2- الحلم: إبداع الشخص العادى
يتواتر الحديث عن الحلم، فى سياق النقد، بشكل وصل
إلى أن يطلق اسم: "الأدب الحلم" [1]
على بعض أشكال الأدب. وقد بلغت الثقة بمن يستعملون هذا
التشبيه درجة توحى – بشكل ما- بأن المشبه به (الحلم) هو ظاهرة
واضحة المعالم، تسمح بهذا القياس، وتبرر تأصيل حضور الحلم
وعيا تركيبيا غائيا دالا.
ولنبدأ -كالعادة- بفرويد.
2-1 فرويد بين "تفسير
الأحلام" و" السيرة الذاتية"
مازال كتاب تفسير الأحلام لفرويد[2]
يمثل أساسا لكثير من محاولات فهم الحلم وتفسيره. لاشك أنه
عمل رائد جيد، ربما لغرض آخر غير ما استُـعمل فيه، ولسبب
آخر غير ما شاع عنه، فقد خاطر فيه فرويد، بتعرية نفسه -
بدرجة ما- مما أضاف إلى رصيد شجاعته الكثير. وتتضاعف قيمة هذا
العمل-عندى- إذا أخذناه بوصفه إبداع شاعر واعترافات قاص (وهذا
ماحاول فرويد نفيه طوال الوقت!)[3]،
غير أن فرويد قد جعل من "نظريته" وصية على
أحلامه وتداعياته، فإذا به يجعل الحلم الظاهر: تمويها وإخفاء،
ويجعل الحلم الكامن: رغبة وإلحاحا، فيعارضه "كارل
يونج"، إذ يعد الحلم كَشْفا لا إخفاء. يأخذ يونج
الحلم الظاهر- بلغته الخاصة- مكملا لحياة اليقظة على طريق
التكامل الفردى "التفرد" [4]، ولكن يتفق الاثنان (مثل غيرهما)، على أن الحلم
"لغة" خاصة.
2-2
الصدمة:
منذ انتشر استعمال رسام المخ الكهربائى وماهية الأحلام
تتضح فسيولوجيا. إمكانية تحديد ظهور النشاط الحالم بإيقاع حتمى
منظم (20 دقيقة كل 90 دقيقة أثناء النوم) برصدها تخطيطا أحدثت أثر
الصدمة على المفسرين والمحللين [5].
إن من أهم ما أثبته هذا الاكتشاف هو إقرار أن الحلم يحدث حتما،
سواء تذكرناه وحكيناه، أم لا، وأن الحلم ليس -أساسا- حارسا
للنوم كما قال فرويد [6]
، بل لعل النوم هو خادم الحلم، أى أننا لانحلم لنحافظ على
استمرار نومنا، وإنما الأصح أننا ننام لنحلم أساسا، وبانتظام راتب، وأننا إن لم
ننم، فلن نحلم، ولن نعيد تنظيم معلوماتنا. لقد تأكد من خلال تجارب الحرمان من النوم،
ثم من تجارب الحرمان من الحلم (من النوم الحالم) أن وظيفة الحلم هى وظيفة تنظيمية،
تعزيزية تعليمية[7] أساسا، الحلم ليس مجرد تنفيث أو تفريغ أو تحقيق
رغبة، كما أنه ليس مجرد حارس للنوم، وقد أدت هذه الصدمة المعرفية إلى التقليلٍ من
التركيز على محتوى الحلم لحساب الاهتمام أكثر فأكثر بدوره فى تحقيق التوازن النفسى
والتنظيم التركيبى فى الصحة والمرض.
2-3 المأزق:
لا مفر من التسليم بالمعطيات الفسيولوجية للنشاط الحالم،
ولابديل عن الإقرار، فى الوقت نفسه، بخبرة الناس، والمبدعين،
والمفسرين، فيما يتعلق بالمحتوى، وبالتالى: فلابد من حل يخرجنا من
هذا المأزق. هذا بعض ما تحاوله هذه الدراسة، وبيان ذلك:
إن ظاهرة الحلم المسجلة، فسيولوجيا، هى النشاط الحالم
الحيوى المتناوب مع نشاط اليقظة من ناحية، ومع طور بقية
النوم (غير الحالم أساسا، وليس تماما) من ناحية أخرى.
هذا
النشاط الحالم يقوم بتحريك الكيانات الداخلية، أى أنه يقوم
بقلقلة المعلومات التى لم تـُتمثل تماما، أى: بتفكيك البنية
القائمة نسبيا بهدف تحقيق درجة أكبر من التوازن والتكامل
والتمثل والاستيعاب. يتكرر هذا النشاط إيقاعيا، فى محاولة دائبة
لاستكمال مهمة التوازن والنمو البيولوجى التى لا تكتمل أبدأ مادامت الحياة
تنمو باستمرار.
2-4 الفرض (فيما يتعلق بالحلم أساسا):
من خلال ما تابعته فى الممارسة الإكلينيكية، وأيضا من
الخبرة الشخصية تبين لى أنه حين يستيقظ النائم ـ أو يوقظ فى
أثناء هذا التنشيط الإيقاعى المسمى النوم الحالم (أو النوم
النقيضى: أنظر بعد) فإنه يواجَـه -"وهو يستيقـظ"- بكم
غامر من مفردات (معلومات) تم تحريكها أثناء هذا النشاط
(الحالم). وهو حين يحكى الحلم إنما يؤلف بين بعض هذه
المعلومات بطريقة لفظية مَرْوِيّة حتى يمكن للغة الحكى أن تستوعبها،
بدرجة ما، ومن ثَـم يمكن أن تنقلها إلى آخر، أو أن يتذكرها
الحالم أو يسجلها لنفسه، ويتم التأليف (قبل التسجيل) - فى جزء
من ثانية- بطريقة غير طريقة التفكير والتأليف فى أثناء اليقظة،
ليكون الناتج هو هذه الصورة المكثفة المتداخلة، بما تحمل من
سرعة نقل، وتدوير للزمن، أو عكسه، أو تقطيعه.(أنظر بعد).
انطلاقا من هذه المقدمة، التى هى جزء لا يتجزأ
من الفرض يمكن أن يصاغ الفرض الأساسى لهذه المداخلة على
الوجه التالى:
1- ثَمَّ نشاط بيونفسى[8]
يسمى الحلم، وهو نشاط يشير إلى العملية الناتجة عن النشاط
الإيقاعى الذى يمكن تسجيله برسام المخ، فيما يسمى نوم حركة العين
السريعة. وهذا النشاط يشمل عمليات: القلقلة والتفكيك فإعادة الترتيب
والصقل.
2- إن هذا النشاط
الأساسى ليس هو الحلم الذى نحكية (فيفسره لنا ابن سيرين، أو
فرويد) ولكنه المصدر الحركى للحلم المحكى، أو هو معمل أبجديته.
3 - تمثل المعلومات المُقَلْقلَة المُفكَكة
المادة الخام (الأبجدية) التى نسج منها الحلم المحكى.
4- يتم تأليف الحلم أثناء (لحظات)
عملية الاستيقاظ، لا قبلها.
5- إن الحلم المحكى ـ بناء على ذلك
ـ هو نتاج عملية إبداعية هائلة السرعة، تتم فى جزء من
الثانية، أو فى بضع ثوان [9]
، فى حالة بـينية من الوعى، لاهى وعى الحلم، ولاهى وعى اليقظة.
6- إن تذكر الحلم أو حكيه أو
تسجيله هىعمليات لاحقة لما تم تشكيله من هذه المعلومات
المُقَلْقَلة، بتأليف تال فى زمن آخر، يسمح بالحكى أو التسجيل.
2-5
مستويات الحلم ومراحله:
أتوقف قليلا، لأعتذر للأديب والشاعر والناقد، والقارئ
عامة، لإقحامه بعيدا عن بؤرة ما اعتاده الحديث عن الأحلام أو
الإبداع، إلا أنى أطلب منه أن يصبـر حتى يحكم على ضرورة هذه
المقدمة وأهمية هذا الفرض فى التطبيقات المقترحة لقراءة الحلم
وما يوازيها من كيفية قراءة (نقد) النص الأدبى.
