12- الإيقاع الحيوى
والحرية
سبق
أن ألمحنا، فى الفصل الأول، كيف أن الإبداع هو فعل يومى لكل الناس من خلال
الحلم على الأقل. فإذا تناولنا هذا الأمر من منطلق الحرية فإنه قد يثير
تحديا آخر يزيد الأمر تعقيدا: فهذا
الفرض عن إبداع الشخص العادى بالأحلام، إنما يؤكد على حتمية الإبداع
للجميع، لذلك وفإنه يبدو - كما ذكرنا فى المقدمة - وكأنه حرم المبدعين
من تميزهم الخاص، إذ اعتبر الشخص العادى- بمجرد النوم والحلم
فالنمو- مبدعا بالضرورة، وبالتالى فإنه يبدو كما لو كان قد قلل
من قيمة الإرادة الواعية، وبالتالى ضرورة المثابرة، ومواصلة
الاتجاه، فى عملية الإبداع. وقد حاولت أن أخفف من وقع هذا
وذاك فى أطروحتى، عن جدلية الجنون والإبداع (الفصل الثانى)، لكن لا
بد من العودة لتاول الأمر من جديد فيما يتعلق بالحرية:
إنه على الرغم من أن
الإيقاع الحيوى عملية تلقائية راتبة من أول مستوى التفاعل
الكيميائى حتى دورات الكون مرورا بالإنسان، فإن موقع الحرية
يبدو فى الخلفية إذا قيست بتلقائية الإيقاع ورتابته، وذلك كما
يلى:
1)
إن الإيقاع الحيوى فى مسألة الإبداع/الحلم/الجنون، ليس دائرة
مغلقة وإنما هو امتلاء بالمعنى (المعلومات ذات المعنى المتحرك)،
ثم بسط لها فى الحلم أوالإبداع أو الجنون النشط، ليعاد تشكيلها بشكل أو بأخر.
2)
إن الإنسان بذلك يمتلك قدرا من الحرية تسمح له ألا يكون
إيقاعه الحيوى مجرد إعادة نبضات مغلقة، إنما ناتج يتوقف تشكيل الدورات
بحسب ما يبسط من معلومات، بعد كل امتلاء مختارٍ جزئيا، بما
يتيسر منها فى كل دورة (نبضة).
3)
إنه إذا كان الحديث الآن يدور حول حرية البروتون والاختيارات
المطروحة على جزيئات الذرة، فالحديث أولى عن حرية المعلومات
أثناء إعادة تنظيمها من خلال الإيقاع الحيوى.
4)
إن الحرية تمارس أيضا فى طور الانتقاء لنوع سلامة المعلومات
المدخلة أثناء طور الاستيعاب، وكذلك تصبح الحرية – بالمعنى الأشمل –
فاعلة فى تشكيل "وعى التلقى" (الملْء) قبل أن تقوم بدورها أثناء "البسط".
5)
إن جماع كل هذا هو المسئول عن فاعلية وناتج توجه حركية الوجود
(الحرية) بالنسبة للفرد أولا، ثم بالنسبة للنوع حسب قوانين
التطور المناسبة.
13- تيبيس الوعى
على قدرما عرى الجنون
هذه المفاهيم الأساسية لحركية الجسد، ومنظومات الوعى، فإن الطب
النفسى الأحدث جدًّا – للأسف-!! (الذى يغلب عليه التفسير الكيميائى
القح)، قد أصبح عاملا جديدا فى التدخل ضد طبيعة كل من
النبض البيولوجى (الإيقاع الحيوى) ودور الجسد فى تركيبة
الجنون/الإبداع، ومن ثم فى حرية إعادة التنظيم واحتمالات ناتج
النبض الحيوى (قارن الدور السلبى المحتمل للهندسة الوراثية). إن
التدخلات الكيميائية الحديثة فى ممارسة الطب النفسى إنما هى
تدخلات قهرية بشكل ما، إذ تقوم بقهر هذه الحركية البيولوجية
الإيقاعية، لمجرد تصور أن البسط زاد عن الحد، أو أن ناتج
الإيقاع لا يحتمله مـَن هُمْ حول المريض ممن لا يفهمونه. وقد
ترتب على ذلك اختفاء أو ندرة الأمراض النفسية الدورية [1]
من ناحية، وبالتالى، وفى نفس الوقت إجهاض الإبداعية الدورية
المحتملة فى المقابل.
وفيما يتعلق بالحرية، فإن
التثبيت الدائم لحركية خلايا ومستويات منظومات المخ بفرط استعمال
المهدئات الجسيمة طول الوقت طول العمر، هو تدخل سافر فى
إيقاعية المخ ومرونة الجسد معا، ذلك أنه يترتب عليه جمود
دماغى، ثم جمود جسدى، ثم تيبس فى الوعى شاملا التيبس الوجدانى، ثم
يحدث التشقق فى أى من هذه المجالات، أو كلها من كثرة التيبس، (وكل
ذلك له أسماء فى الطب النفسى سواء أسماء أعراض أومضاعفات أساسية، أو
جانبية لا داعى لذكرها!!!)، إن ما يهم هو أن هذا التيبس المتشقق[2]
يصاحبه أو يستتبعه جمود وجدانى وفكرى يعيقان الحركية فالإبداع،
وليس هذا انتقاصا من أهمية مفعول هذه العقاقير فى ضبط جرعة
النشاط المفرط، وإنما هو تنبيه إلى أن المسألة الكيميائية ليست
مستقلة عن المسألة الإبداعية والنمائية، وأن الاضطرار لاستعمال
العقاقير لا بد أن يضع فى الاعتبار وظيفة خلايا المخ
(والجسد) فى حركية التفكير والإبداع على المدى الطويل، أى أن على
الكيمياء أن تنظم حرية الخلايا والمستويات بعض الوقت، لا أن
تقمعها طول العمر.
14- مرة أخرى: تعدد الذوات، والحرية:
ألمحنا فى المقدمة إلى
قضية تعدد الذوات وتأثيرها على إشكالة الحرية، وعلى الرغم من
أن هذه المسألة قد سبق أن اختبرها الكاتب بالتفصيل[3]، كما أنه أشار
إليها بوضوح فى بداية هذه الأطروحة، إلا أننا هنا سوف ننتقى ما
نركزعليه فيما يتعلق بمفهوم الحرية كالتالى:
"إن تغير
النظرة إلى الإنسان كوحدة إستاتيكية (أو حتى ديناميكية) إلى
اعتباره "مجمع شخوص" يمثل موجزا للتاريخ ومحتوى العالم
فى آن واحد، خليق بأن يقلب كل الموازين السائدة حاليا عن
مفهوم الإنسان ومفهوم الحضارة ومفهوم النمو الفردى ومفهوم التطور
البشرى جميعا"
إن من أهم ما يتغير
تبعا لتبنى هذا المنظور هو مفهومنا عن الحرية، ومن ذلك :
"(أ) ماذا
يكون موقف الشخص العادى أمام نفسه؟ صورته لذاته؟ فخره بها؟
تحديده لها ؟ لأنه اذا كان "هو" ليس "هو" بل
"هم" أو "نحن" فكيف يتحدد أو يتميز فردا
"حرا" مختارا؟
(ب) ماذا يكون
الموقف من قرار الشخص لنفسه، واختياره لفعله؟ وذلك حين نطرح
مسألة أنه أكثر من واحد، وبالتالى نتساءل: من الذى اختار؟ ومن
المسئول؟ (وقد يمتد هذا البُعْد امتدادا خطرا ليشمل المسئولية
الجنائية...)
