8 - تنوع العلاقات بين الجنون والإبداع، وأنواع
الإبداع المقابل:
لاحظنا
فيما تقدم أن العلاقة بين حالتَىْ الجنون والإبداع تشير إلى
بداية مشتركة، وموقف متحدٍّ ومضاد - فى نفس الوقت- لغلبة
"حالة العادية" ولاحظنا فى الوقت نفسه أن ثم مسارا
مختلفا وناتجا متنوعا لكل منهما، مع احتمالات تبادل، أو تضاد،
بما يحمل كل ذلك من آثار مختلفة على مسيرة النمو، التى يعد
أحد مظاهرها "الإبداع"، وبعض مضاعفاتها "الجنون".
وكل هذا يحتاج إلى إيضاح.
ينبغى
أن يعاد النظر فى الزعم بأن ثمَّ شبها بين الإبداع والجنون
من خلال تلاحق المراحل التى عرضناها فى التسلسل السابق (فقرة
-7-)، ويستحسن أن نكرر أن الالتباس حول
الشبه بينهما يأتى أساسا:
1- من أن كلا منهما هو
نقيض حالة العادية.
2- وأن انبعاثات بداية
كل منهما هى واحدة من حيث تنشيط المعرفة الأخرى، وإحياء وحدات
لغة بدائية سبق كبتها أو إهمالها، أو تأجيل التعبير بها أو
حفظها، ناهيك عن تشويهها، ودغمها..إلخ.
8 – 1 بداية واحدة وتميز صعب
فى هذه المرحلة الأولى على وجه
التحديد يكاد يكون من المحال التمييز اليقينى، أو حتى المرجح،
للمسار الذى سوف تتجه إليه خطوات الحركة. لذلك فإنه يمكن أن
يعد الشبه بين انبعاثات البدايات الأولى للعمليتين (الإبداع والجنون)
كما لو كان تطابقا، بل إن واقع الأمر يكاد ينفى أن ثمة
ظاهرتين يمكن التمييز بينهما فى هذه المراحل الأولى. ومن ثمَّ
فليس مطروحا ابتداء أن نتحدث -فى هذه المرحلة الأولى- عن
تشابه أو اختلاف، وتأكيدنا للتطابق هنا لايمتد إلى تشابه فى
المسار أو فى النتاج. وللأسف، فإن الأبحاث السائدة فى هذا
المجال إنما تركز على ظاهر سلوك المبدع والمجنون فى شخصية كل
منهما، وطباعه وبعض أعراضه أو سلوكياته، وقد تتناول الناتج بنسبة
أقل تواترا. إن الجدلية المحتملة بين الابداع والجنون يمكن أن
نتعرف على طبيعتها إذا افترضنا أنه بعد بداية البداية يحدث
جذب محتمل فى اتجاهين متضادين، وتقل فرص الجدل كلما تمادى
التميز وافترق مسار كلٍّ إذْ تتسع المسافة، فيحل محل العلاقة
الجدلية علاقات تضاد أخرى. هنا يجدر بنا أن نميز بين الألفاظ
التى سوف نستعملها فى شرح أشكال التضاد المحتملة فى العلاقة
بين الإبداع والجنون، وهى ألفاظ: الإبعاد، والنفى، والتناقض،
ثم التناقض الجدلى، ولسوف أحاول أن أحدد الفروق بحسب
استعمالاتى لها هنا من خلال تحديد نوع العلاقة، ومدى المسافة،
وتوجه الحركة بين كل طرف من أطراف القضية، والطرف الآخر.
ففى
"الإبعاد": يكون الضد نافرا عن ضده، ظاهرا
على حسابه، متجها عكسه، بعيدا عنه، فيكون الجنون عكس الإبداع بحيث يكون
تمادى أحدهما على حساب الآخر.
وفى
"النفى": يكون الضد مُبطلا لضده، شالا
لفاعليته (=ماحيا أثره الظاهرى)، كما تكون المسافة بينهما ثابتة
(مجمدة)، ويكون التوجه (لكل منهما) دائرا فى محله، وفى اتجاه
عكس الآخر، مع الثبات فى الموقع (أو فى أى حركة مكافئة بلا
دفع)، وقد لا يظهر على السطح أيهما، أو يلغى أحدهما الآخر نهائيا وهو يحل محله
طول الوقت.
أما فى
" التناقض" فيكون النقيض مواجِها لنقيضه،
ملازما له، مناطحا إياه، وقد يظهر ذلك فى شكل توقف تصارعى، يتجلى فى التوتر
المشلّ، والتردد المزمن، فضلا عن احتمالات تفجرات متقطعة.
