22- تطبيقات
22- 1 فى المرض والعلاج
يصدق ما ورد فى هذا
الفرض فى مجال المرض النفسى، كما يصدق فى مجال النمو النفسى،
ولكن صدقه فى مجال الإبداع الأدبى خاصة هو أكبر وأخطر. فإذا كنا
نتكلم عن الجنون وطبيعته الحرة المطلقة، فقد سبق أن أشرنا
كيف أنها تنتهى إلى سجن مطلق أيضا، فالمجنون حر ولكن، فى
اتجاه واحد، ولايصبح الجنون مشروع حرية بالمعنى المتكامل إلا حين
يصبح ذا اتجاهين، ومتى أصبح كذلك اقترب من الإبداع حتى قد
يتحول - بالعلاج المكثف وأحيانا:
تلقائيا- إليه بجدلية فائقة.
إلا أن تناول بعض
القضايا التطبيقية من منظور الحرية كما قدمناها فى هذه
الدراسة، قد يعيد تعرفنا على المفهوم الذى حاولنا تقديمه بطريقة
عملية، مما قد يدعم أو يهز ما ذهبنا إليه، وهاكم بعض
ذلك:
22-2 فى الإبداع الأولى إنشاءً ونقدا
فإن النص الحر، إن صح التعبير، هو النص المتحرك
المحــَِرك، وليس النص الذى يحوى حديثا عن الحرية أو دفاعا
عنها، أو رؤية لها، كما شاع فى بعض أوساط النقد السطحى
(والسياسة)، أو كما طغى فى بعض مراحل التاريخ حين تجمدت حركة
الفكر انخداعا بتحقيق الثورة. فقارئ بيت الشعر "إذا الشعب
يوما أراد الحياة.. فلابد أن يستجيب القدر" إلخ، قد
يُـبلغ شيئا ما عن الحرية، وقد يدفعه هذا إلى قدر من
الحماس أو التضحية، لكنه لا يعايش حركية توجه وجوده من خلال
تحريك هادف، وأقصد هادفا هنا بمعنى الغائية، وليس بمعنى القصد
الواعى، ومن المعاد أن نقول إن مثل هذا الشعر الوطنى أو
الحماسى أو الثورى ليس هو المثل الدال على حرية النص ومدى
حركيته وعمق أصالته، فى حين أن قصيدة لأنسى الحاج أو سعيد
عقل أو امرؤ القيس تعلن عن مساحة الحركة بقدر ما تحرك وعى
المتلقى بشكل قد لا يسمح له بالتراجع بعد التلقى. ليست
المسألة مفاضلة بين شاعر وشاعر، أو بين كاتب وآخر، بل إن
المقياس ينطبق على نفس المبدع من عمل إلى آخر. فنحن نرى فى
ليالى ألف ليلة لنجيب محفوظ
زخم الحركة بما يعلن بشكل مباشر اتساع المساحة ووثب
التناسخ حتى إحياء الموتى، فى حين نعيش فى الحرافيش حركية دورات
الحياة، وفى أولاد حارتنا، تهدأ المسألة حتى تصبح إعادة رصينة
لدورة عتيقة بلا مفاجآت فى الكاتب أو الكتابة، ونحن لا نحكم
على حركية النص بعدد الثورات التى تحققت فى محتواه، ولا بكم
البطولات وإنما نعايش حركيته بقدر اتساع الرقعة وقوة التحريك
وحيوية النبض.
تتصل بهذا البعد
مسألة واقعية النص، فالنص واقعى- من منطلق الحرية- بقدر ما
أن ذات المبدع ثرية بواقعها الذى هو ليس ذاتها وإنما
تركيباتها المرنة المتواصلة ذهابا وجيئة مع واقع موضوعى حقيقى،
وهذا إنما يظهر فى إفراز واقع أوقع من الواقع، وهو الواقع
الإبداعى وهو التخليق الأكثر موضوعية الذى شكله المبدع الحر، مثل هذا المبدع
ليس واقعيا فحسب، وإنما هو خالق لواقع حقيقى آنىَ وماثل (وواعد
قادم أيضا).