(ج) كيف نعامل
بعضنا بعضا، وكيف نتفق ونتحاب ونحن قد أصبحنا "حفلة"
(زحمة) موجودات ولسنا إرادة أفراد فى وحدات إرادية متكاملة؟
على الرغم من كل هذه
التخوفات، فإنها لا ينبغى أن تمنعنا من أن نعترف بحقيقة
تعددنا، وحتى إذا كان من السهل أن نتغاضى عن مواجهة هذه
الحقيقة فى الحياة العادية، فالأمر ليس كذلك بالنسبة للإبداع، وخاصة
فى أدق وأشجع مجالاته وهو الشعر[4]،
وقد سبق أن أوضحت ذلك إجمالا منذ البداية، إلا أنى أشعر أن الأمر من الأهمية بحيث يحتاج إلى مزيد من التفصيل التى لا تخلو من تكرار
كما يلى:
1- الإنسان متعدد فى
كيان ظاهرى واحد.
2- التعدد خطر وقد
يفتح أبواب السلبية والتناثر.
3- الانسان مستمر،
ويتقدم فى اتجاه الواحدية برغم استحالة تحقيقها فى عمر الفرد، إلا فى بعض حالات
الإبداع لفترة وجيزة رغم ما ذكر فى1، 2
4- إن هذا التعدد
ليس وليد الانشقاق التالى للولادة فقط (كما تقول مدرسة العلاقة
بالموضوع) ولكنه طبيعة بشرية تعلن تراكم طبقات الذات فيلوجينيا
وأنتوجينيا فى "واحدية حركية" لا تلغى الأقدم وإنما
تحتويه هيراركيا، وتبادليا.
5- إن الاختيار (الحرية)
يصبح مسئولية هذا الجماع الواحدى فى لحظة بذاتها، بمعنى أن هذا
التعدد الذى يبدو معيقا للحرية فالمسئولية، هو الذى يعطى للحرية الحقيقية
احتمالات مشروعيتها فإذا كان التوجه الضام مطروحاً، فأن الحرية هى فى جماع ما
يختار نوع هذا التوجه، وبالتالى اختلاف نوعية الكيانات ومسارها، فإن
الاعتراف بالتعدد والوعى به واستثارته يكون دافعا للتمحور حول
فكرة غائية بذاتها.
التعدد المرن المتجاذب -
إذن - هو فى النهاية فى صالح الحرية وليس معوقا لها شريطة أن
تكون العلاقات ديالكتيكية متحمورة حول غاية ضامة، متوجهة إلى
"واحدية" حرة، فى لحظة بذاتها، وليست قاصرة على اختيار ظاهر
على حساب سائر مستويات الوجود.
وفى معظم أساليب
العلاج الجمعى يكون تكثيف "هنا والآن" بهدف تجاوز
التناثر والتذبذب بين إرادات الذوات المتفككة، وبالتالى ينشط
"ألم عملية التوحد"، أحيانا فى صورة الحزن الحيوى المواجِهى إذ
يتواجد الآخـر‘ كله أيضا فى الوعى "هنا والآن"، ومن ثم يتولد الكيان
الجماعى الضامّ، الذى يساعد فى مسيرة النمو العلاجى للمجموعة.
إن التعدد الضام يزيد
فرص الحرية الحقيقية المرنة، لا ينقصها.
ويجرنا هذا
التركيز على الـ "هنا والآن" إلى علاقة الحرية بالزمن.
15- الحرية والزمن
إن الواحدية الحقيقية -
فى حالة الصحة- لاتكون حاضرة حضورا يسمح بالحديث عن الاختيار
إلا إذا ركزنا فعل الحرية فى لحظة بذاتها، فاللحظة هى التى
تحدد الذات لتكون كيانا واحدا مفردا شاعرا فاعلا. وقد
يحدث فى حالات الجنون والحلم والشعر أن يصبح الزمن هو نفسه،
اختيارا: إذ تحضر فى الوعى أزمنة كثيرة فى آن، ويمكن
للمجنون أو الحالم أو الشاعر أن يتحرك بينها بشكل أو بآخر،
يتحرك بعشوائية تامة فى الجنون، وبعشوائية مرحليه نسبية فى
توليف الحلم، فى حين يتحرك بحرية منشِئة فى الإبداع.
لابد من إعادة التنبيه
إلى ضرورة التفرقة هنا بين الزمن والوقت (والتوقيت) فمن ناحية:
الزمن كيان قائم، وبعد مستقل، ومساحة رحبة، وبالتالى فإن
الحرية هى الحركية القادرة على تشكيله فى التوجه العام والخاص
فى لحظة بذاتها، وحين نتكلم عن أن
الواحدية إنما تتكثف فى لحظة متناهية الصغر[5] الأمر الذى قدم
الكاتب بعض تطبيقاطه فى النقد والممارسة الإكلينكية فى تناوله لإشكالية الزمن [6].
هذه اللحظة، برغم أنها لحظة، إلا أنها تسمح للأنا أن تحضر وتختار. إن
فعل التكثيف فى لحظة هو
فعل قادر على تجاوز التعددية إلى الواحدية كما ألمحنا.
16- البعد الطولى فى الاختيار
التوقيت فى مسألة
الحرية له وضع آخر ألمحنا إليه سابقا وها نحن نعيد طرح السؤال الذى يقول:
هل أنا أختار الآن، أم أننى فقط أعلن اختيارا سبق أن قررته
ورجحته من قبل، ثم رحت أدعمه رغم كمونه، وأنا الآن لا
أفعل إلا أننى أعلنه؟ والرد الأرجح من منطلق هذه الدراسة
يقول:
إن الاختيار يتم فى لحظة خفية، ويكون اختيارا
حقيقيا راسخا مخترقا رغم كمونه، لكنه قد لا يظهر فى السلوك
إلا بعد فترة من الزمن قد تكون شهورا أو سنوات حتى ليبدو
أن هذا الاختيار ليس إلا قهرا إذا استعملنا لغة فرويد عن
"التثبيت"، أو استعملنا لغة إريك بيرن فى حديثه عن
ثبات النص، لكن الأمر ليس بالضرورة تثبيتا أو جمودا للنص.