وفى التناقض الجدلى يكون النقيض مواجها
لنقيضه أيضا، لكنه يكون أيضا متداخلا فيه، حتى تكاد
المسافة تختفى لتتجدد متخلقة باستمرار، كما يكون
"التوجه" هو "محصلة" المواجهة إلى اتجاه يشملهما
معا. وهذا ما يظهر فى شكل الإبداع سواء كان إبداع الذات نموا، أم أى من أشكال
الإبداع المعروفة.
على أن الإبداع يتشكل عمقا
وأصالة بقدر عمق واعتمال الجدل.
الاحتمال الأكثر ندرة هو
حين يحتوى الإبداع الجنون ويتمثله ليخرج به معه، ولا يحل محله، وهو ما اسميه هنا:
الإبداع الفائق.
أما الإبداع البديل عن
الجنون فيظهر حين يتغلب الإبداع على الجنون فيظهر سلوكا معلنا،
وناتجا محددا، فهو يفعل ذلك بإخفاء الجنون فى داخل الذات
كامنا، ضاغطا فى الوقت نفسه، وكلما زاد تناثره تفرقا، زاد
الإبداع الظاهر تماسكا، لكن هذا الإبداع البديل يظل على صلة غير مباشرة
بحركية الجنون وتهديده.
وفى حالة ما إذا غلبت آليات
التفكك حتى ظهر الجنون فإنه يكون شديد التفسخ حتى تقل فرص إعادة التشكيل –
علاجا فإبداعا- وإن لم تختف.[1].
يظل
هذا النوع من الإبداع إبعادا ملحا، وظاهرا، ونشطا، بقدر مايظل الجنون
كامنا ومهددا فى آن واحد. وهذا النوع من الإبداع هو الغالب فيما
نسميه إبداعاً، وهو الذى يظهر فيما هو ناتج رمزى تشكيلى ملموس ومسجل،
إنه ليس هو المستوى الأقصى من الإبداع الذى يحتوى الجنون جدلا، وهو
ليس الإبداع المسئول عن تغيير النوع على مسار التطورالحيوى. وهو بديل
بمعنى أنه بديل الجنون إبعادا، وفى الوقت نفسه هو بديل
الإبداع الأقصى الذى سنسميه من الآن:" الإبداع
الفائق" (الجداول: الملحق الأول)[2].
إن
أهمية تحديد هذا الإبداع البديل برغم قصوره عن الإبداع
الفائق، هو أن نوضح دوره، وفى الوقت نفسه أن ننبه إلى نتائج
الوقوف عنده، أو التمادى فيه على حساب ماهو إبداع أهم وأرقى.
فإذا
رضينا أن نتقبله بديلا عن الجنون فهذا حل وارد، يقابل زعم
فرويد أن الحضارة هى التسامى عن الغرائز (وليس السمو بها)،
أما إذا حل محل الإبداع الفائق طوال الوقت (بديلا عنه
أيضا)، فأجهض نبض النمو الحيوى، فردا فنوعا، فلا مفر من مواجهة
الاعتراف بأنه إبداع متواضع أو متوسط، وأيضا هو قد يكون معطلا لما هو أعمق
وأرقى.
لابد من الاعتراف أيضا بأنه لايمكن الحسم
بسهولة (أو حتى بصعوبة) إذا ما كان
هذا الإبداع البديل هو بديل عن الجنون أم عن الإبداع الفائق،
والأرجح – كما ذكرنا – أنه بديل عن الاثنين معا.
كما
ننّبه أيضا أن الإبداع الفائق إنما يحمل كل إرعاب الجنون وملامح
تناثره.
ثم إن
هذا الإبداع البديل عند ما يكون بديلا عن نمو صاحبه
(إبداع ذات المبدع) قد يمثل نوعا من الإسقاط الذى يترك شخصية
المبدع دون تغيير جوهرى بعد كل خبرة إبداع، وذلك لأن صاحبه -
مرة أخرى- قد حط حركية الإبداع فى الخارج، فحلت محل ذاته،
فهو بإبداعه هذا لايجادل جنونه، وإنما يستبعده، إذ يحل محله
(محل جنونه) ثم إنه - بإبداعه البديل- يظل قادرا على تغطية
تناثر الجنون القابع فى الداخل وقمعه.
المبدع
هنا ـ فى الإبداع البديل ـ يستعمل لغة مفهومية ضابطة ومنضبطة
بطريقة جميلة ومنسقة وهو يكاد يرعب من توقفه عن الإبداع
خشية أن يقفز البديل (الجنون)، حتى ليمكن أن يسمى هذا الإبداع
أحيانا بالإبداع القهرى: "إما أن تبدع أو تجن"، اللهم
إلا إذا انطفأ زخم الحركة من خلال علاقة أخرى، هى النفى، ففرط العادية
أو إذا تطور إلى علاقة أرقى: التناقض فالجدل فالإبداع الفائق.
