك، لتطير به
إلى "شاطيء السعادة" داعيا للثورة بطول البقاء.
هذه البداية تغرى القاريء
أننا أمام "سيرة ذاتية" حقيقية، لكننا نلاحظ منذ الوهلة
الأولى العلاقة بين حنين الطفل للفوضى وبين مظاهرات الثورة فى
الخارج، فنلمس ذلك الخيط السحرى بين،الداخل والخارج والذى يؤكد
أن هذه الأصداء، إذ تتردد، لا تفصل أصلا بين واقع الذات
والواقع الملموس خارجها، بل والواقع المتجدد والمتولد من خلال
حوارهما.
فاعتقدت
أن الأصداء إنما سميت كذلك، أو هى كذلك، لأنها تشير إلى
ترجيع صدى وأصداء صوت الذكريات الحية بين طبقات الوعى (/الواقع)
الداخلى، وتضاريس الوعي(/الواقع) الخارجى متجاوزة سجن الزمن
التتابعى ناهيك عن هذا الحدْس الذى يربط الثورة بالفوضى بالفرحة الطفلية، الأمر
الذى يغيب عن أغلب الناس، (وبالذات عن "الثوار").
2-
رثاء
كانت
أول زيارة للموت عندنا لدى وفاة جدتى، كان الموت مازال جديدا،
لا عهد لى به إلا عابرا فى الطريق، وكنت أعلم بالمأثور من
الكلام أنه حتم لا مفر منه، أما عن شعورى الحقيقى فكان يراه
بعيدا بعد السماء عن الأرض، هكذا انتزعنى النحيب من طمأنينتى
فأدركت أنه تسلل فى غفلة منا إلى تلك الحجرة التى حكت لى
أجمل الحكايات. ورأيتنى صغيرا كما رأيته عملاقا، وترددت أنفاسه
فى جميع الحجرات فكل شخص نذكره وكل شخص تحدث عنه بما قسم.
وضقت بالمطاردة فلذت بحجرتى لأنعم بدقيقة من الوحدة والهدوء،
وإذا بالباب يفتح وتدخل الجميلة ذات الضفيرة الطويلة السوداء،
وهمست بحنان : لا تبق وحدك.
واندلعت
فى باطنى ثورة مباغتة متسمة بالعنف متعطشة للجنون وقبضت على
يدها وجذبتها إلى صدرى بكل ما يموج فيه من حزن وخوف.
فجأة، نجد أنفسنا فى مواجهة
موت الجدة"، فننتبه - أيضا من البداية - إلى دلالات نقلات
الذاكرة الخاصة، من طفل طائر إلى شاطيء السعادة، إلى جدة
تموت، والموت طوال الأصداء كان حاضرا بحيوية بادية، حيث تتفجر
منه الحياة فى معظم الأحيان،، كما علمنا محفوظ فى الحرافيش
أساسا.
محفوظ يعامل الموت هنا
باعتباره كائنا حيا "لا عهد له به إلا عابرا فى
الطريق"، ثم يحكى عن الموت إذ تسلل، ثم وهو
يصير"عملاقا له أنفاس تتردد فى كل الحجرات"، وفجأة
ينقلب الموت شبحا يطارد الطفل شخصيا، فيجرى أمامه ليلتقى
بالحياة، "الجميلة - ذات الضفيرة".، هذه الوصلة بين
الموت والحياة هى لعبة نجيب محفوظ المفضلة. (أنظر أيضا: الفصل
الرابع)
ويتبين هنا-أيضا- الخيط
الرفيع الذى لمحناه من البداية والذى يربط بين الداخل والخارج،
فإذا كان الدعاء للثورة (المظاهرات) التى أعفته من المدرسة
وارد فى الفقرة الأولي، فإن الثورة المباغته التى اندلعت
"فى باطنه" كانت حركة حيوية داخلية، آثارها فقد جدته،
وقد جاءت هذه الحركة (لاحظ الصفات): "مباغتة، متسمة بالعنف،
متعطشه للجنون"، أى طفولة حية هذه التى يسترجعها الشيخ
بهذا الوضوح حتى يعلمنا جمال انفجارات وعى الأطفال الداخلية،
تلك الانفجارات التى تــغـلف بالجنس دون أن يكون بالضرورة جنسا
(ولا يمنع أن تسمى جنسية دون أن تكون كذلك كما يفهم العامة
الجنس) لتنتهى الفقرة بالالتحام بالجميلة (طفل وطفلة) وبدلا من
أن نتصور أنها لذة النجاة بسبب الهرب من الشعور بالفقد
بالموت، نفاجأ بأنه جذب الجميلة إليه ولم يرتم فى حضنها خوفا
من الموت المطارد، ومع أنه هو الذى جذبها وهو فى ثورته
المتسمة بالعنف المتعطشه للجنون، إلا أن الجذب كان بكل ما
يموج به صدره من "حزن وخوف".
وحين يتذكر الشيخ (أو تبدع
ذاكرته) هذا الخليط الجميل الذى يجمع فيه تداخل العواطف
البشرية هكذا فى نسق متسق يرفض الإستقطاب والاختزال، نعرف أننا
أمام أصداء تتردد أكثر منها أحداث تحكى مجزأه، أو ترمز إلى
مفاهيم محددة مسبقا، وهذا يتطلب أن نعامل اللغة بطريقة
متجددة، ربما هى أقرب إلى الطريقة التى نقرأ بها الشعر،
فالثورة -مثلا- التى ذكرت فى الفقرة الأولى، غير الثورة التى
ذكرت فى الفقرة الثانية، وهكذا.
3- دين قديم
فى
صباى مرضت مرضا لازمنى بضعة أشهر. تغير الجو من حولى بصورة
مذهلة وتغيرت المعاملة،ولت دنيا الإرهاب وتلقتنى أحضان الرعاية
والحنان، أمى لا تفارقنى وأبى يمر على فى الذهاب والإياب وإخوتى
يقبلون بالهدايا، لا زجر ولا تعيير بالسقوط فى الامتحانات.