وقد انتبهنا إلى هذه النقطة الخاصة "بالاختيار
السبقى" من ثلاثة مداخل:
الأول: هو اكتشاف "سبق
التوقيت"[7]
وهو ما أسميناه "ببداية البداية" [8] فيما أشرنا
إليه من أن المجنون يدرك (ويعلن) أنه اختار جنونه ولكن
الاختيار كان قد تمّ فى تاريخ سابق لبداية ظهور أعراض الجنون، لاحظها أو لاحظها من حوله.
والثانى: ما رصدناه فى لحظات التحول النوعى
فى العلاج الجمعى المكثف، وهو ما أسميناه تحول المنظومة [9] حيث نرصد هذا التحول النوعى الغائر، دون أن نلحظ أى
تغير سلوكى محدد، ولاحتى اختفاء الأعراض أحيانا، وإن كنا نلاحظ اختلاف حدتها،
وموقف المريض منها، خاصة إذا كان الموقف تغير نوعيًّا ومع ذلك نطمئن إلى ظهور آثار
التحول ممتدة إلى سنوات، يتم رصد ذلك من
واقع المتابعة.[10]
والثالث: من خلال التوقيت الانتقائى لما يسمى بجلسات العلاج الكهربائى وهو ما أسميناه مؤخرا ـ فى هذا السياق
خاصةـجلسات تنظيم إيقاع الدماغ BST [11] حيث يختلف مفعولها بحسب التحقق من اختيار
ما يختاره المريض وإن لم يعلنه. نحن عادة لا نعطى هذا العلاج
طالما المريض لم يختر بعد احتمال ترجيح المستوى القائد للإيقاع بشكل غالب،
العلاج التمهيدى السابق لهذا العلاج التنظيمى يحاول أن يرجح مع المريض غلبة مستوى
الوعى الواقعى الفعّال، من حيث المبدأ، مع طمأنته إلى إمكانية التبادل، والحركة
فالنمو والإبداع، كل ذلك بطريق غير مباشر. وقد تعلمنا أن إعطاء هذا
العلاج التنظيمى للإيقاع الدماغى يكون أنجح حين يظهر على المريض (أحيانا دون أن يدرى ظاهرا، ودون أن يعلن) أنه على وشك
أن يختار اختيارا إيجابيا ما بشكل راجح [12].
17- القهر من الخارج: مادة لإبداع لاحق:
أنواع القهر الخارجى
كثيرة، لكنها يمكن أن تتفق فى موقعها من التأثير على الحرية.
القهر الخارجى - وخاصة إذا قورن بالقهر الداخلي- له فضل على
الحرية لا يخفى، وذكر الفضل لا يعنى بالضرورة طلب المزيد،
بقدر ما يعنى الإحاطة بالأبعاد موضوعيا، بما فى ذلك تجاوز مجرد
الشكوى والتبرير. ولا مجال هنا لتعداد أشكال القهر الخارجى
المعروفة مثل القهر البوليسى، والقهر الاقتصادى، والقهر السياسى،
والقهر السلطوى الدينى، فكل هذا معروف ومعاد.
للقهر الخارجى شكلان:
ظاهر وخفى: أما القهر الخارجى الظاهر
فقد يساهم فى الحفاظ على المعركة فى الخارج، فهو يكثف
المواجهة، وهو أيضا ينبه إلى أشكال القهر الخفية المحتملة، ثم
إنه يمكن أن يكون مصدرا جيدا من مصادر ذوات الداخل ( التقمص
بالمعتدى ، ولو مؤقتا ) مما يمكن فيما بعد أن يستعمل كأبجدية
للإبداع (أنظر بعد). أما القهر الخارجى الخفى، فهو أكثر من
أن يحاط به، وبعضه يتمثل فى الإعلام وشروط النشر وقدسية
المنهج ، وما يعنينى من كل هذه الصور هو أن أركز على
أن الخطر الأكبر على الحرية هو حين ينتقل هذا القهر الخارجى
ليصبح قهرا داخليا.
17-1 مناورات التقمص للخلع
ينتقل الخارج إلى
الداخل بما فى ذلك صور القهر وشخوصه باستمرار، فضلا عن أن
الداخل - تطوريا- ليس إلا جماع تراكمات الخارج فى طفرات نوعية
عبر الزمن. إن هذه النقلة من الخارج
للداخل تأخذ صورا متنوعة فى حياة الفرد، وهى صور مرتبطة أشد
الارتباط بإشكالة الحرية والإبداع. هذه النقلة تتم من خلال حيل
متنوعة دفاعية متعددة أهمها: (التقمص [13] والحيل
المتعلقة به الإدخال [14]
والغمد [15]
والإدماج[16]
)
يولد الإنسان ضعيفا
بلا كيان خاص تقريبا لكنه مشروع كيان متفرد، قادر على التجاوز، فهو
يولد كمشروع ذات ليس إلا، وبمجرد خروجه من الرحم باستعدادات
وراثية محددة من ناحية، وقدرات نمو غير محددة من ناحية أخرى،
يحتاج إلى حمايات متلاحقة، ونظرا لصعوبة وطول رحلة النمو
وطبيعتها اللولبية النبضية الإيقاعية فإن هذا الكيان الضعيف يلجأ
إلى عدة حيل احتوائية، تقمصية تدعيمية، تساعده فى تنظيم رحلة
نموه الطويلة الصعبة، بمعنى أنه يلبس غيره، ويتبين من سواه، ويعتمد عليه،
ويتوكأ على ما تيسر منه حتى يتمكن من الاستمرار وهو يتخلص أولا بأول من كل ذلك
بالتدريج كلما أمكنه ذلك دون أن يتم هذه المهمة أبداً.
والقواعد العامة التى تفسر وتبرر هذه
الحيل الاحتوائية التدعيمية تقول: إنى أحتوى أو ألبس مرحليا
"كل مَـنْ":
1- مَنْ لا أستطيع
مواجهته الآن.
2- مَنْ لا أستطيع
السيطرة عليه الآن.
3- مَنْ لا أستطيع
استيعابه الآن.
4- مَنْ لا أستطيع
مقاومته الآن.
. . . ولكننى لا
أستطيع الاستغناء عنه أيضا (ومرحليا: بينى وبينكم!)