وقد
تتبادل خبرة الإبداع البديل هذا مع نوبة جنون عند الشخص
نفسه، ويظل احتمال التناوب قائما ماظلت علاقة الإبدال هى
العلاقة الغالبة.
علاقة النفى، بحسب التعريف السابق، هى علاقة
"تسوياتية" ساكنة وهى
تعرض نفسها، أو تفرض نفسها، فى المراحل الوسطى لتطوير
العمليتين. حيث ينجح أى من الطرفين، بل كليهما، فى أن يبطل
مفعول الآخر نسبيا على الأقل، فيتجمدان فى علاقة هامدة نسبيا أيضا،
إذ تثبت المسافة بينهما، وتستدير الحركة فى محلها، كل عكس
الآخر، أو تتجمد بأى بديل مكافيء فى أى اتجاه، فيصبح
"البسط" unfolding المعلن خاملا أو موقوفا
فى المحل وهو لا يتجلى فى سلوك ظاهر، فلا إبداع، ولا جنون.
ويكون ناتج هذه التسوية المتجمدة هو احتمال الاكتفاء باستمرار
ظاهر لما هو حالة "العادية"، التى إذا ما بولغ فيها بدت
تصنيفا مرضيا على نحو ما أشرنا إليه بالتعبير الجديد "فرط
العادية الذى يمكن أن يصل إلى "اضطراب الشخصية النمطى"، الذى من بعض
صوره الجمود الدينى والأيديولوجى. هذا الحل بالنفى قد يتبادل مع
الحل بالسلب، ونادرا مع الحل بالتناقض الناقص (أنظر بعد)، وهو
الذى يفسر بعض شذوذ السمات عند بعض المبدعين، خصوصا فى فترات
السكون (اللاإبداع)، وهو مايبدو كأنه: السلامة من الجنون
"بالجمود"، على حساب حركية الإبداع.
8 – 2
مستويات الجدل
العلاقة الأهم والأخطر فى كل ما ذكرنا هى علاقة التناقض الجدلى
حيث يكون الإبداع هو الناتج الولافى للجدل بين العلميات الأولية
والعمليات الثانوية بعمليات ثالثوية تشمل الاثنين معا كما
اقترح سلفانو أريتى.
الجدل
الأعلى يتم: ليس بين المعرفة البدائية والمعرفة المفاهيمية، بل
بين نقيضين يتكونان فى اتجاهين مختلفين (أو فى هذه
المرحلة: يتحركان إلى اتجاهين
مختلفين)، إذا لم تحدث منذ البداية أية تصفية للموقف
بالإبعاد (الإبداع البديل) أو بالنفى (إبطال/إحباط الإبداع
وإحلال اضطراب الشخصية، أو فرط العادية،
محل الجنون) - إذا لم يحدث هذا أو ذاك، فإن هذه الجدلية
تطرح نفسها بنشاط متميز فى بداية العمليتين، ذلك أنه بمجرد تخلخل
الكيان القائم، وقبل التمييز الصريح إلى ماهو إبداع أو جنون
(حتى أننا يمكن أن نسمى مرحلة التمييز هنا: مشروع إبداع ومشروع
جنون معا)، يكون فى التقارب والحركية فرصة لجعل التناقض موجها
بما يسمح بالتلاحم والتصارع والتناغم واحتمال توجههما إلى
مايتجاوزهما، أى إلى ماهو "الإبداع الفائق" الذى
يحتويهما فى كلٍّ أعلى. ذلك لأن هذا النوع من الإبداع هو
الذى يحتوى الجنون فى كليته (إذن: دون التميـّـز إلى جنون)، فهو
ليس بديلا عن الجنون مثل الإبداع البديل (التسامي)، لأنه لا
يظهر على حساب جنون كامن متربص، بل هو يستوعب الجنون
ويلتحم به ليتخلق معه إلى ما يجاوزهما، وهو - بذلك- يتصف
بحركية كلية لاتترك جانبا من الوجود إلا وشاركت فيه، بما فى
ذلك الوجود الجسدى.
تتميز مسيرة هذا النوع برعب خاص قبيل خوض التجربة، وأيضا
تتميز بإثارة حفز مسئول عن فعل تلقيها (فحمَـلها الإنسان)، وهو
إبداع لايعقبه هدوء تفريغى يعلن التخلص من توتر ما (كما هو
الحال فى الإبداع البديل). كل هذا لايترك المبدع كما هو بعد
إبداعه، بل تتمدد ذاته من خلاله إلى درجة يختلف هو بها،
وقد يختلف تبعا لذلك -قليلا أو كثيرا- إبداعه التالى. مثل
هذا المبدع غير معرض-بالقدر نفسه- إلى أن تتبادل نوبات
إبداعه مع نوبات جنونه، كما أن فرصة جنونه تتناقص باستمرار،
لأن الجنون عنده لم يعد مكبوتا بإبداع بديل، وإنما هو جزء
ظاهر متداخل وملتحم فى الإبداع نفسه.
