الفصل الثالث
عن الحرية و الجنون
والإبداع [1]
بتقديم هذا الفرض عن "الحرية والإبداع" تكون
قد تكاملت أبعاد جانب أساسى لنظرية فى الإبداع. كان المفروض أن يضم إلى هذا العمل بحث باكر عن
"العدوان والابداع" نشرت خطوطه الأولى فى الانسان والتطور عدد يناير سنة
1982 ، ثم تم تحديثه ونشر فى مجلة فصول المجلد العاشر العددان 3-4 سنة 1992 إلا
أننى فضلت أن أضمه إلى أطروحه جامعة عن الفطرة وعلاقتها بالطب النفسى، جارى
إعدادها مشتملة.
النظر
فى الإبداع من منطلق الحرية يجعلنا نعيد التأكيد على طبيعة التبادل
بين حالات "العادية" و"الجنون" و"الإبداع"،
كحالات متناوبة فى الحياة اليومية لكل البشر(الفصل الثانى)، بدلا
من تصنيف البشر أساسا، وربما تماما، إلى "عادى" و
"مبدع" و"مجنون"، ومن هنا يختلف مفهوم الحرية حسب الحالة
الغالبة، والإيقاع والتناوب..
تناول قضية الحرية مخاطرة حقيقية نظرا لما أحاطها من
أوهام عصرية يصعب هزها أو حتى الاقتراب منها، إلا أنه لا
يمكن أن نحيط بماهية الحرية الضرورية لحركية الإبداع إلا إذا
غاصت الرؤى فى أعماق الوعى البشرى، حتى بيولوجيا الوجود عبر مسار
التطور، الذى هو نفسه دليل خطير على عمق قضية الاختيار، طالما
أن الانقراض تهديد وارد، بل هو الاحتمال الأرجح تاريخا.
1- استهلال
هذه الدراسة تركز على
محاولة الاجابة على تساؤلات نشأت من الفروض السابقة، مثلا: إذا كان الإبداع هو فعل عادى لكل البشر، وهو تعتعة
بيولوجية إيقاعية راتبة، وإذا كان ناتجه (نموا ذاتيا أو
تشكيلا مسجلا) هو نتاج حركة ديالكتيكية (إيقاعية دورية)
متصاعدة، وإذا كانت جذور دوافعه، وإمكانات استيعابه شديدة
الارتباط بكل من العدوان والجنس، كما أن فعل الإبداع يرتبط
فى كل آن بدرجة التعتعة والمرونة وعدم التوازن الساعى إلى
التوازن، إذا كان كل ذلك كذلك، فأين دور الإرادة والحرية
فيه؟ وإلى أى مدى يعاق الإبداع إذا حـُـدَّ من فاعلية أى منها؟
وأى نوع من الإبداع أكثر
عرضة للإعاقة إذا ما تراجعت فرص الحرية؟... الخ.
لكن قبل محاولة الإجابة على مثل هذه التساؤلات
علينا أن نعيد النظر فى ماهية الإرادة والحرية، خاصة فيما يتعلق
بالإبداع؟
2-الإشكالة والمُـنطَلق
لا أكاد أستطيع
الفصل- للأسف- بين مهنتى ووجودى بمختلف صوره، وخاصة حالة كونى
أخلـّـّق وعيى ووعى البشر العرايا الذين يشاركوننى مأزق
حياتي/حياتنا، العرايا إلا من فطرتهم النافية الرافضة المتناثرة
المتململة، جنوناً. أكتب عامة، وهذه المرة خاصة، بصفتى معايشا
لوعى الجنون، فى مرضاى ومعهم، وفى نفسى، من خلالهم، وبهم. كم
تساءلت - معجبا – وأنا أتابع أولئك الذين يكتبون عن الجنون دون
أن تكون قد أتيحت لهم الفرص الكافية لمعايشته، وخاصة أولئك
الذين كتبوا عن الجانب الإيجابى له، تساءلت، باحترام ودهشة، كيف عرفوا
كل ذلك وهم لا يعايشون ما أعايش؟ افترضت أنهم لا بد أن يكونوا قد
عايشوا جنونهم الخاص بطريقة متميزة، أتصور أن مهنتى قد أتاحت
لى فرصة أكبر وأرحب لمعايشة الجنون فى الداخل والخارج على حد
سواء، فرصة أن أضطر للتعرى مع مرضاى وهم يتعرون، وأن أواجههم
معهم لهم وهم يتحدون، وأن أتناثر مسئولا لألـملـمنـى[2]
وإياهم وهم يتقدمون نحو الشفاء، أو يزدادون عريا وتناثرا
وتحديا وعنادا، وقد اخترت هذه المرة أن أرجح كفة المعايشة
المباشرة كمصدر أساسى لمواجهة هذا الإشكال الأصعب، إشكال الحرية،
مكتفيا بإضافة أغلب الاستشهادات والإيضاحات فى الهامش دون المتن.
2-1 بداية مزعجة
ليكن الدخول المباشر
إلى التناقض الظاهر المقتحِم، ثم نرى.
هى البداية البسيطة المزعجة مادام لا مفر، وهى تقول:
لكى يكون ثَـمَّ إبداع:
لا بد من قدر مناسب من الحرية، وما دامت الحياة لا يمكن أن تستمر
إلا بالإبداع تجنبا للسكون فالانقراض، فليس ثم حياة إلا بإبداعها المضطرد. لكن
الحرية- بمعنى إرادة الاختيار الواعى الظاهر- هى وهم شائع بشكل
أو بآخر.
2- 2 إزالة القدسية عن أوهام قديمة
ثمة مقولات مقدسة، يجدر
بنا التحذير من التسليم لها بالقصور الذاتى.
من البداية علينا أن نتذكر
بوعى مناسب كيف أن:
·
"الحتمية" تسطيح سببى يخفى
أكثر مما يـفسـر،
·
كما أن
"الغائية" احتمال مؤجل لا يمكن اليقين بمساره أو مآله،
·
ثم إن
"الإرادة الظاهرة" (الواعية) ليست هى الدليل الأول أو
الأساسي على حضور الاختيار المعلن. هى ليست دليلا على قرار عميق شامل لكل، أو أغلب، ما هو وجود حيوىّ إنسانى.
2- 3 تحديات
نحن نواجه إشكالة لها سمعة
تجعلها مسلمة قاهرة، علينا أن نواجه التحديات الواحدة تلو الأخرى فى صبر يسمح
بالتقدم إلى جوهـر الإشكالة بما تستحق، ومن ذلك:
2-3-1
تعدد الذوات[3] : أمارس حقيقة تعدد الذوات فى مرضاى ونفسى بشكل واقعى مباشر بحيث لم تعد
المسألة نظرية محتملة، بل ممارسة يومية. أصبح الغريب عندى أن أعامل أحدا، حتى من
البكوات الأصحاء، باعتباره واحدا، والأغرب حين يصلنى من معظم الناس، أكاد أقول
كلهم، أن مجرد ذكر الاعتراف بذلك ومواجهته هو الغريب، وما أسهل ما يطلق البعض على
من يظن به تعدد الذوات (الذى هو الأصل) أنه فصامى، فتشوه صورة التعدد، بقدر ما
يعلن العمل تحقيقه التفسخ فى الفصامى.
فى برنامج "سر اللعبة" [4]
الذى كنت أقدمه فى قناة النيل الثقافية قمنا بلعبة "أنا واحد ولاّ
كتير"، وفوجئت، كما فوجئ الضيوف المشاركون معى، وربما المشاهدون، مع اختلاف
أعمارهم وخلفيتهم الثقافية، أنها بديهية: أن كل واحد منا، هو "كثير"
فعلا "[5].
إن تعدد الذوات فى واحد، وتبادلها، وترتيباتها، كل ذلك يثير
تساؤلات صعبة حول "مـن" الذى يختار مـن بين هذه الذوات
فى لحظة بذاتها؟، ومـِـن ثَمَّ من هى الذات الحرة (التى تختار)
من بين ذواتنا الكـُثـْـر؟.
من واقع سيكوباثولوجى
(إمراضى نفسى) تركيبى، دون تجاوز المستوى السلوكى، يـُـلزمنا مفهوم
تعدد الذوات (مستويات الوعى –حالات العقل -حالات الذات-، الأدمغة) أن
نذكر إنه فى لحظة ما، توجد قيادة واحدة (قائد الإيقاع)[6]
تمثل مستوى بذاته من مستويات التركيب البشرى (الممثل فى الدماغ تطورا
ونماء وحضورا آنيا) تتولى فى هذه اللحظة قيادة التركيب الحيوى المشتمل
للكيان البشرى للفرد، وهذا عادة ما يتجلى فيما نعرفه بـ "الشخص"
البادى لنا، بما قد يقابل الأنا الفرويدى. تقاس الإرادة فى هذه اللحظة
بمدى نجاح هذا المستوى القائد (قائد الإيقاع) فى الاختيار المكتمل
الذى يظهر ناتجه فى فعل موضوعى معلن.
لكن المسألة لا تنتهى عند
التسليم بهذا الترجيح الظاهر، إذ أن ما يبدو لنا قرارا إراديا اتخذه المستوى
الظاهر قد لا يعدو أن يكون محصلة إرادات عديدة، وأحيانا قد يكون تعبيرا ملتفا
لإرادة خفية، بل قد يصل الأمر إلى أن يكون الاختيار الظاهر هو مجرد عكس صريح
للاختيار الحقيقى الأعمق لقائد الإيقاع من مستوى آخر لا يظهر حقيقته إلا قراءة
الأعراض، وفهم الميكانزمات، وتحديد الغائية، وكل ذلك لا يتم عادة إلا من خلال
مواكبة (علاجية فى حالة المرض) طويلة، وما يقابل ذلك من نقد وشحذ بصيرة فى حالة الصحة.
