الفصل الثانى
جدلية الجنون والإبداع [1]
تقدم هذه المداخلة مستويين من الجدل فيما يتعلق
بالإبداع، الأول:
الجدل بين المعرفة البدائية
والمعرفة المفاهيمية، والثانى: الجدل بين المراحل الأولى (وفى النادر: التالية) من الإبداع،
والجنون[2].
وهى تقدم الإبداع
والجنون بوصفهما حالتين من "حالات الوجود"، فى مقابل
"حالة العادية"، وجميعها هى حالات تتداول من خلال الايقاع الحيوى
لكل فرد، بدرجات وتجليات مختلفة لتحل محل تقسيم الناس إلى مبدع، وعادى، ومجنون
وتختلف العلاقة بين الإبداع والجنون: من التشابه المتطابق (قبل
التميز إلى أيهما) إلى السلب أو الإبعاد أو التناقض، ثم إن
تفرقة واجبة الإيضاح بين حالة الإبداع (بما فى ذلك الإبداع
الحيوى= تطور الحياة ونمو الإنسان نوعيا)، وناتج الإبداع فى
أعمال خارجة عن ذات المبدع فى صورة تشكيلات مسجلة خارجه.
وتنتهى المداخلة إلى ضرورة التمييز بين مستويات الإبداع وتشوهاته،
حيث بينت الفروق بين كل من الإبداع الفائق، والإبداع البديل،
والإبداع الناقص (المجهض)، والإبداع المحبط (اللاإبداع=المجمد)، مع
ما يقابلها من مستويات، الاضطراب العقلى.
وأخيرا:
تُختتم المداخلة بالإشارة إلى بعض
مجالات التطبيق فى علاج الجنون وتشخيصه، وتطور اللغة، ومشكلة
الحداثة فى الشعر خاصة، والإبداع الذاتى فى التصوف مثلا.
1-
بدءا من البداية
مازالت قضية علاقة الجنون بالإبداع تمثل تحديا للوعى
البشرى
(وليس فقط للبحث والمعرفة) . وقد بلغ الأمر من
الخلط والتساؤل ما يحتاج إلى مواجهة صعبة، تعيد ترتيب المداخل
والمراحل حتى تتضح المعالم، سواء بالنسبة لاحتمالات التشابه
والخلاف، أو بالنسبة لنوعية التفاعل، أو بالنسبة لمخاطر الخلط
والتداخل.
هذا هو بعض هدف هذه الدراسة.
منذ أصيب الكائن البشرى بمحنة غلبة "الوعى المعقلن"[3]
ومسئوليته، تصور أنه امتلك وسائل تخطيط مستقبله، فراح يتدخل فى مسيرة
حياته، فمصير نوعه، تدخلا عشوائيا غير منتظم. ومن ذلك أن
تزايد ترجيحه، وبخطى عملاقة، لذلك الجانب الكمى
"الإنتاجي" من الوجود البشرى، على نحو نتج عنه تضخم فى
ناحية سطحية من الظاهرة البشرية دون سائر كليتها، تضخم يكاد
يهدد بالانقراض[4].
وقد ترتب على ذلك أن الانسان فى محاولته لتحقيق التوازن
بترجيح "الجانب الآخر" من الوجود، ليكتمل، أصبح عليه
أن يتجاوز هذه الوصاية ليخترق ما فرضته من قيود (كمية،
ومغتربة) على باقى مستويات وجوده، وهو إذ يفعل ذلك
يكتشف أن عليه أن يصارعها
(الوصاية) صراعا مهدَّدا
بالإخفاق، الذى كثيرا ما يتجلى فى شكل ما يسمى اضطراب نفسى قد
يصل إلى درجة مايسمى "الجنون".
نحن لا نعرف تحديدا كيف حل تاريخ التطورالحيوى ما
يقابل هذه المشكلة المتحدية، ولكننا نرجح أن افتقاد ما قبل
الإنسان لهذا النوع من الوعى المتدخـِّـل، قد أتاح الفرصة أن تعمل قوانين الحياة بشكل
أقرب إلى التوازن الكلى، على نحو ضيَّـق الهوة الواجب اجتيازها
عند كل طفرة نوعية. ثم إن الإخفاق فى طفرات تاريخ التطور
الحيوى كان يعلن عن نفسه بالانقراض أساسا (أو بالتوقف عند
نوع بذاته)، كما أن النجاح كان يتمثل فى اطراد النقلات
الكيفية على مسار تطور الحياة. لكن الإنسان بعد أن اكتسب
الوعى (هذا الوعى) راح يحاول أن يستطلع
المسيرة ليحدد معالمها وهو يرجح احتمالات نجاحها، وفى
محاولاته تلك: كان عليه أن يتجادل مع تاريخه الآنى وهو الذى
يتمثل فى مستويات الوعى الأقدم التى يحتويها تركيبه حالا، وكانت
بعض تجليات هذا الجدل هو ما يسمى الإبداع (كما نعرفه-غالبا:
ناتجا رمزيا تشكيليا مسجلا) إلا أنه لم ينجح على طول الخط،
فظهرت أشكال فشله فى التوقف أو الجمود أو التناثر حتى
الجنون.
هذا، ومع تقدم ما يسمى بالعلوم المُحكمة[5] على حساب الإبداع المشتمل، زادت الفجوة
بين الجزء الكمى الظاهر الطاغى من الوجود البشرى، وبين سائر
المستويات الأخرى- مستويات الوعى الكامنة فى منظومات الدماغ
الهيراركية[6]،
فأصبحت النقلة من الوعى المعقلن إلى محاولة التكامل محفوفة
بمخاطر متزايدة، وبالتالى أصبح تحقيق الإبداع النمائى الطبيعى
مرتبطا ارتباطا تاما بتهديد الجنون.
الامتحان المواجِه لإنسان اليوم هو امتحان عبوره – واعيا مشاركا -
أزمة تطوره . احتد الوعى بشكل غير مسبوق حتى انتقلت القضية الحيوية
لحركية الحياة من: "إما أن نتطور أو ننقرض"، إلى
"إما أن نبدع أو نُجن".
كان من البديهى أن تنشأ حركة مواجهة نافرة تحتج على
غلبة هذا "الوعى المعقلن"، فظهرت أطروحات مضادة منذ
نهاية الحرب العالمية الأولى وقد بلغت ذروتها فى الأربعينيات إلى
السبعينيات، وذلك مثل الحركة المناهضة للطب النفسى[7]
(والمبرِّرة للجنون ضمنا)، ومثل بعض أشكال الأوتوماتية فى الشعر[8]،
مارين ببعض التجمعات السياسية المتناثرة، والصرخات الاجتماعية
الطفلية والنكوصية المجهَضة. وقد أخفقت أغلب هذه الحركات
المضادة من خلال اختبار الزمن، (بدأ إعلان الإخفاق من أواخر السبعينات ثم
الثمانينيات وهو ما زال يزداد فى معظم المجالات..) . كاد هذا الإخفاق يصبح
مبررا لتمادى اغتراب الإنسان اندفاعا إلى الجانب الآخر، على حساب جدل تطوره
ونوعية وجوده.
فى محاولة أخرى تواترت أشكال
الإبداع التفريغى التطهيري!! (التسكيني)، والإبداع الجمالى
(والتجميلي)، وماشابه، على نحو أدى وظيفة توازنية تهديئية، لكنها
لم تكن كافية لكبح طغيان الوعى المعقلن، بل لعلها أجلت
المواجهة، بل كادت تعطل المسيرة.
كذلك شاعت فى
الحياة اليومية قيم "التكمية الاغترابية"[9]
بدءآ من الرفاهية كهدف نهائى، مرورا بالمبالغة فى الاقتصار على
تحريك الوعى أو تخميده بعوامل كيميائية خارجية سواء كانت
عقاقير حديثة يروجها الطب النفسى الميكانيكى، أم كانت مخدرات
ومنشطات مسئولة عن تمادى ظاهرة الإدمان، أم كانت تفسيرات سطحية لنصوص مقدسة رائعة،
المفروض أنها ملهِمَة أكثر منها وصية مجمِّدة.