إن هذا
الإبداع الفائق هو طفرة نوعية، أحد مظاهرها هو الناتج المبدع،
وبقية علاماتها التغير الجذرى فى الوجود الذاتى/الكونى، وهو مايصف-مثلا
وأساسا-الخبرة الصوفية الحقيقية، التى لاتحتاج بذاتها إلى ناتج
معلن عادة.
إن
إبداعا بهذه الخصائص ليس هو المتواتر، وهو حتى إن وجد
أحيانا، فقد يصعب أن يتكرر كثيرا، ناهيك عن أن يستمر طويلا
(هذا فى مجال ما هو ناتج رمزى مشكل).
8 – 3
تباديل محتملة
قد
تتبادل علاقة الجدلية، المسئولة عن الإبداع الفائق، مع علاقات
النفى والإبدال، على نحو يجعل ناتج الإبداع، وصفات المبدع،
تتأرجح فى مسارها الطولى بحسب مايتغير عنده من علاقة الإبداع
بالجنون فى كل آن، وكل تجربة، وكل إبداع. وكما ذكرنا: إن
فرصة العلاقة الجدلية- لصعوبتها وخطورتها- إنما تتاح فى المراحل
الأولى لتميز النقيضين دون تباعد، ثم تقل فرصها باستمرار مع
تباعد المسافة، وطول المسار، واختلاف التوجه، ولكن يظل الاحتمال
قائما مهما تضاءلت فرصه، حتى أن الاتجاه إلى علاج الجنون
بالإبداع إنما يعنى فى عمق جديته احتواء حركية الجنون دون الإسراع بشلها ابتداء،
سعيا إلى احتمال ترجيح إمكانية قلب توجه الحركة السالبة إلى اتجاه إيجابى
جدلى حتى بعد ظهور الجنون صريحا.
8 – 4 تحويل المسار (العلاج)
علينا هنا
أن نوضح كم هو صعب أن نحول مسار الجنون إلى إبداع، لأنه لاينبغى أن نتصور
أن المسالة هى مجرد تدريب على مهارة مثلما يشاع أحيانا عن العلاج
بالشعر، أو أن نرادف بين هذه الجدلية الصعبة وتوجيه المرضى
لتفريغ بعض توتراتهم من خلال نشاط فنى "ما"، لأن
المقصود هنا هو محاولة تحوير العلاقة الأساسية بين الحالتين،
بما يخلق من بعض الجنون ماهو "ضده/به/معه". وهذا
شيء مازال يقع فى دائرة الأمل أكثر منه فى ملموس الواقع. إن تحقيق هذا
الأمل يتطلب منا أن نحاول أن نتراجع بالتناثر السائد المتمادى إلى
مرحلة أسبق، هى أقرب إلى مشروع الإبداع القريب من مشروع
الجنون، فنوفَر فرصة أرحب لتنشيط جدلية حقيقية تستوعب الجنون، فيكون
الشفاء ليس باختفاء الجنون، وإنما باحتوائه، على نحو يشمل
وقاية حقيقية مهما كانت نسبية، إلا أنها نوعية.
8 – 5
عن الإبداع الفائق:
الإبداع الفائق إذ يتداخل مع
الجنون إنما يستولى فى الحقيقية على جزء منه كما أشرنا، بحيث
لايعود قادرا عل الانفصال عنه بعد أن ذاب فى كلية جديدة،
وهذا ما يجعلنا نتبين بعض ملامح الجنون من خلال هذا النوع من
الإبداع، وإن كانت هذه الملامح لا تظهر عادة كما هى،
بل تبدو محورة ونابضة فى جوف كلية الفعل/ الناتج الإبداعى،
بحيث يكون من المحال تمييزها منفردة بوصفها جنونا، كما يكون
من المحال فى الوقت نفسه إغفالها بوصفها مجرد ترجمة من لغة
معرفية بدائية إلى لغة مفاهيمية محكمة، إذ لابد أن يتداخل
تيارا المستويين المعرفيين تداخلا محكما، يرتقى بهما معا.
وأخيرا
فإن هذا الإبداع الفائق هو فعل فى ذاته، وليس ترجمة لفعل
أو وعد بفعل، أو حفز على القيام بفعل، لأنه تغير حيوى
(بيولوجى) جار، أحد وجوهه - فحسب - هو الناتج الإبداعى المعلن.