يترتب على ذلك أن
النسخة المسطحة من الواقعية الاجتماعية أو الواقعية الاشتراكية
التقليدية هى أبعد ما تكون عن الحرية، وهذا أمر لم يعد
يحتاج إلى أن يؤكـَّـد عليه كثيرا. الواقعية الموضوعية هى التى
تتم من خلال الحرية (حركية الوجود المرنة) التى تسمح برحلة
الذهاب والعودة بين "الذات/الموضوع"-
و"الموضوع/الذات" معظم الوقت دون تحديد زائف لذات
بعيدة عن الموضوع، وبالتالى فأولى بها أن تسمى "الواقعية
الإبداعية" من حيث أن الإبداع يخلق واقعا أكثر موضوعية بشكل ما.
23- الحرية وقبول
الاعتمادية لتجاوزها
يبدو لأول وهلة أن
الحرية لا تتفق مع الاعتمادية، وأن الإنسان الحر هو الإنسان
الناضج المستقل عن الآخرين بنفسه لنفسه، وهذا فكر قد يكون سليما فى
الظروف التى ظهر فيها حتى تَقَدّس، وقد تقدس أساسا فى مواجهة قهر سلطات
دينية وسياسية لا ترضى بأقل من التبعية المطلقة. لكن هذا الأمر يحتاج إلى مراجعة
خاصة بعد تراجع هذه الظروف ظاهرا على الأقل، وفى هذا الصدد علينا أن نتذكر أن
ثمة اختلافات بيئية جذرية تلزمنا بإعادة النظر فى هذه المسألة،
وهى اختلافات بيئية تتعلق بمصر أولا، والعالم العربى لدرجة أقل،
وعالم الشرق الأقصى بدرجة ما، لكن جانبها الإيجابى بدأ يظهر أكثر وضوحا
من ناس الغرب أيضا الذين انتبهوا إلى
ضرورة نقد ما آل إليه، أو ما شاع عنهم. إن قضية الحرية الغربية تتبلور
معالمها من خلال مقولات ظاهرة ومتكررة مثل "أزمة الهوية
فى المراهقة" وحفز الاستقلال المبكر فى أوائل منتصف العمر،
والاقتصار على العائلة النواة أوالعائلة الصغيرة المغلقة الحدود،
والتأكيد على تقرير الذات، والطلاق المتكرر، وكلها قضايا ليست
معيشة عندنا بنفس الصورة، أو بنفس الدرجة، فالاعتمادية على الكبير فى
ثقافتنا - قبل التشويه الأخير- هى حق معلن لا نتهرب ولا نخجل
منه، ورعاية الكبير للصغير (الصغير حتى سن الخمسين وأكثر أحيانا)
هى ممارسة طبيعية سلسة، وعلاقة هذا وذاك بالحرية هى علاقة
إيجابية. إن الاعتمادية الطبيعية والمعلنة قد تخلق الحرية وتؤكد
الحركية بعكس المتصور لأول وهلة.
فى مصر بوجه خاص قد تمتد هذه القضية إلى النظام المصرى
القديم، ثم ترتقى بالتوحيد الأخناتونى، وتعود لتأخذ شكل
الاستعباد، لترتقى مرة ثانية بالأديان السماوية الحديثة، المتممة
بالإسلام بما يقرر من جرعة اعتمادية خلاقة من خلال التمحور حول محور
التوحيد المركزى بـ"لا إله إلا الله " إذا مورست بحقها فى الفعل
اليومى.
