6- تفسير الحلم ونقد النص الأدبى:
6-1 الخطوط العامة لمحاولات تفسير
الأحلام:
يحق لنا
- الآن- أن نأمل فى عقد مقارنة بين تفسير الحلم والنقد الأدبى.
وبصفة مبدئية، وكما قدمنا فإن شكلا متزايدا بدأ يظهر بوضوح فى
إمكان تفسير الحلم أصلا تفسيرا يقربنا من حضور "الوعى
الآخر بما هو"، ذلك أن ما شاع من محاولات تفسير الحلم
سواء بفك الرموز أو بوصل الأحداث أو بترجمة الإشارات إنما
يبعدنا عن الحلم ولا يحضرنا فيه وبه، ولعل مثل ذلك حادث فى
النقد حاليا، إذا استعملنا كلمة "تفسير" (بدلا من
كلمة نقد أو قراءة)، حيث أن أغلب النقد المنهجى الأكاديمى
الحديث قد يبعدنا فى كثير من الأحيان عن حضور النص بما هو
لازم للوفاء بالإحاطة بأبعاده كما تحاول هذه الدراسة. ولعلنا
نشعر الآن أننا فى حاجة إلى استعادة لمحة سريعة عن أساليب
تفسير الحلم المتاحة حتى الآن، مما سبقت الإشارة إليه، خصوصا
فى مقارنة الاتجاه الفرويدى باتجاه مدرسة يونج[1].
ذهب فرويد إلى التفرقة بين حلم ظاهر، وحلم
باطن، لكنها لم تكن تفرقة على مستوى البنية التحتية والمظهر
المعلن، بل على مستوى المحتوى الخفى ومحاولات التمويه، فجاء
تفسيره ليؤكد نظريته باحثا عن أسباب الحلم، موظفا بعضه فى
الحفاظ على النوم، مع إهمال نسبى لوظيفته المعرفية، لصالح
وظيفته الدفاعية[2].
أما يونج، فقد أخذ الحلم الظاهر بما هو، وتحدث عن
"الأنا اليقظ" و"الأنا الحالم" لتأكيد أن
الكيان البشرى متعدد الوجود، وليس أجزاء متفاعلة، كما عامل
الحلم باعتباره كشفا وإضافة معرفية للتكامل. وبناء على هذا
وذاك، فقد اتجه تفسير كل منهما إلى التعامل مع الحلم بما
يؤكد نظريته. فبينما أكد فرويد استعمال مادة الحلم وسيلة
للتداعى الحر كأنها مثيرات لما استعمل لغة الحلم بنجاح فائق،
ولكن لخدمة نفس الفكرة المحورية "حكاية مسيرة الحياة".
بعدها، راح يونج يرى أن هذه
المثيرات من الحلم يمكن أن تثير تداعيات خاصة بالحلم دون
غيره، وقد أشار يونج إلى أن قائمة الكلمات العامة فى اختبار
تداعى الكلمات Word Association قد تثير التداعيات نفسها التى توصل
فرويد بها إلى المركبات الكامنة فى الحالم. فأين -إذن- خصوصية
مادة الحلم وتميزها؟ لهذا فإن يونج لا يهتم بالوصول إلى
ماهية المركبات (العقد الكامنة) فى شخص الحالم بالذات، لكنه
يريد أن يتعرف على ما يفعله هذا الشخص بهذه المركبات التى هى
جزء منه، ومن ثم فهو يستعمل طريقة التكبير Amplification بحيث يركز الحالم فىاستعادة الحلم
وتداعيه حوله على صورة الحلم دون أن يبتعد كثيرا، ويبدأ
بالمستويات الأقرب، فيهتم بالتكبير على المستوى الشخصى، فالبيئى،
فالبدائى (الأنماط الأولية). وبهذا يتعرف المفسر على ما يمكن أن
يضيف إلى معلوماته عن كلية وجود الحالم (لامجرد الشخص/القناع)
وليس عن العقد المكبوتة فحسب، وهو يهتم بأن يسمع الحالم
يقول له ما يفيد فى "التوجه إلى..." أكثر من أن
يبحث فى "ماذا أثار الحلم"، وذلك لإدراك إمكانات إبداع
الحالم ذاته على طريق النمو، وماهية إعاقته ومداها؛ أى أنه
يرجح "السببية الغائية على السببية الحتمية".