نظرا
لشدة تكثيف هذا النوع من الإبداع، فإنه ينبغى أن نقتنع بأنه
نوع نادر، وأنه مواكب بدرجة ما لنوع المجتمع الذى يسمح
به/يفرزه، ومتناسب مع درجة حيويته. لذلك لاينبغى أن نبالغ فى
أن نجعله مطلبا فى ذاته، فى ظروف لاتسمح بإفرازه، كما لاينبغى
أن يجُـبّ ما سواه (الإبداع البديل مثلا)، فمسيرة الإنسان
تحتاج إلى كل التوافيق والتباديل الممكنة طول الوقت. ثم إن
جرعة متوازنة من هذا الإبداع الفائق، دقيقة ومتوازنة، هى جارية
أبدا بعيدا عن بؤرة الوعى، وهى دائمة المـعـاودة مادامت الحياة،
وهى المسئولة فى الواقع عن نمو النوع وتطوره فى طفرات على
المدى الطويل.
8 – 6 الإبداع
المجهض
هناك إبداع آخر قد يختلط مع هذا النوع الفائق،
حتى ليخيل إلينا -من بعيد- أنه هو، غير أن هذا النوع هو
نشاط نافر، يفتقر إلى التناغم، والتواكب، والخط المحورى، وهو يبدو
فضفاضا هشا، بحيث يمكن فصل الجزء منه -أى جزء- عن الكل
الممتد (لا المتلاحم). وهذا الإبداع المتزاحم، حتى التصادم
والمتخبط، هو نتيجة إجهاض لجدلية الجنون والإبداع معا، وناتج هذا
الاجهاض هو ما يمكن أن يسمى الإبداع الناقص، أو الإبداع
المجهض، أو الإبداع المبتسر، بمعنى أن هذا الإبداع هو نوع
من إخراج المادة المستثارة والمفككة، وهى بعد فى مراحلها الوسطى،
متداخلة مع المفاهيم فى بداية جدلية لم تكتمل، إذ لم يتحملها
صاحبها حتى تنضج، "فتخلَّـص" منها كما هى، ناقصة
كما بيـّنا . ثمة صعوبة مبدئية فى التمييز بين هذين النوعيين
(الفائق، والمبتسر)، حتى أن الأمر قد يحتاج إلى دراسة معالم أخرى إلى
جانب الناتج الإبداعى، تحفز الناقد على مواصلة جهده فى اتجاه
البحث عن التمحور، لاحتمال الكشف عن الكلية الغائبة الضرورية
لناتج الجدلية الإيجابى، وحتى يغامر الناقد ببذل مثل هذا الجهد،
فقد يحتاج إلى مزيد من التعرف على المبدع فى إنتاجه المفاهيمى
المصقول[3]،
حتى يطمئن بشكل ما إلى أن المحاولة جادة ومجاوزة، وليست هروبا
متعجلا، كذلك فإن النظر فى أثر الإبداع على المبدع وإنتاجه
اللاحق قد يعين الناقد فى تحديد مدى إيجابية التوجه.
على أن
ثم شيئا آخر قد لايحتاج إلا إلى مجرد إطلالة محذرة عابرة،
لاحتمال اختلاطه عند العامة لأول وهلة بالإبداع الفائق والإبداع
الناقص، وهو ذلك "الشىء" الذى ينتج من تصنّع تنشيط
وسائل معرفية أولية بدائية (دون تنشيط حقيقى، أو مغامرة...
إلخ)، فيقحم المزيـف ما زيـفـه إقحاما وسط المستوى المفاهيمى،
حتى تضطرب المفاهيم وتشوه بلا إضافة ولا إبداع، على نحو يستحق
أن نقترح له اسما هو إضافيا "الإبداع الزائف".
هذا
التدرج فى مستويات الإبداع وتصنيفاته قد يذكرنا كيف ينبغى ألا يـطلق
الحديث على علاته -هكذا- فى المقارنة بين الـ"إبداع" (أى
إبداع) والـ"جنون" (كل جنون)، وكأن الإبداع واحد،
والجنون كذلك. وسوف نقوم بعرض هذه المقابلات فى صورة مختصرة
مـجـدولة (الملحق الثانى)، نظرا لأن أى استطراد فى تفصيلها هو
خارج عن نطاق هذه الدراسة.
9
- مآزق:
على
الرغم من أننى أعيش هذه الدراسة بما هى فعل يومى منذ سنين
عددا، فإنى أعلن أنى واجهت صعوبات شخصية متحدية وأنا أحاول
تسجيل بعض معالمها، كما حاولت اقتحام مناطق كنت أحسب أننى قد
اعتدت ارتيادها، إلا أنها بدت لى جديدة ووعرة وواعدة فى آن.
وقد تصورت وأملت أن يشاركنى القاارئ مثل ذلك وغيره، فقدرت أن
أسجل فى نهاية هذه الدراسة بعض ما أعده مآزق تتطلب موقفا
بقدر ما تلقيه فى وجوهنا من تحديات، ثم أردف ذلك ببعض
الإشارات الواعدة بتطبيقات محتملة، علها تخفف عنا ما يمكن أن
تخففه لنواصل المحاولة.