يمكن تحديد المراحل (المستويات) التى يمر بها الحلم
المحكى، من أول التنشيط الفسيولوجى، وحتى حكايته (حلما) (فى قص
مسلسل أو صورة مشكلة) كما يلى:
1) تبدأ
العملية بالظاهرة الأساسية التى تتمثل فى التنشيط الإيقاعى
بالتناوب، الذى يسجل تحت مايسمى نوم الريم REM [10] وهو الحلم بمعناه الفسيولوجى، وفيها يتم التحريك،
والقلقلة، والتناثر، للمعلومات
2)
تتحرك
الكيانات المكونة للدماغ/المخ (الذات)[11]،
تأهبا للتأليف، والتمثل، والتعزيز. هذا المستوى المبدئى إنما يمثل
حدة التنشيط الدورى فى طور البسط.
3) إن
المحتوى الفج الذى يتحرك فى هذا المستوى لايظهر أصلا فى وعى
اليقظة، فهو بالتالى أبعـد عن أن تتناوله قدرة الحكى من حيث
المبدأ (فى الأحوال العادية)، فيظل رصده لا يتعدى رصد النشاط
الكهربى الدال عليه، لكن آثاره التنظيمية، والتعليمية، والنمائية،
هى التى يمكن قياسها، أما محاولة تسجيل المراحل الأسبق فتبدو
مستحيلة بالأدوات، الحالية[12].
4)
قد يظهر
هذا النشاط الفج بأقل قدر من التأليف الضام أو المسلسل، وهو
ما نستنتج بعض ملامحه فيما يظهر فى شكل ما يسمى "الأحلام
الذهانية" أو شبه الذهانية، حيث يبدو محتوى الحلم
مقطـعا وبدائيا وفجا ومتناثرا ومرعبا مشتملا على أجزاء الجسد،
والكائنات الخرافية والنقلات المستحيلة، مما لا يمكن جمعه إلا
لصقا متعسفا. إن ما يسمى الأحلام الذهانية ليس ذهانا (مرضا)
ولا هى أحلام الذهانى، لكنها قد تعتبر فى بعض الأحيان إرهاصات
بالنكسة أو إنذارات تفسًّخ قادم. على أن هذا النوع من
التناثر هو نفسه الذى قد يكون المادة الأكثر أصالة لما سوف
يسمى فيما بعد "الإبداع الفائق" أو "الخالقى".
5)
أغلب الأحلام المحكية يتم تشكيلها
"أثناء" عملية الاستيقاظ، لا بعد الاستيقاظ الكامل، ولا
هى ما حدث أثناء الحلم فعلا، ذلك أن الشخص وهو يعايش مرحلة
استيقاظه يلتقط بعض معالم المادة المستثارة بدرجة تسمح له أن
يؤلف منها حلمه الذى يحكيه على أنه الحلم.
6)
فى كثير
من الأحيان، وبعد أى مرحلة من هذه المراحل، قد لا يستطيع
الحالم أن يحكى الحلم، وكثيرا ما ينكر أنه حلــم أصلا، وهذا
لا يعنى أن ذلك صحيح، بل إنه قد يشير إلى غلبة ميكانزمات
الإنكار والمحو والكبت التى تمنعه من مجرد حكى أحلامه.
يمكننا، إذن، صياغة عملية الحلم فى مراحل ثلاث
أساسية، هى:
المرحلة
الأولى:
يتم
فيها الحلم، دون إمكان حكايته، وهى ما سوف نسميه هنا:
"الحلم بالقوة"، أو الحلم الخام (حركية الحلم
الأولية).
المرحلة الثانية:
يغلب فيها "الرصد" على "التأليف" مع
احتمال حكاية الحلم. "هكذا"، بقدر هائل من تناثره
وتكثيفه، ونسميها: "الحلم بالفعل"، أو "الحلم
الحركى".
المرحلة الثالثة:
هى المرحلة التى تسمى عند العامة وعند الخاصة أيضا
"حلما" من حيث إنها الحلم كما يحكيه الحالم تأليفا
عادة، ونسميها: "الحلم بالتأليف". أو "الحلم
المبدَع"، على أن هذه المرحلة الأخيرة ليست واحدة، عند كل
الناس، ذلك لأن التأليف يختلف أصالة وتزييفا، بحسب درجة وصاية
نوع التفكير االذى يقوم بعملية الإبداع ساعة اليقظة، أى الذى
يتولى مهمة إعادة التشكيل من المادة (المعلومات) المتاحة عند الاستيقاظ مباشرة.
وتقل جرعة إبداع الحلم كلما اقتربت حكاية الحلم
من اللغة العادية والتسلسل التتابعى العادى، حتى تصل بعض الأحلام
إلى حد تكاد عنده ألا تكون لها علاقة أصلا بالنشاط الحالم
الذى أثارها. مثل هذه الأحلام هى التى
تستحق أن يقال عنها
"الحلم بالتزييف".
يمكن أن نتصور متدرجا ـ نظرياـ لإبداع الحلم،
يبدأ فى أقصى ناحية من تصور أن المادة التى نُشطت يمكن أن
يلتقطها الحالم كما هى (كالتصوير الفوتوغرافى العادى)، وهذا
مستحيل كما أشرنا، وينتهى فى أقصى الناحية الأخرى، بتصور أن
المادة المُنشطة سوف تختفى تماما من وعى اليقظة، وتحل محلها
مادة مزيفة، وهذا ما يبدو فى صورة الأحلام التى تُـحكى متسقة
ومنتظمة ومسلسلة وظاهرة الدلالة، والتى تشبه كثيرا أحلام اليقظة،
أو أحداث اليقظة.
وكل مايقع بين هاتين النقطتين القصويين يمثل درجة ما
من درجات الإبداع الذى يختلف باختلاف قدر تحمل المواجهة
الغائرة التى تَعْتَعَها نشاط الحلم الأساسى.
بقدر اختلاف جرعة أمانة التسجيل من ناحية، ونشاط
التأليف الضام للمادة المستثارة من ناحية أخرى، فى مقابل
التسجيل المَلَّفق، دون وعى كامل: يبدو الحلم إبداعا أصيلا، أو
تفسخا غامضا أو تسطيحا بديلا.
الحلم بالقوة
على هذا الأساس يمكن تقسيم الأحلام حسب موقعها على
هذا المتدرج إلى مستويات حسب:
(أ) درجة
التكثيف
(ب) فرط
التداخل
(جـ) مستوى اللغة المستعملة
(د) نوع
العلاقات.
1)
فثم
حلم شديد التكثيف، سريع النقلات، متعدد الطبقات، واهـى العلاقات،
وهو الأقرب إلى ما أسميناه "الحلم بالفعل" (= الحلم
الحركى) مع تذكر أن الحلم الخام، أى الحلم بالقوة، السابق للحلم
بالفعل لا يظهر كما هو أبدا. فعل الإبداع (إبداع الحلم
بالفعل) هنا قوى وصادق، لأنه ليس تصويرا بسيطا، ومن ثم فإن
حكايته كما هو - لو أمكن - هى محاولة إحاطة ضامّة لتناقضات
مواجهة، فى إطار مسئولية الوعى، وعادة ما يصعب أو يستحيل ترجمته حرفيا
إلى لغة اليقظة، فهو لا يُحكى عادة بما هو، فإذا حُكى فإنه يحكى بشكل
غامض ومتداخل واحتمالىّ، وليس بشكل حكى واضح مسلسل.
وقد تظهر لمحة منفصلة من هذا الحلم بشكل شديد التركيز يمكن
أن نطلق عليه إسم: "الحلم اللقطة Shot تكون أكثر وضوحا وأقل تشكيلا لشدة
قصر الحلم مما يخفف من غموضه وإن لم يقلل من عمقه.
2)
وكلما
قلت جرعة التناثر وخف التكثيف وزادت غلبة التفكير العادى
(التفكير من نوع: "حل المشاكل") نبتعد عن عمق ما هو
حلم بالقوة أو بالفعل، لنتجه نحو ما هو تأليف وإبداع فى
حالة وعى متوسط بين النوم واليقظة.
3)
ثم
ينتهى المتدرج إلى الحلم المزيف (الحلم اللا حلم)؛ وهو الحلم
الذى يكاد أن ينفصل عن جوهر التنشيط الحالم، ومن ثم المادة المفككة
المستثارة؛ وكأنه استبدال للحلم الأصيل بحلم مصنوع بتأثير خيال
يشبه خيال حلم اليقظة، وهو يتم فى وساد ما يمكن أن يسمى:
الوعى المنشق[13]
وهو وعى مواز لوعى اليقظة وليس متبادلا معه مثل وعى النوم ووعى
الحلم الفسيولوجى ( الخام بالقوة).