هكذا أصبحت الحاجة ماسة إلى أطروحة محيطة (لا عكسية
ولا بديلة) تستوعب النقيضين لتحقق التوازن الحركى الجدلى الدافع
لاستمرار المسيرة واضطراد التطور،
وهو ما أسميناه ـ هنا - الإبداع الفائق (أنظر بعد)، الذى يمكنه أن يحتوى المكاسب البشرية الكمية
المتحدية بوصفها أدوات، ليخدم بها كلية الوجود البشرى، من أجل
استمرار حركته المتنامية نوعيا.
غير أن هذا النوع من الإبداع، مع
وجود هذه الفجوة الناتجة عن فرط الاغتراب، قد بدا نوعا أكثر
خطرا، وأشد صعوبة، وأزعج إرعابا،، ذلك لأنه يتطلب المخاطرة
بتنشيط منظومات الوعى: الأثرى، والطفلى، والفج، والبدائى، دون أى
ضمان لعدم غلبته أو التوقف عنده، بمعنى أنه لكى يكون
الإبداع إبداعا على هذا المستوى، فلابد أن يخترق مرحلة الجنون
بشكل أو بآخر. وقد ترتب على ذلك،
وعلى الخوف من ذلك، أن ظهرت أشكال مجهضة ومختلطة، من
الإبداعات المختلفة، حتى لو كان بعضها أصيلا جزئيا، أو بدايةً،
مما زاد الحاجة إلى مواكبة نقد مسئول مبدع طول الوقت.
وهذا بعض اتجاه هذه الدراسة.
2- تحديد مفاهيم:
على الرغم من أن مفهوم كل من الجنون والإبداع يكاد يكون
من الشيوع بحيث يبدو كأنه لايحتاج إلى تحديد أصلا، فإنه تلزمنا مناقشة مضمون هذه المفـاهيم حتى تتحدد معالم ما نشير إليه
هنا بدقة مناسبة،
لذلك سـوف نحاول - ابتداء -
تحديد ما
نعنيه بكلٍّ من الإبداع والجنون،
وذلك بصورة مبدئية، مع الوضع فى الاعتبار أن هذا التحديد المبدئى ليس
ملزما حتى نهاية المداخلة، فهو قابل للتعديل من خلال تطور التناول وإعادة
النظر طول الوقت.
لم يستقر الأطباء المختصون أنفسهم على وصف الجنون أو
تحديده أو تقسيمه إلى فئات متفق عليها اتفاقا تاما حتىالآن،
ناهيك عن عجزهم عن تحديد أسبابه أو أبعاده أو معانيه أو
غاياته، فكيف يكون الحال عند الأديب والناقد، فضلا عن المثقف
العام، لاسيما أن لفظ "الجنون"
يستعمل فى هذه المجالات استعمالا متواترا؟ إن المـُراجع
لاستعمال الأطباء المختصين للفظ الجنون، سوف يكتشف أنهم يستعملون
– الآن خاصة - ألفاظا بديلة، كما سوف يتبين أنهم لم يتفقوا لا
على مضمون اللفظ ولا على مضمون ما اقترحوا من مترادفات للفظ
الجنون.
فى الإنجليزية. مثلا: نجد أن لفظ Madness لم
يعد مستعملا فى اللغة العلمية الطبية، بعد أن أحلوا محله
ألفاظ مثل الذهان Psychosis، والخرف Dementia وما
شابه.
والترجمة إلى العربية – وهى السائدة بين الأطباء العرب للأسف- تسير على نفس النهج
الغامض غير الجامع وغير المانع. على الرغم من كل ذلك فما زال الاستعمال (الطبي)
الشائع للفظ الجنون يشمل معانى: الاختلاف الشديد، والغربة الشاذة
جدا، والاغتراب المتمادى، والانسحاب الشامل من الواقع، والتفجر
الخطر، والتناثر، وبقايا المحاولة (التطورية المخفـِقـَـةْ)، والموت
النفسى، والنشوز السلوكى الخطر، ولا يمكن لأحد أن يتبين أيا
من هذه المعانى هو المراد إلا فى سياق متكامل أو بعد تحـديد
إجرائى معلن.
أما عند العامة فإننا نجد نوعا
آخر من الخلط والتداخل فى
استعمال لفظ الجنون فى مختلف
المجالات. فـفى مجال
الأخلاق يـستعمل لفظ الجنون ليشمل معانى متعددة، مثل: العدوان
الفج، والتبلد، والحمق، والجسارة الجسيمة، والقحة، وغيرها. وفى
مجال الأدب لانجد للفظ نفسه حظا أوفر تحديدا. وقد يصل
الاختلاف إلى حد التضاد، فثمَّ الجنون/ التجاوز، والجنون/الحلم،
والجنون/الوله، والجنون/البله، والجنون/السبْق، وخرق العادة[10]،
والجنون /الجمال، والجنون/القفزة، والجنون/ التناقض... إلخ. ولا تسعفنا المعاجم بما يفيد إلا تجذيرا
وتأريخا لأصل اللفظ وتنوع وروده فى التراث أساسا،
دون مراجعة مضمونه الحركى الحالى.
يكاد يسرى على لفظ الإبداع ما يسرى على لفظ الجنون.
ولكن لحسن الحظ أنه مازال أقل تداولا، ومن ثم أكثر تواضعا
(وإن كان فى حقيقته غير ذلك). يحدث الخلط والتداخل مع استعمال الأبجدية المرتبطة
بـ"الإبداع" عند المثقف العام،
كما يحدث عند بعض المختصين سواء بسواء، خصوصا عندما تُـستعمل
ألفاظ مثل الأصالة، والتلقائية، والخيال (ناهيك عن ألفاظ الفن،
والموهبة).
كثيرا ما تستعمل هذه الألفاظ باعتبارها مترادفات
للإبداع، علما بأنه ليس كل جديد إبداعا، كما أنه ليس كل
ما سرى" منطلقا" على غير توقع إبداعا. وأخيرا فليس
كل ما غلبت عليه صور الخيال إبداعا، فقد يكون بعض هذا أو
كله من مقومات الإبداع، أو أدواته، لكنه ليس هو الإبداع،
فالإبداع "فعل"أشمل، وأعقد، وأخطر، هو "التخليق
فالخلْق" مما نؤجل تفصيله حالا.
لكل هذا
علينا أن نتفق، بصفة مبدئية على الأقل، على تحديد مناسب لهذين اللفظين كما سنستعملها فى حديثنا
عن الجدلية المحتملة فيما بينهما، ثم نرى.
2 - 1
الجنون -هنا- قد يعنى معنيين أساسين مختلفين، بحيث
تختلف علاقة الجنون بالإبداع باختلاف استعمال كل منهما:
فالجنون قد يعنى
أولا: العملية
التى يتفكك بها الكيان البشرى، تركيبا وسلوكا بلا اتجاه واع
بداية - يتفكك إلى وحداته الأولية (وما دونها)، إذ تنشط صراحة -
وفى وساد الوعى القائم نفسه - بعض مستويات الوجود الكامنة،
ومحتوياتها، تظهر منافسةً، ومعارضة، ومباعِدة للمستوى الغالب ظاهرا
فى السلوك اليومى المعتاد.
كما يعنى الجنون
ثانيا:
الناتج الانهزامى المتهدم، أو الساكن، أو المنسحب، لهذه
العملية بعد إخفاقها، على نحو تترتب عليه حالة من التفسخ
المستقر، أو الإعاقة البالغة، أو الانسحاب المنغلق، أو كل
ذلك.
إن هذا الوصف لهذين المستويين إنما ينطبق على جنون الفصام
على وجه خاص، حيث عٌـَّدت أغلب أنواع الجنون الأخرى تنويعات
مرحلية بديلة
(هذا ما ينتمى إليه الكاتب على الأقل). إن أغلب – إن لم يكن كل – الأمراض النفسية
وخاصة تنويعات الجنون إنما تظهر للحد من
تمادى مشروع (عملية) الفصام حتى غايته القصوى، ألا وهى: النكوص
الخامد، أو الموت النفسى.