9 -
1
1 – المأزق
الأول هو ضرورة مراجعة المنهج الذى نتناول به
قضايا الإبداع، والجنون، والعلاقة بينهما، تلك العلاقة التى تحتد
وتتعقد فى أول انبعاثات العملية المشتركة، وهى مرحلة كما ذكرنا
بعيدة عن التناول المباشر، حتى لصاحبها، كما أن الوحدة الزمنية
التى تحدث خلالها هى أقصر من أن تكون فى متناول الدراسة
أصلا، كما أنها-أخيرا-من المحال إعادتها للتحقق منها، فلا
الملاحظة مفيدة، ولا الذاكرة مسعفة، ولا الألفاظ الشارحة مستوعِبَة
أو كافية (حيث إننا نتحرك فى منطقة الخبرة المعرفية المدغمة
الضبابية أساسا). ثم إن الباحث (الناقد عادة) من خارج عملية
الإبداع ذاتها، اللهم إلا بإبداع مواز، لاسبيل له إلى هذه
المنطقة أصلا، مهما صدق واجتهد، دون إنكار فضله فى إضافة
إشارات دقيقة على هامش المسألة.
لا يغنى فى حل هذا التحدى أن تتجه الدراسات إلى
الاهتمام بالمسودات (برغم أنها خطوة فى الاتجاه الصحيح)، لأن
المسودة مرحلة لاحقة بشكل أو بآخر، إذ تظهر ـ على الرغم من
تشوشها المبدئى ـ بعد قليل من تخطى المنطقة الضبابية التى تبدأ
منها حركية المسارين. وأخيرا فإن التذرع بما يسمى المنهج
الفينومينولوجي-كما تعودت أن أفعل- هو حل وارد لكنه صعب،
وقد يختلط بالذاتية والشخصنة بجرعة تزيد أو تنقص، إن هذا
المنهج ـ الفينومينولوجى ـ هو عملية إبداعية قائمة بذاتها، بحيث
يصعب تصنيفه بنفس لغة ما يسمى "المنهج العلمى" عموما، مع
أنه منهج علمىّ معرفى أساسى.
2 - المأزق
الثانى هو كيفية إنقاذ المسيرة البشرية من طغيان مستوى
ظاهر من الوعى والسلوك على بقية الوجود. وهو ما أشرنا إليه منذ
البداية من خطر تغليب قيمة الحياة الكمية - إذ أننا نعلى من
قيمة ناتج الإبداع على حساب قيمة الإبداع ذاته. وقد عرضنا فى
هذه الدراسة (ومن قبل فى دراستنا عن الإيقاع الحيوى: الفصل
الأول) مدخلا للنظر فى "الإبداع اليومى للإنسان العادي،
فلعلنا ننتبه من خلال ذلك (من خلال التفرقة بين عملية
الإبداع وبين ناتجه المنشور أو المرموز) إلى أننا فى معظم
الدراسات الشائعة لانقارن عادة بين حالة الجنون وحالة الإبداع
(بالتحديد الذى أوضحناه لكلمة "حالة")، وإنما نحن
نقارن - فى الأغلب- بين ناتج الإبداع التشكيلى الرمزى وظاهرة
الجنون المرضية "القائمة"، وأحيانا ما نقارن بين صفات
كل من المجنون والمبدع وقدراتهما، حالة كونهما بعيدا عن حركية
العمليتين أساس التفاعل والمقارنة. ولعل ذلك -هو المسئول
جزئيا عن اختلاط نتائج الأبحاث فى هذه المسألة وتداخلها
وتعارضها، فالانتباه إلى أن الإبداع هو عملية، وحالة، وناتج
أحيانا، وأن الجنون هو عملية وحالة، مع ندرة ناتجه خارج
مايلحق بذات المجنون وسلوكه، لابد أن يلزمنا بتحديد مستويات
المقارنة ابتداًء حتى لايختلط الأمر.
للخروج
من مأزق طغيان المستوى المفاهيمى المصقول الظاهر على بقية
مستويات الوجود البشرى، علينا أن نرجع ـ ما أمكن ـ إلى
بدايات حركية الجدل، لنتبين أن إهمال جانب من جوانب التناقض
(خوفا من ناتجه السلبى) هو المسئول عن اختزال الإنسان إلى ما
آل إليه، وأنه لا سبيل إلى الخروج من هذا المأزق إلا
بالانتباه إلى اللغات الأخرى والعلاقات الأصعب (غير المعلنة
مباشرة).