قد نقابل هذا النوع من الأحلام المزيفة، عندما نوقظ
النائم فى فترة النوم غير الحالم (بدون الريم) NREM، فنجده يحكى حلما يقال عنه إنه
"مثل-التفكير المفهومى فى اليقظة"[14]،
ويقصدون أنه مرتب، منطقى، مسلسل، واضح. وهذا يؤكد ماذهبنا إليه
من أن مثل هذا الحالم حين أوقظ لم تكن فى مواجهته مادة
(معلومات) مفككة متزاحمة متحركة أصلا، وبالتالى لم تتحرك العين
بسرعة لتتبعها، فانشق وعى اليقظة ونسج ما يتلاءم مع شقه
الواعى، مثلما تعّود فى حالة اليقظة.
2-6 الحلم نشاط معرفى[15]
(معرفى/إبداعى)
أكدنا فيما سبق أن الحلم ليس مجرد تفريغ دوافعى، أو
انفعال موجه، أو إدراك سلبى، وقد نوقش ذلك فى الأدبيات
المنشورة بتفصيل مسهب، ثم إن النظر الأحدث إلى نشاط الحلم
ينفى أنه نشاط بدائى يستعمل العمليات الأولية فحسب (كما زعم
فرويد) تلك العمليات التى تغلب على تفكير الطفل، والمجنون،
والشخص البدائى (كما يزعمون)، فى مقابل العمليات الثانوية[16] التى
تصف تفكير الناضج الممنطق (منطق "أرسطو، وليس منطق فون
دوماروس"[17]، فإلى
أى نوع من النشاط العقلى يمكن أن ينتمى الحلم؟
إن الحلم يستعمل مزيجا من كل العمليات العقلية:
الأولية فى مراحله الأولى، والثانوية فى مراحله المزيفة
والإبدالية، لكنه أيضا يستعمل العمليات " الثالثوية" التى
قال بها "أريتى S.Arieti"
وهى العمليات التى تجمع بين العمليات الأولية
والثانوية فى ولاف ضام[18]، وقد
أشار إلى مثل ذلك "ديستويفسكى" نصا حين قال: "...
تتميز الأحلام ببروز قوى، وشدة خارقة، وتتميز كذلك بتشابه كبير
مع الواقع، قد يكون مجموع اللوحة عجيبا شاذا، ولكن الإطار،
ومجمل تسلسل التصور يكونان فى الوقت نفسه، على درجة عالية من
المعقولية، ويشتملان على تفاصيل مرهفة جدا، تفاصيل غير متوقعة،
تبلغ من حسن المساهمة فى كمال المجموع أن الحالم لا يستطيع
أن يبتكرها فى حالة اليقظة، ولو كان فنانا كبيرا، مثل
"بوشكين"، أو "تورجنيف"[19].
(وسوف أرجع إلى تفصيل بعض ذلك عند التطبيق المقارن).
إذن، فالحلم ليس مجرد خلط عشوائى، وإنما هو أحد
تجليات الإبداع الخاص فى ظروف لا تسمى إبداعا أصلا، ذلك لأنه
يحضر فجّا نتيجة سرعته الهائلة، وتناهى قصر وحدته الزمنية، مما يجعل
احتمالات تشويهه وتسطيحه أكثر تواترا من الإبداع المصقول، لكنه
إبداع بمعنى أن ناتجه، فى حالة كفاءة وظيفته ولو على المدى
الطويل، هو إعادة تنميط [20]، أى أنه تنسيق تلقائى دورى راتب (انظر بعد)، مقارنة بالإبداع الذى
هو إعادة تشكيل فى حالة من الوعى الفائق والإرادة الغامضة المشتمِلة.
2-7 مادة
الحلم (أبجديته)، وظروف إبداعه، ولغته:
النشاط الحالم الأساسى يعلن حالة حركية من صور
متداخلة وكيانات مقلقلة نشطة، وتفكيك، وتناثر، ومستويات، وتداخل.
هذا كله هو المادة التى ينسج منها الحالم موضوع إبداعه، هذا
ما يخص نشاط الحلم أثناء حركة العين السريعة نوم
"الريم" دون نشاط الحلم الخطى المفهومى (إن صح التعبير)
الذى يحدث فى غياب "الريم"[21].
2-8 "أبجدية الحلم" وطبيعتها
البيولوجية والتركيبية.
يتطلب ذلك منا عددا من الاعتبارات أهمها:
1)
عدم
اختزال الدال فورا إلى ما يدل عليه[22].
2)
العزوف عن معاملة المعلومة[23]
باعتبارها رمزا لا كيانا.
3)
تجنّب
تغليب العلامة على الصورة المباشرة.
على الرغم من صعوبة هذه المتطلبات، إلا أنها ضرورية
للتقدم لاستيعاب اعتبارات أساسية عن كل من:
1- تعدد الكيانات/الذوات/مستويات
الوعى/حالات العقل[24] (بلا
حصر) فى كلية الوجود البشرى[25].
2- حضور المعلومات باعتبارها كيانات
مُـدخلة من الخارج، ومستثارة من الداخل، قابلة للتمثيل (الهضم فالولاف)
على مراحل.
3- التعامل مع هذه الكيانات/المعلومات
من منطلق "بيولوجى/نفسى/كيانى" فى آن.
هذا المدخل يعلّـمنا كيف نتعامل مع الكيان البشرى
باعتباره جـُّمـّاعا حركيا من الكيانات/المعلومات فى تشكيل مستمر،
كما يمكننا أن نتمثل المعلومة المُـدخلة والمستثارة، باعتبارها
فى حركية جدلية نوابية متصلة بين الاستقلال من ناحية،
ومشروع التلاشى بالتمثل - ولافيا - فى الكل النامى (حالة كونه فى
إبداع متصل تلقـِّـيا، فتمثـُّلا، فحركيَـة) من ناحية أخرى. يتم هذا فى
دورات الإبداع اليومى (اليقظة/النوم/الحلم)، كما يتم بشكل أكثر
إحاطة وأطول زمنا فى دورات النمو الدورى على مسار النمو الفردى،
كل هذا من خلال حركية ما يسمى "الإيقاع الحيوى"
والذى تتكون دوراته معرفيا من طور يغلب عليه التزود بالمعلومات،
هو طور التلقى أو الملء [26]، ثم دور
البسط، حيث يتم بسط هذه المعلومات - مع
غيرها- لإمكان تمثلها.
هذا التحريك الحيوى يتجلى فى نشاط الحلم
الأقرب إلى طور البسط، ذلك الطور
الذى يقلقل هذه الكيانات، وينشط المعلومات التى لم تُتَمثل
تماما بهدف استكمال سعيها إلى الاندماج التام فى الكل الحيوى،
فيصبح المخ فى طور البسط هذا عالَمًا يموج بالناس (ناس الداخل)،
والمفاهيم، والموضوعات، والأجزاء، والحروف، واللغات.
هنا يجب أن ننبه أن هذا التحريك لا يتوقف على
المعلومات المكتسبة بالخبرة فحسب، بل يمتد أيضا إلى المعلومات
الموروثة عبر تاريخ الفرد، بل النوع، فتصبح كل هذه المادة
الكامنة سابقا، و إلى درجة أكبر كثيرا: المُـدخله حديثا، فى متناول
مستوى ما من وعى الحالم فى أثناء عملية الاستيقاظ.
يختلف كل شخص عن الآخر فى كيفية التعامل مع المادة
المستثارة فى طور البسط (التنشيط) اختلافا هاما من حيث ما يلى:
1- حسب قدر تصالحه مع الداخل (التصالح مع الداخل: بمعنى تناغم المعلومات، معا، مع
تحمل الناشز منها سعيا للتقابل فالجدل)،
2-
وكذلك:
حسب قدرته على قبول لغة
أخرى دون الإسراع بترجمتها إلى اللغة السائدة،
3- وأيضا: باختلاف نوع المادة المثارة، ومدى عمق انغراسها فى تاريخ الشخص أو تاريخ النوع،
4- وأخيراً: حسب ما تمثله كل هذه العمليات من تهديد لتماسك ذات
الشخص الكلية، سواء أثناء الحلم، أم أثناء النمو، أم فى خبرة
الإبداع.