إذا انتقينا من كل
هذا التراث معنى أضحية إسماعيل وإبراهيم، لوجدناها تمثل أقصى
صور الطاعة حتى الذبح، ثم إعادة الولادة. وصلتنى الاعتمادية فى
هذا الرمز فى صورة طاعة الصغير
للكبير حتى الموت ذبحا، ولكن ليس باعتبار أن الكبير هو
الأعرف والأقدر لمجرد أنه كبير، ولكن باعتباره الأقرب إلى
الأكبر فالأكبر إلى وعى المطلق، فوجه الله.إسماعيل حين أطاع أباه
إبراهيم لم يقل له "إفعل ما ترى"، أو ما تريد،
وإنما قال له "افعل ما تؤمر"، وكأنه ما أطاعه إلا
لأن إبراهيم بدوره يطيع الحق الأكبر، ولا تخفى دلالة وصول هذا
الأمر من خلال الحلم ليصبح واقعا ملزما (إنى أرى فى المنام أنى أذبحك)
. هذا التفسير ليس دعوة إلى الاعتمادية بقدر ما هو محاولة إشراك دوائر أكبر فأكبر
فى فعل الاختيار والمسئولية، الدوائر الأكبر هى امتداد للوعى الشخصى فى الوعى
الكونى، وليست تفويضا لأى سلطة كائنة ما كانت دينية أو سياسية أو اقتصادية. هذا التأويل شديد الخطورة إذا تصورنا أن أحدا
غير الأنبياء له مثل هذا الحق فى الطاعة، وحتى الأنبياء ليس لهم حق الطاعة المطلقة
الا بقدر مصداقية تواصل وعيهم مع الوعى الكونى إلى وجه الله.
حين يكون الحديث عن الحرية
والإبداع فإن المقصود هنا هو الإشارة إلى أن الاعتمادية المختارة، والمفهومة
والمتصلة بالوعى الكونى، والطبيعة الفطرية، هى اختيار فى ذاتها يكاد يكون أكثر
حركية من تشنج مدع على الجانب الآخر.
إن الإقرار بحق الاعتمادية
"معا" فى رحاب وعى ضام، يسمح بالاعتمادية المتبادلة، كما قد يهئ الفرصة
لمساحة أكبر، وحوار أعمق بما يتيح حركية أرحب. أما الدخول مبكرا أو دائما
فى مسألة البحث عن هوية ذاتية متميزة، ثم الاستمرار فى هذه الحساسية
طول الوقت، فهذا أمر متعلق بثقافة
أخرى ربما اضطرت لذلك حين تيقنت بتربص السلطات (الدينية خاصة) باستغلال هذا
المفهوم قهرا وتبريرا كما ذكرنا.
يمكن أن نتابع هذا
الفرض الفرعى من خلال بعض الأمثلة:
1-
صورة الأب فى إبداعات نجيب محفوظ شديدة الحضور قوية التأثير،
وأشهر أب عند محفوظ هو السيد أحمد عبد الجواد فى الثلاثية،
صورته الأبوية العملاقة تلك لم تمنع أولاده الثلاثة أن يشبوا
مبدعين جميعا، كمال مبدع عقلانى شيزيدى رائع، وفهمى مبدع واقعى
ثورى رائد، ويس مبدع لذى حر منطلق، ولا واحد منهم يشبه أباه
(بما فى ذلك يس)، ولا واحد منهم عصى أباه، ولا واحد منهم
لم يعتمد على أبيه، ولا واحد منهم ارتضى أن يتوقف عند تسليم
عادى ماسخ .
ثم الأب الإله عند
محفوظ : سواء كان زعبلاوى[1]
أم الجبلاوى [2]
أم الرحيمى[3]
أم عاشور الناجى[4]
كان يغرى دائما بالتبعية والحماية، ولكنه كان يغرى ويعد بالكشف
ويسمح بالابتعاد عنه فى نفس الوقت.
والشيخ الصوفى الوسيط
بين الأب الإله وبين العبد الجائع إلى الاتباع كان دوره
يتكرر عند محفوظ بشكل يفتح باب نوع من التبعية رائقة
وإرادية وغير مشوهة أو مرفوضة بالمرة.