نستطيع
أن نخلص من هذه الخطوط العامة إلى القول: إن كلا من فرويد
ويونج قد اجتهد، كل بطريقته، لكن فرويد حاول أن يكون عالما
أكثر (وبنائيا كما قيل فيما بعد) فأعلن التزاما، وحدد منهجا،
وزعم تعميما. والواقع أنه أفاد كثيرا بهذا، إلا أنه لم يخرج
كثيرا عن دائرة نظريته ولا عن دائرة ذاته الشخصانية (لا
ذاته الموضوعية، أداة البحث)، وهذا هو ما كان أيضا بالنسبة
لمحاولات فرويد فى النقد، فى حين أن يونج قد أكد العامل
الشخصى فى التفسير بالمعنى الإبداعى الأصيل. حقيقة أن يونج قد
أوصى بمنهج ووضع خطوطا عريضة للتفسير، إلا أنه أكد طوال
الوقت ضرورة مرونة الحركة، وعدم الالتزام بحرفية المنهج، وفى
الوقت نفسه بعدم الخروج عن الحلم إلى الحالـِم، إلا فى مرحلة
تالية للتفسير. ومهما كان الاختلاف بين فرويد ويونج، فإن كلا
منهما فى النهاية إنما يقرأ الحلم لا يفسره، وأعنى بذلك أنه
يتخذ من الحلم مادة مثيرة لعقله المبدع هو، ويتفاعل معها
بما هو، وليس فقط بما يعرف من نظريات.
هنا
نتذكر أن الإبداع فى القراءة النقدية (قراءة النص نقدا، أو
قراءة الحلم تفسيرا) مثله مثل الإبداع عامة: إنما يمثل موقفا
دقيقا بين الحرية والالتزام، فالحرية غير المحدودة تجعل جرعة
الشخصنة (الذاتية الإسقاطية، اللاموضوعية) كبيرة وخطيرة، فى حين
أن فرط الالتزام المنهجى قد يسجن ناقد النص (أو مفسر الحلم) فى
جدول ضرب خانق، يستحسن الاستغناء عنه، وبألفاظ أخرى: إذا
زادت جرعة الشخصنة فى قراءة الحلم لم يعد الحلم سوى نقطة
حبر مفلطحة (مثل نقطة رورشاخ)، أما إذا زادت جرعة الالتزام
بقواعد بذاتها، فإن تفسير الحلم يكون أشبه بحل لغز من ألغاز
الشطرنج. وكلا السبيلين، إذن، ليس إبداعا ناقدا مضيفا.
6-2 عَلْمنة قراءة الحلم:
قبل أن
أواصل المناقشة للوصول إلى ما أتصوره فى تفسير الحلم وعلاقته
بالنقد الأدبى، فإنه يجدر أن أقفز قفزة كبيرة إلى بعض ماوصلت
إليه محاولات علمنة قراءة الحلم، فأختار طريقة واحدة، أسماها
صاحبها "فولك" Foulkes: "نظام تسجيل للبنية
الكامنة" SSLS،[3]
وواضع النظام هو من رواد البحث فى مجال النفسفسيولوجى
فى الأحلام، وقد انطلق فولك من فرويد -كالعادة- ليوفق بينه -بشكل
ما- وبين معطيات "علم نفس الأنا" وبنيوية ليفى شترواس،
وبياجيه، ولغوية تشومسكى، والأبحاث النفسلغوية، وكذلك علم النفس
المعرفى الحديث، دون إغفال علم النفس السوفيتى، وكذلك دون إهمال
عطاء علم النفس العصبى. وقد تمكن فولك من أن يؤلف بين
تفسير أحلام فرويد والبنيوية اللغوية لـ "تشومسكى"،
فأظهر أن العلاقات بين تصاوير الحلم مقابلة لوحدات الجمل فى
التحليل اللغوى، كما قدم نموذجا حسابيا لإخراج الحلم (كما وصفه
فرويد) مستعملا نظرية "الدوغراف"، وبذا أصبحت دراسة
الحلم -عنده- ممكنة، بطريقة منظمة، محكمة تماما. بدت لى هذه
المحاولة -على رصانتها- بمثابة اجتهاد منهجى دفاعى لا حاجة بنا
إليه من حيث المبدأ[4]،
اللهم إلا بوصفها مساعدا للقراءة المنظمة، لا تفسيرا، ولا
إبداعا.