على ذلك: فإن كل ما هو دون
الفصام- فيما عدا الأمراض العضوية مثل الخرف- هو
مرحلة وسطى فى محاولة وقف المسيرة التدهورية الأخطر المتوجهة إلى الموت النفسى.
لكل هذا سوف يكون هذا النوع - الفصام- خصوصا فى
تناثره الحركى هو المقصود بلفظ الجنون أغلب مراحل الدراسة[11].
مع التنبيه مكررا ، مثلما كان الحال فى الفصل الأول، إلى أن الجنون العضوى
التشريحى،[12]
الناتج عن ضمور عضوى (خرف الشيخوخة أو ألزهايمر)
أو تلف تشريحى (ورم بالدماغ مثلا) أو التهاب أو ما أشبه، هو مستبعد ابتداء من
هذه الدراسة وبشكل حاسم.
2 - 2
على الجانب الآخر، نرى أن لمفهوم الإبداع
معنيين (أو مستويين) يقابلان مستويا الجنون:
المستوى الأول يشير إلى أن:
الإبداع هو العملية
التى تتتعتع فيها المفاهيم والكيانات التى كانت ثابتة ساكنة
نسبيا، بما فى ذلك التركيب الحيوى للفرد، بحيث تستعيد وحداتها
الأولية ومستوياتها الكامنة (ومادونهما) المرونة، إذ تكتسب الشحن
من جديد بما يمكنها من حركية التوجه إلى التأليف الواعد بخلق
كلٍّ أكبر، مختلف نوعيا ومجاوز دائما، وتحمل هذه العملية من الإيجابيات الواعدة
ما يكفى.
فى حين يشير المستوى الثانى إلى:
"الإبداع هو ذلك الناتج الولافى لهذه العملية بعد نجاحها، ذلك
الناتج الذى يتمثل أساسا فى تطور
ذاتى، وليس فقط فى ظهور شكل رمزى، أو وجود نوعى، يعلن ولادة
تنظيم أرقى، يحمل قدرة الاستمرار بدرجة من الاستقرار المرحليين،
حتى تأتى اندفاعة جديدة، تَعِدُ بنقلة نوعية جديدة، وهكذا.
موضوع هذه الدراسة يتزايد تعلقه بالمعنيين الأول لكل
من مفهومى الجنون والإبداع، أى أننا سنهتم فى معظم الوقت بالجنون
"كعملية" وليس كناتج تدهورى، وبالإبداع كعملية قبل أن تكون إنجازا
تشكيليا جديدا متميزا، وذلك فيما يتعلق بالعلاقة الجدلية، إذ هى
حركية بالضرورة، بما يشمل ما هو: تفكك، وتحريك، وتوجّه، وتنشيط، وتجاوز، وتوليف، وكل ذلك حالة كونه يجرى
فى اتجاه ضام طفرى
(إبداع) ، معرض للفشل بالضرورة (جنون).
3 - الوحدات الأولية
الوحدات الأولية (مادة الإبداع/ شظايا الجنون) هى
الأبجدية الأساسية التى ينبغى أن نتقنها ونحن نحاول تكوين جملة
مفيدة فى مسألة الجنون والإبداع، وخاصة بما هما عمليتان تتحرك
كل منهما فى تشكيل متنوع، ثم قد يتحركان معا فى جدل محتمل،
وسوف يكون مدخلنا إلى هذه الوحدات الأولية من خلال محاولة
التعرف على الجانب الآخر لما هو معرفة بشرية، متجنبين ما
أمكن استعمال لغة التحليل النفسى الكلاسى (الفرويدى) ، حيث أن
مدخلنا إلى هذه
الدراسة هو مدخل "معرفى (غائى نسبيا)، يهتم أساسا بمستويات
المعرفة البشرية المختلفة وأشكالها. كذلك علينا أن نتذكر ابتداء
أن الشائع الأعم فى دراسات التفكير والذاكرة وما إليهما هو
دراسة المستوى المفاهيمى[13]
المنطقى العادى دون غيره، وهذا مسخر أساسا لخدمة نوع الوجود
الكمى السائد، وهو الوجود المغترب الذى أشرنا إليه منذ قليل.
وبما أن كلا من الإبداع والجنون هو محاولة لنقض هذا النوع من
الوجود، أملا فى استعادة توازن ما، كان لزاما علينا أن ننظر
فى الوسائل والمستويات المعرفية الأخرى، الغالبة فى حركية
الإبداع مخترقا الجنون. ومن هنا نعود فنقول بصفة مبدئية:
إن الإبداع - مخترقا
الجنون- هو عملية (معرفية/وجدانية) فائقة، إذ هو كشف لمكنون،
وبسط لكامن، وتخليق لتركيب، وتوليف لبنية، من خلال تنشيط
مستويات وعى متعددة وتفاعلها معا، ولا يكون الإبداع إبداعا إذا
كانت أداته بداية ونهاية هى المستوى الظاهر من الوعى الغالب
(المعرفة المصقولة)، إنما يكون كذلك بالتكامل مع مستويات
المعرفة (الوعى) الأخرى.
فما هى المستويات المعرفية الأخرى التى طال إهمالها حتى بدا
وكأنه من المستطاع الاستغناء عنها، أو أنه من الأفضل العمل
على كبتها؟
يطلق على تلك المعرفة الأخرى أسماء عدة مثل: المعرفة
البدائية، أو غير الناضجة، أو المُـغْـفلة، أو القديمة، أو
اللامتميزة، أو العيانية، أو الأسطورية، إلى غير ذلك. كما
يسميها فرويد العمليات الأولية وهى التى تعد مميزة للأحلام،
وغالبة فى الفصام، وموجودة فى المجتمعات البدائية، وفى الطفولة
المبكرة. وقد أشار فرويد كذلك إلى أهميتها فى عمليات الإبداع،
لكنه لم يغال فى إمكانية قيامها مستقلة بعملية الإبداع حتى
تمامها، كما فعل بعض تابعيه. وقد انتبه أغلب الباحثين إلى
معارضة ذلك الاتجاه الذى يعلى من قيمة اللاشعور فى عملية الإبداع،
على أساس أن العملية الإبداعية هى الولاف الأعلى لكل من
العمليات الأولية، والعمليات الثانوية. وقد اقترح سيلفانو أريتى
اسما لهذا الولاف الأعلى الذى يشمل العمليتين معا، أطلق عليه
اسم العمليات الثالثوية[14]،
مؤكدا، مع غيره، أن الإبداع لابد أن يتصف بالإحاطة، والتكيف،
واحتواء الواقع، والحوار معه، جنبا إلى جنب مع الأصالة
والمرونة والطلاقة حتى يتحقق فى درجة فائقة من التكامل.
الجدلية التى نتاجها الإبداع، هى جدلية بين ما هو
بدائى (كلى، أولى، مدغم...) وماهو منطقى (تسلسلى، مفاهيمى،
ثانوى...) فهل ثمَّ مستوى جدلى آخر بين ناتج هذه الجدلية فيما
هو إبداع فى أى مرحلة من المراحل، وناتج تحلُّل نكوصى مقابل (على
الرغم من غائيته) وهو الجنون ؟
يجدر بنا أن نؤجل الإجابة عن هذا السؤال إلى مرحلة
لاحقة من الدراسة، ولنتقدم خطوة أبعد فى هذا المستوى الأول،
لنتدارسه من منطلق معرفى مشتمِـل (أى يشمل الوعى والوجدان أيضا)،
ذلك المستوى المعرفى البدائى الأساسى اللازم للمشاركة - المباشرة أو
غير المباشرة - فى مسار العملية الإبداعية فى كل مراحلها.