2-
فإذا انتقلنا إلى ديستويفسكى واجهتنا صورة الأب المباشر بطريقة
مختلفة، فكثير من آباء وأجداد روايات ديستويفسكى فيهم قدر من
الطفولة لا يخفى، بل إن أبناء وبنات روايات ديستويفسكى كانوا
يقومون بدور الأب فى كثير من الأحيان، من أول نيتوتشكا
نزفانونا حتى الفارس الصغير [5]،
ثم الطفلة نللى فى مذلون مهانون، وكذلك أليوشا فى كارامازوف، [6]
ومع ذلك فإن الاعتمادية هنا على الإبن لها نفس وظيفة
الاعتمادية على الأب، وكلتاهما تؤكدان الاعتمادية التى نريد هنا
الاعتراف بإيجابيتها إذ لا تتعارض مع الحرية التى نزعم
أنها فى شرقنا إنما تنبع من قبول الاعتمادية لتجاوزها،
وليس من أزمة الهوية والمبالغة فى التأكيد على تحقيق حدود الذات
بالاستقلال المبالغ فيه كما يشيع فى الغرب.
ثم ننتقل إلى اعتمادية
المبدع نفسه على كبير (رئيس دولة، مبدع أكبر، شيخ راع) ويحضرنى
هنا مثالان بارزان:
الأول: اعتمادية المتنبى على سيف الدولة التى لم تعق إبداعه،
ولم ترهق حركية توجهه، بل حفزته وحفظته وباركت إبداعه و
أزكت تواصله سواء فى أوقات الرضا أو أوقات الهجر.
والثانى: (دون تفصيل) اعتمادية محمد عبد الوهاب على أحمد
شوقي.
بل إن إعلان هذه
الاعتمادية المتكرر فى باب المديح فى الشعر العربى بأكمله، الباب
الذى لم أكن أستسيغه فى حياتى وحتى هذه اللحظة، ثم جاءتنى هذه
الرؤية التى صالحت بين الاعتمادية والحرية بشكل مختلف عما
تعلمته من قيم الغرب.
وأخيرا: فإن الاعتمادية المطلقة فى الإبداع الصوفى الحقيقى:
إبداع الذات فى الكون (العبودية التوليدية إن صح التعبير)
هى فصل الخطاب فى هذه المسألة.
الاعتمادية المعلنة والصريحة قد تخدم
الحرية بالمعنى الذى تقدمه هذه الدراسة، ولكنها قد تعوقها إذا وصلت إلى
الاعتمادية الرضيعية المشلولة المشِلّة فى آن.
ربما كان من أهم ميزات
إعلان الاعتمادية الصريحة على دعم الخارج هو التخلص من ألعاب الاعتمادية
الخفية التى تستعمل ألفاظ استقلال زائف، واختيارى أحادى المستوى. الاعتمادية
المعلنة اختياراً هى قضية مرحلية يمكن حسمها بجدل الخارج يوما ما، ما
دامت شروطها واضحة ومقبولة، إن كل ذلك يسمح للذات أن تكون
أكثر مرونة وأرحب مجالا فى تناولها الدورة بعد الدورة فى مرونة حرة، بدلا
من المناورات الداخلية تقمصا وغمدا وإدخالا، ثم يا ترى!
ربما أدت هذه الاعتمادية المعلنة إلى التقليل من المبالغة فى الخوف من
خطورة القفزة إلى المجهول، (المستوى الثالث للاختيار: أتجمد أو
أطفر) وبالتالى قد تشُجع على الاختيار الأصعب (الإبداع الوثبة أو
الاندفاعة)، يتم ذلك أو مثله فى بعض
طقوس التصوف حتى يواصل المبدع لذاته كدحه إلى الحق مبدعا حرا مطمئنا إلى أن
ثمة من يتلقى القفزة لو أخطأ الحساب.
24- الحرية ما بين
شخص المبدع وإنتاجه
الإبداع ليس عملية
منفصلة عن الوجود، كما أنه ليس وظيفة لفائض نشاط الوجود،
وإنما هو الوجود ذاته متى توفرت الفرص المناسبة لمسيرته،
والفرص متوفرة على مستوى النوع (مالم يكن الانقراض هو المسار
والمصير) ولكن على مستوى الفرد تختلف المسألة.