6-3 مسْرَحة الحلم
على أن
ثمة طريقة أخرى على أقصى الجانب الآخر، نستعملها نحن (وغيرنا) فى
العلاج الجمعى، حين تؤخذ مادة الحلم (الذى يحكيه أحد أفراد
المجموعة أو يتذكره، أو يستدعيه المعالج.... إلخ) لتـُمَسْرَح فى
نوع من أنواع التمثيلية النفسية (السيكودراما). وهنا تتجسد
الصور، وتُتبَادل الأدوار، ولا يكتفى بما حدث فى الحلم، بل
يكمله الممثلون (المرضى والمعالجون) تلقائيا (بلا نص مسبق).
ويقوم المعالج بما يشبه دور المخرج، وكأن الحلم يعاد إبداعه،
أو يكمل إبداعه، بواسطة صاحبه أساسا، وإسهام المعالج مع بعض
أفرادالمجموعة العلاجية. ومن أهم ما أفادنى فى أثناء الممارسة
الإكلنيكية فى العلاج الجمعى فى مثل هذه المواقف هى عملية
"تبادل الأدوار" أثناء تمثيل الحلم، ذلك بأن يدعى
المريض على الكرسى الساخن لكى يقوم بتمثيل [5] نفس الدور
الذى كان يلعبه الآخر أمامه (سواء كان هذا الآخر هو المعالج
أو أحد أفراد المجموعة العلاجية)، وقد تنتهى هذه الدراما
النفسية التى تجسد الحلم وتحضره فى الـ "هنا والآن"
دون تفسير قصدا (وهذا مايحدث غالبا فى ممارستى الخاصة)، وقد
تفسر بعض أجزائها بواسطة الحالم أو المرضى الآخرين، وبدرجة أقل
بواسطة المعالج. وأثناء هذه الخبرة (الدراما النفسية كخبرة
علاجية جماعية) لا يتعرف المريض بالضرورة على مغزى الحلم أو
شفرة رموزه، وإنما يتعرف على نفسه بشكل مباشر معايش، كذلك
يتعرف على الطبيب وعلى زملائه انطلاقا من اتساع وعيه من خلال
هذه القراءة المجسدة المتحركة للحلم.
نحن إذن
- فى هذا العلاج - لا
نتوقف عند محاولة ترجمة الحلم إلى لغة الواقع، وإنما ننطلق
منه، وبه، وهذا ما أسميته: القراءة المبدعة للحلم.، وقراءة
الحلم هنا إنما تشير إلى إعادة معايشته بهدف استيعاب وتمثل
الخبرة فى وعى ممتد من الحلم إلى ما يُمْكن، وليس بقصد تفسيره، أو فك
رموزه.
6-4 الحلم يقرأ (إبداعا)، ولايحل
(لغزا):
إن
الحلم المروى لا يعدو أن يكون مثيرا لإبداع تال، تتوقف
فائدته ومصداقيته على قدرة قارئ الحلم (الحالم نفسه مع أو بدون
من يساعده) على الإبداع انطلاقا من مادة الحلم المتاحة، ومهما
استعنا بأدوات مكبرة (تكبير يونج) أو مكملة (تداعى فرويد) أو
حاسبة (نظام فولك) فستظل القراءة إما إبداعية، وإما تقريرية،
مع تدرج بين هذين القطبين يحمل كل النسب المحتملة.