إن تناسب جرعة المادة المتاحة بفعل البسط مع قدرة
السماح بمثولها فى مستوى ما من مستويات وعى اليقظة، هو الذى يسمح
باستيعابها من جديد حسب القدرة النمائية (الإبداعية) للفرد فى
وقت بذاته (أو مرحلة بذاتها أو لحظة بذاتها).
2-9 لغة الحلم
اختلف المفسرون والحالمون جميعا على "أبجدية وطبيعة
لغة الحلم"، ولكنهم اتفقوا بشكل أو بآخر، على أن ثمة لغة
(مع لزوم تكرار أن اللغة غير الكلام، فاللغة بنية، والكلام بعض
مظاهرها). وقد كاد الاتفاق ينعقد على أن لغة الحلم هى لغة
مصورة أساسا، لها نحوها وبلاغتها الخاصة، وأنه يمكن حل شفرتها
نسبيا بجهد منظم.
هنا تثار قضية إنكار حق "الصورة" فى
المثول "هكذا" من حيث هى كيان دال قائم بذاته، كيان
قادر على التشكيل الحر، حتى لو لم يُـفِـد ما اعتدنا أن نستقبله
باللغة المفهومية. هذا الإنكار إنما يعلن قدرا هائلا من التحيز
للرمز "المفهومي"، على حساب "المثول العيانى"؛
الأمر الذى حاول الشعر أن يعدله ويرد عليه، حتى وصل إلى ماسمى
بـ "الشعر العيانى"[27].
على أن الفرض المطروح هنا يتجاوز مجرد فهم أو احترام ما هو
"صورة" إلى اعتبار الصور المتاحة لتأليف الحلم ليست
"صورا"، بل واقعا حيا: كيانات متحركة مشحونة [28].
نحن ننفى بذلك أن الحلم لكى "يقول"، أى لكى يتشكل/يتألف،
فإنه يتحتم عليه أن يقلب "الأفكار" إلى
"هلاوس"، لتكون صورا، ومن ثـم لا يصح أيضا أن نفعل
نحن عكس الشئ ونحن نتصور اننا نقوم
بتفسير الحلم، أى: لا يصح أن
نقلب الصور برمـتها إلى أفكار ومفاهيم. هذا هو خطأ فرويد،
وابن سيرين معا (كمثالين مختلفين). الصور كما تحضر فى الحلم هى
كيانات قائمة، هى الأصل، ويمكن التعامل معها بما هى بشكل أو
بآخر.
أسهمت الأبحاث الفسيولوجية الأحدث فى
تأكيد الطبيعة الأولية للصور المنشطة فى الحلم حتى أسمت النشاط
الحالم "نوم حركة العين السريعة" REM (نوم: حرعس =
نوم الريم)، الذى يعلن كيف أن العين تتحرك أثناء هذا النشاط بسرعة فائقة، كأنها تتابع حشدا من
الصور المتحركة، أمامها. ولكن علينا ألا نتمادى فى الحماس
لتأكيد حق الصورة فى المثول تجسيدا عيانيا فى الحلم، (وإن كان
ذلك يرجحه منهج تسجيل الأحلام بالرسم) [29]؛
لأننا عادة نتكلم عن لغة الحلم المحكى، (وليس الحلم بالقوة).
الحلم المحكى بمجرد أن يُحكَى ليس صورا كله. وعملية نقل الحلم من
معاينة حركة كيانات على مسرح، إلى قصة تحكى بألفاظ، لابد أن
تقلب بعض الصور، إلى مفاهيم، فتتداخل الصورة "كما هى"
بالصورة "الرمز". إن هذا الخلط والتكثيف بين ما هو
صورة فعلية وما هو "تعيين نشط" للمفهوم [30]
هو من الأمور التى تزيد من صعوبة فهم لغة الحلم.
2-10
الزمن فى الحلم:
فرق بين "زمن (وقت) الحلم" (الزمن الذى
يستغرقه الحلم فعلا، ثم الزمن الذى يرد فى حكيه) وبين "الزمن فى
الحلم". ونعنى بالأخير العلاقات (الزمنية) والنقلات بين
الأحداث. ماهية الزمن فى الحلم تقبل كل الاحتمالات. عندنا:
الزمن "الدائرى"، و"المتقطع"،
و"الثابت" (المتوقف)، و"العكسى"،
و"المتداخل"، وذلك فى مقابل الزمن "التسلسلى
التتابعى" فى اليقظة. ويرجع هذا إلى أن الزمن، فى
الحلم، يصبح مكانا وتركيبا وعلاقات، يصبح زماناً وليس زمنا فقط، الشائع
الغالب أن الزمن هو علاقة بين حدثين، ولابد أن يقع الحدثان
(فأكثر) فى اليقظة (العادية، دون إبداع) فى تتابع، فيتحدد الزمن
طوليا. أما فى الحلم، ومع التنشيط بالبسط الإيقاعى، فإن الأحداث
(الكيانات/المعلومات) تتحرك "معا"، ثم تنشئ علاقات
مستعرضة ومتداخلة ومتنوعة بسهولة لا يُحترم فيها التتبع التسلسلى،
الذى يؤلف الزمن المعروف فى اليقظة[31].
من هنا نفهم كيف أن أى علاقة، وكل علاقة، هى احتمال قائم.
يتحدد طول الزمن فى الحلم بمدى سهولة أو صعوبة عملية التوصيل
أو الترابط بين معلومة ومعلومة، بين حدث وحدث، بين تشكيل وتشكيل،
وهكذا تتباعد كل هذه الكيانات وتتقارب وتتبادل وتتداخل، بحيث
يصبح من السهل أن تختزل القرون فى جزء من الثانية، وأن
تمتد الثانية إلى عقود من الزمان بحسب سرعة التوصيل، أو غير ذلك،
كما يمكن للمستقبل أن يبدو قبل الحاضر، ويكاد لا يكون
ثَمَّ ماضٍ أصلا، وكل ذلك مؤسس على أن الترابط بين الأحداث
أصبح مكانيا، مستعرضا، (فى الجهاز العصبى أساسا وفى المخ بالذات
دون استبعاد سائر الجسد) إن ذلك يتيح حركية تبدو عشوائية
"كيفما" اتفق"، بدلا من الاقتصار على الزمن المسلسل
الطولى الترابطى المتتالى، علما بأنها فى عمق تركيبها ليست عشوائية أصلا.
يتناسب عمق الحلم المحكى وصدقه، أى بعده عن التزييف ، مع
قدر ما يظهر فيه من قلب الزمان إلى مكان وعلاقات بالصورة
السالفة الذكر. كثيرا ما يحكى الحالم المؤلـِّـف (لا المزيـِّـف)
أحداث الحلم وكأنه يكتب سيناريو فيلم بمعنى أنه بدلا من أن
يحكى بصيغة الماضى التى تقول .... "ثم ذهبتْ وقالتْ ثم
سمعتْ... الخ، نجده يتحدث بصيغة المضارع "ثم.... (يتغير)
المنظر، ثم أجد نفسى فى.......، و يظهر لى فجأة كذا.. إلخ، والفرق واضح بين الحكاية المسلسلة
والسيناريو المصور.
هذا القلب من البعد الطولى للزمن، إلى البعد العرضى
المتداخل المتنوع للعلاقات، هو الذى
يظهر بصورة أو بأخرى فى نوع من الرواية الحديثة، وكذلك فى
الشعر وفى بعض أنواع الإبداع المستلهمة – دون قصد – لآلية الأحلام، والتى تجلت
مؤخرا بشكل مباشر فى أحلام فترة النقاهة (لنجيب محفوظ)[32].
2-11 وظيفة الحلم، وشبهة التشويه:
قد لا تكون للحلم وظيفة محددة بالمعنى السببى المسطح،
إذ أن الحلم لا يحدث بالضرورة- كما شاع الزعم- لتحقيق
رغبة، أو لتفريغ طاقة. الحلم ظاهرة إيقاعية دورية حتمية، ينبغى
أن نحترم حدوثها لمجرد أنها صفة حيوية للكائن البشرى، إذ تعددت
مستويات وعيه، مثلها مثل وظيفة اليقظة ووظيفة النوم..، أما ما
يحدث فيها ومنها وبها فهذه أبعاد أخرى.