ولما تماثلت للشفاء خفت أشد الخوف، الرجوع إلى الجحيم، عند
ذاك خلق بين جوانحى شخص جديد، صممت على الاحتفاظ بجو الحنان
والكرامة، إذا كان الاجتهاد مفتاح السعادة فلأجتهد مهما كلفنى
ذلك من عناء، وجعلت أثب من نجاح إلى نجاح وأصبح الجميع
أصدقائى وأحبائي. هيهات أن يفوز مرض بجميل الذكر مثل
مرضي".
الإرهاب هو أن "نـُرغـم
".. هكذا يحدد طفلنا من البداية، مجرد الذهاب إلى المدرسة
وما يتبعه دون اختيار منه : هو إرهاب، ثم تأتى الفرصة
السعيدة فيمرض، فتحيط به أحضان الرعاية والحنان، وكأنى أسمع
الأغنية التى حفظناها بالإنجليزية فى المدرسة الابتدائية "حين
أكون سليما أكون ولاشيء، وحين أمرض أصبح الكل فى الكل"([1]). إلى هنا
والمسألة عادية، لدرجة أن الواحد يرفض أن يحكيها لأنها تكاد توجد
فى قاموس ذكريات كل طفل منا. بل إن الواحد منا، حين كان
يرتبط المرض بكل هذا الود والإحاطة بالرعاية وإجابة الطلبات
كان يتمارض المرة تلو المرة، بل كنا نحفر -أحيانا- أنوفنا
من الداخل حتى تدمى لنطلب من أمنا رغيفا فى غير موعد الوجبات
نأكله ونحن نقضى حاجتنا، لأنه كان من الوصفات الشائعة أن ذلك
يمنع النزيف الأنفى (لست أدرى كيف؟) حين نعاتب أنوفنا النازفة
قائلين :"يا مناخيري" يابخره، حد ياكل إلخ،." أقول
إن خبرة الفرحة بالمرض واستغلالها للحصول على ماحرمنا منه
أثناء السلامة هى خبرة طفلية عادية معادة، لكن العجيب اللافت
هو أن يخرج طفل من هذه التجربة العادية بشيء غير عادي، هكذا
مبكرا كل هذا البكور "خلق بين جوانحى شخص جديد".
ونجيب محفوظ يحذق هذه اللعبة أشد الحذق وأبلغه : الولادة
الجديدة، والمارد الذى يبزغ من الداخل فجأة، (راجع ذلك خاصة
فى الحرافيش، وفي: رأيت فيما يرى النائم، وفى ليالى ألف ليلة)([2]) بل راجع
ملامحها حتى فى الفقرة السابقة "اندلعت فى باطنى ثورة
مباغتـة" لكن هنا فى هذه الفقرة لم تكن ثورة مباغته، أو
موجة من الفرح، ولكن" شخصا جديدا" هكذا فى هذه السن،
على أن خبرة الميلاد الجديد، إنما تتواتر من - الناحية
العلمية- فى فترة المراهقة خاصة، ثم تتاح الفرص لميلاد آخر
فآخر، فى أزمات منتصف العمر، ولكنى لا أرفض، ولا هو مستحيل،
أن يتم هذا التحول الدال فى هذه السن الباكرة، حتى لو كان
مصاحبا لخبرة عرضية عابرة كالمرض، ومفاجأة ما أحاطه من رعاية،
فقد اكتشف طفلنا هنا أن ما كان حوله من جحيم الزجر والنهى
والتعيير بالسقوط فى الامتحانات، هو هو الذى منحه الرعاية
والحنان لما مـرض، وهكذا أرجعت له كرامته، وتخلص من أقسى ما
قد يواجه الطفل، وهو "الجرح بالتعيير ".
لابد أن نشير هنا إلىأن
ما يجرح كرامة الأطفال ليس واضحا عندنا تماما فى ثقافتنا
وطرق تربيتنا أطفالنا، فنحن لا ننتبه لكرامة الطفل، ولا إلى
كيف تجرح: مثلا من إهمال وجوده، أو الاستهانة بفهمه، أو
تجاوز حضوره "إيش فهمه"، لا عليك هو مازال
صغيرا" الخ. الأصداء هنا تشير إلى ذلك، لكنها بدلا من أن
تقيم محزنة تولد عقدا راحت تعلمنا كيف تمحو الخبرات الإيجابية
الخبرات السلبية، فهذا هو طفلنا بعد أن استرد كرامته يقفز
وحده إلي"الناحية الثانية"،، ويقرر أن يفعلها وحده،
ردا لدين أحس به، بدا لنا - كما أشار هو- دين للمرض، لكنه
فى الحقيقة دين لما أحاطه أثناء المرض، فيقرر طفلنا بأمانة
-بدءا بسداد أقساط الدين- أنه لارسوب بعد اليوم فلا تعيير،
ولا كسل ولا.....إلخ
هكذا نتعلم كيف أنه كما
أن خبرات الأطفال المؤلمة ترسب فى النفس التثبيت والإعاقة (مما
يسمى عقدا أو مرضا نفسيا) فإن خبرات الأطفال الإيجابية - مثل هذه
التى جاءت فى هذه الفقرة - تطلق طاقات النمو والأمان، والجميل
هنا أيضا هو ما تلهمنا به هذه الفقرة لكى نقف أمام التجارب
التى نعتبرها سيئة أو مؤلمة لنرى داخلها خبرات لا تخطر على
بال: فمن ذا الذى يرى فى مرض طفل فرصة ولادة جيدة ؟ ومن
ذا الذى يمكن أن يتصور ظهور هذا الشعور بالامتنان الباقى على
مر الزمن من خلال تجربة مرض عابر، تجربة تبدو من الظاهر
أنها ليست إلا مدعاة للشفقة العادية، وبالتالى فهى تبدو عادية
وكأنها ليست بشيء يستحق الذكر أو التذكر، من هنا يعلمنا
الحدس الأدبى أن الوقوف عند العادى، سوف يعطينا الفرصة لنرى
فيه غير العادى، بسلبه وإيجابه.