المبدع الخالقى (أرقى
درجات الإبداع) -من حيث المبدأ- لا يستعمل إبداعه، لكنه
يكونـَهَ هو فى جدل معه وليس بديلا عنه، كما أن استحالة تحقيق الإبداع
ذاتيا فى عمر الفرد يجعل المسائل نسبية، وجزئية، بشكل أو
بآخر، وهنا يلزم الحديث عن الإبداع البديل، والإبداع الرمزى،
والإبداع المرحلى وما شابه (انظر بعض ما يقابل هذه التصنيفات فى
الفصل الثانى).
المبدع ليس هو هو
إبداعه طول الوقت، وهذا يرجعنا إلى منطقتين لم أكف عن العودة
إليهما منذ ناقشت قضية الإبداع:
الأولى: أن الناتج الإبداعى ليس هو - أساسا- الإبداع الحقيقى،
بل إنه بديل عنه.
والثانية: أن المبدع كشخص حى قد يصدر عنه إبداع فائق، دون أن يصل هو إلى
درجة نماء فى مستوى إبداعه.
من خلال هذا وذاك،
يمكن أن نزعم أن الإبداع الحر قد يخرج من ذات ليست حرة، بل
إن المًنتَجْ الإبداعى قد يـفـرغ
طاقة الإبداع حتى ليكاد يعوق مسيرة نموه الفردى [7].
لا أحسب أن أيا من
هذا جديد علىّ الآن، ولا هو جديد على الفكر الإنسانى أصلا،
لكن ذكره هنا متعلق بضرورة فصل حركية النص عن حركية صاحبه
من جهة، كذلك على ضرورة احترام هذه "الحرية القطاعية" [8]
إن صح التعبير [9]
التى يتمتع بها قطاع معين من وجود المبدع دون كلية وجوده[10].
أنتهى من هذه الفقرة
بالقول:
إن الحرية قد تتجزأ
(وهو عكس التعميم الذى يقول إن الحرية لا تتجزأ، وهو ما كنت
أعيشه حتى الآن، وهو ما كنت أتصوره -أيضا- ضرورة لغيرى). كما
أن توجّه حركية الوجود يمكن أن تؤخذ بمحصلة قطاعات الوجود،
وليس بإلزام توحد اتجاه الأسهم طول الوقت، علما بأن العلاقة
الديالكتيكية هى متوحدة الاتجاه بطبيعة صيرورة مآلها، رغم تناقض
مكوناتها.
25- المنظومة العقائدية والحرية والإبداع.
إن المنظومة العقائدية [11]
ليست بنفس الصفات عند كل الأفراد، ومهما بلغت المنظومة من
تقديس ظاهر وخفى، فإنها قد تكون ثابتة ومعوقة، كما قد تكون
على النقيض من ذلك نابضة ومتفتحة، برغم تشابه المحتوى أحيانا.
والأسئلة التى طرحت على الدعوة الإسلامية السياسية الأحدث فى
الآونة الأخيرة كثيرة ومتشعبة، ولكن كان من أهمها وأكثرها
تحديا السؤال الذى يقول: ما هو شكل الإبداع فى المجتمع
الإسلامى المدعو إليه، باسم الشريعة وفى أطر محدودية الاجتهاد والتقيد
بالتفسير الثابت للنص؟ ولم يكن ثمَّ جواب شاٍف، وهذا بديهى،
ودلالته لا تحتاج إلى تعليق، إلا من تاريخ ما حدث للإبداع
فى ظل التطبيق الجامد للماركسية السياسية هنا وهناك.