سوف نستند فى هذه الفقرة أساسا (وليس نهائيا) إلى
فكر (سيلفانو أريتي)، لما له من باع فى دراسة كل من الفصام[15]
والنمو النفسى والتطور[16]،
ثم بما أسهم به فيما هو تنظير لطبيعة الإبداع :
يقدم أريتى رؤيته لعملية الإبداع بوصفها تعبيرا ولافيا فائقا عن
تشكيلات معرفية مضفورة من أكثر من
مصدر ومستوى للمعرفة. وهو فى ذلك يؤكد أهمية المرحلة الأولية
للمعرفة، وبخاصة مرحلة "الصورة "Image،
ومرحلة "الإندوسبت". فهو يرى أن إطلاق سراح
"الصورة" لكى تتحرك فى حرية، هو من أولى الخطوات
الدالة على إحياء مستوى المعرفة الأقدم، كما يرى أن هذا
الإندوسبت = المَكَدْ هو أساس المرحلة المعرفية التالية لمرحلة
الصورة، الذى يرى "أريتى" أنه بنشاطه الضاغط هو المحور
الجوهرى لعملية الإبداع.
الصورة تتحرك فى الحلم، و هى "تقول" بما هى،
وليس بالضرورة بترجمتها إلى رمز كلامى، فتؤدى وظيفتها التنظيمية فى كل
حال، (وهذا ما أشرنا إليه فى الفصل الأول)، لكن الحلم لا
يستوعب كل ما يحركه الإيقاع الحيوى من صور، فيحتاج الأمر إلى
مسارات بديلة: فالصورة
إما أن
تضغط فتظهر فى الوساد الشعورى العادى (وعى اليقظة) بلا احتواء ولا تطوير، فهى عندئذ
الهلوسة (المرضية فى العادة). وإما أن تحفز المستويات الأرقى
لاحتوائها، فهى عندئذ جزء من أبجدية
الإبداع.
حين تكون هذه الحركة فى متناول مستوى من الوعى يقدر
على استعمال مستويات مختلفة من النشاط العقلى، إذ يستطيع أن
ينتقل من خلال ذلك جيئة وذهابا من أعلى المستويات إلى أدناها.
يتحقق الإبداع. أريتى لا يبالغ فى قيمة "مجرد حضور"
الصورة فى إتمام العملية الإبداعية، ذلك أن التقاط تحريك
الصورة، وما قبلها وبعدها، فى مرونة قادرة على إعادة التشكيل،
وأيضا توظيف
القدرة
على الحوار والتوليف مع مثيرات ومعلومات
الواقع الخارجى، هذا
وذاك هما اللذان يتحقق من خلالهما
الإبداع.
إن الجانب الأهم فى العملية الإبداعية هو ضغط المعرفة
الأخرى، التى أسماها أريتى: المعرفة الهشة[17] (غير
المتبلورة)، التى نفضل أن نسميها المعرفة "الضبابية (أو المدُغمة)".
هى تضغط لكى تظهر، أو تضغط على أمل أن
تظهر، من خلال -ومع- غيرها من المعارف الأحدث والأقدر على
الحركة الخارجية والتعبير والتواصل. إنه ليس من طبيعة المعرفة
الضبابية المدغمة هذه أن تظهر بنفسها، فهى نوع من المعرفة،
يتمثل فى الداخل بلا تفسير مباشر له من الخارج، فى شكل
فكرة، أو صورة، أو لفظ، أو مفهوم. وهى تتكون أساسا مما
أسميناه "المكد"، حيث أن المكد هو تنظيم كلى أولى
لخبرة سابقة من المدركات، ومن آثار الذاكرة، وصور الأشياء،
والحركات، فهو خبرة كلية لا يمكن تقسيمها إلى أجزاء، أو
إحلالها فى ألفاظ (كما هى)، فهو (المكد) كلٌّ مدغم من: فكر، وتهيؤ، وانفعال، وحفز، وفعل، ومن ثم
فهو فى شوق دائم إلى أن يظهر بصورة أو بأخرى، قد يكون
المكد هو لغة الحلم غير المحكى (الأقرب إلى الحلم بالقوة، وبعض الحلم
الحركى- الفصل الأول) ، يصدق ذلك خاصة فـى حالة الأحلام الشمولية المصورة العصّية على
الاسترجاع، وقد يجد المكد طريقة إلى التشكل فى حلم محكى على
مختلف المستويات (أنظر الفصل الأول)، وقد يعجز
الحلم عن احتواء حركية المكد، فيصبح الأخير طاقة ضاغطة فى محاولة أن تجد طريقها إلى التعبير، مع احتمال أن تسلك
السبيل إلى ما هو إبداع إذا ما تيسرت وسائله وأتيحت فرصه.
يعترف أريتى أنه فى مرحلة معلوماتنا الحالية لايمكن
الحصول على دليل يمكن عن طريقه إثبات وجود
ماهو"مكد". لذلك فهو يقر بأن هذا المفهوم سوف يظل
إلى أمد طويل بعيدا عن مجال التناول العلمى بالمنهج التقليدى،
ولكن أريتى يشير إلى دلالات غير مباشرة على وجود هذا المستوى
المكدى من المعرفة فيما نصفه أحيانا بألفاظ مثل "الجو
العام"، أو "التوجه"، أو"الخبرة الكلية"،
أو ما أطلق عليه فرويد تعبير "الشعور المحيطى"[18].
ويذهب أريتى إلى أن جزءا أكبر من حياتنا المفاهيمية إنما
يلتحم بشكل أو بأخر بمقابلاته المكدية، أو يتحور إلى أشكال
مكدية غائرة. ثم يستطرد إلى أنه ينبغى أن نتدرج من ذلك
لنقول: إن الشيء نفسة قد يصح بالنسبة لكثير من النشاط
المعرفى الجاهزِ لكى "ينبسط"[19] فيما هو
إبداع.
ليس صحيحا أن
كثيرا من مظاهر حياتنا المفاهيمية التى ترتد إلى المستوى المكدى، أو تتراجع نحوه، إنما تفعل ذلك لمجرد أن تهرب من القلق أو
العصاب أو الخطر، فالشخص المبدع يحتاج أيضا إلى أن ينسحب من
النظم الثابتة والصحيحة والجامدة، إلى مرحلة سابقة من مراحل
المعرفة الضبابية المدغمة، أى إلى هذا الوعاء الكبير المضيف
الرحب، الذى يغلب فيه "تعليق الحكم"، وعدم التحديد،
وتوحد الزمن مع محتواه، وتوقع حدوث التحورات غير المتوقعة، يفعل ذلك كخطوة نحو اقتحامٍ ضامٍَ أعلى
وجديدْ.
ذكرنا أن تنشيط "مستوى الصورة" قد يطلقها فى لغة
الحلم أو يجعلها تقتحم وعى اليقظة فى نوبة جنون، أو هو قد
يسمح لها أن تُـحرك وعى الإبداع فى توليف جديد، كذلك فإن
تنشيط المستوى المكدى قد يظهر فى الحلم، أو يكون أساسا للإبداع
(انظر بعد) أو قد يبدو عرضا مرضيا فى الجنون يظهر بعض
تجلياته فيما يسمى التفكير العِهْنى[20] أو فيما
يعرف أحيانا بفرط التضمين[21].
4 - إيضاحات، وتحفظات حول طبيعة
التنشيط ومراحل التنظير
نحن إذْ نوافق أريتى من حيث المبدأ على ما ذهب إليه
من أهمية الصورة بما هى مادة أولية، ثم على أساس التعامل مع
المكد بوصفه كتلة معرفية، مدغمة وضبابية وضاغطة فى آن واحد،
نتوقف قليلا، خوفا من أن تنتقل هذه الرؤية وهذه الموافقة
بطريقة تجزيئية، تختصر عملية الإبداع إلى ما يبعدنا عن مسئولية
الإحاطة بها بما هى. علينا أن نضيف بعض الإيضاحات المكمّلة،
والتحفظات الواجبة، قبل النظر فى هذه الوحدات الأولية، وطبيعة
العلاقة فيما بينها، وفى مستوياتها، فنقول:
إن كلا من الصورة، والمكد، وسائر الوحدات المعرفية
الأولية، إنما تنشط، وتتحرك، وتُـحرك فى مستوى من الوعى يمثل
كلية شاملة، ويتفاعل بهذه الكلية مع مستويات أخرى ". ومن
خلال تبنى المفهوم الأحدث للبصم،[22] واعتمال
(فعلنة) المعلومات[23]
على مستويات متعددة، نستطيع أن نفهم العلاقة الوثيقة بين
الإدراك الجشتالتى، والذاكرة الكلية، وتعدد التنظيمات البيولوجية
(بنيات الوعي)، من جهة، ومفهوم تعدد الذوات من جهة أخرى.