إذا تحدثنا عن وظيفة الحلم ينبغى أن نبدأ بوظيفة
النشاط الحالم (الحلم بالقوة)، حيث أثبتت تجارب الحرمان من
الأحلام، أن الأحلام تؤدى وظائف صمام الأمن، والتفريغ، وإعادة
تنغيم (هارمونية) المعلومات، وكذلك فالنشاط الحالم هو بعض أنشطة التعلّم: بمعنى تعزيز ما
تيسر من المادة المكتسبة حتى يمكن أن تُتمثل لكى تصبح تحويرا فى
التركيب الكلـى، وهكذا باستمرار.
كل ذلك يحدث حتى لو لم يعرف الحالم (أى لو أنكر على نفسه
تلقائيا دون أن يدرى) أنه حلم أصلا. من هذا المنطلق نتبين أن وظيفة
الحلم كما يعرفه العامة والمفسرون ينبغى أن يعاد النظر فيها،
وذلك من خلال معرفة وظيفة النشاط الحالم نفسه، ومن الأساس، وليس فقط
من خلال ما يعلن من ناتجه فى وعى اليقظة فى صورة الحلم
المحكى، أو حتى الحلم "فى المتناول". تختلف درجات مستويات
تأثير وتوظيف الحلم من شخص إلى آخر بشكل متنوع، ومن ذلك:
1- إن مجرد مبدأ أن يتذكر شخص ما بعض
جوانب أحلامه أو يحكيها هو إعلان عن قدرة هذا الحالم على رؤية
"ما ليس كذلك" فى نفسه، أو على الأقل قبوله محاولة
أن ينظر فى الجانب الآخر من وجوده، أى أن ذلك يشير - بشكل
ما- إلى ترجيح قـُـرب ذواتـه (حالات ذاته، طبقات وعيه)،
بعضها من بعض.(هذا باستثناء الحلم المزيف تماما، إذ قد يؤدى دورا عكسيا يدل
– أيضا- على الخوف من التهديد بتقارب مستويات الوعى).
2- حين يكون الحلم إبداعا أصيلا
مستمدا من واقع داخلى متحرك، فإنه يعمل على تعزيز المعلومات فى
طريق تمثيلها فى الكل النامى دفعا لاستمرار مسار التطور الذاتي.
وهذا ما يستدل عليه من التأكيد على طبيعة وظيفة مجرد حدوث ظاهرة الحلم فى
ذاتها (بغض النظر عن محتواها)، وذلك
فيما يسمى الصقل consolidation، وإعادة التنميط re-patterning
3- أما إذا تمت رواية الحلم وحكيه
بشكل تتابعى مسلسل على حساب إبداع (إعادة تشكيل) ناتج التنشيط،
فإن ذلك يدرج فى "ميكانزمات" الدفاع التى تقلل من احتمال
فهم وظيفة الحلم فى التشكيل الإبداعى الممكن لما أتيح من
المعلومات المتعتعة.
2-12 مخاطر التفسير:
ننظر الآن فى العلاقة بين وظيفة
"حكى الحلم"، و"محاولة تفسيره": إن مجرد الحكى
(= إعلان ناتج إبداع الحلم فى مرحلة
الاستيقاظ التى تتيح ذلك) هو بمثابة التفسير الذى لايحتاج إلى
تفسير، بل إن التفسير قد يقوم أحيانا بدور سلبى، حين يُحِل مفهوماً
شائعا، أو متحيزا لعقيدة ما، أو نظرية ما، أو موقف مسبق،
محل أصالة الحلم، فإذا بالكشف المعرفى الذى يمكن أن يقوم به
الحلم يتوارى وسط أكوام الدفاعات الوصية التبريرية والتأويلية،
سواء كان ذلك التفسير تقليديا (مثلا: ابن سيرين) أم كان
تحليليا (مثلا: فرويد).
2-13 عن
الجنون والحلم:
سوف نتجنب فى هذه المداخلة تفصيلات المقارنة بين الحلم
والجنون. (مما سيأتى بعضه فيما بعد فى الفصل الثانى: جدلية الجنون)
و سنكتفى هنا بالإشارة إلى بعض أوجه الشبه والاختلاف بين الحلم
والجنون، مما يفيدنا فى المقارنة الأساسية اللاحقة هنا بين
الحلم والإبداع.
الجنون الذى سأتناوله هنا- كما أشرت فى
هامش (11) هو الجنون بمعنى التناثر، والاغتراب، واللغة الخاصة،
وضرب الزمن، وهو أقرب مايكون إلى المستوى الأعمق من الحلم
المقابل لنشاط الحلم البدئى الأوّلى أثناء نوبة النوم النقيضى
(نوم: الريم)، (= الحلم الفعل/الحلم الحركة).
فى حالة الجنون يحدث مثل هذا
التنشيط الذى يحدث فى الحلم، لكنه يحدث أثناء اليقظة، فتـقـتحم المادة
المـنَـشـّطة عشوائيا وعى اليقظة، ملتحفة بوعيها الخاص، ليتداخل
المستويان فى بعضهما فيحدث التشوش والخلط، فضلا عن أن الظاهرة
الإيقاعية فى الجنون عامة عادة ما تتجلى فى بعد زمنى أطول
يقدر بالشهور وأحيانا بالسنين، وهو مايشار إليه باسم الجنون
الدورى Periodical
وأيضا المتفتر Intermittent (وهذا
هو الأساس لكل الأنواع الأخرى من الجنون من منظور معين) [33].
إن أهم ما يعنينا هنا هو أن وجه الشبه بين الحلم
والجنون يزداد كلما اقتربنا من بداية العمليتين: بداية الحلم،
وبداية الجنون؛ أو بتعبير أدق، كلما اقترينا من عمق المستوى
الأول لنشاط كل منهما، ثم يظهر الاختلاف مع تقدمنا إلى
المستويات التالية. على أن غلبة "السلبية" (غايةً
وناتجاً) فى حالة الجنون، وغلبة "الإيجابية" فى حالة
الحلم، لا يعنى بالضرورة أن الجنون كله تناثر وهزيمة وانسحاب،
أو أن الحلم كله إبداع وولاف ونمو؛ فقد يتعدل المسار فى
الأول، فى أية لحظة، تلقائيا، أو بتدخل علاجى تكاملى خلاّق، كما
قد لايعدو الحلم أن يكون نشاطا دائريا منغلقا يفرغ الطاقة
عشوائيا وهو يحافظ على توازن هش فى محله، أى بنفس طبيعة
التركيب القائم الثابت، دون نمو أو إبداع.
أما الإبداع، فهو يشترك مع كل من الحلم والجنون فى
البدايات أيضا (المستويات الأولى)، ولكن مساره ونِتاجه يختلفان،
مع اختلافات نوع الوعى وتكامل مستوياته، واتساع المسؤولية،
واتجاه الغائية، وفعل الإرادة، وأخيرا الطبيعة الولافية للناتج
وآثاره (وهذا ما سنعود إليه فى الفصل الثانى من هذه الدراسة).
2-14
الخلاصة المرحلية:
نوجز - فى خطوط عامة - ما قدمناه، حتى الآن، بما
يسمح بالمقارنة حين ننتقل إلى الجزء التالى:
1- إن المخ
البشرى، والجسد البشرى، والوجود البشرى، من أبسط مستوى داخل خلوى
(بما يشمل تمثيل البروتينات)، فى حالة إيقاع حيوى نوبى بما يحقق
تنظيم تركيبه، والحفاظ على دفع النمو. وما الحلم والجنون
والإبداع إلا بعض مظاهر هذه النوابية الحتمية سلبا (الجنون)
وإيجابا (الحلم والإبداع).
2- إن مايحكىعن محتوى الحلم ليس هو
هو النشاط الحالم، بل هو جزء يسير جدا من نهاية عملية يكاد
لا يمكن رصد تفاصيلها السابقة بما يربطها بعضها ببعض، وإن أمكن رصد
والتقاط بعض علامات مايدل عليها.
3- إن الحلم
ليس ظاهرة تفريغية بديلة تحدث أثناء النوم، بل هو تنشيط
بيولوجى معرفى منتظم يمثل جرعة إبداع مكثف فج معا.
4- إن ما يسمى حلما إنما يتم - بشكل
عام - على مرحلتين (درجتين من درجات الوعى) : مرحلة
التقاطه-تذكره- (وفى الواقع أنها -جزئيا- عملية تخليقية فى الذاكرة
الأعمق = الحلم الفعل)، ثم مرحلة روايته أو تسجيله، أى مرحلة
إعادة تخليقه ومراجعته ا(لحلم المحكى/ المُبدع أو لعله ينقلب إلى:
الحلم المزيف البديل: حسب درجة ونوع علاقته بالحلم الفعل).