القراءة
الإبداعية ليست هى القراءة
الحرة بمعنى الذاتية الإسقاطية، أو الانطباعية، أو التذوقية..،
بل إنها قراءة تحتاج إلى آليات أشمل من بينها: وعى مغامر، قادر
على التفكك المسئول بفعل المادة المقروءة، ثم استعادة التماسك
بشكل جديد، ومن ثَمَّ فقراءة مبدعة تتجاوز النص ولاتبعد عنه، فإذا كان
من مهمة مثل هذا القارئ (المبدع الناقد الموضوعى) أن يقول فيما
قرأ قولا، فإن ذلك إنما يصدر عن نتاج سلسلة تفاعل عمليات
شديدة التعقيد. ويتوقف هذا النتاج أكثر مايتوقف على
"موضوعية ذات القارئ".
وفى
مقامنا هذا نستطيع أن نقول إنه: كما
أن الحلم المحكى ليس هو ماحدث من تحريك وتنشيط بيولوجى إيقاعى
منتظم، وإنما هو فعل إبداع المبدع فى المادة التى قُلْقِلت،
كذلك فإن قراءة الحلم (تفسيره) ليست سوى نتاج إعادة تنظيم
مادة الحلم فى تضفر ولافى، هو ناتج ما أثاره الحلم فى وعى
المفسر بكل ما يتحمل من توجه معرفى، وإطار مرجعى، وخبرة
ممارسة. وتكون ذات قارئ الحلم (وليس بالضرورة مفسِّره) ممثِّلة
للموضوع، بقدر قدرتها على نشاط التلقى الحر المتعلق بقدرة المتلقى
على استيعاب كم وكيف المعلومات المتاحة من واقع إبداعى مشارك، بما
فى ذلك مدى استيعابه لخبرات السابقين فى هذا المجال وغيره، وكذا
حسب شجاعته وقدرته على الغوص فى تجربته الذاتية/الموضوعية المقابلة
والمثرية لقراءته هذه.
إن درجة أصالة الإبداع النقدى عند من يتصدى للقراءة
(أو المعايشة) هى التى تحدد ما إذا كان التفسير (القراءة) هو
إسقاط ذاتى أو هو ولاف أصيل جديد. فإذا ارتفعت ذات المفسر
(المبدع الناقد) إلى درجة من الموضوعية حتى أصبحت هى أهم أدوات
استيعاب الحركة الإبداعية المتمثلة فى النص (أو الحلم) أصبح
المعطى بمثابة "إبداع على إبداع"، لا أكثر ولا أقل.
ويكون الإبداع أكثر إبداعا كلما زاد عمقا، واقترب من الجوهر
المشترك، وكان مثالا لما يمكن تعميمه، مع الوضع فى الاعتبار
أبعاد الاختلافات الفردية الضرورية.
هنا
يقفز اعتراض مهم يقول: إنه - بذلك- يستحيل أن يتفق مفسران،
حتى من مدرسة واحدة، على تفسير حلم بذاته، وأن تفسير الأحلام
بالتالى لا يمكن أن يكون علما أبدا. وأحسب أن هذا صحيح فى
حدود تعريف العلم التجريبى تحت وهم أنه "لاشخصي"، ولكنى
أحسب أن هذا التعريف قد أخذ فى التوارى بشكل متزايد ودال بعد أن
تجاوز مفهوم العلم ذلك النطاق الضيق،. وليكن تفسير الأحلام (قراءتها)
فنا إبداعيا، بشرط أن نؤكد حقيقة أن الإبداع التشكيلى والأدبى
هو أحد روافد المعرفة، الذى لا يقل عطاؤه عن عطاء ما هو
علم إنارة وكشفا.
هذا
"الإبداع على إبداع" الذى يتجلى فى فن قراءة الحلم
(ومثله مثل الحال فى فن اللأم. فى المعالجة الإكلينيكية المواكبة[6]،
وفى فن النقد) يكون أصيلا ليس بقدر انفصاله عن ذات المبدع،
بل بمقدار ارتقاء ذات المبدع نفسها على مدرج التكامل، بالقدر
الذى يسمح لهذه الذات أن تكون الأداة الموضوعية القادرة على
تمثل الخبرة بما هى.
ما أريد
أن أخلص إليه هنا هو أن فن قراءة الحلم (الذى ينبغى أن يحل
محل ما يسمى تفسير الحلم) هو إبداع جديد يتوقف مدى صدقه على
درجة أصالة وموضوعية المبدع (المفسر) التى هى هى درجة تطوره.