2-3-2
بُـعد الزمن المعاش: إن اللحظة الآنيـة هى اللحظة الوحيدة الموجودة الواجدة
(القادرة)، رغم أنها ليست إلا جماع البعد الطولى حالة كونها
متفاعلة فى "الآن" الماثل طول الوقت. الناتج المبدَع
ليس وليد اللحظة فقط، إلا أنه-أيضا- ليس سوى هذه اللحظة، فأى
حرية يمكن أن نتحدث عنها فى علاقتها بالإبداع؟ الحرية التى سمحت بالتراكم الحركى
المرن بما يسمح بحرية إطلاق الإبداع فى نقلة نوعية فى الوقت المناسب؟ أم حرية فعل
الإبداع الآنى الذى تجاسر فاخترق وأُعلن؟ إن ارتباط الإبداع بالإيقاع
الحيوى يلزمنا أن نرى دور الحرية فى عملية الإبداع من خلال
بعدها الطولى قبل النظر فى نتاجها الآنى، أى نراها من خلال
التراكمات والتفاعلات وطريقة الاستيعاب التى أدت إليها، ومن ثم
سمحت لطور "البسط" أن
يعيد تنظيم الذات (أو المنْتَجْ الإبداعى) بالحرية الخالقة
للتحول النوعى.
3- الحرية والجنون [7]
ثم ننتقل إلى الجنون لنجده
أيضا يقف متحديا فى بؤرة إشكالة الحرية[8] فهو من
ناحية: يعلن القدرة على الاختلاف على حساب أى مكسب، وباقتحام
أى مجهول، فهو بذلك أحد مظاهر الحرية فى قصوى قدراتها
الاقتحامية[9].
ومن ناحية أخرى:
هو انسحاب كامل من كل المقومات الضرورية لاختبار حقيقة الحرية
فى مواجهة الآخر/ والواقع.
وهو من ناحية
ثالثة: استسلام للداخل القابع فى الظلام عادة، بما يؤدى إلى
نفى الحرية، ليتركنا فى مواجهة الوجود الخاوى إلا من التناثر
المختلط المرجرج فى المحل.
بإيجاز يمكن إعادة
الصياغة بألفاظ أخرى تقول:
"إن المجنون يخترق
كل حاجز، ويعيش كل تجاوز، ويقفز فوق أسوار اللغة بلا لغة،
وهو يلعب بالزمن، لا يتبعه، ولا يقع فيه، لكنه فى نفس الوقت هو ينتهى إلى
هـلامية ساكنة، حتى لو ترجرجت فى مكانها، وكأنها تتحرك. إن
المجنون الحر الطليق هو فى و اقعه دائر فى محله فى انغلاق
دوائرى متناثر، فلا هو حر ولا هو طليق.
هكذا ينفى الجنون، الذى
يبدو لأول وهله وكأنه الحرية الكاملة، ينفى الحرية تماما وهو
يجتثــها من جذورها. مع أن الحرية فى جوهر حركيتها تبدو حتمية
وهى تسمح باختيار الجنون، فنُفاجأ فى نفس الوقت أن الجنون هو فى النهاية مقصلة
الحرية".
الجنون هو فعل
الحرية لتستحيل.
إذا
كان الجنون اختيارا فى مستوى معين من الوجود، فإنه ليس
اختيارا للحرية وإنما هو نفسه الحرية القاضية على نفسها، وهذه
المأساة هى من أعظم إشكالات الجنون فَـهْـما، وعلاجا.
فى الجنون: الحرية
تنتحر اختيارا.
المجنون يختار أن يحرم
نفسه من قدرته على الاختيار.
هذا على الرغم من أن
الشخص العادى عادة ما يستبعد، بل يستنكر فكرة أن يكون الجنون
اختيارا على أى مستوى من الوعى.
الشخص العادى لا يملك
(بوعيه الظاهـر) أن يختار الجنون.
الإنسان العادى (جدا)
يبدو وكأنه لا يستطيع (أعجز من) أن يـُجَن.
ومع ذلك فالممارسة اليومية
تُعلـِّمنا كيف أن المجنون - بجنونه-
إنما يعلن أن له طريقا آخر، وأنه استطاع على الرغم من كل
شئ أن يرفض السائد الآمِـن، وأن يتحدى، ليسلك -منفردا- الصعب
المجهول (ثم يفشل).
آن
لنا أن نتوقف هنا عند كلمات مثل "استطاع"، ومثل
"يرفض"، ومثل "العادى"، على الرغم من أن تناول
هذه اللغة المميزة كان واردا بشكل أو بآخر فى الفصلين
السابقين، ومع ذلك وجب التنبيه إلى ضروة التروى وتجنب الاختزال
إلى الشائع.
3-1
السماح بالجنون (حق الجنون)[10]
لكى يجن إنسان ما
(لكى يستطيع أن يجن) لا بد أن يـُـسمح له (بشكل ما) بذلك[11].
لا بد من وجود مساحة متاحة للحركة (فى الداخل والخارج على
حد سواء) تسمح بأن يمارس فيها الإنسان اختلافه لدرجة اختيار
هذا النقيض الشاذ المتحدى (= الجنون). إن هذه المساحة (مع
السماح الضمنى فى الخارج والداخل) هى التى تتفرع فيها الاختيارات
المتعددة بما فى ذلك اختيار الجنون. ولتوضيح ذلك، فإنه على
سبيل الافتراض (المستحيل): لو أن القمع الخارجى كان مطلقا
(مائة فى المائة) والقمع الداخلى كذلك (مائة فى المائة) فإن
الجنون يستحيل، لأنه لم يعد ثَمَّ سبيل لأى اختيار بين
بدائل، ولا لأى حركة فى أى اتجاه، بما فى ذلك اتجاه الجنون.
3- 2 عن طبيعة الجنون والاختيار
إن فهم مسألة اختيار الجنون تحتاج إلى
التسليم بأساسين:
الأول: تعدد الذوات، فى
الشخص الواحد، ومن ثم يكون اختيار أى ذات منها على حدة هو
نوع من الحرية، حتى ولو بدا على حساب الذات (الذوات)
الأخرى. فى الجنون; يكون الاختيار الغالب هو فعل الذات الكامنة
دون الظاهرة فى لحظة بذاتها، ثم تقتحم الذات الكامنة (البدائية
عادة) لتقود، فيكون الجنون هو: محصلة غلبة اقتحام من قبل إحدى
الذوات بالداخل الكامن جنبا إلى جنب مع آثار هزيمة الذات الظاهرة عيانا.
الثانى:
إن اختيار الجنون لا يظهر بشكله المباشر والمعترف به، إلا
بعد بداية الجنون نفسه، بمعنى: إن اكتشاف أن
الأمر كان اختيارا سابقا، على مستوى آخر أخفى، ثم أعلن الجنون
لاحقا بوعى ظاهر. إن ذلك لا يعنى أن الذى يختار الجنون هو تنظيم
واحد فقط من بين المنظومات المتعددة للدماغ وللفرد (من بين
الذوات المتعددة)، لأن الجنون حين يـُعـلـن، إنما يؤكد محصلة
اختيار الذوات (المنظومات) المتعارضة والمتصارعة والهشة والمهمشة
والمستعيدة بدائيتها والناكصة، وبالتالى
فإن الذى يـُجـن هو الكل المتداخل فى واحد ظاهر، وهو هو
الكيان الذى له إسم عـَـلمٍ يـُنـَادى به، وهو الذى يوصف
بالجنون. وعلى الرغم من أن بداية الاختيار تكون بترجيح غلبة
ومحاولة قيادة أحد التنظيمات البدائية على حساب التنظيم الواقعى
الناضج، لكن الذى يحضر - مجنونا - فى الوعى الظاهر – كما أشرنا -
هو:
(1)
جماع
آثار تنشيط هذا المستوى البدائى من الوعى. جنبا إلى جنب مع:
(2)
مظاهر مقاومة مستوى الوعى الظاهر القائم
لهذا النشاط المقتحم. بالإضافة إلى:
(3)
آثار (بقايا) معاركهما (المستوى البدائى
الذى طغى، والمستوى الواقعى الظاهر المهزوم)
إن المجنون الذى يقر
باختيار جنونه أثناء العلاج النفسى المكثف (مثلا)، لا يفعل ذلك
إلا بعد أن يطمئن لقدرة جنونه
على التحدى، وفى مرحلة لاحقة: إلا وهو مطمئن إلى معالِجِه الذى يقبل، أو على
الأقل يناقش اختياره. المجنون يقر لنفسه بطريقة غامضة اختيار ما هو
به، وذلك بعد تمكـن الجنون من الحلول فى الوعى الظاهر، ولكنه
لا يعلن هذا الإقرار إلا بعد استشعاره الأمان من معالج قادر على الحوار مع مستوياته
المتعددة. الجنون حين يـكسر القشرة ليطل من الداخل إذْ يقتحم
الوعى الظاهر يجعل الداخل خارجا أو جزءا من الخارج، وهنا
يمكن إعلان إدراك أن الأمر "كان اختيارا"، وهذا
ما يسمى "سبق التوقيت"
لبداية الجنون، وهذا
بمثابة الاعتراف باختيار سابق، أو هو تأكيد اختيارٍ ما سبق
اختياره.
"إن الجنون هو حصيلة اختيار كان كامنا ثم أمكنه إعلان
نفسه باختراق هادفٍ شاطحٍ معا"
وبعـد:
أعلم أنها مقدمة طالت، لكنها بدت لى ضرورية حتى يتضح
المدخل الذى تتناوله هذه الدراسة من خلال التناقض الهائل الذى
يمثله الجنون من حيث أنه يمثل حرية تُحقِّق
اختيارا جزئيا ليصبح مسئولا عن شلل الإرادة الكلية للذات المشتمِلة،
ثم كيف أن هذا وذاك يرتبط أشد الارتباط
بعملية الإبداع (الخالقى بالذات: أنظر الفصل الثانى) من حيث أن الإبداع مخاطرة تمر
برعب اختراق نفس هذه المنطقة من الحرية (منطقة حرية الجنون) لينطلق بها وعبره إلى
تشكيلات الابداع.
4- ماهية الإرادة
على غير ما يشاع فى
عابر القول ومتعجله، يجدر التنويه إلى أن الحرية، على الرغم من ارتباطها الوثيق بما
هو إرادة، وما هو اختيار واع بين بدائل متاحة، فإنها
(الحرية) ليست مرادفة تماما لا للإرادة ولا للاختيار الواعى،
وإن كانت أقرب إلى الاختيار منها إلى الإرادة.
