أصداء الأصداء
تقاسيم
على أصداء السيرة الذاتية
(نجيب
محفوظ)
أ.د.
يحيى الرخاوى
الأهــداء
إلى
ثلة "الحرافيش" القدامى (الأصليين)
من بقى منهم، ومن تخلى، ومن رحل.
تقديم
مقدمة
(1) إبريل 1994
حدْس
الكلمة
لا
أميل إلى المبالغة فى إعلاء قيمة شخص فرد مهما تميز وأعطى، كما
لا أحب تسمية عصر باسم شخص مهما كان هذا الشخص، وحتى كلمة
عبقرى هى عندى كلمة تحتاج إلى تعريف دقيق، واستعمال حذر. لكن
ماذا أفعل فى شيخنا نجيب محفوظ هذا الذى يضطرنى إلى أن أفرح
أننى أعيش زمنا أفرزه، ويجعلنى أكاد أخالف ما تقدم من تحفظ لأقف
أمام شيخنا منبهرا، داعيا، فخورا متعلما، بلا حدود؟
أرجو
أن يكون هذا اعتذارا لبعض المبالغات التى اضطرتنى إليها فرحتى
بهذا العمل الذى أكتب هذه الكلمة عقب ظهور بداياته فى الأهرام.
هذه
المقدمة الباكرة أثبتها كما هى مع أنها مغامرة بحق، لأنها تتناول
عملا مسلسلا لم يكتمل، ينشر فى عدد أسبوعى فى صحيفة يومية،
وأنا لا أحب (ولم أحب) أن أقرأ قصة طويلة أو رواية مسلسلة
فى أى صحيفة أو مجلة، وبالذات لنجيب محفوظ، اللهم إلا أولاد
حارتنا فى الستينات التى اضطررت لقراءتها مسلسلة حين رجحت أنها
قد لا ترى النور مكتملة، لكن هذا العمل ليس قصة قصيرة، وليس
رواية طويلة، وليس مسلسلا، بل هو عدة روايات متداخلة، هو
أصداء فعلا لوجود متعدد الأبعاد غائر الأعماق، تجد فيها ذكرى
عابرة تبدو عادية، لكن حين يحكيها شيخ - بفرحة طفل - تبدورائعة
وخاصة ومتميزة، كما تجد فيها رواية طويلة طولها سبعين سنة
يكتبها محفوظ فى أربعة أسطر وكأنه نشال انقض على وعيك فنشل
غفلته حين أضاء بسطوره الأربعة مساحة لم تكن منتبها إليها،
فإذابك أنت مؤلف هذه الرواية التى طولها سبعين سنة بالتمام.
ثم
ما حكاية العنوان (أصداء) ؟ ثم العناوين الفرعية؟
قبل
أن أتناول العنوان تذكرت بعض ردود نجيب محفوظ حين طلب منه أن
يكتب سيرته الذاتية فعقب بما بدا أنه تواضع، وهو ما
استقبلتـه على أنه يقظة من يخاف على كنزه الخاص الذى لا يعرف
قيمته إلا هو: أن يوضع فى غير موضعه، قال ما أذكر معناه:
إنه رجل مصرى من عائلة قاهرية متوسطة ليس فى حياته الخاصة
ما يستأهل الانتباه والتسجيل فيما هو سيرة ذاتية، ثم تذكرت
كيف تزوج سرا تقريبا، ولم يعرف بعض أصدقائه نبأ زواجه إلا
حين اكتشفوا أن فتاة فى مدرسة ابتدائية إسمها أم كلثوم نجيب
محفوظ، وأخيرا تذكرت ألمه الذى كاد يصل إلى ثورة (وهو نادرا
ما يثور فى أحاديثه) حين عقب على نيله جائزة نوبل
أنها كانت - أيضا- سبيلا إلى انتهاك خصوصياته بشكل أو بآخر، كل
ذلك يعلن أن نجيبا لا يريد ولا يقر وربما لا يستطيع أن
يرصد أو يسرد ما يسمى "سيرة ذاتية".