وأهمية هذه الإطلالة هى أن هذا التعدد يمثل:
أولا: الثروة الأساسية التى يستمد منها الإبداع مادته،
وثانيا: أن الإبداع يخلق من
هذه المستويات المتبادلة فىالأحوال العادية بنية جديدة، من
خلال تآلفها الجدلى النشط.
بتعبير آخر:
إن الإبداع ينشّط أكثر من مستوى من مستويات الوعى (على أساس أن كلا منها تنظيم كامن، وليس
مجرد مفردات أو معلومات متجاورة)- ينشطها من كمونها إلى ما هى، وفى الوقت نفسه إلى ما
تتفاعل
به مع غيرها من
مستويات
وعى آخر ليتخلق منها معا وعى أعلى فلا يكتفى أى مستوى مفرد بأن (أ) يحضر
دوريا، (ب) أو أن يتنحى"تبادلا
" أو (جـ) أن يستدير مغلق
الدائرة[24].
ثانيا: إن مستويات الوعى
بما هى، "تركيبة كلية شديدة التداخل" لا تُرادِفُ
تلقائيا ماهو تعدد الذوات[25]،
فهى بنيات موازية ومتداخلة. إن الذى ينشط ليتفاعل فى جدل
الإبداع ليس فقط مجرد وحدات
أولية غامضة، مع لبنات مفاهيمية مصقولة، ولكنه أيضا مستويات وعى
وذوات كلية متضاعفة فى الوقت نفسه.
ثالثا: ثم تأتى قضية دافع
التنشيط، فهل نستسلم لرؤية تقول إن التنشيط إنما يأتى نتيجة
لضغط المعرفة الأولية الملحة للظهور، بسبب ما أصابها -وتعانيه-
من إنكار، وكبت؟ أم أن ثمَّ سببا آخر وطبيعة أخرى (دون
إنكار هذا الضغط اللحوح)؟
هنا: يجدر بى أن أثبت أنى
مررت -
من واقع معايشتى خبرتى وخبرة مرضاى ومحاولاتى النقدية جميعا- بأربع مراحل إزاء هذه القضية (أنظر الملحق الثالث):
1- فقد رأيت باكرا أن التنشيط إنما يحدث فى حالة
أزمة الانتقال من مستوى أدنى للصحة النفسية إلى مستوى أعلى
(نتيجة لإخفاق مرحلة التوازن الأدنى للصحة النفسية، وذلك إذا
استنفدت المرحلة الجارية أغراضها، أو أنهكت، أو نتيجة لجرعة
رؤية زائدة، أو لفقد التوازن البيولوجى... الخ.)[26]. هذا بالنسبة
لما يحدث على مسار النمو المتصل للفرد. وقد بدا لى كذلك أن
خبرة إبداع ما هو ناتج رمزى خارجى مثبت (على فترات) هى بمثابة
خبرة مؤقتة، وبديلة، لهذه النقلة النمائية [27]، بمعنى أن
الإبداع هو محاولة لإعادة التوازن على مستوى أعلى، ذلك التوزان
الذى هزته أزمة النمو حين استنفدت مرحلة سابقة للنمو أغراضها،
ولم تعد تكفى للحفاظ على التوازن بالقوانين الأدنى.
إلا أن هذا الفرض لم يحدد طبيعة التفاعل بين أى
مستوى وآخر، بل أكد ترجيح وسيلة (قدرة) توازن على أخرى مما
هو مفترض أنه موجود أصلا منذ البداية، وذلك بعد أن رتب المؤلف
مراحل النمو فى ثلاث مراتب (أ) مرحلة غلبة التوازن بالدفاعات (ب)
ثم مرحلة غلبة التوازن بالبصيرة (المعقلنة) (جـ) وأخيرا مرحلة
غلبة التوازن بالولاف الجديد (الإبداع).
هذه المرحلة الباكرة
من تنظيرى (1968) إنما تصف نوعية فكرى التى كانت آنذاك والتى غلبت عليها جرعة ليست يسيرة من مفاهيم
ما يسمى "علم النفس الإنسانى" الذى يؤكد هيراركية النمو،
وإيجابية صفات إنسانية بذاتها، دون أن يعمق تفاعل وحدات وجود
بيولوجى حركى يسعى إلى التكامل، كذلك كنت واقعا تحت
تأثير غلبة فكرة "تنمية قدرات الإبداع"، وكأنها
ملكات خاصة يتمتع بها كل فرد قليلا أو كثيرا ويمكن أن تزيد
"كمًّا" بالتدريب أساسا.
بالرغم من تراجعى النسبى عن تفاصيل هذا الفرض، فقد أضاف لى بعدين
ما زالا يمثلان ركنا أساسيا فى فكرى الحالى:
·
فمن ناحية
أكد أن الإبداع هو احتمال قائم عند كل فرد، أيا كان، بعيدا
عن تخصيص ملكات بذاتها لفئة بذاتها.
· ومن ناحية أخرى أظهر كيف يكون الإبداع
حاضرا فى الفعل اليومى
والنمو الذاتى، دون حاجة إلى تسجيله
فى ناتج تشكيلى رمزى.
ومع كل ذلك فقد
ظلت تلك المرحلة تمثل فكرا:
o
بعيدا
عن الأساس البيولوجى
o
مغفِلا
الوحدات الأساسية للمعرفة البشرية وصورها التركيبية المختلفة
o
مهمِلا
طبيعة حركية العلاقة الإيقاعية الجدلية المنتظمة والمنظِّمة
للوجود البشرى، وأخيرا
o
بطئ
الإيقاع (بما يشيرإلى سكونية نسبية، ربما كانت تحيط بي آنذاك بشكل
ما).
2 - اقتربتُ بعد
ذلك من قضية الإبداع من خلال بعد بيولوجى أعمق. ذلك بأنى
عدت أنظر إلى التنشيط ونتاجه الإبداعى من مدخل غريزة العدوان
والجنس من زاوية مختلفة، حيث رجحت أن التنشيط إنما يحدث
ليستوعب طاقة غريزية فى سعيها إلى الالتحام بالكل الأرقى والأكثر
تعقيدا، يستوعبها بها، وليس على حسابها، وهو ما ينتج عنه بعد ذلك
إبداع تشكيلى بديل (ناتج إبداعى)، أو إبداع حياتى متصاعد (= نمو
جدلى). وقد كان احتوائى لنظرية دافعية الغرائز فى هذه المرحلة
مرتبطا أساسا ببحثى عن صورة جدلية ولافية وقادرة على احتواء
الغرائز دون الاكتفاء بالإبدال الأرقى (التسامى)، الذى تمادى فرويد
فى تأكيد أنه الوسيلة المثلى للتحكم فى غريزة الجنس بصفة
خاصة. من هذا التوجه أمكن التمييز
بين الإبداع البديل (بالتسامى) والإبداع الجدلى المشتمل على فعل
الغريزة فى أرقى درجات تكاملها،
سواء فى جماليات التواصل النابعة من حفز الجنس فالالتحام
به، أم من أصالة الإقدام المُواجِهِى، النابعة من جدل العدوان
بالمعرفة الأحدث[28].
هذا المنظور يركز على دافعية الإبداع، وأيضا
على أن للغرائز فى ذاتها دورا إيجابيا يسهم فى صورته الأرقى فى
عملية الإبداع دون إبدال أو تسام. لكننى تبينت بعد ذلك كيف
عجزت حتى ذلك الحين عن أن أتبين طبيعة وحدات التفاعل الأولية، وأيضا تفاصيل العملية الجدلية المتعددة
المستويات.