4-1
نبدأ بالتذكرة بالقول:
"إن الإرادة دائما نسبية، وإن
نموها مثل سائر الوظائف النفسية، يتناسب تناسبا طرديا مع
مسيرة التكامل، أى مع المساحة من النفس التى تعمل
"معا"، أى مع مدى الترابط وعمق الولاف المتصاعد،
ومستواه".
من هذا المنطلق علينا أن نراجع المزاعم التى تشير
إلى واحدية الإرادة من جهة، وإلى اختزالها إلى ما يخص الوعى
الظاهر أو القرار السلوكى من جهة أخرى. إن هذه المراجعة لا
ينبغى أن تنفى التداخل (لا الترادف) مع الاختيار الواعى، والقرار
المعلن.
4-2 الإرادة
و"الآخر" (الموضوع)
لا توجد إرادة بالمعنى
الحقيقى إلا فى حضور"آخر" موضوعى ماثل فى مواجهة الوعى
الفردى (بمستوياته المتعددة). إن الاختبار الحقيقى لفعل الإرادة
(الحرية) لا يكون فى فراغ. يسرى
هذا حتى على من يعلن حريته بانسحابه عن "الموضوع" (الآخر/الواقع)
كلية، مثل الفصامى (السلبى) الذى يبدو وكأنه قد تنازل فى واقع الأمر
عن حقه فى أن تقيـَّـم اختياراته بميزان حضور الآخر فى وعيه،
إلا أن النظرة التالية تـُظهر كيف أن الآخـر (الواقعى) قد حضر عند الفصامى بشكل لم
يقبله احتجاجا، فاحتد عليه انسحابا، وهذا نوع من "تأكيد الحضور بالغياب،
فالتغييب"، بما لا يتنافى مع فرضنا الأساسى الذى يشير إلى
أن المجنون (بدءا بالفصامى) قد اختار أن يسلب نفسه حق الاختيار.
البارنوى (المجنون) الذى ألف لنفسه عالمه البديل عن "الآخر"
(الواقعى أيضا)، أو اختزل الآخر إلى مصدر تهديد أو وعيد، باعتباره خطرا على
تفرده، هو أيضا يمارس إرادة جزئية ذاتية منغلقة حتى لو تجلت
فى أفعال توحى باختيار حاسم يؤكد استبدال الآخر بآخرين من صنعه، وهم عادة
ملاحِقُون مطاردون له، معقبون على أفعاله، موجهون لسلوكه، برغم أنهم ليسوا إلا
بعض داخله.
تتجلى الإرادة الحقيقية
المرتبطة تمام الارتباط بحضور الآخر فى الخارج وفى الوعى فى موقف (مأزق)
الاكتئاب الأصلى (البيولوجى/المواجِهى) [12] حيث يعتبر
حضور "الآخر"ـ فى الواقع والوعى معا- بكل موضوعيته
وتحدياته هو المسئول عن ظهور هذا النوع من الاكتئاب بشكل أو
بآخر، ذلك أن: المريض المكتئب
يختار أن يحافظ على علاقته بالآخر، لا ينسحب من
مواجهته، ولا يلغيه، ولا يستبدله، ولكى يحقق ذلك فإنه يختار
"المجال" الذى يحافظ على هذا الوعى وهو "واقعية
العلاقة"، وهو إذ يفعل ذلك يجد أن عليه أن يتحمل الوعى
بكلية الآخر وبمخاطر الاقتراب منه مختلفا ككل موضوعى، وفى نفس
الوقت هو يفعل ذلك دون يقين باستمرار هذا الحضور، فيعايش احتمال أن يهجره
هذا الآخر طول الوقت، فيتولد هذا الاكتئاب الحيوى الذى يعلن
حركية الإرادة بشكل عميق متجدد. الوعى بالآخر ـ كموضوع حقيقى ـ
مع اختيار الاستمرار معه دون اختزال أو إجمال: هذان هما العاملان
الأساسيان اللذان يولّدان هذا الحزن الأساسى (كما خلقنا به – "خلقة
ربنا" حسب التعبير المستعمل لإثارته فى المقابلة الإكلينيكية) [13].
كلُّ من الوعى بالآخر مستقلا وموضوعيا، مع قرار الاستمرار فى مواجهته دون اختزاله
أو الاكتفاء باستعماله، هما العاملان الأساسيان اللذان يسعى إلى تحقيقهما
العلاج النفسى، وخاصة العلاج النفسى الجمعى، وهو الذى وصفته
تحديدا بتعبير "إحياء ديالكتك النمو[14] حيث يهدف
هذا العلاج إلى تنمية الوعى ليس فقط بالآخر كموضوع شخصى، وإنما بالجانب
الآخر من كل قضية، ومن كل موضوع، ومن ثم الوعى بـ
"كلية الآخر" مع تحديات تحمل الغموض ، ومن ثمَّ : تنشيط
الجدل.
5- تشكيلات الحرية:
إذا لم تكن الحرية
هى مجرد الاختيار الواعى فى عالمنا الظاهـر، ولم تكن مرادفة
تماما للإرادة كما بيـَـنا، فما هى المقومات الحقيقية للحرية.
أولا: على مسار التطور والنمو،
وثانيا: كما نكتشفها فى فعل
الجنون،
وثالثا: كما تحضر فى فعل
الإبداع، وأحيانا: فى حالة العادية؟
نحن نواجه الحرية،
نعيشها، نواكبها على مستويات مختلفة وبمظاهر متعددة، ليست
متنافرة، ولامستبعـِدة إحداها الأخرى، ومن ذلك:
(1) على مسار النمو النوعى، والنمو الفردى، يحضرنا فعل
الحرية كثيرا بأثر رجعى، وذلك حين نعايش آثارها فى لحظة
التغيير النوعى الذى يشير بدوره إلى طفرة الولاف الناتج عن التراكم
المتضفر، إذ هو تراكم يعلن فى النهاية ولاف اختيارات متعاقبة
لم تعلن (وما كان يمكن أن تعلن) فى حينها. إن هذا مرتبط بأن
الاختيار الأهم هو اختيار المجال وفرص الحركة، وكلاهما يسمح
بناتج معـين يصبح وكأنه المَعْنِى بالاختيار فى النهاية، إذن
فالاختيار ليس فعلا بسيطا مرتبطا بتفضيل بديل بذاته بين
البدائل المطروحة حالا، ولكنه فى عمقه ليس إلا: إعلان عن اختيارات سابقة
تراكمت فأعلنت فى اختيار أخير ظهر على السطح.
(2) إن ثمة حرية تـعلـَن إذ تواكب انبعاث الوعى فى
مواجهة إعادة النظر فى زحمة المعلومات فى الداخل (والخارج)،
ويتمثل مثل ذلك فى الإعلان المصاحب لأعراض مثل: خبرة تغير
الذات (لست أنا هوأنا) أو تغير الواقع من حوله (ليس
العالم/الواقع/ الناس هم نفس ما كانوا، ليسو هم)، "تغير الناس، ليسوا
ناس الأمس"، إن وعى الشخص
بأنه "ليس هو" أو أن الواقع قد تغير هو عرض يشير
إلى اكتشاف اختيار سـبـق تحديده، هو اختيار السماح لحالة من
ذواته الأخرى أن تشارك فى وساد الوعى الظاهرى، أن تشارك فى عملية
الإدراك الواعى، ثم جاء هذا العرض ليعلن تحقق هذا الاختيار، ولو
جزئيا.
(3) ثمة حرية تُــفَـعْــلـَنُ فى فعل حاضر مسئول مخترِق
يغير الواقع الفعلى إلى أحسن، عادة بواسطة اختيار تمارسه جماعة مسئولة، وهذا ما
يطلق عليه أحيانا صفة ما هو "ثورى"، باعتباره الناتج الإيجابى لوعى
جماعى مغامر يتبنى تنفيذ طفرة نوعية محددة.
(4) المجنون، كما ذكرنا، مثله مثل الثائر والمبدع، يمارس حرية حقيقية، لكنها حرية خاصة
تماما سبق أن تناولناها تفصيلا حتى نهاية تنازله عنها بها، ونضيف هنا أنه أيضا
يتغير تغيرا كيفيا نتيجة اختيارات سابقة ومتلاحقة، ففى البداية
يحتد وعيه حتى يرى الداخل رؤية أكثر حدة ونشاطا، فيواجه الخارج
بعديد من الأساليب حسب نوع الجنون، بما يشمل الاقتحام،
والإلغاء، والإسقاط، والمواجهة (غيرالمسئولة)، وهو يتصور (بشكل
غير واقعى) قدرته على اقتحام التناقضات وإعلانها، بل وقبولها
جزئيا (رغم عجزه اللاحق)، ثم هو يقذفها فى وجه من ينكرها
(من السادة الأسوياء)، وهو يخترق كل المألوف تحطيما، ثم يتركه
انسحابا باندفاعة منفردة وقادرة على أن تبقيه وتحميه فى
موقفه/موقعه الجديد. إن هذا الفشل الأخير هو الذى يجهض حقه فى
احترام اختياره، وهو أيضا ضمن صفقة حرية المجنون، والذى يتقبله
المجنون ويمارسه ويدفع ثمنه بقدر ما هو اختياره، وقد فصلنا الأمر فى
البداية أكثر.
(5) سبق أن ميزنا بين أشكال الإرادة بما يتماس مع
مفهوم الحرية فى الفصل السابق فيما يتعلق بالمقارنة بين "حالات
الوجود" المتناوبة: وذلك فى كل من: حالة العادية وحالة
الجنون وحالة الإبداع على الوجه التالى:
نؤكد هنا من جديد أن
مفهوم" العادية" بوجه خاص ليس مرادفا للصحة ولا للشخص
العادى، وإنما العادية هى حالة متبادلة مع حالتىْ الجنون والإبداع،
وكذلك مفهومى الجنون والإبداع، هما صفتان لحالتين لنفس الشخص (أى منا) لا
لشخص دون آخر، وكما أشرنا أيضا: يكون الإنسان صحيحا بمرونة التراوح
بين حالات وجوده مع إيجابية الناتج على المدى الأشمل.