وتختلف حيل الاحتواء
باختلاف طريقة الإدخال وثبات المدخل، فمثلا:
1- فى حيلة التقمص
يلبس الفرد ذاتا مستمدة من الخارج تصنع له مايمكن أن يسمى
قشرة حامية، وفى نفس الوقت فاعلة ونشطة، ومن هذا المنطلق
يمكن أن نرى التقمص كدعامة قشرية فاعلة ومفيدة، ولكنها مرحلية
على مسار النمو والتكامل، هذا إذا ما أتيح لها أن تنكسر نتيجة لنمو
الذات الأصلية المستمر لدرجة تتجاوز أبعاد هذه القشرة القميص، وأيضا
فإن هذه القشرة تتضاءل ضغطا وقهرا نتيجة لهضم واستيعاب كثير من
مكوناتها من ناحية أخرى، إذن فالتقمص المفيد والضرورى هو الذى
يحمل مقومات التخلص منه بأن يكون متصفا بالصفات التالية:
§
أن
يكون قشريا: بحيث يكون منفصلا
بدرجة ما عن الداخل النامى (أو الكيان الكامن استعدادا للنمو).
§
أن يكون
متوسط القوام: لأنه إذا كان رقيقا
هشا، لن يقوم بالدور الدعامى المطلوب، وإذا كان سميكا صلبا،
فسوف يعوق النمو الأصلى .
§
أن
يكون مرحليا: بحيث يسمح للنمو
الداخلى بالاستمرار (الإيقاعى) حتى يستوعب - مجددا - جزءا من هذه
القشرة ويهضمها حتى التمثّل، ثم يتخلص مما تبقى من القميص الحالى فى
نوبة نمو، ليتقمص قميصا (ذاتا خارجية) أرق
وأكثر مرونة، تسمح بنبض أرحب حرية ، وهكذا، باستمرار.
§
يصبح
التقمص بهذه الصورة ضرورة نمو ـ لابديلا عنه ـ من خلال
مفهوم النمو المراحلى متصاعد الدرجات، حيث
تحتاج كل مرحلة نمو إلى كيس (أو رحم) تنمو الشخصية داخله،
وهذا الرحم النفسى هو الكيان الآتى من الخارج، الذى يسمح
بالكيان الداخلى فى الوقت المناسب بكسر ماتبقى من هذه القشرة
بعد هضم جزء من جوانبها، ثم باكتساب قشرة جديدة أرق وأقصر
عمرا وهكذا.
إذا نظرنا إلى كل ذلك من منظور الحرية فإنه ينبغى
علينا أن نضع فى الاعتبار العوامل التى تجعل هذا التقمص معوقا
دائما للنمو والإبداع، فى مقابل تلك التى تجعله جلدا حاميا
قابلا للانسلاخ.
على الرغم من أن
التركيز فى الفكر التحليلى النفسى كان على التقمص بالمعتدى فقد
وجدت أن القهر لا يأتى فقط من معتـدٍ جبار، بل قد يأتى من
مصادر أبعد ما تكون فى الظاهر عن شبهة الهجوم الصريح، وهذا
بعض ما أشرت إليه فى معنى القهر الخفى، فأحيانا يكون التقمص بالمشابه:[17] أقسى، وأكثر إعاقة للإبداع من التقمص بالمعتدى. وهو
ما يحدث فى الإفراط فى التركيز على "القدوة" حرفيا
سواء كان هذا القدوة زعيما أم والدا أم حتى مبدعا، والتخلص
من مثل هذا الــمدخل المماثل أصعب لأن التشابه أقرب، إذ قد
تختلط السمة (الذات) المتقمَّصة، بالذات النامية، لشدة التشابه
بينهما، ولايمكن التمييز بين النمو الزائف بالتقمص، ذلك النمو
الذى يخدعنا فى شكل قفزة نمو سريع ولكن مشكوك فيها، وبين
النمو الأصيل (النمو التدريجى الأساسى)، اللهم إلا بنوع النبض
العاطفى المصاحب، ومدى الإبداع والأصالة فى تحديد الصفة أو
السمات.
أما التقمص بالمخالِف
والنقيض [18] ففيه يتقمص الفرد من يختلف عنه، وكلما ازداد
الخلاف ازداد عمق التقمص واشتدت حدته حتى تصل قمته إلى التقمص
بالنقيض [19].
إن هذه الصورة هى أخطر على الحرية لأن التمسك بها يوحى بالتحرر
من القهر الخارجى بأن يصبح المتقمص مثله، فإذا به فى واقع الأمر لا
يفعل إلا أن يكرره على حساب ذاته ونموها.
أين يقع التقمص-
كمثال- فى الإبداع:
ما لم يكن التقمص
عنيفا غائرا صلدا فإنه يصبح ثروة قابلة للهضم والاستيعاب
والتمثيل فيما بعد، وهذا يؤيد الرأى القائل بأن التقمص يدعم
التلقائية الذاتية الأولية [20]
ويتعلق فى نفس الوقت بتكوين وتنمية التلقائية الذاتية الثانوية [21].
خلاصة القول: إن التقمص بصفة عامة هو "لبس" كيان بشرى
كقشرة خارجية، وبالتالى يمكن تمييزه عن حيلة التقديس [22] حيث يظل هذا الكيان
المقدس خارجيا، وعن حيل الغمد [23] والاحتواء: [24]
فى الغمد تدخل الخبرة غائرة دون الحاجة إلى "لبس
كيان" حامى، أما فى حيلة الاحتواء فيندمج كل من الكيان
الخارجى والخبرة مع كيان الفرد (الطفل عادة) بحيث يصبح
الاختلاط كاملا بشروط معوقة حالا ومستقبلا.
17-2 التعامل مع
الخارج الذى صار داخلا:
يتوقف تناول الداخل
المكثف من الخارج متفاعلا مع الأقدم فالأقدم على حركية الوجود بيولوجيا
وجزئيا، وبافتراض أن هذه الكيانات (والمعلومات) المدخلة قابلة
للتحريك (التعتعة) يمكن تصوير الأمر على الوجه التالى:
إن مايترتب على
"تعتعة[25] " الكيان اللابس سواء كخطوة نحو الذهان أو نحو
النمو أو نحو الإبداع تختلف عن استرجاع خبرات الغمد،
وكذلك عن تفجير التحام الاحتواء. ولتوضيح ذلك أكثر قليلا
نذكر أن مدرسة العلاقة بالموضوع تفرق بين كيفية الاحتفاظ
بالأحداث حسب نوع الحدث المحدد، وقد قمتُ بالتمييز بين ما
يحتفظ كذكرى، وما يحتفظ ككيان داخلى (موضوع) ليس على مقياس ما
سمى "حسنا" و"سيئا" كما زعمت مدرسة العلاقة
بالموضوع (ميلانى كلاين)، بل باعتبار أن المسألة تتعلق بقدرالاستيعاب
والتمثل إنْ كاملا وإنْ ناقصا، وبيان ذلك:
"إننا نحتفظ
بالخبرة الناقصة ككيان داخلى لعلها تكتمل بالاسترجاع يوما ما
(فى الحلم أو فى أزمة النمو أو مع بسط الإبداع أو حتى كأمل
مُجهض فى خبرة الجنون) أما الخبرة الكاملة فنحتفظ بها متكاملة
فى الكل بعد ان احتواها الكيان النامى" كما أن الخبرات
الناقصة هى ناقصة لأنها مبتورة..، وهى مبتورة لأنها مجهضة ناقضة
التمثيل، والغالب فى مدرسة العلاقة بالموضوع تفسير يقول: إنها
مجهضة لأنها سيئة".