4 - الحركة القادمة
قال
برجاء حار: جئتك لأنك ملاذى الأول والأخير.
فقال العجوز باسما: هذا يعنى أنك تحمل رجاء
جديدا.
- تقرر نقلى من المحافظة فى الحركة القادمة،
-ألم تقض مدتك القانونية بها؟ هذه هى تقاليد
وظيفتك.
فقال
بضراعة : النقل ضار بى وبأسرتى
-أخبرتك بطبيعة عملك منذ أول يوم
-الحق أن المحافظة أصبحت وطنا لنا ولا غنى عنه.
- هذا قول زملائك السابقين واللاحقين وأنت تعلم
أن ميعاد النقل لا يتقدم ولا يتأخر
فقال
بحسرة: يالها من تجربة قاسية
- لم لم تهييء نفسك لها وأنت تعلم أنه مصيرلا
مفر منه !
مرة أخرى يرقص البندول من
هذه الطفولة المتجددة إلى الموت، الذى جاء موعده (ميعاد النقل)
الذى لا يتقدم ولايتأخر (الآية : حتى إذا جاء أجلهم لايستأخرون
ساعة ولايستقدمون)، وتسترجع الحياة باعتبارها تجربة قاسية، ويندم
صاحبنا أنه لم يستعد لها كما ينبغي، ولكنها ليست ندامة
النعابة، بل هى لوم من العجوز، وتذكـرة.
ولم يظهر لنا أنه تلقى هذا
اللوم مؤمنا عليه بلا تحفظ، وإلا كانت نصيحة عادية خاوية.
وعموما فقد بدا لى أن مثل
هذه الفقرات ليست قادرة على ترجيع الصدى مثل غيرها، ومن ثم
بدأت أرصد خفوت صوت بعض الفقرات، فأحترم المد والجذر، ولا
أساوى بين الأصوات.
5 - مفترق الطرق
عرفت
فى بيتنا بأم البيه.. حتى اليوم لم يعرف إسمها الحقيقى فهى
عمتى أم البيه، تجلس فى حجرتها فوق الكنبة متحجبة مسبـحة،
كلما طمعت فى مصروف إضافى تسللت إلى مجلسها، وعلى فترات متباعدة
تقف سيارة أمام بيتنا الصغير فيغادرها البيه، قصيرا وقورا
مهيبا، يلثم يد أمه ويتلقى دعاءها. زيارته تنفخ فى البيت روحا
من السرور والزهو، وقد تحمل إلى علبة من الحلوى.
رجل
آخر يتردد على أم البيه كل يوم جمعة، صورة طبق الأصل من
البيه غير أنه يرتدى عادة جلبابا ومركوبا وطاقية وتلوح فى وجهه
إمارات المسكنة، وتستقبله عمتى بترحاب وتجلسه إلى جانبها فى أعز
مكان، حيرنى أمره وحذرتنى أمى من اللعب فى الحجرة فى أثناء
وجوده، ولكنها لم تجد بدا فى النهاية من أن تهمس لي: إنه
ابن عمتك ! تساءلت فى ذهول
- أخو البيه؟
أجابتنى
بوضوح : نعم،. واحـترمـه كما تحترم البيه نفسه،
وأصبح يثير حب إستطلاعى أكثر من البيه نفسه.
أكرر هنا التأكيد على دهشتى
كثيرا من علاقة العناوين بالمتن، فهذه الفقرة جاءتنى فاترة
أيضا وهى تظهر لنا موقع ابن العمة الفلاح، "شقيق
"للبيه" (ابن العمة نفسها!) وبالرغم من أنه يحضر
"كل يوم جمعة" وأن شقيقه البيه لايحضر إلا "على
فترات متباعدة"، بالرغم من ذلك تكنى العمة (الأم) باسم
"أم البيه"، وأشعر بنقطة ضعف هنا أن يسأل الطفل عن
الذى يحضر كل جمعة" مع أن الأولى به أن يسأل عن الذى
لا يحضر إلا "على فترات"، ولا أعرف كيف يثار حب
الاستطلاع حول الذى يحضر بكل هذا الإنتظام دون الذى لا يحضر إلا
لماما. لعل المتصور أن حب الاستطلاع هنا، إنما يتعلق بـ:
لماذا الفرق بينهما هكذا؟، أى ما الذى جعل هذا "بيه"
تنسب أمه إليه، والآخر ليس كذلك، "لا/بيه"، وهما من
أم واحدة" و شبه واحد.
لفتة إلى العنوان "مفترق
الطرق" يمكن أن تشير إلى أن تساؤل الطفل كان حول متى
وكيف "أفترق" البيه "وأخوه عن بعضهما ليكون هذا
"بيها" وذاك "مسكينا ذا جلباب ومركوب وطاقيه...."،
ومع ذلك، ولذلك، يستأهل كل احترام- ما أمكن ذلك.
6 - الأيام الحلوة
كنا
أبناء شارع واحد تتراوح أعمارنا بين الثامنة والعاشرة، وكان
يتميز بقوة بدنية تفوق سنه ويواظب على تقوية عضلاته برفع
الأثقال. وكان فظا غليظا شرسا مستعدا للعراك لأتفه الأسباب،
لا يفوت يوم بسلام ودون معركة ولم يسلم من ضرباته أحد منا
حتى بات شبح الكرب والعناء فى حياتنا، فلا تسأل عن فرحتنا
الكبرى حين علمنا بأن أسرته قررت مغادرة الحى كله، شعرنا
حقيقة بأننا نبدأ حياة جديدة من المودة والصفاء والسلام، ولم
تغب عنا أخباره تماما فقد احترف الرياضة وتفوق فيها وأحرز
بطولات عديدة حتى اضطر إلى الاعتزال لمرض قلبه فكدنا ننساه فى
غمار الشيخوخة والبعد. وكنت جالسا بمقهى بالحسين عندما فوجئت
به مقبلا يحمل عمره الطويل وعجزه البادي. ورآنى فعرفنى فابتسم
وجلس دون دعوة وبدا عليه التأثر فراح يحسب السنين العديدة
التى فرقت بيننا، ومضى يسأل عمن تذكر من الأهل والأصحاب ثم
تنهد وتساءل فى حنان: هل تذكر أيامنا الحلوة؟!