بدءا
من هذا الفرض السابق يمكن التمادى إلى فروض تكميلية تناسب موضوعنا الحالى، بمعنى
أن نبحث كيف يختلف مفهوم الحرية فى كل من هذه الحالات (العادية، الجنون، الإبداع)
باختلاف كل حالة. الفرض الحالى يطرح تصورا يقول إن للحرية مستويات متصاعدة
ومختلفة فى كل من هذه الحالات الثلاث بشكل يحتاج إلى تفصيل
يتناسب مع المداخلة الحالية للنظر فى الإبداع من زاوية
الحرية.
6- مستويات الاختيار
شاعت بين الناس مقولة
هاملت شكسبير "أكون أو لا أكون"؛ وكأن هذه المقولة
تمثل الاختيار الأول (وربما الأول والأخير) للكائن البشرى فى عمق
أزمة وجوده، وشاعت -تدعيما لذلك- المغالاة فى مقولة "تحقيق
الذات"Self actualization التى تميل إلى تأكيدها مدارس وأيديولوجيات
كثيرة، مثل مدرسة علم النفس الإنسانى (ماسلو مثلا)، ومع احترامنا
لهذا المستوى من الاختيار إلا أنه ليس المستوى الأوحد، ولا
المستوى الأعلى. إن تنويعات الاختيار فى مسألة "أكون أو لا
أكون" تهتز اهتزازا شديدا فى حضور فكرة (حقيقة) "تعدد
الذوات"، وحتمية حضور الآخر فى الوعى "لأكون"، فضلا عن ألعاب
الميكانزمات ومناوراتها، من هنا قفزت تساؤلات أعمق مثل :
§
أكون مـَنْ مـِنْ بين ذواتى، ثم:
§
أكون أين، ومع من ؟ ومتى؟، وكذلك:
§
من أكون الآن، وماذا عن ذواتى الأخرى؟ وأيضا:
§
هل ذاتى (هذه، أو أى أخرى) هى "أنا" أم أنها "هو"، أم أنها
"لا أنا" ؟
ليس معنى طرح هذه التساؤلات
الممتدة أن الذات المتحققة هى وهم على طول الخط، لكن المراد هو التأكيد على أن الحضور
البشرى المتعدد الوعى، الدائم النبض حيويا هو كيان متغير "فى حالة تكوّن جدلى
مستمر". إن الحديث عن الحرية فى
حالة الإبداع خاصة، اختراقا لمغامرة الجنون، ينبغى أن يضع فى الاعتبار تجنب
الاختزال بالركون إلى مثل هذه المقولات الشائعة مثل: "أكون أو لا
أكون"، مهما رسخت أقدامها عبر التاريخ. الأجدر – كما سيأتى_ أننى "أكون
لأصير، فأكون مايمكن مما لا أعمله تحديداً ..."
وهكذا باستمرار (أنظر بعد).
نفس السؤال "أكون
أو لا أكون" تختلف إجابته إذا سأله" المبدع (الشخص
فى: حالة الإبداع) عنه إذا سأله العادى (الشخص فى: حالة
العادية) عنه إذا سأله المجنون" (الشخص فى: حالة الجنون) [15].
فإذا لم تكن مقولة "أكون أو لا أكون" هى التعبير
الأوحد، أو الأرقى عن أزمة الوجود الإنسانى، فما هى مستويات
الاختيار الأخرى التى يمتحن الإنسان فيها حريته (أثناء تجلياته
"العادية" "والجنونية" "والإبداعية")؟
الإنسان لا
"يكون" بمعنى "التحقق الساكن" إلا إذا توقف عن
حركة الحياة، أى وصل إلى محطة العدم (مع اعتبار أن الخلود
هو أحد أشكال العدم)،
وبالتالى فالكينونة
الحية (الحيوية) هى خطوة فقط (المستوى الأول للاختيار شكل -1)
نحو فعل "الصيرورة" المستمر. إنه لو كانت الكينونة هى
نهاية المطاف فهى إلى سكون فعدم: سواء "بالسلبية" أو بـ
"الجمود" أو بـ "التخثر". إن الإنسان
"يتكون" باستمرار، وليس فقط "يكون". هو -كما
ذكرنا- "يكون ليصير"، وليس: يكون ليكون.
يصبح السؤال (الاختيار
ـ الحرية) التالى (المستوى الثانى شكل- 1) هو "أكون أو
أصير"؟
ثم إن هذا السؤال "أكون أو
أصير"؟ هو أيضا ليس نهاية المطاف، وحتى إن كان كذلك فى
حالة الفرد، فهو ليس كذلك فى حالة النوع، وبالتالى فهو ليس
نهاية مطاف "فعل الحرية البيولوجية والاختيار التطورى
"لأن ثَمَّ مستوى تال يفرض نفسه حين يصبح احتمال التغير
شديد الغور باقى الأثر (حتى يمتد فى الأجيال اللاحقة).
هنا يصبح الحديث عن التهديد
بالنكوص النوعى والانقراض فى مقابل الطفرة (المستوى الثالث
للاختيار شكل-1) مشروعا، بل مطلوبا، إذ يتصاعد مأزق الحرية إلى: "أنقرض
أم أطفر"؟ (بالمعنى الإيجابى للطفرة).
على أن المسألة ليست
مستويات مضطردة متوالية بقدر ما هى دورات متكاملة ومكررة
تصعيدا، ذلك أنه بعد تحقيق طفرة نوعية فى تغير الفرد (أو
النوع)، تبدأ دورة جديدة من: الكينونة فالصيرورة فالطفرة، فى
مقابل احتمالات العدمية، فالجمود (أو التخثر)، فالانقراض، مع
المرور بالمستويات نفسها مثل الدورة السابقة، وهكذا. (شكل-1).
هناك دائما احتمال أن
يكون ناتج الاختيار سلبيا فى أى مرحلة (مستوى)، وإلا فليس ثمَّ
اختيار أصلا. وفى حالة ترجيح مسار التدهور فإنه قد يتمادى،
حين تغذى سلبية الاختيار الأول مآل الاختيار النهائى (الانقراض:
شكل-1) كما قد تنتهى محاولة الصيرورة إلى الفشل من خلال قفزة
عشوائية (طفرة سلبية) تهدد بالانقراض أيضا.
إن مسألة الحرية بهذه الصورة المكثفة والمتداخلة
والعميقة على مستويات متعددة، تحتاج إلى وعى بمستويات الوجود
المتصاعدة والمتدهورة من ناحية، جنبا إلى جنب مع الإحاطة
بتجليات الوجود المتقابلة.فى كل مستوى، وأيضا إلى علاقة المسارات
العرضية (مأزق الاختبار) والطولية (مسار التدهور/التطور) ببعضها
البعض.
7- تجليات مستويات الحرية:
مما تقدم يمكن تحديد
مستويات الحرية على الوجه التالى:
1ـ أكون أو لا
أكون (تأكيد الآن)
2- أكون أو أصير
(من الصيرورة)
3-
أنقرض (أضمحل) أو أطفر كلام متصل أتحول، مندفعا إلى مجهول خطر
واعد يتجاوزنى فردا إلى احتمال تطور النوع)

هذه الاختيارات تزداد صعوبة مع تدرجها، وبالتالى يتعمق
مستوى الاختيار (ومعنى الحرية) فلا يعود يقتصر على اتخاذ قرار
واع معلن، بل إن ذلك ينبهنا إلى أن الأرجح أن الاختيارات
المتاحة هى تصعيدية تلقائية على الوجه التالى:
·
اختيار
المجال المناسب المهيئ لاستمرار مسار اختيارٍ ما
·
ثُمَّ
اختيار الحفاظ على الشروط الواجبة لتحقيق هذا المسار المختار فى
مرحلة ما
·
ثم اختيار
ما ينمى القدرة على الاختيار فإعادة
الاختيار
وهكذا....
يتكررذلك فى كل مستوى، ومرحلة، بلغات
مختلفة.
المستوى الأول "أكون
أو لا أكون" يقع طرفاه أقرب، ونتائجه أكثر احتمالا
أيا كان الاختيار، وأيا كانت النتائج سلبية أو إيجابية.
والمستوى الثانى "أكون
أو أصير" يبتعد طرفاه أكثر، فيزداد الاختيار صعوبة،
وتزاد النتائج خطورة، ثم إنه الأعم مشاركة ومسئولية.
أما المستوى الثالث "أنقرض
(ننقرض) أو أطفر" فهو الأخفى والأكثر صعوبة وخطورة.
وتختلف معانى ودلالات
هذه الاختيارات على كل المستويات حسب تجليات الوجود ما بين
حالاته المتبادلة أى:
·
حالة
الجنون
·
حالة
الإبداع
·
حالة
العادية.
وذلك باعتبار أنها ليست مراحل دائمة ولا متعاقبة
بانتظام، لكنها أقرب إلى أن تكون تجليات واردة مطروحة، صعودا و
هبوطا، تلقيا وبسطا، استيعابا وتشكيلا،
وبالتالى فهى تمثل أشكال وتنويعات مراحل ممارسة الحرية على
مختلف المسارات بما يترتب على كل مرحلة من نتائج، وما تتميز
به من مواصفات، مع احتمالات التبادل باستمرار.
يلاحظ أيضا أن أى توقف
(اختيارالجمود مثلا عند مرحلة كينونة ساكنة زائفة : "أكون
جدا") هو وارد ومتواتر وخفى ومخادع فى آن.
7-1 أولا: المسار فى "حالة الجنون"
اختيارات (حرية) المجنون [حالة الجنون]:
فى "حالة الجنون"
تتخذ الإجابة على هذه الأسئلة المطروحة فى مآزق الوجود
المتتابعة شكلا ومسارا يعلن فى النهاية المآل السلبى المتدهور
لمسيرة الجنون على الوجه التالي:
(تنبيه: يُقرأ الجزء التالى تـقـمـصا لكل حالة بضمير
المتكلم):
المستوى الأول: أكون أو لا أكون:
1) أكون:
فلأكن مجنونا "أنا" خير من أن أكون عاقلا "لستُ
أنا"،
هم
صنعونى لهم، ولسوف أكون غير ذلك بالرغم منهم، حتى ولو كان
الثمن هو الاختلاف حتى الجنون.
