27- مستويات الحرية
وأنواع الإبداع (إنشاءً ونقداً):
سبق أن صنفت أنواع
الإبداع خاصة من منطلق مستويات جدلية الجنون والإبداع (الفصل
الثانى)، وأنا أشعر أن التصنيف التصاعدى يثير الحساسية متى
تصورنا أنه يتم بقصد تحديد أن هذا "أفضل" من ذاك
بذكر تفصيلات مسطحة، وهذا غير وارد بشكل مباشر فى التصنيف الذى أعنيه،
لأنه كما أن المخ
البشرى والوجود البشرى يحتاج لكل طبقاته حتى يتميز بشرا، فإن
الإبداع أيضا يحتاج لكل مستوياته حتى يواكب ويتكامل ويحرك كافة
البشر-على مختلف مستوياتهم وفى مختلف أحوالهم، وهأنذا لا أتراجع فأعاود
محاولة تقديم نبذة عن التصنيف الذى يبدو طبقيا مهما قدمت من دفاع وتأويل
وتبرير!!:
يتوقف نوع الإبداع الذى ينتجه المبدع
(ناهيك عن إنتاج ذاته فعلا فى رحلة الإبداع البشرى= التصوف
الحقيقى) يتوقف على مستوى توجه حركية الوجود التى يعيشها المبدع،
فكلما كان المستوى أقل عمقا وكلية، وكان طرفاه أقرب إلى بعضهما
جاء مستوى الإبداع متواضعا عاديا (دون أن يتخلى عن جمالياته
ووظيفته) والعكس صحيح إذ تزداد درجة الأصالة، والخطر أيضا، كلما
زاد الغور، وتباعد الطرفان.
ففى المستوى الأول
(أكون أو لا أكون) نقابل مايوازى الإبداع التواصلى/الموهبة
(الفصل الثانى).
وفى المستوى الثانى
(أكون أو أصير) نقابل الإبداع الحركى الأصيل وإن كان أقل من
المستوى الثالث (الفصل الثانى).
وفى المستوى الثالث
(أتجمد أو أطفر) نجد أنفسنا فى رحاب ما أسميته الإبداع
الفائق، أوالإبداع الخالقى، وهو الأصعب إنشاء ونقدا على حد سواء.
يسرى هذا على معظم
صنوف الإبداع وخاصة الشعر مما قد يحتاج إلى دراسة خاصة
بأمثلة محددة.
و
فيما يتعلق بالنقد الأدبى، الذى هو بالضرورة: إعادة إبداع النص،
فإن النقد الحقيقى لا بد وأن ينتبه إلى حقيقة المساحة التى
يتحرك فيها، والمستوى الذى ينطلق منه وبه، والإيقاع الذى ينبض
من خلاله، والأدوات التى تعينه.
فالمذاهب النقدية الأكاديمية التى تصر (أرجو أن يكون خطأ)
بأنها أقرب إلى ـ "علم النقد"، هى فى واقع الحال تصحيح حروف النص
أو نحوه بالقلم والمسطرة. حذق استعمال أدوات القياس وحفظ القواعد لا ينبغى
أن يكون بديلا عن إبداع اللحن النقدى، وإلا حدث للنقد ما
حدث لعلم النفس. إشكالية النقد الإبداعى (إعادة إبداع النص)
تكاد توازى - قياسا- إشكالية علاج الجنون (إعادة تخليق التركيب
المبدع من التركيب المتناثر). فالناقد الذى يعيش توجهه على أعمق
مستوى، يستطيع أن يرى، ويحاور ويواكب ذلك المستوى الأول دون أن
يتخلى عن موقعه الأعمق، والعكس ليس صحيحا، فالناقد الذى يعيش
توجهه على المستوى الأول يصعب عليه -حتى الرفض- أن يستوعب،
ناهيك عن أن يعيد خلق، ما تخطى مستواه، لأنه يصعب عليه أن
يواكبه فى نفس المستوى وبنفس قدر دفع الحركية ومرونة المساحة
ونفاذ الحدود إلى آخر ماذكرنا فى بداية هذه الدراسة.
28- الحرية ودورة
"التعبير والعائد"
الحرية السرية تحافظ
على الحياة النابضة، وعلى إمكانية الفعل، ولكنها ليست هى الفعل
ولا هى الدفع الحقيقى القادر على نــقل الحركية من كائن بشرى
إلى غيره من كيانات بشرية وكونية، إذن لابد لإكمال تعريف
الحرية الذى بدأنا به أن تظهر هذه الحركية "... بأدوات
قادرة على تفعيلها فى ناتج موضوعى (بما فى ذلك إنتاج
الإنسان لذاته) ناتج له عائد يتعدل ويتمادى جدلا
وتوليفا....".
يجرنا
هذا إلى مسألة حق النشر وفرصه، وقهر المنع والمصادرة، والواقع
أنه بالقيم المعاصرة فإن حق النشر وفرصه لا بد أن ينظر له
على أنه سلاح ذو حدين كما يقولون، فمن ناحية فإن الالتزام
بالنشر لا بد أن
يتبع القواعد التى يضعها الناشر أو الجو العام السائد، وهذا
فى ذاته ليس هو البعد الذى يتيح لحركية الإبداع أن تتوجه
إلى عمق ما يمكن، ومن ناحية ثانية فإن عدم النشر أو
الحيلولة دونه يحرم المبدع من أن يمارس وجوده فى حضور
"الآخر"، ومن أن يختبر حريته بشكل علنى يسمح له
بالتعديل إذ يحقق حريته علانية فى حوار حى". ومع ذلك فإن
عدم النشر لا يترتب عليه مباشرة ضمور عدم الاستعمال، فلو
كانت حركية الإبداع غامرة مغامرة، فى مقابل اختناق التعبير وضيق مساحة
النشر، فقد يزكيها ويشعلها عدم النشر (الفورى على الأقل)، أكثر مما
تحجمها قيود النشر، وقد ترك لنا التاريخ ما يثبت ذلك، وأحسب
أن يقين صاحب الشعلة من اختفاء أو امتناع فرص النشر قد يجعله
يتمادى فى الإضافة والتأصيل مثلما فعل نيتشه أو النفرى، فإذا
بنا أمام كم من الإبداع ما كان يمكن أن يصلنا
"هكذا" أو حجزه وتأجيله إذ لو كان قد صيغ للنشر بلغة
عصره، لكان يمكن أن يتسطح أو يتشوه بشكل أو بآخر.