فى مواجهة القوة البدنية
الفظة يتمنى طفلنا هذا أن يتخلص منها ومن صاحبها، فيحدث، ويرتاح
الجميع، وحين تمضى السنون ويحل العجز وتحمل العضلات الضامرة
أيام الشقاء فتنحنى أمامها - يترحم القوى على أيام كانت عضلاته
تفرضه عليهم، وكم كانت هذه الأيام حلوة له (طبعا)، دون أن
ينتبه إلى كيف كان وقع اللكمات عند المتلقى، وأن أيام الضحايا لم تصبح
حلوة إلا بعد فراقه، وكأن الضعف والعجز والسنين لم تنجح أن
تُرى هذا الشرس أن ثمة"آخر" يوجد معه، وظل هكذا
"الآخر" بعيدا أو منفيا أو مجهلا حتى نهاية العمر.
7 -النسيان
من
هذا العجوز الذى يغادر بيته كل صباح ليمارس رياضة المشى ما
استطاع إليها سبيلا؟ إنه الشيخ مدرس اللغة العربية الذى أحيل
على المعاش منذ أكثر من عشرين عاما.، كلما أدركه التعب جلس
على الطوار أو السور الحجرى لحديقة أى بيت مرتكزا على عصاه
مجففا عرقه بطرف جلبابه الفضفاض، الحى يعرفه والناس يحبونه،
ولكن نادرا ما يحييه أحد لضعف ذاكرته وحواسه، أما هو فقد
نسى الأهل والجيران والتلاميذ وقواعد النحو.
تتمادى الأصداء تردد تجليات التذكر والنسيان، وقد
لعب بهما محفوظ كما شاء، وتردد صدى لعبته بهما فى كل
الأنحاء. هنا نقابل مدرس العربى الذى لم تضعف ذاكرته فحسب بل
وحواسه أيضا، فينسى الأهل والجيران والتلاميذ وقواعد النحو، ولكن
هذا يهون بجوار أن أحدا لايحييه (على الرغم من معرفتهم به،
قال، وحبهم له)، ومهما ضعفت الذاكره أو الحواس، ومهما لم
يستجب الشيخ ذو الثمانين عاما لتحية الناس المرة تلو المرة،
فهو يحتاج إلى ألا نستجيب لعدم استجابته بالكف عن تحيته، ينسى
هو، هذا قضاء الله، أما أن نهمله نحن حتى نكف عن تحيته،
فننساه، فيتمادى هو فى النسيان حتى ينسى قواعد النحو فلا، وألف
مرة لا.
[على فكرة: قواعد
النحو، لمدرس عربي، بهذه الصورة، هى آخر ما يمكن أن يـنسى فهى
تظل حاضرة حتى بعد نسيان أسماء الأهل والأقربين، فمتى وصلها
النسيان كان ذلك دليلا على اكتمال العجز!. هذا علم رائع، حضر
هكذا فى وعى الكاتب ليكشفه إبداع أروع ].
8 - المطرب
قلبى
مع الشاب الجميل، وقف وسط الحارة وراح يغنى بصوت عذب:
"الحلوة جايــه"، وسرعان ما لاحت أشباح النساء وراء
خصاص النوافذ وقدحت أعين الرجال شررا، ومضى الشاب هانئا تتبعه
نداءات الحب والموت.
تعود حركة "البندول"
هذه المرة إلى الناحية الأخري، لكنها لا تصل إلى طفل تغمره
موجات الفرح على شاطيء السعادة (فقرة 1) أو تندلع فى جنباته
ثورة العنف المتعطشة إلى الجنون المتلفعة بالحزن والخوف (فقرة 2)
أو وهو يمتلك مفتاح السعادة فى قرار الاجتهاد المدرسى والنجاح
الحافظ للكرامة (فقرة 3) أو وهو يفرح بالتخلص من صاحب العضلات
التى عكرت عليه طفولته(فقرة 6)، بل يتوقف البندول عند الشاب
الذى راح يغازل الدنيا وهى تقبل عليه "الحلوة جايه"،
فيعيش مغامرة الغواية والجسد، الجذب والتحرش، فتتبعه نداءات
"الحب والموت"،
سوف نلاحظ كيف يواكب الموت
الحب عند محفوظ فى هذا العمل كثيرا، وفى أعماله الأخرى أيضا،
فالموت عنده كان غالبا حيويا لدرجة لا يبتعد فيها كثيرا عن
الحب، ولايبدو الموت نقيض الحب إلا إذا كان سلبا خالصا (وسوف
نرى "الموت السلبي" لاحقا فى الفصول القادمة)
9- قبيل الفجر
تتربعان
فوق كنبة واحدة، تسمران فى مودة وصفاء، الأرملة فى السبعين
وحماتها فى الخامسة والثمانين، نسيتا عهدا طويلا شحن بالغيرة
والحقد والكراهية، والراحل استطاع أن يحكم بين الناس بالعدل
ولكنه عجز عن إقامة العدل بين أمه وزوجه ولا استطاع أن
يتـنحى، وذهب الرجل فاشتركت المرأتان لأول مرة فى شيء واحد
وهو الحزن العميق عليه. وهدهدت الشيخوخة من الجموح، وفتحت
النوافذ لنسمات الحكمة. الحماة الآن تدعو للأرملة وذريتها من
أعماق قلبها بالصحة وطول العمر، والأرملة تسأل الله أن يطيل
عمر الأخرى حتى لاتتركها للوحدة والوحشة.
فجر المرأة ذات السبعين
وحماتها ذات الخمس والثمانين، هو أيضا الموت، وهما يتبادلان
الدعوات بالصحة وطول العمر، لكن الفجر قادم لامحالة.