2) لكننى - بجنونى-
لـمـَـا حـقـقنى(!)، (لما خـيل إلىّ أنه حققنى)، لم أعثر إلا
على عدة أنوات (جمع أنا) متصارعة متزاحمة، فأين أنا؟
رفضت
أن أكون أنا من صنعهم فإذا بى لست أنا، لا من صنعهم ولا من
صنعى، لست إلا سلب "أنا" (عفريتة "أنا":
نيجاتيف"أنا") وهى الصورة العاجزة لنفس "الأنا"
الذى رفضته.
اختيارى الذى أوهمنى أننى
اخترت أن "أكون" لم يكن نتاجه إلا ما هو.."لست
أنا"
هذه
"أكون" زائفة، إنها "لا أكون" تحت وهم أنى
"أكون" (مختلفا ـ شاذا).
المستوى الثانى: أكون أو أصير
1)
عجزت أن أكون، سرقونى بالعادية والنمطية، وحين رفضت ذلك خدعت
نفسى فى محاولة كينونة ثبت زيفها، لم تحقق شيئا، هى جنون
ناتجه "سلب لما هو "أنا"، كيف تصورت أن هذا السلب
هو "أنا"، إنه نفى ما هو أنا، وما يمكن أن أكونه.
يا ليتنى اخترت ألا
أكون، أو حتى استسلمت لأن أكون "مثلهم والسلام".
2)
ولكن يبدو أنه طريق بلا عودة، فلا أنا قادر أن أرجع كما
كنت (أرضى بعدم كينونتى "لا أكون" فى السر، شخصا عاديا:
أتصور أنى كائن بشكل ما: "كنظام" "أكون").، لا
أنا راغب فى ذلك، ولا أنا قابل أن أواصل خداع نفسى فى أن
تكون كينونتى الجديدة (الجنون) هى "أنا"، لأنها فعلا،
"ليست أنا"، هى أنا زائفة مثل عفريتة الصورة
(نيجاتيف).
3) أرفض أن أكون
"هكذا" (زيفا) فهى المغامرة نحو أن أصنع نفسى: أصير.
4)
ولكن كيف؟ سوف أواصل الرفض ومحاولة التقدم وأنا أُطلق
"كلى" فى "كل اتجاه".
5) لكن كلى هذا ليس
كلا، بل عددا من الوحدات المتناثرة، ليكن: فقد
"نـصير" عددا ما من كيانات ما.
6) لم يحدث شئ مما
بدا ممكنا.
7) أكتشف
أن صيرورتى التى اخترتـُها ليست سوى زحمة "الأنوات"
وتشتت التوجه.
8)
أنا فى صيرورة: لكنها صيرورة إلى أدنى: أنا أتدهور، أضيع.
المستوى الثالث: أنقرض أم أطفر
1)
تنازلت عن كينونتى الزائفة كى أصير، (نصير: كلَى: كلنا كل ذواتى)،
إلا أنه لم يحدث شئ من ذلك، صرت إلى لا شىء، تناثرا
متفسخا كأنى كثير، وأنا لست إلا شظايا.
2)
أريد أن أوقف هذه الصيرورة الكاذبة،
بل لعل اللاكينونة (= الكينونة الزائفة
= المرحلة السابقة) كانت أَسْتَـر.
3)
لا أستطيع أن أوقف صيرورة تتدنى،
يبدو أننى أتمادى أكثر فى طريق
اللاعودة،
حسبت أنى أختار، فانخدعت.
4) لا بد أن أوقف
هذا الخداع بأى ثمن،
أخلـّق من هذه الشظايا كيانا
أسطوريا، وليكن ما يكون، إلا أن ما كان ليس إلا مزيدا من
الشطح والتناثر.
5)
أهذا هو الممكن؟
أهذه هى نهاية
محاولتى؟
هل محاولتى أن أكون
وأن أصير هى فى النهاية هذا التلاشى فى الجمود أو العدم [16]؟
6) لا.
7) فلأطفر مندفعا
بعيدا عن كل هذا، حتى لو أدت اندفاعتي/طفرتى إلى عدمى (فهو
الانتحار)، أو إعدامكم (الهياج القاتل) أو إلى تجسيد آمالى
لإصلاح الكون وخلق ضلالات ترضينى ("الإنسان الأعلى"
"المهدى المنتظر" "والنبوة الألوهية" كأمثلة)
8)
كمْ أنا بعيد عن أى طفرة، عن أى شئ،
لم يعد هناك أى شيء،لا أنا أنا،
ولاصرت نحن، ولا شئ غير التفسخ فالتدهور.
يلاحظ ـ مكررا ـ أن هذا
المسار هو مجرد مثال لواحد من مساراتٍ كُثْر، لكنها لنفس التوجه:
(1) فقد يتوقف المسار
مؤقتا أو دائما، أو يتكرر.
(2) وقد ينقلب
إيجابيا (إلى الصيرورة فالطفرة) بالعلاج المكثف لو لحقه قبل
التمادى.
(3)
وقد يسكن ـ فى أى مرحلة- ليتخذ مسار اختيارات "حالة
العادية" (أنظر بعد)، وخاصة إذا اقتصر العلاج على التسكين
والتجميد.
(4)
كما قد تتاح له فرصة تلقائية لقفزة إيجابية نحو مسار
"حالة الابداع". (وهذا نادر).
7-2- ثانيا: المسار فى حالة الإبداع
]
اختيارات (حرية) المبدع
(حالة الإبداع): (جدول ـ1) [
تنبيه: يلاحظ أن
بدايات المبدع ومواجهته لهذه الاختيارات هى أقرب إلى بدايات
المجنون منها إلى العادى [17]
مع الفارق الهائل فى الناتج.
المستوى الأول: أكون أو لا أكون:
1) أكون:...
أكون "أنا"، إن مجرد طرح السؤال هو قرار أن أكون،
لقد اكتشفت أننى لست أنا، إنهم صنعونى وهأنذا سوف
"أكون" ما هو "أنا"، وليس ما صاغوه هم على انه
"أنا".
2)
هأنذا كائن فائق الوعى أنا"، هذا لا يكفى، لا يحمى، ثم
إنهم سوف ينقضون علىَ من جديد، إما بالعلاج: لو اعتبروا
اختلافى عنهم جنونا، أو بالنفى فالإجهاض.
3)
سوف أصوغ نفسي" أنا" غير ما أرادوه، دون أن تـتناثر
ذاتى، ذواتى، منـى، أو أنفيها.
4) الحماية الوحيدة هى
أن أكون غير ما أرادوا (وليس "نفي" ما أرادو)،
أختلف، وأصنع ما أشاء وأستطيع دون استئذان، وأعـمّـق ذاتى
الجديدة أكثر، فأكثر...، فأكثر.
5)
لأستمر أنا بالتفرد وبالرفض، وبالمواجهة، وكل هذا هو صناعة
جديدة: إبداع. هذا الإبداع المختلف (وليس بالضرورة المخالـف) هو
"أنا": المبدع، الإبداع هو "أنا".
6)
اخترت أن "أكون" وهأنذا أحقق "حققت ذاتى"[18].
7)
لكن يبدو أنها ليست ذاتى، أنا أتواجد فى إبداعى، حلَ إبداعى
محلى فلم "أكن"، خدعتُ، لا .. لست أنا، لم أكن إلا
إبداعى . أنا لست إبداعى، أنا لست إبداعا بديلا عنى، هذا ليس أنا .
8)
يا خسارة!!!
المستوى الثانى: أكون
أو أصير
1)
يبدو أنى على الرغم من تحقيق ذاتى فى إبداع ما : عجزت أن
أكون، خدعتنى حكاية "تقرير الذات" خدعتُ نفسى بتأكيد
ذات جديدة، لكنها ليست بالضرورة "أنا". أنا لم أحقق
شيئا، (ليس أنا هو هذا الشئ المنفصل عنى حتى لو كان إبداعى)
إن هذا الـ "أنا"، المعروض أن أكونه هو غير ما
أرادوه، لكنه أيضا ليس ما أردت أن أكونه، (رغم أنه ليس
عفريتتى، ولا نفى ذاتى، هو أنا إلا أنا، هو عينة لما يمكن أن أكونه، أن نكونه، أو
ربما إشارة إليه) .
2)
لكن إذا كانت هذه الـ"أنا" (التى صنعتُها إبداعا)
ليست "أنا"، و أيضا تلك الـ "أنا" التى
كانوا قد صاغونى فيها ليست "أنا"، فكيف السبيل إلى ما
هو "أنا"؟
3) ما دمت لا أرضى
بهذه الكينونة التى هى "شبه أنا"، (وليست بالضرورة:
"أنا") حتى لو كانت إبداعا من صنعى،
فلسوف أنطلق منها إلى ما بعدها، وليس فقط إلى عكسهم،
أوعكس ما صنعوه قبلا كأنه "أنا".
جدول (1)
|
جدول (1) |
حالة
الجنون |
حالة
الإبداع |
حالة
العادية |
|
أكون < = (أو)= > لا أكون |
1- فلأكن ( غير ما
أرادوا) 2- حتى لو كنت مجنونا 3- لا لست (أنا) 4- يا ويحى لم أكن |
1- أكون (غير ما
أرادوا) 2- أنا قادر أن أكون غير ما أرادوا، أنا أبدع. 3- أنا ابدع نفسى، أنتج إبداعا يحققنى. 4- !! أبدعت خارجى 5- تحققتُ؟ ولكن ! 6- هل هذا أنا؟ |
1- ما هذا الكلام
الفارغ؟ 2- هأنذا كائن (هكذا) فلماذا السؤال أصلا. 3- حتى لو كان هذا الذى أكونه هو من صنعهم 4- لا أكون = أكون 5- هذا أنا، ومن يعجبه ! |
|
أكون < = (أو)= أصير |
1- فشلت أن أكون (حتى
مجنونا كما تصورت) 2- ياليتنى اخترت ألا أكون 3- سوف أتقدم (أصير) 4- لكن صيرورتى ليست إلا زحمة عشوائية لأنوات مشلولة. 5- إنها صيرورة إلى أدنى |
1- ليس هذا ما أردت
أن أكونه 2- إذا كان هذا ما هو أنا (أكون) فلا، سوف أتقدم 3- أصير: هذا هو 4- لكن يبدو أنها الصيرورة فى المحل، هل أنا أكرر نفسى؟ 5- لم يعد يكفينى أن أصير |
1- إذا كان هذا لا يكفى فلأستزد منه هو، ليكفى. 2- أكثر، أكثر، مما هو نفسه "أنا". 3- تطلعاتى، وطمعى، هما صيرورتى زيادة ما هو أنا "هذا هو
نفسه". |
|
أتجمد (أنقرض) < = (أو)= > أطفر |
1- أريد أن أوقف هذه
"الصيرورة إلى أدنى" 2- حتى لو أتجمد 3- ليكن (أو) 4- فلأكن كيانا ملغوما أتطاير محطِّما محطَّما (من يدرى)، أضمُر. |
1- فلأتوقف إذا لم يكن
عندى إلا هذا 2- أو فلأفعلها وليكن ما يكون 3- يا بُعد الشقة وخطورة الوثبة– الطفرة- أتكوّن متجددا، هى أنا مشروع
يتخلّق أبدا إلى ما لا أدرى !! 4- لكنها هى |
1- يكفى هذا؟ فهو
الموت 2- ليكن 3- لا أستطيع أن أجمع أكثر، ولا جدوى من انتظار 4- فلأفعلها أنا، نحن 5- هل يمكن (بعيدا عن الوعى الظاهر) |
4)
اخترت أن" أصير" فيما بعد ناتجى الإبداعى إلى إبداع
آخر، يشمل ذاتى باستمرار، بما لا أعرف.