يدعم ما ذهبنا إليه من
اعتراض على مدرسة العلاقة بالموضوع أن هناك من الخبرات السارة ما يُبتر
أيضا، فيجهض، لفرط ما يحمل من انفعال لايمكن استيعابه تماما
فى نفس اللحظة، إذن فالذى يحدد الاحتفاظ "كذكرى" أو
"كموضوع داخلى" هو هضم الخبرة من عدمه، وبما
أن كل الخبرات نادرا ماتهضم تماما لأول وهلة فعلينا أن نقبل
بمبدأ النسبية فى هذا الصدد بحيث تصبح كل خبرة مهضومة
بنسبة معينة، ومؤجلة بنسبة أخرى، والجزء الأول قد يتجلى كذكرى
فى حين يظل الجزء الثانى ليصبح موضوعا داخليا ينتظر الاستعادة
(شعوريا أو لاشعوريا) لإعادة الهضم فالتمثل فى الكيان النامى.
بتلاحق الممارسة تبينتُ
أن المسألة لا تتعلق ابتداء لا بالحسن ولا بالسىء، ولا هى
مرتبطة فقط بالمكتمل والناقص، وإنما هى تتعلق أيضا، وربما أساسا،
بمرونة الكيان البشرى وصحة نبضه (وإبداعيته)، فسواء كان الموضوع
الداخلى ذكرى أو موضوعا حسنا أم سيئا، فإنه موضوع حركى متغير قابل
للتمثل كما هو قابل لإعادة الشحن، وإعادة التنشيط، وإعادة التنظيم
(فى إبداع لاحق)، وهكذا باستمرار.
من هنا أستطيع أن
أضيف فى هذا الصدد - فيما يتعلق بالحرية- ما يلى:
إن القهر الداخلى يحول
دون الإبداع، أى يعوق الحرية من حيث أنه يحول دون النبض ودون
التعتعة، وفى حين يمكن مواجهة القهر الخارجى بشكل ما، كما يمكن اختراقه، بل
واكتساب القوة من خلال ذلك. إن ما يترتب على القهر الداخلى هو خفى، ومخادع وليس فى
المتناول، وعلى الرغم من أن عمليات الإدخال والاحتواء هذه ضرورية
ومفيدة إلا أنها لابد أن تكون "مرحلية" ومتناسبة مع
مرحلة النمو وثراء الخبرة، وإلا أصبحت خطرا معوقا كما ذكرنا مع كل
حيلة، بمعنى أن أى اقتحام من الخارج، إن كان ضروريا، وهو حادث أردنا أم
أبينا، لا بد أن نتوقع ونعمل على أن
يُتمثل أو ينفصل ما تبقى منه فى تعتعة لاحقة ليـُتمثل من جديد، وهكذا. إنه إذا حدث ذلك فى نبض متتال وكانت
الظروف مواتية بمعنى: أن تكون الذات قد اكتسبت خبرات ومكاسب
وشحنا وتقديرا من آخرين حقيقيين بدرجة تغنيها عن معظم هذه
المساند والدعامات والأغطية، فسوف يـسمح للنمو أن يكسر قشرة
التقمص كما يكسر الكتكوت قشرة البيضة حين يحين أوان الفقس،
كما أن "عكاكيز" الغمد جديرة بأن تسقط وحدها لأنها تصبح باستمرار
أقصر من الساق التى اعتمدت عليها من قبل، و يتم ذلك
بدرجات أسرع وآمن حين يكون المجتمع فى الخارج مجتمعا مرنا نابضا
أيضا، وفى نفس الوقت يكون محدد المعالم، فالمرونة وحدها، أو
التحديد وحده، لايكفى أى منهما للقيام بعملية الاستيعاب المذكور،
وقد يبدو التحديد ضد المرونة، إلا أن هذا تضاد ظاهرى، فالقلب مثلا محدد تماما وقوى الجدران
(العضلات) كعضو هام، وهو مضخة للحياة عظيمة المرونة فى نفس
الوقت، وبدون هاتين الصفتين مجتمعتين لا يقوم بوظيفته بكفاءة
مناسبة.
تقوم الذات من خلال
الإيقاع الحيوى مع كل نبضة بعمليات التعتعة، فالمواجهة، فالهضم،
فالتمثيل فالاستيعاب. وفى كل هذه الأحوال لا تكون ثمة حاجة إلى
إبداع منتـَج خارج الذات لو سارت الأمور هكذا بسلاسة شبه
كاملة.
واقع الحال يدل على
أن هذا المُطلق هو أمر مستحيل، ويصبح أكثر استحالة، بل يصبح
غير وارد إلا بالنذر اليسير حين تظل المادة المدخلة (بالتقمص،
والاحتواء، والغمد وغيرها) ثابتة ملتحمة طول الوقت بحيث تقضى على
أى احتمال حقيقى للنمو، وينتج عن هذا نمو متليف مبتسر، يظهر
فى صورة إكلينيكية توضع تحت التشخيص الأساسى المسمى: اضطرابات الشخصية،
وتشمل أيضا بعض أنواع العصاب المزمن والذهان المزمن والمتبقى
وأيضاً فرط العاديه".
لكن قد تستمر المادة
المدخلة بعد التعتعة فى حالة حركة مستمرة دون أن تنتقل إلى
الخطوات التالية، وبالتالى فإنها تمثل نشاطا داخليا مستقلا
ونشازا يجذب الطاقة نحوه وحوله، بحيث تصبح الطاقة المتاحة
للنشاط الانبعاثى والتلقائى والخالقى ضعيفة ومنهكة، وهذا مايترتب
عنه مجموعة من الأمراض تقع عادة تحت فئة "العصاب".
وقد يصل الأمر إلى إجهاض خطوات
الاستيعاب مع تطوير الخطوات الأولى فى اتجاهات تنافرية متزايدة
حتى التناثر، مما يترتب عليه تناثرفصامى أو غير ذلك من أمراض بديلة
تؤجل أو تحور هذا المآل .