أرجع إلى مسألة القهر
الخارجى والقهر الداخلى لأقول إن الدين بالذات قد اتخذ عبر
العصور هذين الشكلين فى كثير من الأحيان: الثابت والمتحرك، إلا
أن شكله المتحرك كان غالبا، إن لم يكن دائما، سريا غير
معلن، أما شكله الثابت فكان قهرا يصل إلى إعدام من يخالف،
والأخطر من ذلك هو أن يكون القهر الدينى داخليا حتى يصبح
الإنسان نصا ثابتا مكررا لا أكثر، يفرض عليه من خارجه من يفسره
لصالحه، أومن واقع ألفاظ المعاجم الثابتة، ويمكن أن نتتبع خط تطور
الأديان المقيد للحرية على الوجه التالى:
من الوحى إلى القهر الخارجى إلى القهر الداخلى إلى
الجمود.
كما يمكن أن نتتبع
خط تطور المذهبية الدنيوية المقيدة للحرية على الوجه التالى:
من الفلسفة إلى سجن المنهج إلى القهر
الداخلى إلى الجمود.
هذا هو ظاهر الأمر
وشائعه، ولكن كيف نفسر هذا القدر الهائل من الإبداع فى مناطق
بذاتها فى عصور الازدهار الإسلامى مثلا؟ أو روعة ذلك الفن
التشكيلى شديد الأصالة فى عصور الظلام الكنسى؟
خطر لى، ردا على هذا وذاك،
احتمالان:
الأول: هو أن القيد الظاهر والصريح كان حافزا لكى تتحول الطاقة إلى
المساحة المتبقية، وحين تتكثف حركية الإبداع فى تلك المساحة الخاصة
القابلة للمرونة والتخليق، قد يحقق الإنسان حريته إذ يمارس
إبداعه فى منطقة بذاتها، ويغفل المناطق الأخرى أو يستغنى أو
يتنازل عنها، وقد يتفق هذا مع ما أسميناه حالا: "الحرية القطاعية"
(فى قطاع بذاته).
والثانى: هو أن المسألة ربما أخذت مسارا تعويضيا بالحفاظ على ما يمكن
أن يسمى الحرية السرية القادرة على الكمون والانقضاض على فترات،
وإن كان هذا يتنافى بشكل أو بآخر مع ضرورة التعبير،
والاختبار، والعائد، والتعديل، لكن هذه الحرية الكامنة، الجاهزة للانقضاض
هى حركية بالضرورة، وقادرة على الإبداع من حيث المبدأ حتى تحين الفرصة، وهى تتحدى
العدم والقهر المطلق فالانقراض، وقد تقتصر أحيانا لفترة من الزمن على التجلىّ فى
مجال النمو الذاتى (التصوف) فرادى وجماعات.
26- مناورات ومفارقات وألعاب
لعل من أصعب أنواع
الأدلجة هو ما لبس ثوب الحرية، واستعمل ألفاظها ثم سرق
نبضها تحت سمع وبصر مدعيها ومحتاجيها على حد سواء. إن من أهم
مصادر هذا الخداع أنه بالقدر الذى يـترك لكل واحد الحق فى التعبير
السطحى عما يتصور أنه هو، تُعَلَّق لافتة ممنوع الاقتراب
الحقيقى للآخرين، ويحل نظام التأمين اللفظى الاستلابى المعلن محل
الاقتحام المسئول المفجر للحوار المحرك، كما يحل القانون
الظاهر، والحق المدنى، محل التواصل التلقائى المغامر، وفى نفس
الوقت تتجمع خيوط السلطة الحقيقية فى أيد خفية (الشركات العملاقة
والمافيا والأصوليون المعلنون والمخفون) لتنتهى إلى أن تفرز أنواعا من
الإبداع غير قادرة على تغيير الحياة بالقدر الذى تعد به حركية
التوجه بما هو حرية الإبداع الحقيقية المصاحبة لمسئولية
التلاحم.