6-5 مستويات الحلم ومستويات
القراءة:
إن
قراءة الحلم بعامة - من واقع خبرتى وماذهبت إليه تنظيرا هنا-
يمكن أن تمر بعدة مراحل:
أولا:
ينبغى أن نحدد نوع الحلم الذى نحن بصدده، الأمر الذى يتناسب
مع مستوى إبداع الحلم، فالأحلام يمكن تقسيمها بمدى عمقها، ومدى
تناثرها وتكثيفها، أكثر مما يمكن عمل ذلك حسب نوع محتواها،
فليس من الصواب أن نقرأ حلما رائقا مسلسلا هو ليس بحلم
أصلا، أو حلما تنبؤيا مباشرا، بالطريقة نفسها التى نقرأ بها
حلما فجا متناثرا استطاع صاحبه أن يتحمل أن يلقى به "مبدعا
بأقل قدر من التدخل المسطِّـح" فى وساد وعيه، ثم فى مواجهة
وعينا. ففى حين نرى أن الحلم الأول ليس إلا سردا سطحيا به
أقل القليل من الإبداع، نجد أن الحلم الثانى يحتاج لقراءته
إلى استيعاب مسئول فى إطار السماح بتناثر إبداعى منضبطّ إرادى
"بشكل ما"، حتى يستطيع أن يقف فى مواجهته فى محاولة
أن يلم أطرافه ويعيد صياغته بملء فجواته، وتوليف أفكاره. بين
هذين الطرفين على أقصى المتدرج: نجد درجات متفاوتة تحمل جرعة
من هذا وذاك بنسب مختلفة.
يساعد فى تحديد مستوى الحلم (ومن ثم إبداعه تفسيرا) معرفة
طريقة تسجيله ووقت تسجيله بالنسبة للحظة اليقظة، حتى يمكن
تحديد حالة الوعى، ودرجة الذاكرة ومن ثم تحديد نسبة الخيال المصنوع،
فى تأليف المادة المعطاة.
ثانيا:
تأتى بعد ذلك ضرورة الإلمام بمعلومات كافية عن شخصية الحالم،
ليس فقط عن ظروف حلمه، وملابساته، ومثيراته البيئية المحيطة
آنذاك ولكن أيضا عن قدرات الحالم الإبداعية. ولا أعنى بالقدرة
الإبداعية هنا مدى ممارسته للإبداع فعلا، وإنما أعنى بالقدرة
الإبداعية هنا: ما يقدر عليه الحالم من "تحمل
التناثر"، ثم قدرته على لم هذا التناثر بشكل لا يضيع
معالمه، بالإضافة إلى مدى مرونته وطزاجة دهشته. فالأحلام
تقترب أو تبتعد عن الإبداع الأصيل تناسبا طرديا مع هذه
القدرة، وقد تكتشف هذه القدرة من الإلمام بمدى نشاط الحالم
الإبداعى فى مجالات أخرى من مجالات الحياة.
يجدر التنويه إلى
أن هذه القدرة الإبداعية ليست هى التى يمكن أن تكون مسئولة
عن إنتاج ناتج إبداعى بذاته: التشكيل أو الحكى مثلا، وإنما هى
مجرد القدرة على التشكيل وإعادة التشكيل من واقع تحمل التناثر
واستيعاب التناقض القادر على استيعاب مادة الإبداع المتاحة من
الواقع أو من الحلم. هذه القدرة الإبداعية الحية متصلة اتصالا
مباشرا بما يمكن أن أسميه: "مرونة الوجود وحوار
المستويات". الأمر الذى يظهر بشكله الإيجابى فى وجود ذى
حرارة متقلبة، وقدرة على المراجعة، فالدهشة، وتحمل الغموض، كما
يظهر فى صورته السلبية فى تقلبات اندفاعية، وتعامل ذاتى مع
الواقع الخارجى مثل إنكاره أو تشويهه أو إبداله كلية...، (ربما
حتى المرض).