3 - انتقلتُ بعد
ذلك خطوة أخرى فى اتجاه
آخر، مقتربا من بدايات النمو النفسى من ناحية (حيث يبدأ
الكائن البشرى خطواته الأولى مطروحا بين جرعات متراوحة من
"الأمان والتوجس" معا)، ومقتربا فى الوقت نفسه -من
ناحية أخرى- من تناول بعض مسألتى الإبداع والمرض النفسى من
خلال حركية جدلية أكثر عمقا، وأدق تفصيلا. فقد
ميزت -فى عمل نقدى مقارن بين رباعيات الخيام، وسرور، وجاهين[29]
- بين شكل ناتج الإبداع ومحتواه لدى كل منهم بما يتناسب
مع ترجيح جرعة الأمان أو التوجس وطبيعة العلاقة بينهما،
وافترضت فى ذلك احتمالات ثلاثة:
o
فرأيت
أن "نقص الأمان " إذا كان هو الدافع إلى
الإبداع أساسا أنتج إبداعاً مثل "رباعيات الخيام".
o
وجعلت
الاحتمال الثانى، وهو "فرط التوجس"، مبررا ودافعاً
لنوع الإبداع ومحتواه كما ظهر فى"الهجوم الدفاعى المتلاحق
"فى رباعيات سرور.
o
وأخيرا
جعلت الاحتمال الثالث، وهو "تناسب جرعتى الأمن والتوجس، مع غلبة الأولى،
وحركية الاثنين معا حركة نشطة دائبة "هو ما يفسر
طبيعة رباعيات جاهين وتشكيلها من حيث هى..... وقد وضعت المقابل
لكل من هذه الاحتمالات مرضا نفسيا بذاته، أوعدة أمراض[30].
وقد أشرتُ فى هذا العمل نفسه إلى ما أعنيه بطبيعة
الأمان، من أنه ليس هو المفهوم السائد بمعنى "الحب "
أو "الحنان " أو " الأمومة "، لكنه "تناسب العطاء
(نوعا، وكمًّا) - مع الاحتياج (نوعا وكمًّا")، كما
أكدت علاقة الإبداع بهذا "العطاء" الكافى، وأن طبيعة
هذا العطاء تشمل ما هو "معلومات " (بالمعنى
الأعمق لرسائل المعنى كما تشمل حضور الموضوع فى
الوعى (الرِّى العلاقاتي).
وقد خَلُصْتُ، خرجت فى بعض جوانب هذا النقد إلى أن
"... عدم الانتظام والتناسب فى جرعات المعلومات المؤمِّنة لاينتج عنه بالضرورة مرض نفسى، بل يمكن أن ننظر
فى وجهه الآخر لنجده هو هو وراء بعض أنواع الإبداع... "[31].
ومن ثم تمت هذه النقلة/الإضافة- دون التنازل الكامل عما
سبقها - لتعلن بدايات نظر أعمق فيما هو دافعية وجدلية معا،
حتى أننى أشرت إلى ذلك مباشرة فى ذلك العمل نفسه، وكيف أن
حركة التناوب بين الفرح والاكتئاب (فى صورتها الإبداعية،
وبدرجة أقل فى صورتها المرضية) ليست حركة بين قطبين
متنافرين كما يبدو من ظاهر اللغة وشائع الاستعمال.. ولكنها
حركة بين نشاطين ينشأ كلاهما (وخاصة فى وجههما الإبداعي) من
توازن الأمان والتوجس فى حركية فاعلة (أكرر: وليست
حركة تسوية ساكنة). يتأكد المنظور الجدلى هنا من القول بأنه "...
لكى يسمح بهذا التجاوب الخلاق فإننا نتوقع أن تكون جرعة
الأمن (مع وجود جرعة التوجس) حقيقية وعميقة، وفى الوقت نفسه
ناقصة وواعدة.. ".
وصلتُ فى النهاية من
خلال هذه الدراسة إلى أن ثمَّ منبعا مشتركا للمرض والإبداع فى
حالة جاهين بصفة خاصة، وهو الأمان المسنود بدعم التوجس، وأن
ثمَّ مصبا أعلى"... يتأكد من منظور النمو الجدلى " كما
ظهر فى إبداع رباعيات جاهين أيضا.
وقد حددتْ هذه المرحلة من فكرى إضافة دالة، جاوزت "التوازن
القدراتي"، و"الدفع الغريزى " (دون رفضهما)،
لتقتحم عمق حركية "المعلومات "الناقصة وغير المستقرة
وطبيعتها
الساعية إلى البسط الولافى" فى علاقتها بالآخر (الموضوع). لم أكن حتى ذلك الحين
قد تكشفت لى الطبيعة البيولوجية الإيقاعية الأساسية فى إسهامها فى
عمليتى الإبداع والجنون.
4- انتبهتُ أخيرا إلى
أن هذا التنشيط لمادة الإبداع لايحتاج بالضرورة إلى مثير بمعنى
الدافع الخاص، سواء كان هذا المثير نقلة من مستوى توازن صحى أُُرهق أو
استُـنْـفِدتْ أغراضه، أو كان ضغطا من غريزة أُهملت
أو كبتت أو
شاركتْ، أو كان نتيجة
لعدم كفاية أو توازن جرعتى الأمن والتوجس.
أخيراً تبين لى أن التنشيط عموما هو فى الأساس جزء
لايتجزأ من عملية بيولوجية مستمرة، تحدث تلقائيا كل يوم وليلة
فى الدورة الليلنهارية (اليوماوية= السركادية Circadian)،
بما يشمل دورات "الحلم/ والنوم"[32] (أنظر: الفصل الأول)، وأن صور الإبداع تختلف باختلاف الناتج
الذى ليس قاصرا على ما نعرفه من إبداع خارجى مسجل كنصوص
متاحة. ومن ثم فقد وصلتُ إلى أن: الإبداع هو دورة
حياتية طبيعية لها صور مختلفة، ليس أقلها إبداع الشخص العادى
الذى يبدو فى صورة استمرار سلاسة ومرونة وجوده المتصاعد، مخترقا ومستوعبا أزمات نموه، والذى يصب فى اطراد فى
سلسلة الترقى المحتمل
لنوعه (البشر).
ارتبطتْ هذه النقلة الأخيرة برفض
التمييز الطبقى لمن هو مبدع من ناحية، ورفض تصور ضرورة صدور
الإبداع، من قدرات خاصة متميزة من ناحية أخرى، ذلك لأن
الإبداع بدا- من هذا
المنظور المرتبط بالإيقاع الحيوى ـ أنه
نتاج طبيعى لدورات حياتية منتظمة ومطردة وحتمية للحركة
البيولوجية المتناوبة المتفاعلة أبدا. من خلال ذلك تبين لى كيف
أن المسألة لا تحتاج إلى غرائز مستثارة ليحتويها الإبداع، ولا
إلى فقد التوازن ليعيده الإبداع، وإنما ثمَّ فيض
من المعلومات ناقصة التمثيل، يتحرك فى إيقاع منتظم أثناء تنشيط
الذوات الكامنة، حيث تتاح الفرصة لاستيعابها فى نبضة إبداع
جديدة من خلال حركية النمو المنتظمة، وبتعبير
آخر: انتبهتُ إلى أن ما يتنشط تلقائيا ودوريا ليقدم مادة الإبداع الأولية:
§
ليس هو -أساسا- ما أُهمل
أو كُبت (معرفة أولية مكبوتة - أريتى) مما لم تتح له فرصة
الظهور للتعبير.
§
كما
أنه ليس مجرد الدفع الغريزى الباحث عن احتوائه فى شكل
أرقى.
§
كما
أنه لا يتعلق -بالضرورة- بعدم تناسب جرعتى الأمان والتوجس
الأوليينْ.
وإنما هو: كل نتاج حركية ما "لم يُتمثل" تمثلا كاملا (بيولوجيا) فعجز عن أن ينمحى تماما إذ
يلتحم فى كلية النمو،
فظل قَلِقا ضاغطا يبحث عن فرصة جديدة مع كل تنشيط دورى جارٍ
(إيقاع حيوى)، ليجد مكانه الغائر فى (والملتحم بـ) الكل النامى.