5) أكتشف أن كينونتى
خدعة كبرى إذا سكنت إليها. الصيرورة هى الحقيقة، شريطة ألا تلاشى فيها.
أنا لا أكون "أنا" إلا إذا قبلت أن أكون فى حالة
تتجدد باستمرار.
6) اخترت أن أصير
بأن أبدع أكثر أصالة، أن أتغير من خلال ما أبدع، لكن يبدو
أن "هذا" لا يكفى.
7)
يبدو أنه لم يعد يكفينى أن أستمد تحديد معالمى (وجودى) من
إبداعى. أرفض مقولة: "أنا أبدع = أنا موجود". كلما
حاولت أن أتجاوز ذاتى فى إبداعى وجدته (إبداعى) قد حل محلها.
المستوى الثالث: أنقرض أم أطفر [19]
1) هل أقبل أن أصير أنا = إبداعى، وباستمرار ؟.
2) أشعر أننى صرت
نفسى، "بلا نفسى".
3) هى صيرورة تبدو
رائعة لكن يبدو أنها معادة و.. وبالعرض.
4) قواعدهم ترهقنى
وتمنع صيرورتى الحقيقية.
5)
لكن من أدرانى ما هى الصيرورة الحقيقية؟
6) أى شئ إلى الأمام
خير من هذه الصيرورة "العرضية".
7)
هذا الإيقاع المحسوب لم يعد يصلح.
8)
فلأقفز- أندفع- أطفر.
9)
لكن إلى أين ؟ أخشى من التناثر والضياع.
10)
فلأتوقف.
11)
لا أستطيع أن أتوقف. دفعُ الصيرورة أصبح ذاتيا، أقفز إلى
فضاء.
12)
أفاجأ بإبداعى الجديد، يكوننى قبل أن أكونه، فأكونه.
13)
أندفع بصيرورة حقيقية - أطفر، كأننى من جنس آخر.
14)
هى ذى: أنا أبدع فأنا غير موجود، وعدم وجودى "هذا"
هو وجودى الحقيقي.
15)
ولكن ذاك يحتاج إلى تغيير فى السرعة والإيقاع.
16)
ليكن، فهى الوثبة إلى المجهول.
17)
يبدو أن" أنا"، لكى تكون "أنا"، لا بد أن
تستمر "ليست أنا"، و"ليست هم".
18)
ولكن ذلك يحتاج إلى دفعة أخرى هائلة حتى لو.. .
19)
فهو "الإبداع الفائق الذى هو"أنا" إذ تنازلت عنها
وعنهم، لأخلـّـقنى بهم، حتى بدون لغتهم أو لغتى أصير إبداعا
متصلا لأتلاشى فيما أبدع، دون أن يحل محلى، أتخلق به
فأكون غير ما هو أنا لأخلق غير ما هو هو، أنا أسير نحو
الوعد الآتى، دون أن أفقدُنى، ولا أتوقف عندى، بفعل حريتى المتجددة
(أنا أطْفُر إلى مايجددنى باستمرار "إليه" ..! أنا ..، إليه..) [20]
ينبغى هنا أن نكرر
أن التشكيلات المحتملة لمسار الإبداع بالذات قد تتوقف فى أى
مرحلة، فهذا المسار النادر إنما يعلن تدرج ما هو حـرية
واختيار بتعقيد ينتفى معه هذا الوهم السطحى عن مقولة
"الحرية والإبداع". إن المسار التصعيدى الإيجابى لا يسير
هكذا تلقائيا على طول الخط، حيث أنه فى كل أزمة اختيار قد
تطل اختيارات الجنون كبديل يحمل نفس البدايات، ويغرى بنفس
المواصفات ثم لا يصل إلا إلى النهايات السلبية السالفة الذكر
فى مسار الجنون،
بل
إنه قد تطل أيضا اختيارات الانطفاء والتوقف والتراجع إلى أى
مستوى من مستويات العادية.
7-3 ثالثا: المسار فى حالة العادية (وفرط العادية)
]7 -
1 اختيارات (حرية) العادى )حالة
العادية)]:
(جدول
ـ 1 )
حتى نعلم ماذا يحدث
للشخص العادى (بمعنى: الممثل لـ"الحالة العادية"= الشخص حالة
كونه فى "حالة العادية") إزاء مآزق الاختيار هذه (الحرية)، لا
بد أن نتحمل بعض التصور لما" لا يحدث"، وليس فقط
لما يحدث، باعتبار أن "ما لا يحدث" هذا حادث فى
مستوى بعيد عن التناول الشعورى بشكل ما.
المستوى الأول: أكون أو لا أكون:
قد لا يطرح هذا السؤال
أصلا على كافة مستويات الوعى، بل إنه قد لا يطرح أصلا- فى
الحالات العادية القصوى (فرط العاديةHypernormalit) حتى
على مستوى الحلم [21].
وقد يطرحه الشخص العادى
طرحا لفظيا معقلنا عابرا، لامعايشة تركيبية كيانية غائرة، يطرحه –
مثلا – وهو يستفتى سلطة جاهزة بالأجوبة،
سواء كانت سلطة دينية أم اجتماعية أم غيرها.
إن عدم طرح السؤال
أصلا هو إجابة ضمنية على التساؤل الأول، فاللاكينونة عند
الشخص العادى (أعنى الشخص: فى حالة "العادية"ـ لا مفر
من التكرار) تساوى عنده الكينونة، وكأن الشخص العادى، أو
الشخص حالة كونه فى "حالة عادية" يجيب - لا شعوريا-
(دون أن يـسأل أو يُـسـأل) قائلا:
ما هذا الكلام الفارغ
(أكون أو لا أكون؟)، هأنذا كائن هكذا[22]،
وما تسمونه اللاكينونة هو الكينونة التى يرتضيها أى عاقل مثلى،
لا أكون أى أكون، (وخلاص).
المستوى الثانى: أكون أو أصير
إذا كان السؤال الأول
لم يطرح أصلا فمن باب أولى أن السؤال الثانى لايطرح أيضا،
لكن ثمة مسيرة موازية للصيرورة بالنسبة للشخص العادى (حالة
العادية)، وهى ليست صيرورة كيانية، وإنما هى شبه صيرورة عادية بديلة،
صيرورة إلى نفس الموقع بالتراكم الكمى بديلا عن الصيرورة
الكيانية.
والاختيار هنا أيضا
واضح:
فالخمول اليومى الذى يبدو ضد الطموح "الكمى" والاستلابى
هو البديل المطروح،
ومن أجل الدقة فإن
السؤال فى هذا المستوى من العادية ليس هو: أكون أو أصير،
وإنما تستبدل به أسئلة مثل: أرضى (أهمد) أم أتطلع،
(أزيد-أطمع).
والمعنى هنا خطـِّـى جزئى، ليس فيه صيرورة حقيقية لأنه خال من
التغير النوعى، وكأنه قد ترجم إلى:
أكون ما أظنه
"أنا" هكذا؟ أم أطمح
إلى أحسن ما يمكن أن أكونه أنا (نفس الأنا)؟..
وكأن الإجابة هنا
(دون سؤال ظاهر فى الوعى) أيضا تحتمل الجانبين بنفس القدر:
أولا: أنا كائن فعلا، وراض تماما، وأحسن ما أكونه هو
الأحسن وهو ما أمتلكه، ما أترف به، ما أفاخر به، مما هو كائن
فعلاً.
فى مقابل:
ثانيا: أنا غير راض وسأجمع، وأزيد، وأزيد، وأزيد، وهذه
هى صيرورتى: أن أتمادى فيما هو أنا (نجد أدق تصوير
لهذا النوع من الصيرورة فى حضرة المحترم: نجيب محفوظ)[23].
على أن العادى (حالة
العادية)، رغم تجنبه مواجهة هذا السؤال أصلا، فإنه (كما
أشرنا) قد يتكلم فيه أو يطرحه طرحا مُعَقْلَنَاَ أو مُلَفْظَنَاَ
خاليا من النبض والمعايشة.
وعادة ما يستعين
العادى (= الشخص فى حالة العادية) بدعائم جاهزة تجنبه هذه المواجهة
من البداية، مثل تسليم مفاتيح عقله لنص جامد (دينى أو
ايديولوجى أو سياسى إلخ).
وقد يكتشف نفس الشخص
أن هذه الصيرورة كاذبة فعلا، فيرجع إلى حالة من اللاعادية:
إما الإبداع وإما الجنون (شحاذ نجيب محفوظ مثلا): [24].