تأكيد آخر أن الموت بداية
(فجر) ليوم طويل، لا نعلم يقينا تفاصيل مساره، كما أنه يبدو
بلا نهاية. ولولا العنوان، لما بدا لى جديد فى حكمة تقول:
إن السن يروض الجموح، وإن المحبة كثيرا ما تأتى بعد عداوة،
وإن المحن، وفقد عزيز مشترك، قد تنجح فيما فشل فيه الود
وحسن النية.
10 - السعادة
رجعت
إلى الشارع القديم بعد انقطاع طويل لتشييع جنازة، لم يبق من
صورته الذهبية أى أثر يذكر. على جانبيه قامت عمارات شاهقة فى
موضع الفيلات، واكتظت بالسيارات والغبار وأمواج البشر المتلاطمة،
تذكرت بكل إكبار طلعته البهية وروائح الياسمين. تذكرت الجميلة
تلوح فى النافذة باعثة بشعاعها على السائرين ترى أين وقع قبرها
السعيد فى مدينة الراحلين؟ ويوافينى الآن قول الصديق الحكيم، ما
الحب الأول إلا تدريب ينتفع به ذوو الحظ من الواصلين.
يختلط الشارع القديم
بالجنازة، بالصورة الذهبية، بطلعته البهية، بصورة
"الجميلة" تطل من النافذه وتنتهى إلى قبر مجهول (رحلت
فعلا أو مجازا)، ولا يبكى على الحب الأول، بل يتذكر أنه كان
- أو كان ينبغى أن يكون - تدريبا على الوصال الأعلى فى دنيا
الحظ لأهل الحظ، أو دنيا الوجد لأهل الوجد، أو فى كليهما،
وهنا يلعب محفوظ لعبة جميلة حين ينتقل بك كل هذه النقلات
المتسحبة فى بضعة أسطر، فتجدك أنت تؤلف الرواية التى أعطاك
مفاتيحها، وهو يربكك بعلاقته الحميمة "بالمكان" حتى
يجسده شخصا تكاد تحكى معه، ثم تتبين أن المكان وساكنيه هم
واحد، لا يمكن أن نفصلهم عن بعضهم البعض، وعلى الرغم من أن
هذه الفقره كان عنوانها" السعادة" فقد بدأت بتشييع
جنازة، ومرت بقبر الحبيبة الأولى (فعلا أو مجازا)، وانتهت
بحكمة التدريب للواصلين، فأى من هذا يقصد به محفوظ السعادة
التى عنون الكاتب بها الفقرة ؟
لم يصلنى أى تفصيل أو حدس
أرجح به ماهى السعادة المشار إليها، هل هى الحب الأول، أو
الصورة الذهبية؟ أو الجميلة فى النافذة، أو النهاية فى قبرها
السعيد؟، ولكن ما وصلنى يقينا هو أن الحياة - فى ذاتها - التى
تحتوى كل هذا النبض السريع الإيقاع المكثف الحضور هكذا؟ دون
أن نقسمها إلى حب ووصل وفراق ومكان وزمان هى هى السعادة.
11
- الطرب
"اعترض طريقى باسما وهو يمد يده، تصافحنا
وأنا أسأل نفسى عمن يكون ذلك العجوز، وانتحى بى جانبا فوق
طوار الطريق وقال: نسيتني؟!
فقلت
فى استحياء : معذرة، إنها ذاكرة عجوز! كنا جيرانا على عهد
الدراسة الابتدائية، وكنت فى أوقات الفراغ أغنى لكم بصوت جميل،
وكنت أنت تحب التواشيح.. ولما يئس منى تماما مد يده مرة
أخرى قائلا: ولا يصح أن أعطلك أكثر من ذلك.. قلت لنفسى ياله
من نسيان كالعدم، بل هو العدم نفسه، ولكننى كنت ومازلت أحب
سماع التواشيح.
تعود تجليات النسيان
والتذكر، وأتذكر بدورى رواية ميلان كانديرا "كتاب الضحك
والنسيان"، والذى رفضت عنوانها رغم أنه ظل يطل على من
بين سطور الرواية طول الوقت، ويحاول العجوز، مغنى التواشيح فى
المدرسة الابتدائية، أن يذكره بنفسه، فلا يتذكره، وبرقة فائقة
تجعلنا نحسد مدرس العربى (فقرة 7) الذى فقد ذاكرته وحواسه معا،
يستأذن العجوز المطرب للانصراف، فيفيق صاحبنا إلى ما اعتراه من
نسيان هو العدم ذاته (بل الإعدام، لأنه أعدم به صاحبه إذ
ألغاه) وبقدر ما كان الشيخ المحتفظ بذاكرتة رقيقا وهو يستأذن
"لايصح أن أعطلك أكثر من ذلك" كان الصديق :(الشيخ
العدمي) غير متأثر، لم يرق لصاحبه المهذب ولم يتذكره، وإنما
حضرته التواشيح الذى مازال يحبها، حتى ولو أعدم - أو عدم -
أول من أطربه بها.
وهنا يشير حدس صاحب
الأصداء إلى حقيقة علمية دالة، ألا وهى أن نسيان الأسمآء
والوجوه والموضوعات ذات التحديد المتعين فى شيء بذاته إنما
يسبق - مع التقدم فى السن- نسيان المعانى المجردة، والعواطف
المصاحبة، والأنغام الشجية، ويبدو أن فى ذلك ما يشير إلى أن
المعنى أبقى من حامله، وأن الطرب أدوم من منشده، وأن الأفراد
يمضون، أما ما صاحبهم من معان وأنغام فيبقى ويخلد.