لكننى عدت أسترجع علاقتى بكل أعماله التى لم أر
فيها إلا نجيب محفوظ شخصيا، ليس فقط كمال عبد الجواد
(الثلاثية) كما يزعم البعض، وليس ما أشار إليه إحسان عبدالقدوس
حتى كادت تحدث القطيعة بينهما، وليس ما استشهد به جمال
الغيطانى فى "نجيب محفوظ يتذكر"، وإنما أنا أراه فى،
كل أعماله بلا استثناء (بلا استثناء: حتى ليالى ألف ليلة،
ورأيت فيما يرى النائم)، وحين كتبت عن الشحاذ تلك الكتابة
الباكرة التى نسختـها بعد ذلك، قلت إنه وصف ما هو اكتئاب
وصفا يستحيل أن يعرفه إلا من كابده، وإلى درجة أقل: قد يعرفه
طبيب نفسى قديم حاذق،
هذا
الرجل الذى رفض أن يكتب سيرته الذاتية، هو هو الذى لم يكتب -
كما استقبلته طوال رحلته - إلا سيرته الذاتية، وها هو يخرج
علينا فى سن الواحد والثمانين، وقد ثقل سمعه وكاد يكف بصره،
يتكلم وكأنه يهمس فى هدوء، لكن همسه يظل يتردد صداه متصاعدا
فى وديان غفلتنا يهز جبال الصمت، ويتعتع الوعى المتجمد مما
يحتاج إلى وقفة مناسبة.
وهذه
هى.
سوف
أكتفى فى هذه "المقدمة" بوقفة عند اختيار عنوان العمل
"أصداء; وكيف قرأت حضور حدس هذه الكلمة فى وعى هذا الرجل
بما يذكرنا بموقع الكيان اللغوى للمبدع كمستوعب لتاريخ حى
يتمثل فى حدس فائق فى لحظات بذاتها.
حين
قرأت العنوان وقبل أن أتحسس طريقى فى وديانه، وأيضا قبل أن
أتوكأ على أدواتى فى مصاعد دروب جباله، حضرنى وعى خاص لا يحضرنى
إلا وسط الجبال، أذكر أننى استشعرت مثل هذا الوعى لأول مرة
بوضوح كاف، فى فالورسين قرب قمة مون بلان فى جبال الألب، ثم
عدت أستشعره أعمق وأرق فى شتاء سانت كاترين حيث الثلج الهش
يذكرنى أن مصر هى "كل الدنيا" وليست فقط "أم
الدنيا"، حين أنفرد بنفسى هناك، أبدأ بنداء أن " ها "
فأرد على أن "ها" "ها" ها"، ثم آه
ثم آه. آه،.آه ثم يحيى يحيى يحيى يحيى، ثم يا رب،
وحين أصل إلى يا رب، لا يتردد الصدى أن يا رب يا رب يا
رب، وإنما يرد الصوت
نعم، فأدعو بما تيسر، وأطمئن أننى حى أرزق (فهذا أمرليس مؤكدا
طول الوقت).
هذه
هى علاقتى بالصدى
قبل
أن أقرأ أصداء محفوظ تردد فى وعيى إيقاع دورات
"الحرافيش"، وهمهمات "حكايات حارتنا"،
وصور"المرايا" متبادلة متلاحقة متصاعدة مجسمة.
إذن
فهى أصداء حضورنجيب محفوظ فى سيرته، وترددات جنبات ذاكرته، لكنها
أبدا ليست سيرته أو ذاته المحدودة بوجوده الفردى البشرى.
صوت شيخنا يتردد، فتـردده جنبات الحضور المصرى،
التاريخ: غائرة فى وجداننا المحيط بوعينا، ليكن.
هل
يا ترى كان يعنى بالصدى ما يصلنى الآن من الكلمة؟
وهل
يا ترى كان يعرف ما ذا يمكن أن تثير فى واحد مثلى كلمة
أصداء (جمع صدى)؟ وما هى حقيقة وتاريخ وتقاسيم وتفريعات ما
احتوته كلمة صدى و"أصداء" من نبض وإيحاءات ورؤى ؟
صدى السيرة، صدى التاريخ، صدى الأحداث، نِعْمَ ما اخترت يا
شيخنا؟
ثم
رحت أقرأ الحلقات الأولى الثلاث([1])، فلا أجد -لأول
وهلة -فى الحلقة آلأولى ما يشدنى، وتهزنى الثانية أكثر قليلا،
أما الثالثة فقد جعلتنى أقفز وأنا أدعو له بطول العمر،
وأتصور فقده فلا أستطيع ثم إننا لن نفقده أبدا، سوف يظل صوته
وستظل أصداؤه معنا حتى نلتقى هنا أو هناك. أقول حين وصلت إلى
الحلقة الثالثة فهمت أكثر معنى أنها أصداء فعلا لما هو سيرة
ذاتية، إنها نبش فى ذاكرة يعاد تخليقها،وليست سردا لأحداث يراد
ترتيبها.