وهى عملية لا تتوقف أبدا لأن النمو والتمثُّل لا يكتملان أبدا.
هكذا وصلت إلى ما اسميته عملية الإبداع اليوماوى
الحيوى[33]
التى هى دفع للنمو المستمر، والتى قد لا تكون كافية
لاستيعاب كل ما تنشط من معلومات وذوات، فيحتاج الأمر إلى
نشاط إبداعى يظهر فى تشكيل منتـَج، وهو ما يتاح لنا
مما اعتدنا أن نسميه دون غيره "الإبداع".
على أن هذا لا يعنى
أن كل من لا يعيش خبرة الوعى الظاهر ذى الناتج الإبداعى
تشكيلا رمزيا مسجلا، هو مبدع حيوى تلقائيا وحتما (اللهم إلا
على مستوى تطور النوع) كما أنه لاينبغى أيضا أن نتصور أن
تأكيد تلقائية التنشيط ونوابية الإيقاع الحيوى يتضمنان أى ترجيح
لإلغاء دور الإرادة الفردية، أو تحمل مسئولية الرؤية، أو
الفروق الفردية فى التركيب الشخصى، ذلك
أن:
التقاط التنشيط، بل السعى إلى استثارته، والمشاركة فى
توجيهه، ثم تحمل مسئولية الوعى به، والحيلولة دون إحباطه،
فالصبر على عدم الإسراع بإجهاضه، بالإضافة إلى تعهده فصقله،
ورفض الهرب
أمام إرعابه، ثم النهوض بثقله، فاكتشاف نقصه وحوار نقده - كل ذلك وغيره هو وظيفة التوجه الإبداعى الإرادى
الفردى لكل مبدع على حدة (أنظر الفصل الثالث: عن الحرية
والإبداع).
وهكذا انتهيتُ إلى ضرورة أن أخطو خطوة جديدة فى اتجاه دراسة
طبيعة التفاعل بين وحدات هذه المادة النشطة والمنشَّطة، بما
يسمح بفهم بعض جدلية محتملة بين ما هو إبداع وما هو
جنون.
لكن ثم تحذير واجب ابتداء، يعرفه كل من اقترب من
هذه المنطقة فتصور إمكانية الكتابة أصلا عن الجدل، ذلك أن
".. الكتابة عن الديالكتيك (هى) ضده، أو هى مستوى من
مستويات إشكاليته"،[34]
أو بصيغة ثالثة أقول إن هناك مسافة بين الوعى الجدلى والكتابة
الجدلية". لقد انتبهت إلى ذلك منذ زمن [35]. وحتى هذا
المقتطف السابق وقفت منه موقفا يعلن أنه ".. لامفر من
المغامرة، ولتكن الكتابة عن الديالكتيك -كما قال المقتطف -هى
حركة فى فعل الديالكتيك ذاته، إذ هى ضده حالة كونها تكتب
عنه: لكنى رفضت أن تكون ثمة مسافة بين الوعى الجدلى والكتابه
عنه. ولعل ماوصلنى هو الفرق (وليس المسافة)، والمواجهة المتداخلة
بين الوعى بالجدل والكتابة عن الجدل، فالوعى لايكون جدليا أو
غير جدلى، فهو جدلى بالضرورة،
وقد نعِـى جدليته أو لا نعيها. والكتابة لاتكون جدلية أو
غير جدلية. الكتابة هى اغتراب ضرورى يضحى بجزء من الوعى (الجدلي)
فى سبيل التواصل الآنى، ولتأمين نقل الخبرة الإنسانية عبر
التاريخ"[36].
[1] - نشرت فى صورتها الأولى فى مجلة فصول– المجلد
السادس – العدد الرابع 1986
ص( 30 – 58) وقد تم تحديثها
دون مساس بجوهرها.
[2] - أنظر الفصل الأول هامش (11) عن معنى الجنون
فى هذا الكتاب.
[3] - تستعمل
كلمة "الوعي" خلال هذه الدراسة بمعان مختلفة لايظهرها
إلا السياق، وقد أضفت صفة "المعقلن" فى هذه المراجعة
لتفيد أمرين: الأول: أن تحدد مستوى هذا الوعى المعنِى هنا بالمعنى
الشائع والمرادف لما هو المستوى الظاهر للمعرفة الشعورية حيث يطلق
عليه أحيانا: الشعور، والثانى: أن نشير إلى تضخم دور المخ
الحسابى الرمزى الممثل أساسا فى نشاط نصف الدماغ الكروى الطاغى:
الأيسر فى الشخص الأيمن.
لكنى أستعمل "الوعي" أساسا فى معظم هذا الكتاب بمعنى
"...تركيبى محدد، أنظر هامش رقم 9 الفصل الأول.
[4] - برغم مرور الفكر التطورى (الدارونى
بوجه خاص) بهزة نابعة من سطحية المنهج الذى يبحث عن أدلة
مباشرة، وحلقات مفقودة، فإن تاريخ الحياة، والقياس الموازى، وعلم
التشريح المقارن، وعلم الأجنة المقارن، كلها تحذر من التمادى فى
الاستسلام لآثار هذه النكسة الجديرة بأن تعوق الفكر البشرى وهى
تظلم بصيرته كلما أظلم ضيق المنهج وتهافتت سطحيته يبدو ذلك
مثلما حدث سابقا حين شوه مندل ووايزمان فكرة وراثة العادات
المكتسبة. الدراسة الحالية مازالت تستند مباشرة إلى الفكر التطورى
الحيوى على مستوى النوع، وعلى مستوى الفرد، وعلى مستوى الدورة
اليومية، ثم على مستوى المسار الإبداعى (انظر أيضا: الإيقاع
الحيوى ونبض الإبداع: الفصل الأول).
[5] - exact
sciences
[6] - والنوعية المنحّاة جانبا حتى كمُنَـت
[7] - Antipsychiatryأعطت الحركة المناهضة للطب النفسى قيمة إيجابية
مبالغا فيها لما هو "جنون". وعلى الرغم من أن هذه
الحركة تحمل فكرا مهما من حيث المبدأ، إلا أن عدم تحديد
مرحلة الجنون التى تدافع عنها (حتى لايتمادى الجنون) وهجومها غير
المنظم على "كل" الوسائل الفيزيائية، والكيميائية اللازمة
لضبط فرط جرعة التنشيط الداخلى العشوائي-هذا وذاك قد أديا إلى
إخفاق نتائجها العملية إخفاقا كاد يهز حتى الأفكار الصحيحة التى
أسست عليها توجهها. وقد يلاحظ القاريء فى هذه الدراسة ماهو
دفاع عن الجنون، لكنه لابد أن يكتشف التأكيد المتكرر على أن
الدفاع إنما ينصب على بدايات الجنون بما يسمح بإمكانية تحويل
المسار، وليس على ترجيح مزايا خاصة للجنون المستتب.
[8]- أقصد
هنا بالأوتوماتية المعنى الذى يقول ".. فلا يكون ثمة انتباه
أثناء الكتابة إلا إلى دفق الكلمات النابع عن اللاوعى .."،
".. لم تكترث بأن تحقق توازنا بين الأوتوماتية وصفاء الذهن،
أو بعبارة أخرى لم توفق بين نتائج العقل الباطن وتحكم العقل
الواعي"، انظر: نعيم عطية: "الأوتوماتية فى الشعر
السيريالي" ص 155-161 المجلد الأول- العدد الرابع (1981) مجلة
فصول.
[9] - أعنى
بالتكمية الاغترابية alienated
quantification أن يصبح معيار التقدم هو الوفرة فى الكم أساسا أو تماما (-بما فى ذلك اغتراب الرفاهية وقهر
الاستهلاك).