(قارن المطرب الشاب فقرة 8 وهو يغنى "الحلوة
جاية" ثم وهو مطارد بنداءات الحب والموت، بهذا الطرب الذى
بقى يملأ الوجدان والذاكرة دون صاحبه المطرب)
12- المرح
"نظرت إلى بعينين باهتتين ذابلتين، النظرة تشكو
مر الشكوى وتريد أن تبوح ولكن اللسان عاجز. كنت أعودها والحجرة
خالية. الجلد متهرئ، والعظام بارزة، والأركان يفوح منها رائحة
الموت، ياصاحبة المداعبات التى لا تنسى: طفولتى عامرة بمداعباتك
اللطيفة،لم يكن يعيبك إلا الإغراق فى المرح أى نعم، إلا
الإغراق فى المرح"
شيخوخة أخرى حبس فيها
اللسان دون المشاعر والتوق للبوح، هذه الحبسة هى نتيجة جلطة
بالمخ فى الأغلب ; لأن النظرات مازالت تستطيع أن تشكو "مر
الشكوي" وتريد أن تبوح، لكن اللسان عاجز، شيخوخة مهترئة،
لم تنجح معها حيوية النظرة، وإلحاح البوح أن تحول دون أن تغمر الأركان
رائحة الموت، هذه الصورة "هكذا" استدعت الماضي: ليظهر
التناقض بين نظرة عجوز يحيط بها "رائحة الموت"، و
ما كانته وهى صاحبة المداعبات التى لاتنسي، وكان المفروض أن
نمصمص الشفاه، وخلاص، فإذا حدث هذا : فما الداعي؟ وأين
الابداع؟ وأين الأصداء ؟ فتقفز تفصيلة صغيرة تجعل الصورة ذات
عمق هام، وهى أن هذه المداعبات ليست كل الحكاية، لكن كان
ثمة إغراق فى المرح، وماذا فى ذلك؟ هذا الذى كان يعيبها،
لماذا كان يعيبها؟ ولماذا التأكيد على أن هذا هو الذى كان
يعيبها؟
هنا ثلاثة مستويات: الإغراق
فى المرح، والمداعبات اللطيفة، ثم نقلة واسعة إلى عينين ذابلتين
تشكوان مر الشكوي، ولسان عاجز.
لم أجد تفسيرا لهذا العمق
الذى رضيت عنه دون وعى بسبب هذا الرضا، ولم يكفنى أنه كسر
الاستقطاب المسطح بين انطلاقة الصبا وعجز الشيخوخة، ثم افترضت
أنه ربما كان الكاتب - أو الزائر - يريد ان يعلن أن هذا
الإنكسار العاجز فى النهاية، كان كامنا من قديم، وأن
"الإفراط" فى المرح كان غطاء تآكل بمرور الزمن، وحين
أطل العجز برأسه راح يعلن أن ما كان من إفراط، كان إفراطا
لا أكثر، وأن هذا المآل هو أمر طبيعى لمثل ذلك الإفراط الذى
يتضمن احتمال الافتعال، وهكذا تتجاوز الرسالة تعرية الاستقطاب
السطحى بين المرح فى أول العمر، والانكسار فى نهايته.
13- رسالة
وردة
جافة مبعثرة الأوراق عثرت عليها وراء صف من الكتب وأنا أعيد
ترتيب مكتبتى، ابتسمت، انحسرت غيابات الماضى السحيق عن نور
عابر، وأفلت من قبضة الزمن حنين عاش دقائق خمس. وند عن
الأوراق الجافة عبير كالهمس.
وتذكرت قول الصديق الحكيم" وقسوة الذاكرة
تتجلى فى التذكر كما تتجلى فى النسيان.
تتجلى الذاكرة هذه المرة فى
قصيدة حب :"إنحسرت غيابات الماضى السحيق عن نور عابر،
وأفلت من قبضة الزمن حنين... "وند عن الأوراق الجافة
عبير الهمس" والقصيدة آلمت صاحبها ابتداء. لكنها - بقدر
إيحاءات الصورة الصغيرة الرقيقة - إنطلق منها ما ينبه إلى قسوة
النسيان
(قارن أيضا فقرة 6، النسيان الانتقائي، وفقرة 7
النسيان الماحى العدمي، وفقرة 11 نسيان الأعلام مع بقاء المعنى
والألحان، قارن كل ذلك بالتذكر الهامس هنا بما يصاحبه من
قسوة مغلفة بالحنين.)
14- عتاب
همت
على وجهى حاملا طعنة الغدر بين أضلعي، وقال الصديق الحكيم لست
أول من كابد الهجران، فسألته : أليس للشيخوخة مقام.
فقال
: غر من يعشق قصة معادة قديمة
ووقفت تحت شجرة الكافور أرنو من بعيد إلى الملهى
وهى تجلس وسط الشرفة يشع منها نور الإغراء المبين لا يدركها
كبر ولا يمسها إاحلال. وتخطانى بنظرة لا مبالية فليس لقرارها
تبديل، وسوف أرجع وحيدا كما بدأت".
لم نكد ننسى أو نتناسى
الموت حتى عاد يطل علينا وهو ينتظره عائدا وحيدا كما بدأ
وحيدا، أما هى- الحياة - فستظل يشع منها نور الإغراء المبين،
لايدركها كبر ولا يمسها انحلال ([3])
والدنيا الملهى صاخبة كما هي، أما طعنة الغدر، والتخطى
اللامبالي، فهما يعلنان الإفاقة من وهم الإحتفاظ بأدوات الوصل
وزخم الوداد. العتاب (الغفران) هنا له أكثر من موضوع : العتاب
على الزمن، وعلى الحيوية التى هجرت، وعلى الشيخوخة التى جعلت
الهجران نتيجة طبيعية لمن فقد القدرة على المشاركة[4].
15-
التلقين
جلست
فى السرادق أنتظر تشييع الجنازة، خيمت فوقنا ذكريات ذلك العهد
القديم وجاء رجال ذلك العهد يسيرون رجلا وراء رجل كانت
الأرض تزلزل لأى منهم إذا خطا اليوم هم شيوخ ضائعون لا
يذكرهم أحد. وجاء خلفاؤهم تنحنى الأرض تحت وطأة أقدامهم، تقول
نظرتهم الثابتة أنهم ملكوا الأرض والزمن أخيرا هل النعش فوق
الأعناق فتخطى الجميع وذهب
عدنا إلى حضرة الموت:
السرادق، الجنازة، وخلفية الصورة عادية، "الدنيا دول"،
لا الراكب يظل راكبا، ولا الأدنى يظل تحت، لكن الذى يتحرك
حثيثا فى توجه أكيد لا تراجع فيه هو النعش فوق الأعناق،
وهو الذى يتخطى الجميع، وليس هم الذين يحملونه إلى مثواه، ومع
ذلك فاللحاد يصر على أن يلقن الميت ماذا يقول (عنوان الفقرة
"التلقين") مع إن النعش هو الذى يتخطى (يقود) المشيعين.