3 -المأزق الثالث هو
ما تفرضه علينا ضرورة انتباهنا إلى حتمية الحركة، ومن ثم
حتمية الجنون، أو بتعبير أكثر لطفا، وأقل دقة، حتمية اختراق
الجنون، فإذا قبلنا أنه لكى يكون الإبداع إبداعا حقيقيا لابد
أن تكون ثمة مخاطرة بالتفكك (بلا ضمان مسبق)، وهذا ما أشرنا
إليه بوصفه جنونا، وإذا كان هذا التفكك لايحدث فى أمان نسبى
إلا فى جوف نشاط الحلم، وإذا كان هذا غير كاف فى بعض
الحالات، فعلينا أن نعيد النظر فى موقفنا مما هو تفكك =
جنون، لا لنبرر استمراره إلى مايهدد به، وإنما لنتحمل مسئولية
اختراقه بما يتصاعد بمسيرة النمو، كما أسلفنا.
وإذا
كان أغلب الإبداع هو من نوع "الإبداع البديل"، ومن
ثم فهو ليس بالضرورة اختراقا للجنون وجدلا معه، بل هو إبعاد
له وحلول محله، فإن علينا أن نخفف قليلا أو كثيرا من
الاحتفاء به، خشية أن يوردنا التمادى فى ذلك إلى إغفال الإبداع
العادى (اليومى للشخص العادى بلا ناتج منفصل عنه) من جهة،
وتجنب الإبداع الفائق، من جهة أخرى. ولا أنصح فى ذلك بداهة
بالإقلال من شأن هذا الإبداع البديل، أو الخوف من إعاقته
لخطى التطور[4].
فهو تنسيق أصيل، ورؤية مستطلعة، وجمال مضاف، فضلا عن أنه
أفضل من بديله: الجنون (المقابل) على الأقل.
4- المأزق
الرابع: لو
أننا قبلنا أنه لكى يكون إبداع فائق فلا مفر من اختراق
الجنون، لواجهنا مسئولية ضرورة تهيئة الظروف المناسبة- دينيا
وسياسيا واجتماعيا وتربويا- التى توفرجرعة بالغة الدقة من السماح
والضبط، بما يواكب المسيرة، ومرونة النبضة، ورحابة الاستيعاب.
وبألفاظ أخرى ننهى هذه الفقرة بأنه:
لمّا
كان الإبداع حتما، ومواجهة الجنون من خلاله ضرورة خطرة،
والعدول عنه جمودا، وإجهاضه تشويها، واستمرار معاودته -هكذا-
معاناةً لا يقدر عليها واحد وحده، كان لزاما علينا أن نحيط
المسيرة بما يوفر ترجيح الناتج الإيجابى للجدلية الجارية، ومن
ذلك:
مساحة
الحركة، وضمان المرونة، وضبط التوقيت، واستمرار الإبداع المُوَاكب
على مستوى السامـع والمحاور والمجتمع من خلال التخاطب المتعدد
القنوات، كل ذلك فى إطار حرية (لا تستثنى البيولوجى) تتناسب مع
حركية الجدل وقوانينه (انظر الفصل الثالث).
على أنه
يجدر بنا فى هذه المرحلة أن نعيد النظر فى الاتجاه السائد
لما يسمى "تنمية قدرات الإبداع". ذلك بأن مثل
هذا الاتجاه يصوِّر للإبداع قدرات متميزة كأنها تقع فى بعض
جوانب الحياة العقلية لبعض الناس، والأوْلى بنا من خلال ما
قدمنا أن نعطى نفس الأهمية وأكثر لما يمكن أن يسمى:
"السماح بحركية الإبداع"، وهو الأمر الوارد عند كل
شخص بطبيعة تركيبه الحيوى. وبألفاظ أخرى فإن المسألة ليست فقط
قدرات ومواهب، تزيد أو تنقص، وإنما هى حركية جدلية حتمية
تتوجه وتؤلِّفْ، أو تـجهض أو تُنكر[5].
لابد
من إعادة النظر فى مسألة التربية- على النطاق الأوسع- من
منظور حركية الإبداع وليس من منظور قدرات خاصة موجودة هنا،
وناقصة هناك، مما يسمى أيضا "ملكات" أو
"مواهب" أو ماشابه ذلك. إن الدور التربوى هنا لابد
أن يهدف إلى ضبط الجرعة: بالممارسة على كل مستوى وليس بالتلقين
- وهذا يتطلب:
(1) المرونة فى إطار متحرك،
(2) ثم المرونة دون شروط،
(3) ثم المرونة المواكَبة بالاختلاف الخلاق،
(4) ثم
التحرك فى مساحة الغيب المفتوح،
(5) ثم
العناية بالتواصل الأسرى والاجتماعى من خلال القنوات غير
اللفظية-أيضا، (وربما قبلا)،
(6) ثم حركية الإيمان/ الدين/ التصوف/
الإيديولوجيا/ المراجعة... إلخ،
(7) ثم
حركية التلقى فى مجالات النقد المبدع على مختلف المستويات. وهكذا
باستمرار وغير ذلك مما لامجال لذكره هنا الآن.