من هنا يمكن القول إنه:
أولا: تكون مادة الحلم
موازية لما هو "شعر" أصعب على درجة من الغموض، كلما كان
الشخص مبدعا (سويا مرنا جدليا، أو مريضا متَعْتَعا) أو حتى متناثرا)،
(وربما كان هذا بعض ما استوعبه نجيب محفوظ حاليا فى أحلام فترة النقاهة فطوره
إبداعاً: أنظر الملحق).
ثانيا:
تكون مادة الحلم حكيا مصقولا مسطحا كلما كان الحالم ثابت
المعالم محدد الموقف ممن يطلق عليه العامة أحيانا "قوى
الشخصية"، فى حالة السواء، أو ما يندرج تحت بعض اضطرابات
نمط الشخصية- فى حالة المرض، أو ما أطلق عليه مؤخرا تعبير
"فرط العادية" (Hyper-normality) هذه النماذج لا تعى أحلامها بسهولة، إذ لا
يتجرأ الواحد منهم على احتمال الوعى بحقيقة ما تنشَّط بداخله
أثناء حلمه، فضلا عن تذكر حلمه أو روايته، بل إن كثيرين
منهم ينسون أحلامهم قبيل اليقظة مباشرة أو بمجرد أن يستيقظ،
فإذا سمح أحدهم لنفسه بحكيها بعد تذكر بعض مفرداتها فإنه
يسلسلها خطيا وصولا بها إلى مالم تكن... فهو التزييف غالبا.
تلزم هذه التفرقة بين "الحالم المبدع" و
"الحالم المفرط العادية " للاستهداء بها فى كيفية قراءة
الحلم، على هذين المستويين المختلفين.
ثالثا:
يأتى تحديد ماهية قارئ الحلم (مفسره) من حيث أرضيته المعرفية
والخبراتية وقدرته الإبداعية (بنفس التعريف الذى ذكرناه عن
الحالم). وتظهر هذه الأخيرة من موقفه الإبداعى العام (العلاجى،
والقراءتى، والإبداعى الإنتاجى) كما تظهر من موقفه الخاص من
أحلامه هو شخصيا أيضا (أحلام المفسر المعالج: لا الحالم) - ومن
بينهما- من أول قدرته على تذكرها، إلى انتقاء ما يتذكر منها
ليحكيه أو يسجله دون غيره، إلى شجاعته فى سردها، إلى محاولته
تفسيرها. وتجرى أسس التفرقة فى نفس اتجاه ماذكرناه بشأن
الحالم.
رابعا:
تتأثر قراءة الحلم بمدى و نوع العلاقة بين الحالم وقارئ
الحلم، ويشمل ذلك تعدد قنوات الاتصال اللفظية وغير اللفظية
فيما بينهما. على أن توافر أكبر الفرص بالنسبة لكل من هذه
العوامل لايعنى -مباشرة- أن قراءة الحلم (تفسيره) أمر ممكن (أو
أمر حتمى). وقد اعترف فرويد نفسة أن ثمة أحلاما لاتفسر،
وتمادى فى ذلك يونج بشكل أكثر وضوحا، وربما تعميما، ومع ذلك
فإن الأحلام التى لا تفسر، تؤدى وظيفتها الإبداعية فى مسار
نمو الشخصية بالذات، بدون سرد، أو بمجرد
السرد وحسن التقبل ومحاولة الإبداع المقابل، بالتلقى الجاد دون
تفسير، وقد يكون ذلك فى كثير من الحالات أفضل من "حشر
الحلم فى نظرية بذاتها"، أو تفتيته إلى ماليس هو أصلا،
أو إهماله ليرتد، أو يتسطح، أو ينفى. أيضا. إن الأحلام التى لا
تفسر أصلا، ولا نتذكرها تفصيلا، إنما تقوم بوظيفتها الإبداعية
والمعرفية والتنظيمية دون حاجة إلى التوقف عند تفسيرها أو
لتفسيرها.