المستوى الثالث: أنقرض أو أطفر
مرة أخرى لا بد أن
نستنتج أن هذا السؤال أبعد عن ظاهر وعى "العادية" من
سابقيه، ذلك أن الصيرورة "الكمية التراكمية الزائفة"،
أو قل "الصيرورة الجزئية أو الجانبية أو الاستلابية"،
والرضا أو الخمول، كل ذلك هو شكل من أشكال العدم المتحرك
إن صح التعبير، وقد يكون اختيار الانقراض جماعيا بإهمال قواعد
السلامة، أوبالإضرار بالبيئة، وقد تتم الإجابة على هذا السؤال
مسبقا بحيث لا يطرح السؤال التالى أصلا، فإن العادى (حالة
العادية) سواء رضى أم طمح، فقد أجاب على هذا السؤال باختيار
الرضا والإنكار، ومايسرى عليه يسرى بأقل قدر من الاختيار [25].
وليس
معنى هذا أن الشخص فى حالة العادية (الشخص العادى) لا يشعر
بتهديد الانقراض، فهو يشعر به لكنه لا يعايشه من موقع
المسئولية الفردية عن ذلك، فهو عادة ما يعامل احتمال الانقراض
معاملة القضاء والقدر، وبالتالى فالطفرة (الإبداع الفائق) غير
مطروحة على مستوى الاختيار (الاضطرار) الفردى على الأقل.
وقد تصل
الطفرة/الاندفاعة العادية إلى المجهول إلى فعل الانتحار الحقيقى
أو الانتحار البديل مثل الإفلاس أو زواج مومس بالمعنى السلبى
(حضرة المحترم ـ محفوظ) دون مأزق نفسى معلن، و دون جنون
صريح.
أما اختيار الطفرة فى حالة
العادية، فهو اختيار النوع فى الأغلب، تماما مثلما حافظت الأنواع السابقة على
الإنسان على بقائها دون مواجهة أزمة الحرية الفردية باعتبارها مسؤولة عن البقاء
أوالانقراض، إن الطفرة فى مستوى "حالة العادية" واردة خاصة بعد احتمالات
التواصل بين البشر حفاظا على نوعهم [26].
تعقيب وتذكرة:
أرجو أن أكون قد استدرجت القارئ
بعيدا عما اعتاد أن يعامل به ما هو حرية، وما هو اختيار،
فكل هذه المواقف بتباديلها وتوافيقها، لا تحدث فى دائرة الوعى
الظاهر إلا نادرا، عند مبدع متميز، أو مجنون يعالج علاجا
مكثفا، وحتى المبدعين قد يكتشفون أزمات اختيارهم من خلال
النقد، وليس من خلال الوعى الذاتى، وقد لا يكتشفونها إطلاقا،
أما العادى (أى فى حالة العادية)، فعلى الرغم من أنه كان أقل
الممتحَنين بأزمة الحرية، إلا أنه ـ عادة ـ أكثر المتحدثين
عنها.
من كل هذا نستطيع أن نواصل التعامل مع إشكالة
الحرية بعمق يتناسب مع طبيعة هذه الأطروحة النابعة من واقع الممارسة
الإكلينيكية (فينومينولوجيا)،
العارية فى أكثر من مجال كما أشرت فى المقدمة.
[1] - نشرت فى صورتها الأولى فى مجلة فصول– المجلد
السادس – العدد الرابع 1986 ص(30 – 58) وقد تم تحديثها دون مساس بجوهرها.
[2] - كتبت كثيرا عن فضل مهنتى على
وعيى، وفى رأيى شخصيا أن معظم
أعمالى، باختلاف أنواعها، هى نابعة من هذا المصدر، أو متصلة بهذا البعد، وقد ثار جدل متصل
حول مصداقية اعتبار المرضى مصدرا لفهم الأسوياء، وذلك منذ
محاولة سيجموند فرويد تعميم ما يرى عند المرضى على الأسوياء،
كما قابلت اعتراضات كثيرة من أصدقاء لم يقروا هذا الاتجاه
أبدا. فكان لزاما أن أنبه هنا إلى أن "المسألة ليست صادرة
من منطق عقلانى وإنما هى نتاج خبرة تعاش، وهذا ما يمكن أن يعنيه
تعبير "معايشة الجنون"، ذلك أن ما يصلنى من مرضاى ليس رؤية أو ملاحظة
ترصد بقدر ماهى ناتج وعيي/وعيهم/بهم/معهم/لي/ لهم، ويستحيل
الفصل، بل إنه فى النهاية لا يكون إلا وعيى (الجديد)
"أنا" بشكل أو بآخر، ولعل هذا ليس إلا إعادة لما كررته فى
الفصلين السابقين مع إشارات كافية للمنهج الفينومينولوجى.
[3] - سبق
تناول هذه القضية فى الفصلين السابقين عن مداخل متنوعة، مع إشارة إلى الرجوع
للمداخلة الأصل: يحيى الرخاوى (الوحده والتعدد فى الكيان البشرى) عدد أكتوبر سنة
1982 مجلة الإنسان والتطور. ومهما بدا فى تناولها هنا من تكرار، إلا أن ذلك أساس
لايمكن الاستغناء عن الرجوع إليه بمزيد من التأكيد فى هذا المقام بوجه خاص.
[4] - برنامج استمر أكثر من
عام 2004- 2005 فى قناة النيل الثقافية، وكان عبارة عن ألعاب جماعية ، مع أربعة
ضيوف متطوعين لمدة ساعة أسبوعيا ، وقد غطى مساحة واسعة من تحريك الوعى مع ناس
ليسوا من الأسوياء ، مع دعوة المشاهدين جميعا للمشاركة.
[5] - نوقشت استجابات الضيوف
فى هذه الحلقة "أنا واحد ولا كتير" وما استتبعها من إيضاح مفهوم التعدد
على أعداد متتالية من صحيفة روزاليوسف اليومية فى باب الإنسان الذى كان يتولاه
الكاتب لمخاطبة القارئ العادى يوم الجمعة من كل أسبوع (على مدى 14 حلقة سنة 2006)
[6] - فضلت أخيرا استعمال هذا
المصطلح فيما يقابل ما هو بالإنجليزية Pace Maker or Pace
Setter وهذا المصطلح يطلق أساسا على نقطة الانبعاث فى
القلب المسئولة عن تنظيم دقاته كأنه المايسترو الذى يحرك المنظومة التوصيلية إلى
سائر عضلة القلب، وفى النظرية التطورية الإيقاعية للكاتب يتخذ من هذا القياس مدخلا
لفهم آليات تنظيم مستويات الوعى (والدماغ) بالتبادل فى حالات السواء، وبغير ذلك فى
حالات أخرى.
[7] - نبهنا فى الفصلين السابقين على ضرورة تحديد
مضمون للفظ الجنون كما يستعمل فى كل مداخلة (الفصل الأول هامش (11) وطوال الفصل
الثانى). ويكفى أن أكرر هنا أنه لابد من استبعاد ما يسمى المرض العقلى العضوى
التشريحى للأسباب سالفة الذكر فى الفصلين السابقين، كما
أن"الفصام" هو الممثل الأساسى لما يسمى الجنون فى هذه
الدراسة دون استبعاد الذهانات الأخرى مثل الذهان الوجدانى والذهان
البارنوى.
[8] - كما أنى سوف أستعمل لفظ الحرية، فى
البداية،، استعمالا فضفاضا كما يوحى به ما شاع عنه، لا كما
قد ننتهى إليه فى هذه الدراسة.
[9] - خالدة سعيد: حركية الإبداع (الشعر وعتمات
الجسد) ص62،61 دار العودة 1979 بيروت.
تقتطف خالدة سعيد قول
أنسى الحاج " بالجنون ينتصر التمرد، ويفسح المجال لصوته كى
يسمع" ثم تعقب: هذا ما يقوله ...." الجنون هو الوصمة
التى يحملها من اختار أن يكون حرا".
ورغم أن كلمة الحرية
هنا لا تعنى بالضبط ما ندور حوله الآن، وعلى الرغم من أن
خالدة سعيد قد وصفت الخلق عند أنسى الحاج أنه
"لاغائي"، وأن كلمة خلق لا تناسب شعره، وعلى الرغم
مما ذهبت إليه حينما يقترب من نفى الإرادة عن هذا النوع من
الخلق "ما يسمى: عادة بالخلق ما هو عند أنسى الحاج إلا
فعل ضرورى لوقف الاختناق" رغم كل ذلك فإن الاختيار سرعان
ما قفز متحديا من أنسى إذ يقول: "والشعر قهر مشدود
التواجد يخنقه الحنين" ...."إن أمام هذه المحاولة
إمكانيتين إما الاختناق أو الجنون"
وهكذا، وقعنا بكل
وضوح فى بؤرة إشكالة الإبداع والحرية
[10] - يحيى الرخاوى: "دراسة فى علم
السيكوباثولوجى" دار الغد للثقافة والنشر 1979- القاهرة.
[11] - هنرى إى: الجنون والعالم المعاصر Folie et la monde
moderne، قرأت
هذه الورقة فى فرنسا سنة 1969 وصورتها وأحضرتها معى ولم أعثر
عليها أثناء كتابتى هذه الدراسة،
ذهب فيها هنرى إى إلى أنه لكى يجن أى إنسان لابد أن يكون هناك
أمامه مساحة للحركة، بها قدر من
الحرية، ليستطيع أن يجتاز الجنون.
[12] - "الاكتئاب البيولوجى المواجهى"
هو مصطلح صكه المؤلف من خلال فرض يحاول التحقق من صحته خلال سنوات خبرته الإكلينيكية، وهو يعتبر هذا النوع
الذى أسماه بالإنجليزية Biololgical Confronting Depression وبالعربية المصرية الفصحى/العامية "الحزن
الحقيقى""، وهو يختلف كل الاختلاف عن الاكتئاب بمعناه المرضى، وعن
"الزهق" بالعامية، وعن الهم، وعن الغم، وعن الضيق، مما لا مجال لتفصيله.
هذا الحزن الحقيقى– من خلال هذا الفرض – هو
جزء لا يتجزا من مظاهر وضرورات
العلاقة بالموضوع بالمعنى الذى شرحته مدرسة التحليل النفسى الإنجليزية (جانترب
بوجه خاص) ، باعتبار أنه يعلن صعوبة العلاقة بموضوع (آخر) حقيقى مستقل لا مفر من
صحبته برغم صعوبة استقباله بما هو. وسوف نتناول كل ذلك فى عمل مستقل نرجو ألا يطول
انتظاره، هذا علما بأن إرهاصات هذا الفرض ظهرت فى فكر المؤلف من قديم أنظر (هامش
10).