[1]- وبصفة عامة نوضح هنا أهم الظروف التى يحدث فيها
مثل هذا البسط الجسيم - المرض، وهى:
(أ) أن يحمل الفرد حفزا وراثيا لحركية التعتعة الجسمية والبسط
الأعظم- وهذا يتبين من تاريخ عائلته الوراثى، سواء مايتعلق
بالإبداع أو الجنون، إذ عادة مايتواتر فى العائلة الواحدة
تاريخ كل من الظاهرتين بصورة أو بأخرى. ويمكن أن نـرجع هذا
الاستعداد الوراثى إلى كم قلق المعلومات ونزقها، مما يشير إلى
أن تلك المعلومات لم تُتَمثل تماما، فى الجيل السابق، فانتقلت
إلى الفرد الحالى عن طريق الذاكرة الجينية فى قطاع بشرى بذاته،
يحمل جرعة زائدة من هذه المعلومات غير المتمثلة. (ب) أن
تعجز التعتعة الدورية (الحلم النوم اليقظة)، (أى = التفكيك،
التعزيز/الاستيعاب) عن أن تقسم جرعات البسط إلى جرعات مجزأة
يمكن استيعابها يوميا أولا بأول، دون حاجة إلى بسط أعظم.
(ج) أن تتجمع- بالإضافة- معلومات جديدة غير متمثلة (غير= =مـعـايشـة
كيانيا لدرجة الهضم فالالتحام بالكل النامي) حتى تتزاحم وتضغط
مع المعلومات الموروثة غير المتمثلة على نحو ينتج عنه الحفز
الشديد لهذا التخلخل البسطى الجسيم.(د) أن تحين فرصة التخلخل
حين يختل توازن "الضبط/الضغط" (الضبط من الخارج ومن
الداخل معا، والضغط من الداخل مثارا بالخارج أحيانا)، بما
يسمح بإطلاق الكامن الضاغط فى وساد الوعى القائم نفسه. حتى
يختل التوازن تلقائيا أو دوريا، أو نتيجة لظروف خارجية- كما
ذكرنا.
[2]- لم أعرج فى المتن بالتفصيل إلى مستوى الجنون
البديل (لكل من الإبداع والجنون المتفسخ/الفصام- معا) لما قد
يجرنا ذلك إلى تفاصيل مهنية تخصصية، قد تبعدنا عن محور هذه
الدراسة الأساسى، فأكتفى هنا فى الهامش-لمن يهمه الأمر- أن
أحدد أن ثمة أنواعا أخرى من الجنون قد تبدو كأنها متماسكة
الظاهر، راسخة الظهور، مسلسلة المنطق المرضى أو هى تبدو شاقة
تيار الوعى، أو مفرطة فى جرعة التجميد المضاد ضد التهديد
بظهور التناثر. وكل هذه الأنواع إما تظهر بهدف إيجاد مخرج
ولو مؤقت يوقف ضغط التناثر وجذب الانسحاب النكوصى لا مجال
لتفصيله حتى فى الهامش.
[3] - سبق أن اشرت كيف صبرت
على أدونيس شاعرا، من خلال احترامى لدراساته النقدية، خاصة فى "الثابت
والمتحول".
[4]- مررت بفترة كنت فيها أعد أى إبداع رمزى مسقط
خارج الذات مهربا من مواجهة مسئولية النمو الذاتى، وكان هذا
نتيجة لملاحظتى للارتباط التناسبى العكسى بين قرض الشعر مثلا
ونبض "الحضور الفعلي" فى العلاج الجمعى، وهكذا. ثم
رويدا رويدا عدلت عن ذلك، على الرغم من أنه مازال يمثل فى
مختلف مراحل كتاباتى، أرضية فاعلة فى معظم الوقت- ورجحت أن من
لا يستطيع أن يعيش ما يراه (إبداعا) فليكتبه لمن يستطيع
(مستقبلا)، ورضيت بهذا التأجيل والتبرير.
[5]- فيما عدا ما يسمى الزملة المخية العضوية Organic Brain
Syndrome بما يشمل الذهان المصاحب لها، حيث تحدث الأعراض بما
فى ذلك التناثر، ليس نتيجة لضغط مفكك، وإنما نتيجة لتقطع
عشوائى بسبب إصابة أو تهتك أو ورم أو تسمم. ولايسرى على هذا
النوع أى مما ذكرنا، اللهم إلا فى هوامش الأعراض التعويضية،
وبدرجة طفيفة ومحورة لا أهمية لها فيما يتعلق بالفرض الحالى.