تساءلت
عن بعض معلوماتنا الهزيلة عن الذاكرة والتذكر، وكيف يتناولها
علم النفس والطب النفسى تناولا يسطحها لدرجة المسخ، وتذكرت ما
تعلمناه فى الطب النفسى والباطنى معا، وكيف يؤثر السن على
الذاكرة بالذات تأثيرا هو كذا وكيت، وكيف يؤثر تصلب الشرايين
بالذات، وكيف يسرع المرض السكرى (الشهير بالبول السكر أوالسكرى)
بتصلب الشرايين ومن ثم تدهور الذاكرة، ثم ماذا يحدث للذاكرة
حين يقل التواصل عبر السمع والبصر جميعا فى العقد التاسع من العمر؟
ودعوت ربى أن يرى زملائى معى ما يؤكد لهم أن كل هذا كلام
لا ينبغى أن يؤخذ على علاته، وأن العقل البشرى، يحفظ
الشرايين ولا يخضع لها،
وأن الذاكرة بتشكيلاتها الخلوية والنيورونية تظل رائقة وحادة طالما
أن الإبداع نشط وهادف، ينبغى أن نقف أمام الظاهرة
البشرية -خاصة للمبدعين - نتعلم من عطائها لا نفرض عليها قصور
ما نتصوره عنها ينبغى احترام تعدد مصادر المعارف، فالعلم لا
يفسر الأدب بقدر ما يستلهم أعظم معارفه منه، وهذا هو نجيب
محفوظ يقدم لنا بعمله هذا فى سنه هذا، بكل مرضه بالسكرى،
وصعوبة سمعه، وبصره، وتصلب شرايينه، يقدم لنا ما يعلمنا عن
الذاكرة ما عجزت كل تجارب ديدان البلانوريا وفئران التجارب
وغرور بعض العلماء وضيق أفقهم أن يـَعْـلَموه أو يتعلَّموه
أصلا، ناهيك عن أن يعلمونا إياه. وحضرنى تصور للذاكرة وأنا
أكتب "الناس والطريق" فرحت أتحدى به تصنيفات الذاكرة
التى علمونا إياها (الذاكرة القريبة،العاجلة، الآجلة، اللحظية إلخ)
وذلك أننى اكتشفت وأنا أعيش (حالة كونى كاتبا) تجليات أخرى
للذاكرة، مثل: الذاكرة التى تشرق فى الوعى، والذاكرة التى
تدور،،والذاكرة ذات الرائحة، والذاكرة التى تنتقى، والذاكرة التى
تبدع،.إلى آخر ما لا أذكر، كذلك تذكرت آلة الذاكرة التى
ابتدعها جارثيا فى مائة عام من العزلة يسخر بها على ما
نسميه ذاكرة،
هذا هو شيخنا يعلمنا من واقع الممارسة ما ينبغى
أن نعلم، فاتقوا الله يا من تقيسون الأدب بالعلم، ناهيك عن
قياس الدين بالعلم !!