6-6
توظيف قراءة الحلم (تفسيره) علاجيا:
فضلنا
استعمال تعبير قراءة الحلم بدلا من تفسير الحلم، إشارة إلى
ما وصلنا إليه من أنه ما دام الحلم إبداعا محتملا، فالقراءة
المبدعة هى الأقدر على إعادة إبداعه، إن اعتبار تفسير الحلم
-كما قال فرويد- هو الطريق الملكى للاشعور، قد تضاءل كثيرا فى
وقتنا هذا، إما لترجيح أن هذا الطريق الملكى هو
"متاهة" مُشَخْصَنَة غالبا، وإما لغلبة العلاج الكيميائى
والسلوكى لدرجة الإزاحة الكاملة لكل ما عداهما، فلم يبق من
استعمال الأحلام فى العلاج إلا جزء يسير يمارس فى بعض أثار
التحليل النفسى، وجزء آخر "يمُسَرَحُ" (يعاد إخراجه) فى
العلاج الجماعى كما ذكرنا.
مهما
ضؤلت الممارسة العلاجية التى تستفيد من محتوى الأحلام مع تضاؤل
جرعة الإبداع فيما هو علاج، فإن النظر فى توظيف عملية قراءة
الحلم فى الإبداع العلاجى يرتبط أشد الارتباط بهدف هذه
الدراسة. أستطيع أن أعدد أهم وظائف قراءة الحلم المبدعة (بكل
صورها بما ذلك، أو أهم ذلك: المُمَسْرحة فى العلاج الجمعى) كما أراها من
واقع ممارستى الاكلينيكية من حيث أنها:
1-
تعلن درجة أرحب من القبول لأكثر من مستوى من مستويات
الوعى.
2- تتيح قدرا أكبر من الحركة نحو الداخل (أو
بتعبير أفضل: نحو الجانب/الجوانب، الأخرى).
3- تسمح بأن يتحمل الحالم (والمعالج) بوعى أصدق،
مسئولية ما يجرى على الجانب الآخر. أى مسئولية تواصل عملية
الإبداع التى بدأت بحكاية الحلم.
4- تسمح بتواصل بين طرفى العملية العلاجية بشكل أعمق
ومتعدد المسارات
5- تقرب بين مستويات الوجود
(مستويات المخ، مستويات الوعي...إلخ) بحيث تسهل رحلة التبادل،
ثم احتمالات التوليف، مما يظهر فى تزايد الأحلام، وتزايد
القدرة على التقاطها وحكايتها[7].
على أن
هذا كله لا يتطلب بالضرورة تفسيرا للحلم، بمعنى ترجمته إلى
مايشير إليه, بل إن مثل هذا التفسير قد يعوق تواصل الإبداع
توجها إلى الولاف الأعلى. كما أن لقراءة الحلم دورا أكاديميا
مفيدا فى بعض الأبحاث العلمية المتعلقة بعلم السيكوباثولوجى
(الإمراضية) خاصة، من منطلق فينومينولوجى إبداعى أيضا مما لا مجال
لتفصيله هنا.
[1]- يستحسن
الرجوع إلى مقارنة مسهبة بين فرويد ويونج فى هذا الشأن فى:
=Hall, L, A (1977)
Clinical Uses of Dreams: Jungian Interpretations and Enactments, New York,
Crune & Stralton. Inc.
[2]- الدفاعية
هنا تشير إلى فرط استعمال الحيل، بمعنى Defensive
Mechanisms أى أن
الحلم يقوم بوظيفة دفاعية مستعملا مجموعة من الحيل التى وصف
بعضها فرويد فى إخراج الحلم، ومن أهمها: الإزاحة، والإسقاط،
والرمزية، والتكثيف، ليحقق حلا وسطا بين أن يظهر وأن يخفى فى
الوقت نفسه; وهذا يختلف تماما عن كل من الوظيفة الكشفية
والإبداعية للحلم، وإن كان قد يؤدى بعض هذه الوظائف بعد
قراءته (أى التفسير).
[3] - Foulkes D (هامش
14)
Part
IV (193-342) especially chapter 11 (193-244)
[4]- لم
أدخل فى تفصيلات هذه الطريقة، وإن كنت قد تلمست شبها شديدا
بينها وبين بعض اتجاهات النــقد (التحليلية - البنيوية فى
الأغلب). ولكن ما أريد أن أعلنه هنا هو أن كلا من
المنهجين كان يبعدنى عن النص (الحلم- أو الأدب) ولا يقربنى
منه.