وكأنه ينبهنا أن الأولى أن ننصت لتلقين الميت لنا كيف نعيش،
لا أن نملى عليه بما يرد به على ملكى القبر وهما يحاسبانه
(فإذا جاءك الملكآن وأجلساك وسألاك ما ربك..إلخ).
16- الوظيفة المرموقة
أخيرا
مثلت بين يدى مدير مكتبه، وصلت بفضل اجتهاد مضن وشفاعة
الوجهاء المكرمين. ألقى نظرة أخيرة على التوصيات التى قدمتها ثم
قال: لشفاعتك تقدير وأى تقدير ولكن الاختيار هنا يتم بناء على
الحق وحده فقلت برجاء:
- إنى على أتم استعداد للاختبار،
-أرجو
لك التوفيق
فسألته
بلهفة : متى ندعى للامتحان ؟
فتجاهل
سؤالى وسألنى: ولماذا هذه الوظيفة بالذات على ما تتطلبه من جهد
خارق؟
فقلت باخلاص: إنه الحب، ولا شيء سواه،
فابتسم
ولم يعلق
ورجعت
وأنا أتذكر قول صديقى الحكيم "من ملك الحياة والإرادة فقد
ملك كل شيء، وأفقر حى يملك الحياة والإرادة.
هل الحياة إرادة ؟ وكيف
يقرر الواحد منا، فقيرا أو غنيا، أن يملك الحياة أو يمتلك
الإرادة؟ أو يملك إرادة الحياة؟ بدت المسألة أنها ليست
"إرادة "بالمعنى السطحي (أنا أريد، أنا أقرر) بل إنها
امتحان، يتطلب جهدا خارقا، لايخفف منه إلا دافع قوى هو حب
الحياة، لا ليست هى هذه الحياة تماما، لأن الاختيار فيها
لايتم غالبا بناء على الحق والعدل وحده، ثم من ذا الذى قال
إن أفقر حى يملك الحياة والإرادة، راجع معى : "أفـــقـر حى
يملك الحياة..!!" وهل يوجد حى لايملك الحياة؟ ربما، بالذات
إذا أمعنا مليا فى "يملك"، فلربما وصلتنا إشارة ضمنية
تقول : إن الذى يحيا لكنه لا يملك الحياة هو الذى يتنفس أو
يتحرك لكنه لا يختار، ولا يحب،
فلكى تنقلب الحياة إلى وظيفة
تحتاج إلى شفاعة حتى يشغلها طالبها، رغم ما بها من مشقة،
فإن ذلك يحتاج إلى أن يحبها شاغلها، هنا يتدخل عامل جديد،
حب الحياة، الذى يبدو أنه هو هو إرادة الحياة، وقد يصل
الأمر بنا، من خلال ذلك، أن نتصور، أو نصدق، أن الاختيار
يتم بناء على الحق وحده، فمن له حق فى الحياة هو الذى
يحبها، وكأنه يخلــقها هو، ولا يستسلم لمجرد التواجد فيها، فهى
الإرادة، ولا مشقة بعد هذا الاختيار حتى لو أن المختار هو
أفقر حى، لأنه أحبها، فأرادها فملكها، وهل فى هذا فرق بين
غنى وفقير؟ ربما.
17 - الصور المتحركة
هذه
الصورة القديمة جامعة لأفراد أسرتى وهذه جامعة لأصدقاء العهد
القديم
نظرت
إليهما طويلا حتى غرقت فى الذكريات، جميع الوجوه مشرقة ومطمئنة
وتنطق بالحياة، ولا إشارة ولو خفيفة إلى ما يخبئه الغيب،
وهاهم قد رحلوا جميعا فلم يبق منهم أحد
- فمن يستطيع أن يثبت أن السعادة كانت واقعا
حيا لا حلما ولا وهما؟
تتجلى الذاكرة-عادة- أمام
صورة ومن وحيها، وأعمال محفوظ ذاخرة بمثل هذه الصور (تذكر
-مثلا- كيف بدأت رواية باقى من الزمن ساعة)، والصورة هنا قد
شكلت الذاكرة منها رواية كاملة بدأت بالإشراق والطمأنينه،
وتقلبت الأحوال بمفاجآت الغيب، حتى رحلوا.
إلى هنا والمسألة لاتحتاج حتى إلى تذكرة، لكن
القفلة شيء آخر (قارن قفلة فقرة 12)
فجأة يشككنا الحاكى فى أن
الوجوه التى بدت "مشرقة ومطمئنة وناطقة بالحياة" كانت
سعيدة، وسواء كانت سعيدة أم توهمت السعادة فقد رحلوا، والذى
كان كان، وهذا التساؤل لا يدعو من بقى منا أن يراجع نفسه
حتى يتأكد من سعادته - إن وجدت - إن كانت حلما أو واقعا،
بقدر ما يغرينا ضمنا أن نرضى بها حتى لو كانت حلما أو
وهما، ما دمنا سنرحل مثل من رحلوا، (ولم لا ؟).
وكأنها فى النهاية ليست دعوة للتحقق من حقيقة
أو وهم السعادة بقدر ما هى دعوة للتغاضى عن هذا التساؤل
أصلا (للتفويت، أو التطنيش).
18 - العدل
ذهبت
إلى محام معروف بلا تردد، ما أجمل صراحته حين قال لي:
ـ أنت صاحب حق ولكن خصمك أيضا صاحب حق
فقلت
له: عرضت عليه أن نحتكم إلى شخص يكون موضع ثقتنا معا،
- هيهات أن يوجد هذا الشخص فى زماننا،
- لدى خطابات مسجلة ستعرف منها المحكمة حسن نيتى،
- قد يطعن فيها بالتزوير
-الحق أنى بريء مائة فى المائة.