ثم
فعلت بعد ذلك ما لا ينبغى أن أفعل،
وما حاولت إثناء نفسى عنه طويلا، وهو ما أوقعنى فى أخطاء ليست
قليلة، وبعد أن كتبته فى المتن فضلت أن أجعله هامشا أرجو أن
يعزف القارئ عن قراءته:
ذلك
أننى رحت أستفتى المراجع حول مضمون ما هو صدًى، وأنا حين أستفتى
المراجع لا أبحث عن تعريف للكلمة بقدر ما أعيش تقاسيمها،
وتاريخها، وصدى رنينها، وكان أستاذى محمود شاكر قد أوصانى ألا
أكتفى بلسان العرب، وأن أستشير معه تاج العروس من جواهر
القاموس، للزبيدى. قلت أتعرف على الزبيدى هذا- لأول مـرة- من
خلال أصداء محفوظ، ونبهت نفسى من البداية أن محفوظ حين انتقى
كلمة أصداء لم يستشر معجما، بل لعله لم يستشر نفسه بل سمع
الكلمة قبل أن يختارها، كما أننى حين استقبلتها لم أستقبلها
بتعريف أو تحديد وإنما سمعتها بدورى تتردد فى تضاريس وعيى، فلماذا
المعجم، ولماذا أصر على تكرار هذه العادة الخاطئة أبدا؟ ذلك
الإصرار هو الذى أدى بى ذات يوم إلى أن أحاول تفسير إسم كامل
رؤبة لاظ بطل السراب، وأنا أبحث عن مادة كل من
"رأب" و "لاظ"، ورغم عتبى على محفوظ فى تعمده
الرمزية فى انتقاء كثير من أسماء أبطال رواياته (الأمر الذى
تورطت فيه بدورى فى تسمية شخوص روايتى "المشى على الصراط"
بجزائيها) إلا أننى هذه المرة كنت متأكدا أن محفوظ لم يقصد
إلى أى من ذلك، ومع كل هذا فقد ذهبت أستشير الزبيدى لأصاحب
الكلمة أكثر وأعمق مـغـفـلا - مؤقتا- علاقتى بها بين الجبال فى
فالورسين وسانت كاترين، وفى نفس الوقت مستبعدا تعمد نجيب محفوظ
اختيارها لأسباب معجمية أو رمزية.
وهكذا
تحقق لدى فرض يقول:
إن
محفوظا (ويحيى حقى- وكل مبدع اختلطت اللغة بلحمه ودمه) إذ ينتقى كلماته
إنما يتخير ما يفيض به كيانه اللغوى دون علم محدد بكل
أبعاد اللفظ، لكن اللفظ يتفق مع ما يراد منه بكل دقة
موضوعية حين لا يكون ثمة فاصل بين الكيان الذاتى والكيان
اللغوى للكاتب، وفى هذه الحال يحدس المبدع تاريخ لغته بدقة
شديدة الإحكام دون أى مرجعية رمزية، وقد ذهبت أحقق هذا الفرض
هكذابكل تداعياته وتعسفاته الظاهرة والخفية حتى وصلت إلى ترجيح
أن هذا العنوان قد حدسه نجيب محفوظ -دون قصد محدد- ليستوعب
كل تلك المعانى: من أول أن نجيب هو الرجل اللطيف الجسد حتى
صوت ذكر البوم يخرج من قبر المقتول يطلب الثأر مارا بما
يردده الجبل على المصوت فيه(2) .
[1] - هامش رجاء ألا تقرأه:
يقول الزبيدى فى مادة صدى، وللصدى
اثنا عشر وجها:
الأول: الرجل اللطيف الجسد (أليس هكذا
محفوظ الآن ؟)
والثانى: الجسد الآدمى بعد موته
(نشرمحفوظ فى الأهرام مؤخرا قبل هذا العمل مباشرة أيضا قصة
قصيرة لا أذكر إسمها الآن كدت أقرأها باعتبارها صادرة بعد
موته من فرط ما كان فيها من رثاء ذاتى)
والثالث: حشوالرأس، وفى الجمهرة حشوة
الرأس ويقال لها الهامة (فهل هذا العمل هو هامة نتاجه، وهو
ما ينبغى أن نحشو به أدمغتنا)
والرابع: الدماغ نفسه (لا تعليق)
والخامس: طائر يصربالليل ويقفز قفزانا،
(والقارئ
اليقظ لا بد وأن يعرف معنى صرير طائر بالليل وهو يتلقى
قفزات نجيب محفوظ فى هذا العمل هكذا من غصن إلى غصن، من
فرع إلى فرع، بل أحيانا أراه يقف على حافة وريقة صغيرة لم
تبرز بعد من حضن سابقتها).