17-3 الحل الإبداعى
الحل الإبداعى يصبح
مطروحاً ومتاحاً من خلال درجة ما من الوعى الغامض بأن المُدخلات
لم تُتَمثل، وأنها فى نفس الوقت لم تستقر، ثم أيضا أنها
مازالت فى المتناول (أى لم تتناثر أو تستقل أوتسقط أو تغترب
تماما). فى هذه المرحلة بالتحديد تظهر أهمية المتغير موضوع هذه
الدراسة وهو "طلاقة" حركية التوجه لتحقق الحرية
الأصيلة فى فعل الإبداع، فبقدر توافر هذه الحركية فى التوجه
لإعادة التنظيم يتحقق البديل الإبداعى بإعادة تنظيم هذه المدخلات
فى ناتج مبدع (بما فى ذلك إبداع الذات).
إن درجة الاختيار هنا
قائمة من حيث المبدأ، لكنها تزيد وتنقص بحسب المعطى من الفرص
فى الخارج والداخل، وهى ليست قاصرة على إرادة واعية مختزلة، وقد
أوضحت فى دراسة الإيقاع الحيوى (الفصل الأول)، أن وظيفة الحلم هى
محاولة إكمال استيعاب هذه المعلومات المدخلة الناقصة التمثل، كما
ألمحت بعد ذلك - فى فرض الجدلية (الفصل الثانى) إلى كيف أن
وظيفة الإيقاع تتآلف مع الجدلية فى الحياة اليومية وتتبادل مع
الإبداع ومشروع الجنون بشكل يجعل الحل الإبداعى فعلا يوميا
متاحا للجميع، ويجعل الناتج الإبداعى مجرد احتمال قائم.
هل معنى ذلك أن ثمة حرية
تمارس دون إعلان أنها حرية؟
الإجابة هى: نعم
لا أحد ينمو بهذه الحركية
المستوعبة لمدخلات الخارج بتنوعها إلا باختيارات متداخلة يقوم جماع وعيه بتشكيلها
فى الحلم والممارسة اليومية دون تعليق هذه اللافتة (الحرية) التى كثيرا ما تعلن
حروفها عكس ما يجرى تحتها..
الذى يبدع ذاته فينمو ويتغير
بالرغم من كل شىء، هو يمارس حريته دون أن يعلن أى شىء.
18- الإرادة وتدريب الموهبة وفعل الإبداع
للإرادة مستويات
وتجليات، وهذا بعض موضوع هذه الدراسة، إلا أن الإرادة لا
تتحدد بشكل كاف فى المظهر الخارجى والاختيار الحاسم الواعى كما ذكرنا سالفا،
إن قدرا مما يسمى "اللاإرادة" هو إرادة مبدعة كامنة [26]
تتخفى تحت اسم اللاإرادة أو الإلهام أو الوحى، مع أنها تكون هى صاحبة
القرار الأساسى فى تشكيل ما تحرك جاهزا لفعل إرادة الإبداع المشتملة. لم تأخذ
الإرادة الظاهرة أكبر من حجمها فى فعل الإبداع إلا عند بعض
غلاة السلوكيين الذين يتصورون أن التدريب على القدرات أمر ينتهى
إلى حفز الإنسان إلى الوعى بإمكانية الاختيار الحر من خلال
إرادة مشحوذة بالمهارة اللازمة لتحقيق فعل الإبداع. إلا أن
هذا التدريب ليس بديلا عن الاختيار ولا هو مساوٍ له، إن
التدريب يؤدى إلى اتساع مساحة الفرصة التى تسمح باختيارات أكثر، لكنه فى ذاته ليس
اختيارا لفعل الإبداع لحظةَ مغامرة الاختراق. التدريب يسمح باتساع
المجال وامتلاك الأدوات، وحفز الحركة،
وإمكان تعتعة المفردات لإعادة تركيبها، أما فعل الإقدام بوعى متكاثف[27]
إذْ يعلن إرادة الإبداع، فهو أمر آخر، ثم إن إرادة الإبداع ذانها قد تتفجر
من عمق اضطرار ما، فكثيرا ما يُخرج الاضطرار أعظم إنجازات الإبداع.
19- إيجابيات ظاهرة سلبية
(فى مجال الإبداع/الحرية)
إذا اقتصر الأمر على أن تكون الذات
مجرد وعاء لاحتواء الخارج، والتلون بلونه، دون جدل أو ولاف
فإن توقف النضج، هو النتيجة الحتمية، وهذا النوع من الوجود
هو أقرب ما يكون إلى ما أسمته هيلين دويتش[28] شخصية كأن
""as if personality، وقد رأيت مؤخرا أن
المسألة ليست مجرد وعاء ليس له لون إلا بما يوضع فيه، وإنما
يصل الأمر أحيانا ببعض أنواع هذه الشخصية إلى أن عملية التقمص
تكون شديدة الحذق والمهارة حتى تجعل صاحبها (الإناء) يفوق ما
يوضع فيه (أى يبز مَـنْ تقمصه فيما يتميز به). ثم رأيت
رؤية ثالثة -فى نفسى قارئا ومنشئا وناقدا فى مجال الأدب خاصة-
حين تبينت أن المبدع لا بد وأن يتمتع بقدر من هذه الشخصية
"الكأنية"، حتى يستطيع أن يعيش نبض شخوصه المستمدة من
مواقعه من ناحية، أو نبض شخوص النص أمامه حسب موقعه إن
كان متلقيا ، وأنه بقدر قدرته على ممارسة هذه الظاهرة
الكأنـَية - شريطة أن يحتفظ لنفسه بقدر نشط من ذاته ليظل صاحب
الكلمة النهائية- تكون قدرته على احتواء الواقع ثم إعادة إفرازه:
سواء كان هذا الواقع هو واقع الحياة (أبجدية الإبداع) أم
واقع النص الأدبى (لمعايشة النقد).
ولعل الإبداع فى
"التمثيل" خاصة يأتى من فضل هذا الوجود الكأنِى.
ما أريد أن أوضحه
هنا الآن هو أن الفرق بين "الكأن" الذى يعتبر مرضا
واضطرابا فى الشخصية، وبين "الكأن" المبدع، هو مرونة
الأخير وحركيته ودرجة وعيه التى يحافظ بها على استمرار الإمساك
بناصية الحركة معظم أو طول الوقت، وقد صور سارتر صعوبة هذه
التفرقة بين الاضطراب والإبداع فى شخصية الممثل "كين" [29].
20- المكان/ الساحة/ المساحة: مجال الحرية
حين تحدثنا عن الزمن
خيل إلينا تحقيق قدر من استيعاب أبعاده من خلال كل من
"النسبية"، والتعامل معه باعتباره "مكانا"
يـُرتاد، وكأن التعامل مع المكان هو أكثر ألفة وتحكما، وواقع
الأمر أن مفهوم المكان ليس مفهوما منبسطا محددا كما يبدو
لأول وهلة، وبما أن الحرية هى "توجه حركية الوجود.."