5- إن المعطيات الحديثة، من معامل
الأحلام، لاتولى اهتماما خاصا لما يسمى "سبب الحلم" أو
"دافع الحلم"، بمعنى تحقيق رغبة، أو تعويض نقص، إذ
أنها تؤكد على الفهم الأعمق للطبيعة التلقائية الإيقاعية للنشاط
الحالم أساسا.
6- إن لغة الحلم، ليست كلاما ناتجا
عن بنية لغوية راسخة، ولاهى لغة مصورة لابد من إعادتها إلى
مفاهيمها اللفظية أو الرمزية ليمكن شرحها وتفسيرها، ولاهى نتاج
العمليات الأولية البدائية تماما، لكنها لغة حيوية جديدة،
متجددة، يختلط فيها العيانى بالمجرد، وتتكثف فيها المفردات
المتنوعة، فتقوم صياغة الحلم الإبداعية بترتيبها بالقدر الممكن
لروايتها. وهكذا تختلف جرعة الأصالة والإبداع فى رواية الحلم
بقدر قدرة الحالم الراوى على تحمل الغموض واحتواء التناقض
واستيعاب المعلومات المحركة فى كل اتجاه، وأيضا بقدر تماسك
توجهه، وعمق حرية حركية إبداعه (انظر الفصل الثالث عن الحرية
والإبداع).
7- إن نشاط "الحلم بالقوة"
يقوم بوظيفة تعليمية معرفية تنظيمية، كما أن نشاط الحلم المروى
(حقيقةً - لا المستبدَل تزييفا) هو إبداع فج عميق الدلالة (فى
حالة السواء النامي)، وهو يقوم بوظيفة دفع عجلة النمو الذاتى،
ويعمق الوعى، ويؤصـل حركية التطور، ولكن فى جرعات لا تصل إلى
الوعى الذاتى الظاهر بالضرورة.
8- إن علاقة الحلم بالجنون بالإبداع
هى علاقة مركبة؛ حيث يجمع بينهم منبع واحد، ثم تفرقهم ظروف
تناسب جرعة التنشيط مع فعل الإبداع القادر على لمّ وتوليف وتكامل
هذا الفيضان الدورى المناسب (الحلم) أو المفرط العشوائى (الجنون
النشط).
9- إن ظاهرة "الحلم" (بغض
النظر عن حكى محتواه) تمثل حتم الإيقاع الحيوى، ونوابية التنشيط،
ونـُـظم إطلاق الطاقة، ونشاط حركية التناقض، التى نتاجها هو ما نسميه
"إبداع الشخص العادى"، بمعنى "تغيـّره المستمر المتراكم الموزع على مدار الإيقاع الحيوى
على طول مدى حياته".
[1] - أنظر
مثلا: يحيى عبدالدايم: "تيار الوعى والرواية العربية
المعاصرة" ص 158، المجلد الثانى، العدد الثانى 1982 "مجلة فصول"، ثم انظر تعبير
أدونيس "إنه يرفع الواقع إلى مستوى الحلم"،
أو "فالأحداث التى تجرى فى
هذا المسرح تشبه الأحداث التى تجرى فى الحلم"، " وهى
لذلك كأحداث الحلم" (ص187) ثم "بل هو الحلم"،
"الحلم هو ذلك الزمن الآخر الذى يختلف عن الزمن "
(ص202) "أدونيس زمن الشعر"، دار العودة، 1979.
ومؤخرا
(2005) يمثل ما يصدره نجيب محفوظ تباعا بعنوان "أحلام فترة
النقاهة" نقلة مركزة متواصلة تسمح بتناول هذه الظاهرة بشكل تفصيلى، وبرغم أن
نجيب محفوظ لجأ إلى هذا الشكل مضطرا (مع الاعتراف بأن إرهاصاته ظهرت فى أعمال
سبقت، وخاصة أصداء السيرة الذاتية)، إلى أن طبيعة هذا الإبداع الأخير تؤيد
الأطروحة الحالية بشكل يكاد مباشرا ، برغم أن معالمها (معالم الأطروحة) قد ظهرت فى
إنتاج محفوظ قبل عقدين على الاقل من توالى صدور أحلام فترة النقاهة، وسوف نعود
لذلك لا حقا فى المتن، وفى الملحق، وفى الهوامش على حد سواء.
[2] - سيجموند
فرويد: "تفسير الأحلام" ترجمة مصطفى صفوان، دار
المعارف(1981)، القاهرة.
[3] - يقول
فرويد "... فإذا رويت أحلامى. لم يكن مفر من أن أطلع
نظرات الغرباء على أكثر مما كنت أود أطلاعهم عليه..... (ثم
يضيف).. ومما يـلزم فى العادة كاتبا هو من رجال العلم وليس
بشاعر" (تفسير الأحلام-الترجمة العربية-ص31).
هنا
أود أن أعلن من جانبى رأيا مناقضا لما يقوله فرويد: إن عطاء
فرويد شاعرا هو العطاء الذى بقى، وأن بعض من يتصور أنه يعلى
من قدره إذ ينفى عنه هذه الصفة (صفة الشاعر) قد يكون سائرا فى
الاتجاه العكسى تماما، حتى لو استلهم هذا النفى من تأكيد فرويد
نفسه.وقد ذهب "جاك لاكان"
إلى مثل هذا الرأى بشكل ما حين قرأ فرويد مبدعا كنص بذاته أكثر منه عالما فى
التحليل النفسى.
[4] - التفرد،
هى الكلمة الشائعة ترجمة لمصطلح يونج Individuation، وأنا لا أرتاح لهذه الترجمة، بل
إن المفهوم الأصلى عند يونج لا يشير إلى التفرد بمعنى تحقيق الذات بقدر ما
يوحى إلى أن الرحلة تتخطى هذه الفردية البدئية إلى "عملية
التكامل الحتمي للذات بمستوياتها معا فى تشكل مستمر"، وإلى أن
نجد حلا فى ترجمة أصلح، وجب التنويه دعوة للاجتهاد
[5] - فكرة علاقة
الأحلام بالدورة البيولوجية قديمة قبل اكتشاف رسام المخ أصلا،
وقد نبه إليها فرويد حين ذكر أن فيلسوفا شابا هو "هـ.
سفوبودا" حاول أن يستخدم فكرة الدورة البيولوجية التى
اكتشفها فليس Fliess (صديق فرويد).. وقال بأن المادة
التى يتألف منها الحلم ينبغى تعليلها باجتماع جميع الذكريات التى
تختتم إحدى"الدورات البيولوجية".وبرغم بساطة الاقتراح
فالفكرة لابد أن تعطى حق السبق بعد الاكتشافات الحديثة التى ثبتت
برسام المخ الهربائى ورصده ما يسمى "حركة العين السريعة" أثناء النوم
النقيضى الذى هو النوم الحالم. وقد استهان فرويد بهذه الفكرة فى
حينها، بل خاف منها على الأحلام وعلى نظريته حيث قال "...
ولو صحت آراؤه (فرويد يقصد آراء الفيلسوف سفوبودا) لنفقـت أهمية
الأحلام سريعا"، بل إن فرويد قد فرح حين تراجع سفوبودا
عن فكرته فقال: إنه (الفيلسوف) قد أرسل يعلنه فيها أنه لم
يعد يأخذ نظريته هذه مأخذ الجد (تفسير الأحلام فرويد، الترجمة
ص 125).
على أن
مخاوف فرويد وتراجع سفوبودا لا تلزمنا بالتراجع معهما، ذلك أننا
بمراجعة النظريات الأقدم التى أوردها فرويد وفندها يمكن أن نجد
كثيرا منها قد عاد إلى الظهور بشكل يحفظ له - بالرغم منه -
حق السبق، مثل ما أورده فرويد عن: نظرية اليقظة الجزئية، أو
الاستيقاظ الفارقى (تفسير الأحلام ص 109-110). ويهمنا هنا أن
ننبه على مبدأ عام يسمح باستقبال أفضل لما يضيفه المبدعون، وهو أن تراجع
صاحب النظرية التى لا تملك وسائل إثباتها فى حينها، لاينفى صحة
النظرية التى أعلنت دون دليل آنذاك، وإنما قد يعنى دعوة لبحث متواصل
لعلنا نجد لاحقا أدوات ومناهج إثباتها، وهذا ماثبت فى كثير من
الأحيان حتى فيما يتعلق بأول عمل لفرويد الذى تنكر له
فرويد شخصيا ورفض نشره باسمه حتى
أنه لم ينشر إلا بعد وفاته، وهو ما يسمى "المشروع" The Project، وهو ما ثبت صحة كثير من أفكاره بعد امتلاك
وسائل البحث النيوروفسيولوجية الأحدث وخاصة التصوير المقطعى
التشريحى والوظيفي C.T. , SPECT & PECT..
etc.