والسادس: طائر يخرج من رأس المقتول إذا
بلى
(لا
تعليق، لأن المعنى الممكن واضح فى ظروفنا هذه)
والسابع: فعل المتصدى، وهو الذى رفع رأسه
وصدره يتصدى للشيء
(هل
يعرف أحدكم شخصا تصدى لكل شيء بكل لغة مثلما فعل شيخنا هذا
عبر كل حياته، حتى تلك السطور المسطحة ظاهرا التى ينشرها كل
خميس فى الأهرام، هل فيها غير التصدي؟)
والثامن: العالم بمصلحة المال،،..وخص
بعضهم به العالم بمصلحة الإبل
(لسنا
إبلا بالطبع، لكن يبدو أن شيخنا عالم بمصلحتنا، أطال الله
عمره وعلمنا بمصلحتنا مثله)
والتاسع: العطش، وقيل شدة العطش، يقول
الشاعر: ستعلم إذا متنا صدى، أينا الصدى
(فهل
هناك عطش نعيشه أكثر مما نعيش هذه الأيام حتى نخشى أن نموت
صدى الحرية والوعى المبدع والمعرفة الحقة)
والعاشر: ما يرده الجبل على المصوت فيه
(وهذا ما أشرت إليه وهو المعنى الشائع الصحيح المباشر وقد
كان ينبغى أن أكتفى به لولا هذا القهر الذاتى)
والحادى عشر: ذكر البوم، وكان يقال
إذا قتل قتيل ولم يدرك به الثأر خرج من رأسه طائر
كالبومة،.والذكرالصدى، فيصيح على قبره اسقونى اسقونى، فإن قتل
قاتله كف عن صياحه
(لا
تعليق لأن عندى تعليق مناسب جدا، خاصة بعد مجزرة الحرم
الابراهيمى يا شيخنا سنأخذ بثأرنا مهما طال الزمن، وسوف ندعو
لك بطول العمر حتى لا تكف عن الصياح "صدي" لايتوقف
لأن ثأرنا لا ينتهى)
والثانى عشر: سمكة سوداء طويلة
ضخمة، وقيل التى لا تشرب الماء، "صوادى ما صدين وقد
روينا" (وهنا يشير الصدى إلى نوع قاس من الضخامة والجفاف،
وهو ما تصورته ضد الرفاهية المائعة والرى الكاذب).
مقدمة (2) اكتوبر 1997
"التقاسيم"
وصل
ما انقطع:
منذ كتابة المقدمة الأولى (ابريل سنة 1994)
حدثت أمور كثيرة كثيرة، لا يمكن إغفالها وأنا أعاود
المحاولة. فقد تعرفت شخصيا على الكاتب بشكل إنسانى وثيق منذ
نوفمبر 1994 حتى بلغت صحبتى له بعض الأحيان ستة أيام فى
الأسبوع، ثم اختصرت إلى ثلاثة، فيومين، ثم إلى يوم واحد
أسبوعيا، وكان من أوثق أيام الصحبة أن سمح لى من تبقى من
الحرافيش، أن أنضم إليهم، ولو منتسبا، ولهذه الفرصة وضع خاص،
يبدو أنه ليس فى متناول التسجيل، لا مني، ولا من أى آخر
منهم، كما أتيحت لى فى بعض الأيام، لظروف اعتذار بقية
الحرافيش أن نكون وحدنا"هو وأنا" لبضع ساعات"
المرة تلو المرة، وكان من نتيجة ذلك أننى توقفت تماما عن
قراءته، وإعادة قراءته، قارئا عاديا، وناقدا، حتى القصص القصيرة
التى تخرج فى "نصف الدنيا" لم أكن أقبل على قراءتها
بلهفة زمان، وتوقف المشروع الكبير الذى كنت أحلم به وهو أن
أتفرغ له ولديستويفسكى لأتعلم - وأوصّل ما أتعلمه للناس -أتعلم
عن ماهية الإنسان ما لم أستطع أن أتعلمه من الكتب المتخصصة
فى علم النفس، ومن أغلب كتب الطب النفسي، فــمـصادرى الحقيقية
فى معرفة النفس البشرية هى مما تفضل ويتفضل به مرضاى علَّى من
تعـر وحوار، ثم من حدس وإبداع الأدباء والشعراء، ومن نفسى
حالة كونى منصهرا بهذا وذاك، ملموما بمعلوماتى وقراءاتي. وهكذا
حرمتنى معرفة الكاتب شخصيا من أن آخذ راحتى مع أعماله وخيالي،
ولكننى لم أندم أبدا على معرفته - هكذا- مهما بلغت خسارتى
ناقدا أو قارئا، بل لعل إبداعه المباشر الذى أسميته مرة إبداع:
"حى <-> حي" (قياسا على صواريخ جو <-> جو أو
أرض <-> أرض)، يلهمنى ما لا تلهمنى الكلمات المطبوعة، لذا
أحمد الله على الحالين، أطال الله عمره.