[13] - فى تعاملنا مع هذا الحزن فى الموقف
الإكلينيكى يطلب الطبيب (المعالج) من المريض أن يسمح لحزنه أن "يحضر"،
دون الإسراع بربطه بسبب معين، وأن ذلك هو ضمن "حقه الطبيعى فى هذه
المشاعر" الحزن، ويُستعمل تعبير "خلقة ربنا" هكذا ببساطة، وكثيرا
ما يتم ذلك دون كلام بالألفاظ، بالصمت المتبادل، لفترة تطول أحيانا عشرات الدقائق،
وبعد الاستغراب والمقاومة، يعيش المتقابلان (الطبيب والمريض)، ما يشعران به أن ثمة
فطرة طبيعية (خلقة ربنا) تحضر فى شبكية العلاقة الحوارية دون ألفاظ يغلفها شعور
عميق بالألم النفسى "البَنّاء" الصعب المثار عند الأثنين معا إعلانا
لموضوعية المحاولة. نفس هذا الحزن هو الذى يتم تحريكه بشكل آخر فى سياق العلاج
الجمعى، كعلامة على استعادة، أو بدء عمل علاقة بآخر حقيقى (مما سيفصل فى موضع
آخر).
[14] - يحيى الرخاوى: "مقدمة فى العلاج
النفسى الجمعى" دار الغد للثقافة والنشر 1987- القاهرة.
[15] - بحسب ما جاء فى الفصل
الثانى من أن الناس لا ينقسمون إلى مبدع مجنون وعادى، وإنما هى حالة متبادلة لكل
الناس.
[16] - قد يظهر هذا التلاشى أحيانا فى
الجمود فى شكله المرضى فى صورة التصلب الكاتاتونى Catatonic كما أن مظاهر العدم فى الجنون لا
تقتصر على الضلالات العدمية وإنما تصل إلى الموت الإرادى (ليس فعل
الانتحار) وهو ما يقابل ما يسمى بموت فودو Vodo death،
والجدير بالذكر أن قرار الموت (ليس انتحارا) كجزء من الحرية عند الشخص العادى،
يحتاج إلى وقفة مستقلة قد يشار إليها فى المتن لاحقا دون تفصيل.
[17] - سبق أن أوضحت فى الفصل الأول والثانى
وغيرهما، أن بداية الإبداع وبداية
الجنون تكادان أن تتحدا، فهما أقرب من بعضهما البعض من أى
منهما إلى العادية، وكلما تمادت المسيرة ابتعادا، ثم يزدادان
ابتعادا من بعضهما يصبحان أبعد عن بعضهما مما هما أبعد عن
العادية فى المدى الطويل.
[18] - انتقدت مكررا مسألة التأكيد على تقرير الذات (تحقيق الذات) Self
actualization ، جاءت هذه الإشارة فى
الفصلين السابقين أيضا، وكذلك فعل أريتى حتى أشار إلى ضرورة امتداد
الذات Self expansion وليس تحققها كما أكد علم النفس عبر
الشخصى Transpersonal Psychology على مسألة تجاوز الذات، وكل هذا
يعلن أن تحقيق الذات وحده ليس نهاية المطاف، هو مرحلة تليق
بالمستوى الأول للحرية "أكون=لاأكون، ولا بد من قبولها كمرحلة، ثم تنطلق
المسيرة.
[19] - المقصود بالطفرة هنا هو معنى الدفع
والوثب والتغير النوعى بسرعة ومغامرة إلى مجهول نسبى، وقد اخترت
كلمة " اندفع" فى البداية لأعبر عن سيل منهمر من
التقدم، لكننى خشيت من الاستعمال العادى فالتسطيح ، أما طفر فهى
تستعمل فى لغة التطور البيولوجى لإعلان عن تغير كيفى فى مسار
النوع، كما تعنى طفر الشيء قفز من فوقه وتخطاه إلى ما وراءه
[20] - بعد دراستى ومراجعاتى لتشكيلات الموت
وتجلياته، يمكن اعتبار الموت إيجابيا (نقلة الوعى الشخصى إلى الوعى الكونى) هو
الإبداع الكامل (ولو نظريا جزئيا) الذى يلغى الموت من ناحية، ويؤكد الصيرورة من
ناحية أخرى.
[21] - أعنى الوعى الشعورى بالحلم وحكايته،
لأن الحلم - فسيولوجيا، وتركيبا- يواجه هذا السؤال تلقائيا كل
ليلة..... إلخ، وهذا ما لا يغيب عن حدس عامة الناس وخاصة
من منطلق إيمانى سليم، فالدعاء الإسلامى قبل النوم يجعل كل
نوم هو تساؤل يشير إلى هذا السؤال " ...اللهم إن قبضت
نفسى فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك
الصالحين.."، وتكملة الدعاء عند اليقظة يؤكد أن كل يقظة هى إحياء
للكينونة "... الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه
النشور". أنظر أيضا " الإيقاع الحيوى" أنظر الفصل الأول.
[22] - بالرغم من أن هذا السؤال
"أكون أو لا أكون" ينسب -عادة- إلى "هاملت
شكسبير"، فإنه حين عاودنى شخصيا عاودنى شعرا بالعامية، (وهى
تجربة لم أستطع تكرارها) فقد بدأت قصيدة "الخلاص"
(ديوان أغوار النفس : دار الغد للثقافة والنشر 1978) موجها
التساؤل لأمى: "ليه يامه ؟ كان ليه؟ لما انتى مانتيش كان
ليه؟ أنا ذنبى إيه؟ أنا مين،
أنا فين أنا كام يامه؟ أنا
إيه؟" المهم فى هذه الصورة
هو الإسقاط المبدئى لتساؤل
الكينونة على هذا المستوى، أى أنه لكى أكون فإنه لا بد من أن أتلقى الكينونة
ممن هو كائن، وليس من فراغ، (لما انتى مانتيش ..) ثم يأتى رد التساؤل (=عدم رد
التساؤل) من الأم بنفس الرد الذى طرحتـه هنا حين يرفض من
هو عادى أى تساؤل من هذا القبيل، وكأن الأم التى ترد هنا ،
هى الأم الداخلية (ممثــلــة العادية)، وليست الأم الحقيقية، ترد
نيابة عن "العادية" قائلة:
جرى إيه يابنى ياحبة عينى ، جرى إيه؟ طب ما انت أهــه،
بقى دا اسمه كلام، ما هو كله تمام، جرى إيه؟
[23] - قراءة حضرة المحترم من هذا البعد
( بعد الصيرورة الكمية العادية غير ذات الجدوى) تحتاج إلى دراسة
مستقلة، المهم هنا أن أشير إلى
البعد التطورى والبعد الإلهى المقدس الذى صبغت به هذه الصيرورة ،
رغم أنها مفرطة
"العادية". وقد
التقط هذا البعد محمد إسويرتى
التقاطا عابرا فى إشاراته إلى نظرية دارون فى قراءته لنفس
الرواية (حضرة المحترم، محمد إسويرتى، فصول المجلد السادس، العدد
الثالث، 1986 ص: 135- 161).
[24] - يحيى الرخاوى: قراءات فى نجيب
محفوظ الهيئة العامة المصرية
للكتاب ، 1991 .
قرأت الشحاذ مرة
من بعد نقدى مسطح، وقد أعجب
الكتاب والنقاد فى حينه، رغم أننى رفضته بعد نشره الأول (سنة 1971)، ثم أعلنت
رفضى هذا مؤخرا حين أعدت
قراءته فى عمل لاحق، ثم عدت
أقرؤه مقارنة بمالك الحزين إبراهيم أصلان، ولم أتـم المقارنة
بعد، ونفس هذه القضية (قضية
فشل الصيرورة البديلة -(الزائفة)-، بالجمع الكمى المتراكم)
تناولتها فى عمل بأكمله، كان أقرب إلى التدريس والحكمة منه إلى
الأدب (فى رأيى، رغم تقدير كثيرين له بغير ذلك) وهو: عندما
"يتعرى الإنسان"، يحيى الرخاوى، الناشر: دار الغد للثقافة
والنشر القاهرة، 1979.
ثم إن هذه القضية هى
قضية متكررة فى كثير من
الأعمال الأدبية، حتى لم يعد فيها جديد أصلا، اللهم إلا
تغيرها مع نمو الشكل وطزاجة التناول، ويبدو أن نجيب محفوظ
نفسه قد طورها فى دورات الحياة فى الحرافيش، وفجرها فى ليالى
ألف ليلة، ورأيت فيما رأى النائم، بتقنية أروع وعمق أبعد (قراءات فى نجيب محفوظ، 27).
وهذا النوع من
التراكم الكمى (الصيرورة الزائفة) هو الذى أسميته الوجود المثقوب
فى دراسة فى علم السيكوباثولوجى (12:ص29).
[25] - للأسف فإن النموذج "الدينى" الذى
يطرح على الساحة النفسية (وغيرها من الساحات) باعتباره غاية
المراد، وطاعة رب العباد، هو نموذج "النفس المطمئنة"
بالمعنى الذى نشير إليه هنا فى اختيار السكون، وليس بمعنى
الرجوع إلى ربها، من خلال "أدخلى فى عبادى" مؤتلفة مع الجهاد
السابق واللاحق= الكدح كدحا لملاقاته، وعرض الأمانة فحملها، وكشف
الغطاء، وتلقى القول الثقيل .
[26] - حدث الموت فى حالة العادية يحتاج إلى وقفة
خاصة مثل بقية المستويات، فالشخص فى حالة العادية حين يموت "عدما" فهو
ينقرض، فإذا عمّ ذلك، فالنوع كله مهدد بالفناء، لكن نفس شخص العادية، ودون إبداع
ظاهر، قد يموت "نغما" حين يكون الموت هو تلك النقلة التى أشرنا إليها من
الوعى الشخصى إلى الوعى الكونى (إلى وجه الله)، وفى هذه الحالة تكون الطفرة – حتى
فى حالة العادية – هى تجاوز الموت بشكل أو بآخر.