[6] - يقصد
فرويد بتعبير أن الحلم حارس للنوم: أن الحلم يحدث ليستوعب
المؤثر القادم من البيئة الخارجية مباشرة، والذى يهدد النائم
بالاستيقاظ، فيتخلق الحلم فورا ليحتوى المنبه فى أقصوصة أو رؤية
فلا يستيقظ النائم بفضل أنه يحلم، وهذا قد يحدث فعلا، ولكنا
نتحفظ على التفسير الفرويدى، بمعنى أن حالة النشاط الحالم هى
سابقة ولاحقة للمؤثر الخارجى الذى قد يثير ترابطات خاصة = =
متعلقة بنوعه، وكذلك بمعنى أن تأليف الحلم أثناء الاستيقاظ فى
وجود هذا المؤثر يحمل فرصة أن يحتويه لا أن يكون نتيجة له
(انظر بعد).
[7]- Foulkes, D. (1978)، A Grammar of Dreams, New
York Basic Books, Inc. (P3-18)
- انظر أيضا (هامش 3) خاصة
ص637، 638.
[8] - Psychobiological
[9]- من أهم
مايساعد فى فهم ما ترمى إليه هذه الدراسة هو تصور الوحدة الزمنية
الأصغر وقدرتها على احتواء تأليف مكثف، يبدو ممتدا عند روايته.
ولتوضيح ذلك أورد ملاحظتين: الأولى حلم اقتطفه فرويد (حلم
مورى 1878) (تفسير الأحلام ص64، 65) ".. كان مريضا يلزم
الفراش وإلى جواره أمه، فرأى فيما يرى النائم أن الوقت هو حكم
الإرهاب فى عهد الثورة (الفرنسية)، وجعل يشهد بعض مناظر الموت
المروعة، ثم دعى للمثول أمام المحكمة، وهناك رأى روبسبير،
ومارا، وفوكييه-تانفيل وسائر الأبطال المفجعين لهذا العهد
الرهيب، وسأله هؤلاء الحساب. ثم بعد عدة من التفاصيل لم يعد
يذكرها، أدين وسيق إلى ساحة الإعدام، يحيط به جمهور لا حصر
له. وصعد مورى على المنصة وشده الجلاد إلى العارضة، وانقلبت هذه،
وهوى نصل المقصلة، وأحس مورى برأسه
ينفصل من جذعه، فاستيقظ فى رعب، فإذا هو يتبين أن رأس
السرير قد سقط، فأصاب عموده الفقرى عند العنق، مثلما يفعل
نصل المقصلة .
أوردت
هذا الحلم لسبب غير السبب الذى أورده فرويد وهو يحاول الربط بين
الحدث الخارجى ومحتوى الحلم. إن هذا الحلم يظهر مدى التناسب الظاهرى
بين الحدث المسئول عن محتوى الحلم وبين القصة الممتدة كل هذا
الزمن، بمعـنى أن سقوط رأس
السرير لم يستغرق سوى ثانية، أو بضع ثوان فى حين أن الحلم
كما حكى، استغرق كل ذلك الزمن، بما يدعم فكرة تناهى صغر
زمن الحلم، وعدم ارتباطه بالزمن المحكى فى محتوى الحلم، فضلا عن
ترجيح ما سيأتى به الفرض من أن الحلم قد تم تأليفه كله مع لحظة الاستيقاظ بسبب
سقوط رأس السرير.
الملاحظة
الثانية من خبرات شخصية أورد إحداها كمثال:
كنت
أقود سيارتى ليلا فى طريق مصر- اسكندرية الزراعى- وقبل كوبرى
قليوب العلوى بعشرات الأمتار رأيـتنى وأنا أخطب فى جمع من
الناس، وأنادى أخا لى، وأتوعد بعض المارقين، وأسمع أغنية سخيفة
ثم أستيقظ فزعا- لأنى كنت مازلت أقود السيارة - وأجد السيارة
لاتزال تسير مستقيمة وبسرعة، وأنظر إلى جارى الممتلئ يقظة فلا
أجده قد لاحظ شيئا، فأعلم أنى حلمت كل هذه الأحداث فى جزء
من الثانية، أو أقل أو أكثر قليلا، فأحكى الحلم لجارى فلا
يكاد يصدق. أوردت هذا المثال الشخصى لتأكيد زمن الحلم
المتناهى فى الصغر من ناحية، وللإشارة إلى عدم ضرورة علاقة
محتوى الحلم بالأحداث الخارجية من جهة أخرى. ويمكن ربط هذه
الفكرة المزعجة (تناهى صغر لحظة الحلم/ الإبداع) بمفاهيم كثيرة
شائعة وصعبة الاستيعاب، مثل مفهوم الميكروجينى (الذى اقتطفه أريتى
من فرنر)، و"لحظة" الإلهام عند المبدعين، وربما أصل به
لمفهوم "الوثبة" فى
إبداع الشعر... إلخ. مما لا مجال لتفصيله هنا، [راجع أيضا
هامش (5) بالنسبة لوحدة الزمن]
فى
عمل لاحق لى "ترحالات" (مزيج من
أدب الرحلات والسيرة الذاتية) مررت بتجربة مشابهة أتيتها فى هذا العمل الجزء
الثالث من الترحالات (ذكر ما لا ينقال)(ص 202) عام 2000القاهرة. فتأكدت أن الخبرة
الأولى فى الطريق الزراعى لم تكن مجرد مصادفة أو تصورا من جانبى.
[10]- كنت قد وضعت
اختصارات عربية لطورى النوم،
أسوة بالاختصارات الإنجليزية، وهى نوم "حرعس" REM sleep= Rapid Eye Movement Sleep اختصار لـ "حركة العين السريعة"، ثم نوم
"بدون حرعس" NREM sleep اختصار الـ "النوم بدون حركة
العين السريعة" REM = Non Rapid Eye Movement. لكننى تراجعت عن استعمال هذه الاختصارات
فى هذه الدراسة على الرغم من تفضيلى لها، ذلك أن د. أحمد مستجير قد نحت مؤخرا كلمة نوم "الريم" نسبة إلى الحروف الإنجليزية،
REM وهى
كلمة أسهل مع أن بها – من وجهة نظرى - تغريبا نحن فى غنى عنه، ولكنها أسهل نطقا
فتصبح أيسر استعمالا.
[11]- تستعمل
كلمتى: المخ ـ الدماغ بالتبادل كمؤشر دال على التركيبة البشرية
الرائدة، بيولوجيا، إلا أنها ليست بديلة عن كلمات: الذات ـ
الوجود ـ التركيب، باعتبار أن لغة هذا المقال تركز على كلية
الكيان البشرى، وإن كان المنطلق المبدئى بيولوجيا كما اسلفنا.
[12] - فى
محاولة لإدراك علاقة مستوى اليقظة بتأليف الحلم، فى أطوار
مختلفة من عملية الاستيقاظ. قمت بمحاولة تسجيل ذاتى فى أثناء كتابة
هذا المقال، كما تابعت بعد ذلك خطوات بحث فى الأحلام كرسالة
دكتوراة قام بها د. سيد حفظى وكنت المشرف عليها، وقد حاولنا
تسجيل الأحلام فى أثناء الاستيقاظ، وبخاصة إذا عاد الحالم إلى
النوم، وأيضا حاولنا التسجيل الفورى بالكتابة، والتسجيل الفورى
صوتيا عقب الاستيقاظ بفترة ما، وكذلك التسجيل بالرواية لآخر،
ثم الاستعادة...إلا أن نتائج كل هذاه
المحاولات لم يقربنى أكثر من فروض هذا البحث ربما لاختلاف الوحدة الزمنية.
[13] - Dissociated consciousness
[14] - Castaldo V. Shevrin H. (1968): Different
Effects of an Auditory Stimulus as a Function of REM and NERM Sleep
Psychophysiology 5: 219، (After Hall J).