ولكن كيف بالله عليكم
تتموضع قراءتى لهذا العمل بالذات - أصداء السيرة الذاتية - لو
أنى أخطأت فاعتبرته سيرة ذاتية - دون أن تختلط بما أعايشه
معه يوما بيوم؟
فأحجمت، وتراجعت، وترددت، وأقدمت، ورجعت، وفكرت،
وهممت، ثم تراجعت، وتحايلت، وتقدمت، فتورطت، هكذا.
ثم إن ثمة تنبيهات منذ البداية
لابد أن أخطر بها القارئ، بل قد أضطر إلى إعادتها فى حلقات
قادمة، أوجزها فيما يلي.
أولا: أقرأ هذا العمل ليس باعتباره سيرة
ذاتية – ما أمكن ذلك-، فما وصلنى منه (وليس بسؤال صاحبه) أنه ليس
كذلك أساسا، بل إن عنوانه يعلن بهدوء ووضوح أنه ليس إلا
أصداء تتردد بين جنبات وعى صاحبها فيشرق هنا، ويغنى هناك،
يذكر هنا، ويسبح هناك، فتصلنا ريحه العطرة، بما هو، وما
يمكن أن يكون، ويصير إليه.
لكل هذا رفعت متعمدا كلمـتى
"السيرة الذاتية" من عنوان
قراءتى النقدية مكتفيا بأنها "أصداء على الاصداء "
آملا أن تكون هذه الدراسة - بالتالى - مجرد استلهام من هذه
الأصداء، أو تقاسيم عليها.
ثانيا: أحرجت نفسى إحراجا متعمدا لكى يخرج هذا
العمل هكذا الآن، حتى لو أعتبر مجرد مسودة، وإنى أرجـح أننى
سوف أعاود قراءتها، ومراجعتها، وما يكون حينذاك يكون.
ثالثا: بالرغم من أننى سبق أن قررت فى
قراءات نقدية سابقة أننى لا أستطيع، ولا يصح، الفصل بين
الراوى شخصا - حالة كونه مبدعا - وبين ناتجه الإبداعى، وأن هذا
التوحد يختلف حتما عن بعد ثالث وهو الراوى كما يبدو لنا
(وله) سلوكا يوميا، فإننى لن أعرج إلى شخص الراوى لا فى سيرته
الذاتية، ولا فى سلوكه اليومى (اللهم إلا مضطرا اضطرارا لا
مفر منه) كما لن يكون الراوى بشخصه الاجتماعي، أو بحضوره
اليومى حاضرا أبدا بشكل مباشر، وإن كان يستحيل أن يغيب لحظة
واحدة فهو أصل الصوت النشيد، قبل وبعد أن تتردد الأصداء.
رابعا: لم أستطع أن أفصل بين الواقع
الخارجي، وهو ليس إلا تجليات حوار الخارج فى الداخل، و
الواقع الداخلى بمستوياته المتداخلة التى هى بدورها تجليات الوعى
المبدع وهو يعيد إفراز ذاته فى عالم خارجى يعيد به صياغة
الواقع الأول، وبالتالي، فقراءتى هذه هى تجوال دائم معِاود
حتمي: بين "الداخل والخارج"، واقع وواقع وواقع لا
يمكن فصلها.