[10] - خالدة
سعيد "حركية الإبداع". ص 62-92 - دار العودة بيروت:
والأمثلة تفوق الحصر، سواء فى استعمال لفظ الجنون فى نص العمل
الأدبي-الروائى بصفة خاصة، أو فى وصف الخبرة الذاتية للمبدع
(كمثال: وصف شعر أنسى الحاج: "بالجنون ينتصر التمرد"،
أو فى النقد ". بهذا المعنى يكون الجنون هو: السبق، ونقض
المصطلحات وخرق العادة، وتجاوز دائرة المعقول")
[11] - ذكرت فى الفصل الأول: "...إن
الجنون الدورى هو أساس عندى لكل الأنواع الأخرى". ثم أعود
فأذكر هنا أنى أرى أن جنون الفصام هو الأصل، وأن أغلب أنواع
الجنون الأخرى هى تنويعات مرحلية...إلخ". ولابد من إيضاح
لما يبدو تناقضا بين هذا الزعم وذاك، فى حين أنه ليس كذلك:
فالجنون الدورى هو أساس كل الأنواع الأخرى من منظور "الإيقاع
الحيوي" الذى كان موضوع الدراسة الأولى، وفى نفس الوقت فإن
الفصام هو الأصل، من منظور غائية التدهور وحركية التناثر(التحللية) فى اتجاه الانقراض. وقد سبق أن
وضعت الفصام فى مراحل فشله المتمادى فى هذه المرتبة القصوى المتدنية
تدهوريا، فى مقابلته للمستوى الخالقى للصحة النفسية- انظر: يحيى الرخاوى: مستويات الصحة النفسية
على طريق التطور الفردى، فى: حيرة طبيب نفسى، (1972) دار الغد
للثقافة والنشر، القاهرة.
[12] - تحديد
هذا النوع بصفة "تشريحى" سواء التشريح الجسيم أو التشريح الدقيق
(الهستولوجيا) هو لبيان أن كلمة عضوى وحدها لا تكفى للاستبعاد، لأن كل أنواع
الجنون التى يقال إنها وظيفية هى عضوية بمعنى التغير الكيميائى والتنظيمى
البيولوجى المصاحب. أما استبعاد هذا النوع فلأن له "إمراضية" (كيفية
تكون الأعراض The how of symptom
formation = Psychopathology=) مختلفة اختلافا جذريا إذ يحدث هذا النوع بلا غائية محددة، اللهم إلا فى التعويض بعد
الإصابة المبدئية، إن كان ثَمَّ تعويض وظيفى محتمل.
[13] - أصــر قصدا أن أنسب للجمع فأقول
"مفاهيمي" بدلا من مفهومى، متى ساقنى السياق إلى
ذلك. وأحسب أنه قد آن الأوان لتجاوز هذا المحظور إذا ماكانت
النسبة إلى الجمع تستطيع أن تـضـمّـن اللفظ معنى خاصا متميزا.
وقد أردت هنا أن يكون لهذه الصيغة يإيقاعها الخاص المتميز
مايضعني-والقارئ- فى موقع يسمح بتخصيصها لما يعنى مرحلة
معرفية مصقولة ومسلسلة، تستخدم المفاهيم الواضحة والراسخة كأبجدية
مفيدة لسياق عام. وقد أفضل هذه الصيغة على صيغة
"مفهومي" التى قد تستعمل بصيغة المفعول أو ماشابه، مما
يضيق بما أردته.
[14] -
سيلفانو أريتى: الإبداعية: الولاف السحرى، ص66.
Silvano
Arieti: Tertiary
processes (1976), Creativity: The Magic Synthesis. Basic Books، New York.
[15] - سلفانو أريتى:
Silvano Arieti (1974),
Interpretation of Schizophrenia. Basic Books,
[16] - سلفانو أريتى: النفس داخل الذات:
Silvano Arieti (1967),
The Intrapsychic Self: Feeling Cognition and Creativity in Health and Disease.
Basic Books,
[17] - الإبداعية:
الولاف السحرى (أريتي)، ص53-54.
Amorphous Cognition. أنظر هامش (14)
[18] - Oceanic Feeling
[19] - To
be Unfolded
[20] - Wooly
Thinking
[21] - Over
inclusion
[22]- المفهوم الأحدث للبصم Imprinting من حيث رصده حالة حدوثه كما ورد فى مرجع يحيى
الرخاوى: "دراسة فى علم السيكوباثولوجي" (1979) دار الغد للثقافة
والنشر- القاهرة. وليس فقط من حيث إطلاق السلوك المبصوم (لورنز
& تنبرجن).
[23] - يستعمل بعض الزملاء والمترجمين تعبير
"معالجة المعلومات" ترجمة لعملية الـــInformation
processing إلا أن
المؤلف يتحفظ بالاستمرار فى
استعمال "فعلنة" على الرغم من أن "معالجة"
تفيد بعض المعنى وذلك للأسباب التالية: (أ) إن المعالجة تقابل
ما هو Treatment فى حين أن العملية المعنية أكثر تفصيلا وتكثيفا
من ذلك، (ب) إن الفعلنة تفيد التعامل مع المعلومة باعتبارها
مشتركة فى الفعل التنظيمى التركيبى فعلا ظاهرا أو كامنا فى حين
أن المعالجة تفيد ضمنا: استعمال المعلومة سلبا، (جـ) إن المؤلف
يستعمل هذا التعبير فى تنظيره السابق وتغييره مؤخرا قد يخلط
الأمر على متتبع أعماله طوليا. بالرغم
من كل ذلك، فقد اقتنعت مؤخرا بتعبير "اعتمال المعلومات"، فهو يشمل العمل
بشكل فيه زخم التلقائية والتنظيم (إن الكريم وأبيك يعتمل، إن لم يجد يوما على من
يتّكل) ، لكننى أفضل مرحليا أن أواصل
استعمال لفظ فعلنة بجوار الاعتمال.
[24] - يحيى الرخاوى: "إشكالية العلوم
النفسية والنقد الأدبى" ص41 المجلد الرابع، العدد الأول (1983)
مجلة فصول، تمَّ تحديثها فى: "تبادل الأقنعة" هيئة قصور الثقافة 2006.
[25]- يحيى الرخاوى "الوحدة والتعدد فى
الكيان البشرى" ص 19-33، عدد أكتوبر (1981) مجلة الإنسان والتطور.
[26] - يحيى الرخاوى: دليل الطالب الذكى "الجزء
الأول" دار الغد للثقافة والنشر (1982)- القاهرة.
[27] - نفسه، ص217.
[28] - يحيى الرخاوى: "العدوان
والإبداع" ص49-80 المجلد الأول
العدد الثانى (1980) مجلة الإنسان والتطور (الفصل من هذا الكتاب)
وأيضا بالموقع www.rakhawy.org
[29] - يحيى الرخاوى: "رباعيات
ورباعيات" ص45-98 المجلد الثالث- العدد الأول (1982) مجلة الإنسان
والتطور(نشر ضمن سلسلة الأعمال المتكاملة موجود أيضا بموقع المؤلف www.rakhawy.org.
[30] - نفسه،
ص: 52، 53.
[31] - نفسه، ص: 53.
[32] - الفكرة الأساسية فى هذا المنحى ظهرت باكرا
فى: يحيى الرخاوى: "الإيقاع الحيوى ونبض الإبداع" ص67-91 المجلد الخامس، العدد الثانى(1985) مجلة
فصول، ثم تحدثت فى الفصل الأول من هذا الكتاب.
[33] - Circadian
[34] - محمد الزايد (1981): الديالكتيك إجابة
أم إشكالية. الفكر المعاصر.
[35] - يحيى الرخاوى: "مقدمة فى العلاج
الجمعى" ص 176 (1978) دار الغد للثقافة والنشر، القاهرة.
"....وأنا أعترف أن استيعاب الجدل أمر شديد الصعوبة مالم
يمارس فى خبرة ومعايشة، أعترف أننى لم أعرف الجدل بحق إلا حين عشته من احتكاكى بهؤلاء الناس
(المرضي) ونفسى، قبل أن أقرأ عنه".
[36] - يحيى الرخاوى: "مقتطف وموقف" ص
41، المجلد الثالث، العدد الأول (1982) مجلة الإنسان والتطور.