-لا يوجد إنسان بريء مائة فى المائة ليس الأمر
بالمستحيل ألم تهدده فى لحظة غضب بالقتل؟
- هو نفسه لم يأخذ كلامى مأخذ الجد
-بل
قام باحتياطات كثيرة، وزار الأضرحة ونذر النذور
فهتفت
ضاحكا : هذا هو الجنون
-عليك أن تثبت أنه مجنون خاصة وأن محاميه
سيحاول من ناحيته أن يثبت جنونك
فاغرقت فى الضحك حتى قال المحامي
- لا يوجد ما يدعو إلى الضحك
- اتهامى بالجنون مثير للضحك
- بل إنه يدعو للأسي
- لماذا ياسيدى؟!
- الجنون يدعو للأسى
- طالما إنى عاقل فلا أهمية للاتهام
- ولكن عدم الاهتمام قد يعنى الجنون نفسه
فسألته
بذهول: هل يداخلك شك فى عقلي؟
- بل إنى على يقين، اختلافكما المزمن يدل على
جنونكما معا
- لكنك أبديت استعدادا طيبا للدفاع عني؟
ـ
إنه واجبي!
وتنهد
المحامى من أعماقه وواصل
- ولا تنس أننى مجنون مثلكما."
حين يلجأ محفوظ إلى مثل
هذا الحوار التصالحي، أو التسوياتي، يوفق أحيانا ولا يوفق
أحيانا، والحديث هنا ينقلنا إلى الصراع الداخلى العادي،، فالمتقاضيان
هما واحد، والتهديد بالقتل هو أن نهم بالانتحار، ومجرد
الإزدواج الحاد "هكذا" هو الجنون، لكنه جنون حيوية
التعدد، وليس جنون تفسخ التناثر، يؤكد ذلك اعتراف المحامى
الهادئ بمشاركة متقاضيه هذا "الجنون الطبيعي"، بل إنى
استقبلت رؤية أخرى رأيت من خلالها المحامى هو نفسه كيانا
داخليا ثالثا.
هذا الجدل بين الذوات
المواجهة بعضها البعض، هو بديل أحدث عن مفهوم الصراع الأقدم
الذى أكد عليه فرويد بين الذات والغرائز، أو بين الضمير أو
الأنا الأعلى والهو (أو الهي)، هذا الجدل هو أمر طبيعى على
مسار النمو للتكامل، والوعى به من خلال حدس الإبداع هكذا
يقربه منا ليؤدى وظيفته فى دفع النمو لتحقيق "الواحدية"،
أو بتعبير أصح للسعى نحو الواحدية([5]).
بدون هذا الجدل المستمر ينقلب الحوار إلى صراع، وتستبعد بعض
الذوات دون الأخرى، مما يؤدى إلى جمود الوجود، أو استاتيكية
الصراع (صراع فى المحل).
الفرض هنا يقول : إن هذا
التفكك للجدل، والتباعد للعودة، والتعتعة للتكامل هو عرض أمين
لجدل عمليات النمو الحى، و حين يصل ذلك إلى الوعى يمكن أن
تخلخل الواحدية السلوكية مؤقتا حتى تستحق أن تسمى
"جنونا"، بمعنى عدم اتساق تجليات السلوك فى نسق واحد،
ثم تتوقف صفة هذا الجنون على ما يخرج من عملية الجدل هذه ;
هل يكون : "جنون حيوية التعدد"، الذى ينتهى إلى مستوى
أعلى من النمو، أم يكون "جنون تفسخ التناثر" إذاكان
الناتج لهذا الجدل هو الإعاقة والتفسخ فالتناثر.
إن صح هذا الفرض، وهو
ليس بالضرورة كذلك، وتصورنا أن محفوظ بحدسه الإبداعى قد أطلق
الصدى ليتردد ما بداخلنا دون أن نخاف من جنوننا الذى هو حفز
نمونا، فإن الحوار الذى قدم به هذه الفقرة بدا لى غير مناسب
لأداء هذه المهمة، فقد طال، ودار، وانحنى، وعاد، وفتـر،
وتراخى، واشتد إلا قليلا حتى وصل إلى ما يشبه برود الحياد.
فحضرنى رفض - بعد كل هذا -
لم أجرؤ أن أعلنه دون تحفظ.
19 - من التاريخ
"فى ذلك الوقت البعيد قيل إنه هاجر أو هرب،
والحقيقة أنه كان يجلس على العشب على شاطئ النيل مشتملا بأشعة
القمر، يناجى أحلامه فى حضرة الجمال الجليل، عند منتصف الليل
سمع حركة خفيفة فى الصمت المحيط. ورأى رأس امرأة ينبثق من
الماء أمام الموضع الذى يفترشه، وجد نفسه أمام جمال لم يشهد
له مثيل من قبل، ترى أتكون ناجية من سفينة غارقة؟ لكنها كانت
غاية فى العذوبة والوقار، فداخله الخوف وهمَّ بالوقوف تأهبا
للتراجع، ولكنها قالت له بصوت ناعم: إتبعنى فسألها، وهو يزداد
خوفا : إلى أين ؟
- إلى الماء لترى أحلامك بعينيك
وبقوة
سحرية زحف نحو الماء وعيناه لاتتحولان عن وجهها.
لم تظهر "النداهة" عند محفوظ إلا نادرا، وإن ظهر الاختفاء الغامض كثيرا، حتى البحث عن الأب فى "الطريق" كان اندفاعا من الإبن لا جذبا من الأب الغائب المجهول. نداهة يوسف إدريس غير نداهة سعد الله ونوس فى الإشارات، غير نداهة بلدنا التى كانت أقرب إلى هذه الصورة هنا فى الأصداء، منها إلى صورة إدريس أو سعد الله، كانت تظهر لنا - فى الح