مقدمة (3)
بعض
ما جرى
كتبت المقدمة (1) سنة (1994)
ولم يكن قد نشر فى الأهرام إلا حلقة أو اثنتين، ثم عرفت
صاحب العمل كما سبق، وهو عازف عن نشره، فتفضل مشكورا أن
جعله فى متناولى بخط يده كاملا، (شاملا تصحيح ماصدر فى الأهرام)،
ولعل عزوفه عن نشر هذا العمل مكتملا، والذى لم يعدل عنه
إلا بعد ضغط شديد من محبيه وقرائه وأصدقائه، يفسر لى الصعوبة
التى أعانيها الآن وأنا أواجه قراءته ناقدا، ذلك أنه عمل لا يمكن
تصنيفه بسهولة، كما لا يمكن الإحاطة بكل أبعاده المترامية دون
أن يقع القارئ - والناقد - فى مهاوى السهو، والتجاوز، والشطح،
والتجزؤ.
من رؤيتى الباكرة لما تصورته
طبيعة العمل (انظر مقدمة "1")، ومن نشر العمل فى فقرات، على
حلقات، ومن إصرار الكاتب أن يعطى كل فقرة (قصة / رواية)
عنوانا، لابد أن تبذل جهدا فى كثير من الأحيان حتى تربط بين
العنوان وبين مضمون الفقرة / القصة / الرواية / القصيدة، من كل
هذا، ولكل هذا فهمت فقدرت الصعوبة التى واجهت المؤلف وهو
يقرر نشرها "مجتمعة" فى كتاب يُقرأ "معا"!!
كتبت النص من خط يده -
حتى قبل نشره على الكافة - على الحاسوب (المكمبت- الكمبيوتر)،
لأتجول فيه، أحاول أن أجمع ما خطر لى من مواضيع خليقة
بالربط فالدراسة (مثل الموت- الطفولة - الجنس.. إلخ)، وكيف
وردت، وكم تواترت ومتي، وفى أى سياق، لكننى حين مارست هذه
اللعبة الحاسوبية معتمدا على نص لفظى، أو عبارة محددة، افتقدت
كلية حضور النص بصورته المكثفة، وصوره المتداخلة لحساب جمع
الألفاظ المتشابهة، والإحصاءات الخائبة، كما افتقدت جمع المعانى
المستترة التى جردتـها أنا من خلال قراءتى الخاصة، فرفضت أن
أشوه الأصداء بهذا التفكيك المخلخل.
ورجعت إلى النص بكليته،
وكدت أجد مبررا للتراجع، من منطق الكاتب نفسه، وهو يعزف عن
نشره معا بصورة مكتملة دون إبداء أسباب، ولم ينفعنى الهرب
الجديد.
قلت أقرأ فقرات العمل – ابتداءً-
متباعدة، وكأن كل فقرة هى قصة أو رواية قائمة بذاتها، وفرحت
بهذا الحل، ومرت فترة حضانة وحيرة حتى انتهيت أخيرا إلى ما يلى:
1 - أن أتناول العمل على مراحل.
2 - فى المرحلة الأولى أقرأه فقرة فقرة، مسجلا ما
توحيه إلى كل فقرة بذاتها أساسا.
3 - كل فقرة بما استلهمه منها، مرة شارحا، ومرة
مستلهما، ومرة محاورا. وقد حاولت مثل ذلك فى قراءتى لبعض
مواقف النفرى والتى نشرت فى كتاب بعنوان " "0
4 - فإذا ما انتهت هذه القراءة "الدندنه"
التى أوهم نفسى أنها مجرد مرحلة "ضبط الآلات" أو
اختبار الأوتار، آلة، آلة، ووترا وترا، فإنى سوف أرجع لأنظر
إلى ما انتهيت إليه لعلى أخلص إلى قراءه جامعة آملا أن تكون
قادرة على أن تؤلف لحنا ما، مهما بلغ تواضع قيمته.
وسوف
تقسم الدراسة إلى أربعة فصول، على الوجه التالى :
الفصل الأول: الطفل يرحب
بالشيخوخة، ويغازل الموت [من فقرة 1 إلى 54]
الفصل
الثانى: فى مقام الحيرة، والدنيا تضرب تقلب [من فقرة 55 إلى 119]
الفصل
الثالث: طفل تائه يا أولاد الحلال [من فقرة 120 إلى 158]
الفصل
الرابع: حتى رأى وجهه وسمع رهانه [من 159 إلى الآخر 224]
الفصل
الخامس: مقدمة القراءة الجامعة وفصل أول فقط
"عينة"، الطفولة نبض دائم.