[15] Secondary
[16] Tertiary Processes
[17] - يقابل
"سيلفانو أريتي" بين قواعد منطق أرسطو، ومنطق: فون
دوماروس وخاصة فيما يتعلق بتفكير الفصامى، من حيث أن منطق فون دوماروس
يقبل اجتماع الأضداد، وتداخل المقدمات فى التوالى، وغير ذلك، مما يناقض منطق أرسطو
الذى يراجع مؤخرا بنقد شديد فى مواقع شتى
Arieti, S. (1974) Interpretation of
Schizophernia. p229-298.299, Basic Books, Inc.
[18]- Converging
synthesis
[19]- اقتطـف
نفس المقتطف دافيد فولكس (هامش 14)، ص4، وحين رجعت إلى الأصل وجدت
أن هذا الوصف خصه دستويفسكى بـ "حالات المرض" (ترجمة
سامى الدوربى ص120، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر 1970)
فتبدأ الفقرة بـ "فى حالات المرض، تتميز الأحلام... الخ،
وتنتهى الفقرة نفسها بأنه: "... وهذه الأحلام، أعنى الأحلام
المرضية، تخلِّف دائما ذكرى باقية....الخ"، وقد أضفت ما
تقدم وما تأخر فى المسودة، ثم عدت فحذفتهما كما فعل فولكس،
ذلك لأن دقة وصف ديستويفسكى لإبداع الحلم هو المراد هنا من
المقتطف، أما قصر ذلك على الأحلام المرضية فهذا مالا تؤيده
الملاحظات التالية، وبخاصة أن هذا جزء أساسى من مجال ملاحظتى
المهنية، فاستشهدتُ بما أردت
تأكيده، ثم وضعت هذا الهامش باعتبار أن ديستويفسكى ليس هو المرجع الذى
يصنف حالة المرض من عدمها، فرأيه الشخصى الإبداعى هو بالغ الأهمية، لكنه ليس رأيا
ملزما لمعنى المرض والصحة كما تقدمه هذه المدخلة.
[20]- Repatterning
[21]- الأحلام
التى سجلت أثناء النوم العادى دون نشاط حركة العينين السريعة
(نوم دون "ريم" اقترح نوم "دريم") أقل علاقة
بموضوع هذه المداخلة، حيث تقترب من التسجيل المعاد أكثر مما
تتصف بالتنشيط المبدع.
[22] - A Guide to Psychology and its Practice Copyright
© 1997-2005 Raymond Lloyd Richmond, Ph.D.
أورد هذا المرجع تعليقا شديد الأهمية عن قراءة جاك لاكان لقصة إدجار ألان
بو "الرسلة المسروقة " وهى من أهم إضافات جاك لاكان فى سيميناره، وهو
توضيح ضرورة وضع المدلول فى حجمه المتواضع مقارنة بالدال، ومن أهم ما جاء فى هذا
التعقيب مقتطف شارح يقول: نحن نرقص فى دائرة ونفترض ما يعن لنا، لكن السر يكمن فى
وسطها وهو الذى يعرف.
We dance round in a ring and suppose, but
the secret sits in the middle and knows.
Robert Frost
[23]- كلمة
"المعلومة" فى هذه الدراسة تعنى كل ما يصل إلى الوجود
البشري-المخ البشري- من رسائل ومثيرات، تاريخا أو حالا، وما
يختزن فيه، علما بأن علاقة المخ بما فيه ليست علاقة الإناء
بالمحتوى، وإنما تركيب المخ نفسه ليس سوى بنية معقدة من
المعلومات بشكل أو بآخر، بعضها تُـتـَمـثـل تماما، والبعض
الآخر، وهو الأهم فى موضوعنا هذا، مازال فى سبيله إلى التمثيل
من خلال النبض الدورى المستمر بكل أنواعه، فى الحلم، والنمو،
والإبداع.
[24]- كل هذه مصطلحات مترادفة، إلى أن اختيار إحداها
دون الأخرى يتم حسب السياق المناسب، فاستعمال مصطلح "حالات العقل" mental statesهو
المناسب فى العلم المعرفى العصبى فى حين
أن استعمال مصطلح "حالات الذات" ego state هو المناسب فى التحليل
التركيبى structural analysis والتفاعلاتى transactional analysis وهكذا.
[25]- يحيى
الرخاوى "الوحدة والتعدد فى الكيان البشرى" ص 19-33، عدد
أكتوبر (1981) مجلة الإنسان والتطور.
[26]- طور الملء هو أقرب ما يكون إلى ما يتميز به
دور ملء القلب بالدم Filling phase حتى إذا تناوب مع طور
الدفق Ejectionبانقباض
عضلة القلب Systoleوجد القلب
ممتلئاً بما يدفعه، وهو الطور المقابل لما أسميناه هنا طور "البسط" ‘Unfolding . هذا القياس كان أساسا مهما فى تطبيق مبدأ الإيقاع الحيوى فى فهم
إمراضية الأمراض النفسية ، ودوريتها الأساسية ابتداء، وحتى فى فهم بعض العلاجات النفسية والعضوية الفيزيقية.
(أنظر مقالة: يحيى
الرخاوى "صدمة بالكهرباء أم ضبط
للإيقاع" - عدد أبريل 1982 – مجلة الإنسان والتطور).
[27]- Concrete Poetry
[28] - (أنظر بعد فىعلاقة هذا بمفهوم الواقعية).
[29]- كان
ليونج الفضل أساسا فى محاولات رسم الحلم كخطوة من خطوات
تفسيره
[30]- التعيين
النشط active concretization هو ما قصد به سيلفانو
أريتى أن اللغة المفهومية تنقلب إلى تجسيد عيانى فى صورة هلوسة صريحة، كأن يقلب
مفهوم أن "الناس تأكل بعضها"، إلى تجسيد بصرى، مثلا: حين يقول مريض أنه
رأى امرأة تلتهم ذراع امرأة أخرى تقف فى صف طابور الخبز، فهى الهلوسة البصرية. وفى
السواء يعتبر فن النحت بالذات من أهم ما يقابل هذا التعيين النشط، حين يجسد الفنان
معنى تجريديا مثل "الحرية"، أو "نهضة مصر" فى نحت مجسد.
[31]- يمكن مراجعة مفهوم الزمن استلهاما من الممارسة
الإكلينيكية والنقد الأدبى لـ يحيى الرخاوى "إشكالية الزمن: فى الحياة والمرض
النفسى، والعلاج الجمعى" ص (12 – 22). عدد ابريل – سبتمبر 1998 – مجلة
الإنسان والتطور.
[32] - نجيب محفوظ: "أحلام فترة النقاهة" - دار الشروق - عام
2005.
[33]- المعنى المقصود هنا هو التأكيد على أن الاضطرابات العقلية (فيما عدا ما استبعدناه سالفا من أمراض عضوية تشريحية) يمكن أن ترجع إلى خلل فى الإيقاع الحيوى هو ما تحثنا له مصطلح "سيكوباثوجينى" Psychopathogeny ، وبالتالى: فالمتوقع أن تظهر فى شكل دورى، وهذا ما كان شائعا عبر التاريخ، وهو وارد حالا بصورة أقل وخاصة فيما يسمى الجنون الدورى، وتعتبر سائر أنواع الجنون، من هذا المنطلق، بمثابة إيقاع حيوى فاشل أو منحرف أو مشوه يعلن عجز الإيقاع الحيوى العادى والإبداعى أن يستوعب حركية دورية الوجود البيولوجية، ويمكن أن يرجع فى تفاصيل ذلك إلى "دراسة فى علم السيكوباثولوجي". هامش(3). المنظور يفترض امتداد القانون الحيوى Biogenic law هكذا: الميكروجينيا (لحظة إبداع الفكر) تعيد الماكروجينيا (أزمة النمو) التى تعيد الفيلوجينيا (نمو الفرد برمته) التى بدورها تعيد الفيلوحينيا. أما أن يكون مسار المرض متفترا remittent فهو يشير أيضا إلى نوابية المرض، غير أن مآل كل نوبة يكون سلبيا، بمعنى أنه يترك اندمالا (خفوتا، ورمادية، وانسحابا) فى الشخصية بصفة متكررة مع تكرار النوبات.
[34] -
Arieti,
S. (1976) Creativity. The Magic Synthesis. p12.-13, Basic Books, Inc.
Publishers، New York,