إلخ، فإن طبيعة المكان ومساحته لا بد أن تحدد هذه الحركة
أو الحركية.
ساحة الحركة فى مسألة
الإبداع هى داخل الذات، وهذا لا يعنى بأى حال من الأحوال
الانفصال عن الواقع الخارجى أو إهماله، بل إن الذات المبدعة
تصبح الساحة المُمَّثلة لكل من الواقع والذات فى آن، ولكى
تتمتع حركية الوجود بالقدرة المناسبة على الإبداع يجدر أن
تتوفر فيما هو مكان/ساحة/مساحة الذات المبدعة بعض المواصفات،
مثل أن يكون المكان الساحة/المساحة:
1- مُحكما، وفى نفس
الوقت ذا نفاذية كافية.
2- مُمتدا وفى نفس
الوقت محدودا فى لحظة بذاتها.
3- مَرنا وفى نفس
الوقت مستقل النبض منتظمه.
4- حاويا لوفرة
كافية من المعلومات والموضوعات والذوات والأزمنة، وفى نفس الوقت
غير مزدحم.
5- ذَا مسافات متغيرة
متقاربة بين مفردات محتواه، وفى نفس الوقت غير متلاصقة.
6- ألا يكون مكانا
معينا بذاته فى مستوى وعى واحد بمعنى مشروعا دائم التكوين اتساعا وتنظيما وحركية
وتبادلية.
وبقدر ما تكون هذه
المواصفات متوفرة تكون احتمالات الحرية قائمة وقادرة، ومن ثَمَّ
الإبداع.
ليس هنا الآن مجال
لشرح كل هذه المقومات بالتفصيل، فضلا عن أننى سبق لى أن
شرحتها جزئيا فى الفصلين الأول والثانى.
21- تكامل الفروض
إذا كان فرض
"جدلية الجنون والإبداع" قد قدم لنوع العلاقات بين
المفردات والمستويات، وكان فرض "الإيقاع الحيوى" قد قدم حقيقة
التناوب المنتج للإبداع وللحياة، فإن فرض "الحرية" هذا
يقدم طبيعة الحركة ومآزق الاختيار فيما هو توجه فى المكان
والزمان معا.
من المهم أن
"نرى" تلك المساحة التى تتحرك فيها أبجدية الإبداع بقدر
ما نرصد المسافة بين قطبى الاختيار، إذ كلما زادت المسافة
بينهما (شكل-1) زاد احتمال الوقوع
فى التناثر الجنونى بدلا من الإبداع الفائق. هذا البعد التركيبى
الداخلى هو بين قطبى الاختيار، وليس بين الحالة الداخلية
والحالة المعبر عنها وهى أقرب إلى المسافة التى رصدتها خالدة
سعيد فى قراءتها أنسى الحاج [30]، وأقرت أن
قربها يتميز به الشعر فى حين أن بعدها يتميز به النثر، بل
إننا نستطيع استنتاج معادلة تقول إن عبور المسافة الهائلة فى
المستوى الثالث (أتجمد أو أطفر) إبداعا، إنما ينتج عنه تقارب
شديد حتى التكثيف فى التركيب الداخلى ثم فى التركيب الداخلى/
الخارجى مبدعا مما يتفق مع ما ذهبت إليه خالدة فى النهاية.
[1] - تشير الإحصاءات الانتشارية الأحدث إلى
تراجع كل أشكال الأمراض العقلية الدورية ، لحساب الأمراض المزمنة السلبية المستتبة ، واضطرابات الشخصية، يحدث
هذا بالذاات فى الدول الغنية المتحضرة حيث تغطى التأمينات الصحية مساحة كبيرة من
الناس بحيث يصبح استعمال العقاقير المثبطة لحركية البيولوجى بشكل مستمر هو الأصل
الأعم فى علاج هذه الأمراض غالبا.
[2] - التيبس ، وما يستتبعه من تشقق، ولا
تآزر، هو المسئول عما يسمى عسر
الحركة التآخرى Tardive dyskinesia وهو الذى
يعلن أن الحركات العضلية لم تعد تحت سيطرة كلية متسقة،
وقد استنتجت أننا بلغنا من العمى العلمى (!!) أن نرصد هذا
النشاط الحركى الشاذ ولا نستنتج منه نشازا مقابلا فى الكلية
الكيانية الواحدة، وفى الوعى، وفى الوجدان، حتى وصفت ما لاحظت
حدوثه بالقياس أنه Dysharmonia عسر
العقل التآخرى ،Tardive Dysharmonia
Mentalis وما
يهم هنا هو التنقل بين المجالات أيضا، وكيف يتم التيبس أو
التنشيط فى مجالات متعددة معا، العضلات، والفكر كأمثلة أو قد يتم فى
مجال ثم ينتقل إلى آخر وهكذا.
فى خبرتى كان هذا
التيبس العضلى، والعقلى شديد العيانية ، بحيث يمكن أن يرتبط مباشرة
بكل الأبعاد التى حاولنا أن نقدم بها الحرية فى هذه الدراسة ،
لنربط بينها وبين المرونة، والحركية، والساحة جميعا، ويصبح الطب
الكيميائى الاختزالى أخطر على تقييد حركية الوجود، وعلى الحرية
الإنسانية من أى قهر جسدى أو حجز مباشر، إذ أن حجز المريض
وراء القضبان هو مواجهة مباشرة تثير التحدى وتحافظ - ضمنا - على
الحركة الداخلية، أما غرس التيبس فالتشقق داخل خلايا الجسد تحت
عنوان العلاج والوقاية فهو أمر ينبغى مواجهته علميا وأخلاقيا على مستوى الطب
والمجتمع عامة.
[3] - أنظر هامش (4).
[4]- مقتطف من دراسة
الوحدة والتعدد (11) "... يأتى الشعر ليعرى كيان الشاعر
(الإنسان) الذى يصب وجوده فى ألفاظ لها كيانها الجديد ووظائفها
الجديدة. إذ ........ يعلن الشاعر هذا التعدد مباشرة ويحاول بكل
وسيلة فنية أن يؤلف بين تراكيبه وشخوصه، فتنطلق من تحت
عباءته الكيانات قادمة من كهوف التاريخ، وتناقضات الحاضر، متجهة
إلى صنع الولاف الأعلى فى توليد الآلهة فى طريقها الى الإله
الواحد الأحد. وأدونيس يحضر بكل
ذواته ومشتقاته وتعدداته وتناقضاته فى كل موقع وبكل صورة:
وهذا هو بعض ما
التقطه عصفور إذ يقول "... التى تجعل من حضور مهيار ذاته
نفيا وإثباتا، خلقا وتدميرا فى نفس الوقت"
ويقتطف: " فينق مت، فينق ولتبدأ بك
الحرائق، لتبدا الشقائق" أو
"مزدوج أنا، مثلث"..