ثَمَّ دليل آخر يمكن
أن يطل علينا من دراسات الآثار غير المنشورة والمسودات فى
حقبة تاريخية معينة، وخاصة إذا ارتبطت هذه الحقبة بقدر من
القهر الخارجى والمنع، فإن المؤرخ الناقد سوف يجد علامات العصر
فى هذه المسودات أكثر مما يجدها فى الإبداع المنشور بشروط
العصر.
شروط النشر فى الإبداع العلمى الآن - مثلا- خطيرة،
ومكبلة ومعَّوقة بدرجة تـلزم من يحرص على النشر أن يتبعها
أكثر من التزامه أن يقول ما يضيف به.
على أية حال، لقد ظهر عامل
جديد فى مسألة النشر الإلكترونى، عبر الانترنت المواقع الخاصة، فأصبح النشر اسرع
وأرخص وأبعد مدى من أى تصور عبر التاريخ، وهذا الحدث المتمادى فى الانتشار هو أيضا
سلا ح ذو حدين من حيث استسهال عرض أى ناتج وكأنه إبداع دون حواجز أو تقييم أو
تحكيم، وفى نفس الوقت هو يتيح تحديا فى مواجهة احتكار سلطات الناشرين ووصايتهم،
وليس للأمر حل سهل.
29- الحرية والموسوعية
إن وفرة المعلومات
لازمة لإمكان إثراء المبدع بأبجدية متسعة يستعملها مادة لإبداعه، هذا
ما سبقت الإشارة إليه. ولكن إذا زادت هذه الوفرة حتى أصبحت
زحمة، وإذا تكدست هذه الزحمة حتى تداخلت فقضت على المساحة
اللازمة للحركة، أصبح التهديد حقيقيا ومباشرا وخطرا على حركية
الوجود المبدع، المسألة شديدة الصعوبة أيضا، وحلها بالحديث عن
القدر المتوسط (أوالمناسب من المعلومات) قد يميّع الموقف بما
يشبه التسطيح الموحى به قول مثل أن "خير الأمور
الوسط"، مما لا يليق إزاء إشكالة شديدة التعقيد والتحدى
مثل هذه الإشكالة.
لعل قدرا من المغامرة
يكون ضروريا لضبط جرعة ما يسمى وفرة المعلومات، فلا بد من
أبجدية أساسية، ثم لا بد من اطلاع انتقائى يستطيع أن يلتقط
من كم المعلومات ما ينظمه فى منظومته المتولدة فى نفس الوقت،
ثم لابد من تناسب عمليتى الملء والبسط وتناوبهما حتى تتسق
المعلومات فى كيانات مرتبة حول محور أو محاور متحركة فى اتجاه
محور أساسى ظاهر أو خفى. ثم يمارس هذا الاتساق دوره فى
الانتقائية الاستقبالية (بما فى ذلك حوار الاختلاف) وفى التضفر
التأصيلى باستمرار متناوب أو متلاحق أو مواكب، ولعل الجذب
الانتقائى للفكرة المحورية هو الذى يفسر الملاَحظ عند كثير من
المبدعين من أنهم يدورون فى معظم إنتاجهم حول نفس المحور وإن
اختلفت اللغة: بعضهم يعترف بذلك ويعرفه، والبعض الآخر يلتقطه
النقاد ويكشفون عنه. إن الموسوعية الانتقائية (وهى ضد فرط التخصص)
تلتقط ما ينجذب إلى الفكرة المحورة فتزيد المبدع ثراء، أما
الموسوعية العشوائية التراكمية فهى التى تزدحم وتتصادم مفرداتها على
حساب الإبداع الحقيقي.
30- الحرية واللغة، وقيود المنهج
طالت منى الدراسة، ولم
أوف نقطتين من أهم نقاطها حقهما، فمن ناحية لا توجد حرية -
بالتعريف الذى أوردناه سابقا- دون أن تكون اللغة لغة حقيقية
متولدة وقادرة على التخلق والتجاوز، وليست سجنا كلاميا وأصواتا
معادة، وإذا أخذنا اللغة بمعناها التركيبى، اللغة الجوهر لا
اللغة الأداة، لوجدنا قضيتها فى عمق كل ما ذكرنا، ويمكن
الرجوع فى ذلك إلى ما أشرنا إليه فى الدراستين[1]
عن هذا الموضوع بالإضافة إلى تحديث مختصر لاحق ومحدود بحث اللغة
الكيان [2]
حتى تتاح الفرصة لتفصيل خاص بشأن الحرية وإعادة تخليق اللغة
فى الشعر خاصة.
أما عن المنهج فالأمر
يحتاج أيضا أن نتذكر كيف يكون المنهج قيدا للحرية، بقدر ما
يكون درعا ضد الشطح العشوائى، وهو أمر - وإن لم يخرج عن
الإجمال السابق- فهو يحتاج إلى تفصيل خاص أيضا.