[5]- قد
يبدأ المريض العلاج النفسى (هنا أشير إلى العلاج الجمعى خاصة)
وهو يعلن-ويتصور-أنه لايحلم أصلا. وبتقدمه إلى التصالح مع
الداخل (بمعنى القبول - لا الاتفاق التسوياتى الدفاعى) تظهر الأحلام،
ثم يتواصل الحوار بين مستويات وعيه فيستطيع أن يحكى عنها،
وأن يسهم - بعد ذلك - فى مـسـرحـتـها أو قراءتها.
وقد يحدث أيضا مثل
ذلك مع بعض العقاقير الأحدث التى تعمل انتقائيا على مستوى من
الوعى دون الآخر، أو أكثر من الآخر، كما قد يحدث مثل ذلك
أيضا مع التوقف عن مثل هذه العقاقير أو غيرها، والتفسير الذى
يوحد بين كل ذلك هو النظر فى الأصل البيولوجى للأحلام، وعلاقة
ظهورها فى وعى اليقظة بمدى مرونة الوجود والحوار بين المستويات.
[6]- المقصود هو الإشارة إلى كيف أن الممارسة
الطبية الحقيقية هى فن أساسا يستعمل معطيات العلم والمعلومات، وفن اللأم بمعنى Art of healing يشمل – كما انتهيت أخيرا- قراءة المريض باعتباره
"نصا بشريا" – كما أشرنا – ثم الإسهام فى إعادة تشكيله (نقدا) نحو الصحة
(الأعلى ما أمكن ذلك).
[7] - لم
أحاول فى هذه الدراسة أن أشير إلى بعض نتائج مايجرى من أبحاث
فى مسألة الحلم; برغم أن الإشارات الأولية تشير أكثر فأكثر إلى
احتمال صحة الفرض الذى قدمناه هنا، ولكنى أسمح لنفسى أن أثبت هنا
بعض ما ألهمتنى إياه هذه الدراسة من تحوير فى طريقة البحث،
حيث قمت بتسجيل بعض أحلامى على مستويات مختلفة وبطرق تسجيل
متعددة (انظر أيضا آخر هامش 17)، وعلى الرغم من أن محتوى الحلم
لم يكن الهدف من التسجيل، فإنى فضلت أن أثبت هنا عينتين من
أحلامى متباعدتى الدلالة، لا للتفسير، وإنما للنظر فى اختلاف
التركيب، الدال على اختلاف مستوى الوعى الذى أنشأ كلا منهما.=
= حلم (1) الحاج سيد عطوة يكتب مقالا من صفحة
واحدة على ظهر صفحة الغلاف الأمامى من مجلة "فصول"،
وهو يكتبه بحروف مطبوعة مباشرة على مجلة صدرت فعلا، هو يمط
شفتيه جدا أثناء الكتابة لكنه يبدو معتزا بما يعمل، ويسأل
نفسه (أو يسألنى فقد كنت حاضرا دون ظهور) عن جدوى هذه
المجلة أصلا (ملحوظة: (المرحوم) الحاج سيد عطوة صديق ناهز
السبعين، يقوم وحده بطبع مجلة الإنسان والتطور التى أتولى إصدارها،
فى مطبعة نسميها مطبعة الغرفة الواحدة).
حلم (2) مسجد- قبلة
(هى نصف حجرة وليست تجويفا دائريا)-الإمام طفل- المأمومون شيوخ
بعمائم، يحضر طفل آخر ليحل محل الأول الذى يتنحى دون
عراك-وأنا جالس فى أول صف على غير العادة، أتفرج-لا أشارك.
وقد نقلت الحلمين كما
سجلتهما حرفيا دون أى ربط لاحق، ولم أستطع أن أجيب عن موقع
أيهما من التسجيل والتأليف، ولكنى لمحت العلاقة-بشكل ما-بين
نشاطى فى كتابة هذه الدراسة وبينهما، فأثبتها دون تعليق.