جابر عصفور: أقنعة
الشعر المعاصر: مهيار الدمشقى
مجلة فصول (يوليو 1981) السنة الأولى المجلد الأول - العدد
الرابع. ثم امرؤ القيس الذى أوردناه فى المتن نذكر به هنا
مرة أخرى:
ولو أنها نفس تموت
جميعها ولكنها نفس تساقط أنفسا
[5] - حدس اللحظة، غاستون بشلار، تعريب:
رضا عزوز، عبد العزيز زمزم، الدار التونسية للنشر 1986.
[6] - يحيى الرخاوى: "إشكالية الزمن: فى
الحياة، والمرض النفسى، والعلاج" ص: 15-21 عدد ابريل عدد سبتمبر عام 1988 مجلة الإنسان
والتطور.
[7] - Onset of the onset أنظر هامش (10) ص
199.
[8] - antedating of onset
[9] - system shift
[10] - نهى صبرى (1996) الأعراض ووظائف الذات
وتغييرات الظاهرة الإكلينيكية المحتملة خلال العلاج النفسى الجمعى. رسالة دكتوراه
- كلية الطب - جامعة القاهرة (رسالة دكتوراة غير منشورة)
[11] - BST: Brain Synchronizing Therapy
وأحيانا
يطلق عليه Rhythm Restoring Therapy RRT
[12] - يحيى الرخاوى (صدمة بالكهرباء أم ضبط
للإيقاع) (ص 44-69). عدد أبريل سنة 1982- مجلة الإنسان والتطور.
[13]- Identification
[14] - Internalization
[15] - Introjection
[16] - Incorporation
[17] - Identification with the "like"
[18] - (Identification
with the different" unlike)
[19] - Identification with the "opposite"
[20] - Primary autonomy
[21] - Secondary autonomy
[22] - Idealization
[23] - Introgection
[24] - Incorporation
[25] -
Dislodgement
[26] - كما يقول نزار قبانى " تأتينى القصيدة
... ومن جديد تجمع البروق وتلاحقها، تحدث الإنارة النفسية
الشاملة،.. وفى هذه المرحلة فقط أستطيع أن أتدخل إراديا فى
مراقبة القصيدة ورؤيتها..." (نزار قبانى: قصتى مع الشعر-
بيروت 1974 )
ويقول أدونيس:
"...إنها (القصيدة) عالم ذو أبعاد ...تقودك فى سديم من
المشاعر والأحاسيس، سديم يستقل بنظامه الخاص، تغمرك، وحين تهم
أن تحضنها تفلت من بين ذراعيك كالموج"
(أدونيس، زمن الشعر-
دار العودة- 1971 ص235)
وفى خبرتى الشخصية صغت
بعض ذلك شعرا:
"
تدق بابى الكلمة، أصدها، تغافل الوعى القديم، أنتفض، أحاول
الهرب، تلحقنى، أكونها، فأنسلخ.
(
قصيدة: "لست شاعرا" -لم تنشر)
وفى كل هذا يبدو أن
الإرادة بالمعنى السلوكى الشائع كاختيار واع بين بدائل محددة
بمعلومات كافية هى أمر غير وارد كما يتبادر عادة.(مزيد من
الامثله فى الفصلين الاول والثانى)
[27] - لفهم ماهية الحرية التى تنبع فى مجال
الاضطرار نقدم بعض الشواهد من الممارسة الإكلينيكية والذاتية
كما يلى:، نظرا لصعوبة مسيرة العلاج الذى أمارسه، فإن المقاومة
التى أواجهها مع المريض، وخاصة فى بدايات الرحلة العلاجية جعلتنى
أوقن أنه لابد أن يضطر لعبورها معى، وأن مسألة الاختيار من
البداية هى خدعة لا تؤكد إلا السلبية، وقارنت ذلك بالاضطرار
البقائى على مسار التطورالحيوى، فلو لم يضطر النوع أن يعيش فى
ظروف صعبة لانقرض، لكننى لاحظت أن الاضطرار يكون فقط فى عرض
البدايات، وتوفير المعلومات عن البدائل، وبعد ذلك لابد للمضطر
أن يختار، فالاضطرار هنا هو اضطرار للجذب إلى مجال الاختيار،
إذ لو استمر الاضطرار لاستحال إبداع النمو بأى مقياس، وقد
صغت ذلك فى إحدى طلقات " حكمة المجانين"(بعد معايشة
الجنون أيضا، يحيى الرخاوى حكمة المجانين، دار الغد 1982)، فقلت"لا
يتطور إنسان باختياره، ولا يكمل الطريق إلا باختياره".
ويمكن - من خلال هذا
وذاك - فهم كيف أن المبدع المأجور، الذى يضطر للكتابة بعقد
معين فى وقت معين (مثل دوستويفسكى حين يضطر أن يتعاقد على
رواية مسلسلة لمجلة بذاتها لعدد معين من الصفحات وإذا به
يخرج أروع أعماله من خلال ذلك) هذا المبدع يمكن أن يعطى
أعظم عطاءاته لمجرد أنه مضطر أن يمسك القلم حتى لا يجوع
مثلا.
وفى خبرتى شخصيا لم
يخرج أهم أعمالى (دراسة فى علم السيكوباثولوجي) إلا لاضطرارى أن
أعطى عملا لعامل طباعة ظل يعمل معى فى غرفة ملحقة بالمنزل
(بالجراج)، توفرت بها مجموعة كاملة من صناديق الحروف التى كنت
قد تورطت فى شرائها لطباعة عاجلة لمؤتمر علمى ما، وذلك قبل
تيسيرات إمكانيات الطباعة الحديثة، ولما تورطت فى استخدام هذا
العامل لجمع الحروف لفترة محدودة وفى انتظار أن يجد هذا
العامل عملا ظل يعمل معى عدة أشهر; فاضطررت أن أكتب له ما
يشغله حتى يجد عملا، فقمت بكتابة عدد معين من الصفحات يوميا
حسب طلبه، فإذا بأكبر أعمالى وأهمها فى الطب النفسى يخرج إلى
النور (دراسة فى علم السيكوباثولوجى، 1979).
[28] - هيلين دويتش Helen Dutch شخصية كأن، As-lf
[29] - سارتر: حياة مايكل كين منذ ولد في جنوب شرق
لندن عام 1933 وقد راح في بداية حياته السينمائية يقبل أدوارًا لم يعد يمكنه
الدفاع عنها، كما صور صراعه فى محاولة التخلص منها، أو من آثارها بعيدا عن التمثيل.
[30] - أنظر هامش (9)
ص 73