لعل
خير مثال على ذلك هو ما آلت إليه ممارسة الطب النفسى فى بلاد
الثراء والحرية . وإذا كنا بدأنا بعرض موقع الجنون فى مسألة
الحرية فقد آن الأوان لنشير إلى مسألة علاج الجنون فى الظروف
المعاصرة وكيف تصاغ عقول الأطباء بما يحقق غاية اللاحرية تحت
ستار حقوق الإنسان وحقوق المرضى لخدمة شركات الدواء دون المرضى والحقيقة
[12].
[1] - نجيب محفوظ: "زعبلاوى" فى مجموعة قصص "دنيا" -
مكتبة مصر 1963.
[2] - نجيب محفوظ : رواية "أولاد
حارتنا"
[3] نجيب محفوظ (الطريق) مكتبة مصر 1984
[4] - نجيب محفوظ (ملحمة الحرافيش) مكتبة
مصر 1985
[5] - يحيى الرخاوى. (1982) قراءة فى ديستويفسكى
(من عالم الطفولة). الإنسان والتطور،
12 : 171-137. تحدثت فى " تبادل الاقنعة"
الهيئة العامة لقصور الثقافة 2006
[6] - يحيى الرخاوى عن ديستويفسكى: (1) زخم
الحياة وصلابة الموت فى الاخوة
كارامازوف (تبادل الأقنعة: منشورات الهيئة العامة لقصور الثقافة 2006)،
وكذلك: قراءة فى ديستويفسكى (2) نشوة البغض وألوان الحب فى مذلون
مهانون لديستويفسكي (دراسة لم تنشر بعد).
[7] - لا أنكر أننى رفضت فى فترة ليست
قصيرة من حياتى، أن يحل الشعر بالذات محل الوجود، لكننى عدت
أنظر طوليا إلى النوع، ومحدودية عمر الفرد، ففهمت أن ما نعجز عن
تحقيقه الآن يجدر بنا الحفاظ على درجة من الحركية الواعدة بتحقيقه فى بديل رمزى: هو
الإبداع المنتج خارج الذات، شعرا أو غير شعر، وذلك حتى يتسنى استيعاب
جرعة التطور بالقدر المناسب عبر الأجيال، فانحل الإشكال.
[8] - أعنى بهذا المصطلح أن
ثم جانب معين من وجود شخص ما (بما فى ذلك المبدع أدخاله الإبداع) يمكن أن يتحرك
مرنا طليقا حرا أصيلا، ولكن ذلك لا يتجاوز هذا القطاع بل أحيانا يكون ذلك على حساب
بقية شخصيته (قطاعات وجوده الأخرى التى قد تمارس عكس ذلك تماما).
[9] - sectorial freedom
[10] - فكرة استقلال قطاع من الشخصية بسمات معينة
ونشاطات معينة دون بقية القطاعت تسرى على الجوانب الإيجابية مثل الحرية هنا، كما
تسرى على الجوانب السلبية مثل التفسخ السلبى فى بعض حالات الفصام التى يقتصر فيها
التفكك مثلا على التفكير دون المظهر العام، أو على العواطف دون الذاكرة وهكذا، وقد
أسميتُ ذلك الفصام القطاعى أيضا Sectorial Schizophrenia
[11] - فصول : المجلد الخامس العدد الثالث والرابع: الأدب
والإيديولوجيا 1985
[12] - سبق أن أوضحت أن العلاج الحقيقى هو
فى واقع الأمر مواكبة تجربة بشرية بأدوات العلم وفن الحرفة،
وأصررت على كلمة مواكبة هذه التى لم أجد لها مقابلا دقيقا
بالإنجليزية ، وقد عنيت بالمواكبة ليس فقط السير مع، أو حتى
التواجد على مستوى، بل الأفضل هو السير " فى موكب"، حتى
أننى ضمنا قسمت المعالجين إلى معالج فى طور النشاط (معالج نشط)
ومعالج فى طور الاستقرار (معالج مستتب) بنفس المقياس الذى قسمت
فيه المرض النفسى إلى نشط ومستتب، وفى فرض الإيقاع الحيوى وضعت علاج الفصام فى مستوى إعادة
إبداع النص أنظر( الفصل الأول)